أرشيف الوسم: الدكتور أحمد أديب أحمد

الدكتور أحمد أديب أحمد

السُّؤالُ الثامن والستون حول مكانة سلمان الفارسي

images

السُّؤالُ الثامن والستون: ما هي مكانةُ سلمان الفارسي عند العلويِّين النُّصيريِّينَ؟

الجوابُ الثامن والستون بإذن اللهِ:

سلمانُ الفارسيُّ منذُ ظهرَ في بلادِ فارسَ كان اسمُهُ رَوْزَبَةُ بنُ المَرْزَبَانِ، ومعنى اسمِهِ: خيرُ العَارفينَ.

وقد عاصَرَ من الأنبياءِ والمُرسَلينَ سيِّدَنا المسيحَ ودانيالَ وذا القَرنَين (ع)، وكانَ مع حواريِّي المسيح (ع) يدعو ويبشِّرُ بسيِّدنا محمَّد (ص).

كما عاصرَ من ملوكِ الفرسِ العظماء أزدشير بن بابك الفارسي وسابور، وممَّا رُويَ عنه أنَّهُ دخلَ إلى بيتِ النَّارِ في زمنِ فارسَ، وعندَ دخولِهِ إليها قَرْقَرَتْ كما تُقرقِرُ الدَّجاجةُ، وصاحَ منها صائحٌ: ما لَنَا ولك.َ وَخَمدَتْ، وذَكَرَ المجوسُ أنَّها قامَتْ ثلاثمائةِ سنةٍ خامدة، فتشاءمَ بِهِ أبوهُ وعمُّهُ اللذانِ كانا من سادةِ المجوس وحارباهُ.

وعاصرَ من سادَةِ العربِ لُؤي بن غالب، ومُرَّة وكَلاَّب وقُصَي وعبدُ مُنَاف وهَاشِم وعبدُ المطَّلِب وعبدُ اللهِ، وكان دائمَ التَّبشيرِ بمجيءِ خاتمِ النَّبيِّينَ حتَّى جاءَ رسولُ اللهِ محمَّد (ص) وأطلَقَ عليهِ اسمَ (سلمان)، وحمدَهُ قائلاً: (سلمانُ منَّا أهلُ البيتِ)، فقيل له: أَمِنْ بني هاشم؟ فقال: (نَعم، مِن بني هاشم عَلِمَ عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ).

ويكفيهِ أنَّهُ لم يسجدْ لا لصنمٍ في حياتِه ولا للنَّار بل بقي منتظرًا لبعثِ النَّبيِّ (ص) ما يزيدُ عن أربعةِ قرونٍ، وله حديثٌ طويلٌ في ذلك نقتصرُ فيه على البداياتِ حيث كانَ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وسلمان وأبا ذر وجماعةٌ من قريش مجتمعينَ في مسجدِ رسولِ اللهِ (ص)، فقال أمير المؤمنين: يا سلمانُ ألا تُخبِرُنا عن مبدأ أمرِكَ؟ فقالَ سلمان: واللهِ لو كانَ غيرُكَ سألَني لما أخبَرْتُهُ، يا مولاي أنا رجلٌ كنت من أهلِ شيرازَ من أبناءِ الدَّهاقين، وكنت عزيزًا على والديَّ، فبينما أنا سائرٌ مع أبي في عيدٍ لهم فإذا بصومعةٍ فيها رجلٌ ينادي: (أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وأشهدُ أنَّ عيسى روحُ اللهِ وكلمَتُهُ وأنَّ محمَّدًا حبيبُ اللهِ)، فَوَجَدْتُ حبَّ محمَّدٍ في لحمي ودمي ولم يُهنِّئنِي طعامٌ ولا شرابٌ، فقالت لي أمي: ما لَكَ يا بُنَيَّ لم تسجدْ اليومَ لِمَطلَعِ الشَّمسِ؟ فكابَرْتُها حتَّى سَكَنَتْ، فلما انصرفتُ إلى منزلي وإذا بكتابٍ مُعلَّقٍ في السَّقفِ، فقلتُ لأمي: ما هذا الكتابُ مُعَلَّقٌ في السَّقفِ؟ فقالت لي: يا روزبةُ إنَّ هذا الكتابَ لمَّا رَجعنا من عيدِنا رأيناهُ معلَّقًا فلا تقربْ ذلك المكانَ فإنَّك إنْ قربتَهُ قَتَلَكَ أبوكَ فَجَاهَدْتُها حتَّى جَنَّ الليلُ ونامَ أبي وأمي، فأخذتُ الكتابَ فإذا به: (بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا عهدُ اللهِ إلى آدمَ، إنَّه خالقٌ من صُلبِكَ نبيٌّ يُقال له: “محمد” يأمرُ بمكارمِ الأخلاقِ وينهى عن عبادةِ الأوثانِ، ويا روزبةُ أنت وصيُّ عيسى فآمِنْ واتركْ دينَ المجوسِ)، فَصُعِقْتُ صعقةً ونالَني شدَّةٌ فَعَلِمَ بذلك أبي وأمي، فأخذني أبي في بئرٍ عميقةٍ وقال لي: (إن ما رَجِعْتَ عمَّا أنتَ عليه وإلاَّ قتلناكَ)، فقلت لهم: (افعلوا ما شِئتم فإنَّ حبَّ محمَّدٍ قد تمكَّنَ من قلبي فلا يزولُ منه)، وما كنتُ أعرفُ بالعربيَّةِ قبل قراءتي ذلك الكتابَ، ولقد فهَّمَني اللهُ بالعربيَّةِ من وقتِ قراءَتِهِ، فبقيتُ في البئرِ وجعلوا يناولوني أقراصًا صغارًا في كلِّ يومٍ، فلمَّا طالَ أمري رفعتُ يديَّ إلى السَّماءِ وقلت: (يا رَبُّ أنتَ حبَّبْتَ محمَّدًا ووصيَّهُ إليَّ فَبِحَقِّ محمَّدٍ وسلالَتِهِ عَجِّلْ فَرَجِي ممَّا أنا فيه، فأتاني آتٍ عليه ثيابٌ بيضٌ فقال لي: قُمْ يا رَوزبَةُ، فأخذَ بيدي وأتى إلى الصَّومَعَةِ فجعلتُ أقول: (أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وأنَّ عيسى روحُ اللهِ وأنَّ محمَّدًا حبيبُ اللهِ)، إلى تتمَّةِ الخبرِ والخبرُ طويلٌ.

إنَّ السُّنَّةَ فضَّلوا على سلمان الفارسي كلاًّ من أبا بكرٍ وعمر وعثمانَ و… إلخ فنسَوهُ وترى أكثرَهم لم يسمعوا به، أمَّا الشِّيعةُ فأحبُّوهُ باعتبارِهِ فارسيًّا وذلكَ بسبب نظرتِهم القوميَّةِ واختلاطِ السِّياسةِ بالدِّينِ لديهم، أمَّا عندنا كعلويِّين نُصيريِّين فهناك مكانةٌ خاصَّةٌ لسيِّدنا سلمان الفارسي (ع) تعطيهِ مقامَهُ الخاصَّ والحقيقيِّ لأنَّنا لا نتجاوزُ الحدودَ ولا نقفزُ من النوَّافذِ بل ندخلُ البيوتَ من أبوابِها لقوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السابع والستون حول الاحتفال بالمناسبات الدينية

images

السُّؤالُ السَّابع والسِّتُّون: كيف يحتفلُ العلويون النُّصيريُّون بالمناسباتِ الدينيَّةِ السَّعيدةِ والحزينة؟

الجوابُ السَّابع والسِّتُّون بإذنِ الله:

إنَّ التَّغييبَ الذي ألقى بظلالِهِ على مجتمعنا العلويِّ النُّصيريِّ جعلَهُ عُرضةً للأقاويلِ والشَّائعاتِ من قبلِ المغرضين، حيث نسبوا لنا زورًا ما لا يليقُ بنا من طرقٍ احتفاليَّةٍ غريبةٍ وسلبيَّةٍ قد يمارسُها غيرنا، وقد تكونُ من ابتداعِ الخيالِ الحاقد، لذلكَ كانَ من الطَّبيعي أن يتساءل الكثيرون هذا السُّؤال، وكان لزامًا علينا أن نجيبَ بما فتحَ اللهُ على بصيرتنا من القولِ السَّديد، مع ملاحظة الفوارقِ الكبيرةِ بين ما يقيمُهُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ من موالدِ الإنشادِ ومآتمِ البكاءِ، وبين ما نقيمُهُ نحن من إحياء الأمرِ العظيمِ امتثالاً لقولِ الإمام جعفر الصَّادق (ع) عندما قال: (أحيوا أمرَنا، رَحِمَ اللهُ مَن أحيا أمرَنا)، فقيل: وكيف يُحيَى أمرُكُم؟ قال: (أن تتعلَّمُوا علومَنا وتعلِّموها لمُستحقِّيها، فإنَّ النَّاسَ لو عَلِمُوا محاسنَ كلامِنا لاتَّبعونا).

هكذا نحنُ نُحيي المناسباتِ الدِّينيَّةَ بالصَّلاةِ والتَّذاكرِ بالعلومِ الدِّينيَّةِ لتُقبَلَ أعمالُنا بمقدارِ معارفِنا، ونحنُ في ذلك نمتثلُ لقولِ سيِّدتنا فاطمةَ الزَّهراء (ع): (جعلَ اللهُ معرفَتَهُ تطهيرًا لكم من الشِّركِ، والصَّلاةَ تنزيهًا لكم عن الكِبرِ، والزَّكاةَ تزكيةً للنَّفسِ ونماءً في الرِّزقِ، والصِّيامَ تثبيتًا للإخلاصِ، والحجَّ تشييدًا للدِّين).

فأبناءُ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ السَّائرينَ على الصِّراطِ المستقيمِ لا يتوانَونَ عن حضورِ مجالسِ العلمِ ليتعلَّموا الآدابَ والعلومَ الدِّينيَّةَ وأصولَ الفقهِ إحياءً لأمرِ اللهِ وأنبيائِهِ وأئمَّتِهِ، هذا الأمرِ العظيمِ الذي حَثَّ على طلبِ العلمِ، حتَّى اعتبرَهُ حقًّا مشروعًا لكلِّ مؤمنٍ، وقد قالَ الإمام الصادق (ع): (واللهِ ما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أفضلَ من أداءِ حقِّ المؤمن)، وأولُ حقٍّ للمؤمنِ حثُّهُ على تحصيلِ العلم، واعتبارُهُ فريضةً لازمةً عليه لقولِ رسول الله (ص): (طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلمٍ، ألا إنَّ اللهَ يحبُّ بُغاةَ العلمِ)، والحديثُ هنا ليس فقط محصورًا بالعلومِ الدُّنيويَّةِ، إنَّما هناكَ تركيزٌ على العلومِ الإلهيَّةِ، لِمَا فيها من الشَّرَفِ والعظمةِ والفائدةِ، لذلك قال رسول الله (ص): (اطلبوا العلمَ ولو في الصِّينِ)، وليس الصِّين هنا بلدًا، إنَّما هو رمزٌ للحدِّ الذي يتوقَّفُ عندَهُ علمُ العلماءِ، وهو الغايةُ الكليةُ لِمَن يريدُ بلوغَ المعرفة.

وثاني حقٍّ للمؤمنِ بعدَ دخوله مدينةَ العلم هو حضُّهُ على التَّفقُّهِ في دينِهِ، لقوله تعالى: (لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ)، وقول الإمام الصادق (ع): (إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا فقَّهَهُ في الدِّينِ، ولا خيرَ في مَن لا يتفقَّهُ مِن أتباعِنا)، فالخيرُ هو الثَّوابُ، وهو مرتبطٌ بالفقهِ كما العملُ مرتبطٌ بالعلمِ لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (الحقَّ أقولُ لكم إنَّ الذي يذهبُ لِيُصلِّي بدونِ تدبُّرٍ يَستهزئُ باللهِ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السادس والستون حول التسبيحات الأربعة

images

السُّؤالُ السَّادسُ والسِّتُّون: هل يمكنُ شرحُ معاني التَّسبيحاتِ الأربعةِ عندَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ؟

الجوابُ السَّادسُ والسِّتُّون بإذنِ الله:

منَ الشَّائعِ لدى عامَّةِ المسلمينَ أنَّ ذكرَ اللهِ يتمثَّلُ بهذهِ الصِّيغةِ: (سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلاَّ الله، واللهُ أكبرُ)، وقد أجمعَ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّ ذكرَ الإنسانِ لربِّهِ يكونُ عندما يواجهُ المعاصي، ليجتنِبَها خوفًا من اللهِ، وخشيةً منه، وحبًّا وشكرًا له تعالى، وأنَّ غايةَ الذِّكرِ اللَّفظيِّ هي الانقيادُ والطَّاعةُ، ووردَ في شروحاتِهم أن معنى التَّسبيحاتِ الأربعةِ أن يعيشَ الإنسانُ معنى تسبيحِ اللهِ وتنزيهِهِ عن كلِّ نقصٍ، وأن يعيشَ حمدَ اللهِ وشكرَهُ على كلِّ نعمةٍ، وهذا قصورٌ عن فهمِ التَّسبيحِ والحمدِ والتَّكبيرِ، وهو ناجمٌ عن السَّطحيَّةِ التي تناولَ بها شيوخُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ فهمَ الكلامِ القرآنيِّ.

وقد أسَّسَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) بنيانَ البناءِ التَّوحيديِّ الخالصِ على أسسٍ راسخةٍ تمتدُّ في جذورِها إلى القرآنِ الكريمِ وكلامِ الإمام عليٍّ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، فكانَ لنا نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ منهاجًا توحيديًّا خالصًا من عقائدِ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وكانَ التَّسبيحُ عندنا هو تنزيهُ الباري عن كلِّ نقصانٍ وزيادةٍ وكمالٍ لقولِهِ تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)، وقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً)، لأنَّ النَّقصانَ ضدُّهُ الزِّيادةُ، والكمالَ ضدُّهُ النَّقصُ وهو كما قال جلَّ وعلا: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا)، وقد قال مولانا الإمام عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ، ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، والْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ).

وكلمةُ (سبحان) كلمةُ تنزيهٍ عربيَّةٌ مصدرُها (سَبَحَ) وقد جاءَ بالتَّعريفِ أنَّ معنى (سبحانَ الله) تعظيمُ وتنزيهُ الباري عمَّا قالَ فيه كلُّ مشركٍ، والمشركُ طبعًا هو الذي يغلو في الباري فيصفُهُ بصفاتِ الخلقِ لقولِ الإمام علي الرِّضا (ع): (مَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فهو مُشرِكٌ، ومَن نسَبَ إليه ما نهى عنه فهو كافرٌ)، وهذا يكونُ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، فهيئاتُ الشِّركِ مختلفةٌ وحقيقتَهُ الخفيَّةُ واحدةٌ وهي التي ذكرَها رسولُ اللهِ (ص) بقوله: (الشِّركُ في أمَّتي أَخْفَى مِن دَبيبِ النَّملةِ السَّوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على المسحِ الأسوَدِ).

وكان الحمدُ عندنا لا يقتصر على الشُّكرِ، بل يرتقي لإثباتِ الوجودِ الإلهيِّ المُنعِمِ علينا بمعرفةِ إشراقِ وجودِهِ وآياتِهِ البيِّناتِ، وأنَّ كلَّ ذلكَ للهِ جلَّ جلالُهُ لقوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، فالملحدونَ بالأسماءِ هم المنكرونَ لها المتوجِّهونَ إلى عبادةِ الوهمِ والعدمِ، فهم بذلكَ لا يعرفونَ معنى الحمدِ وإن ذكروهُ بألسنتِهم.

وكانَ التَّوحيد في قولنا: (لا إلهَ إلاَّ الله) هو نفي تعدُّدِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ وإنْ تعدَّدت الآياتُ والآلاءُ، فلو كانتِ الآياتُ هي الذَّاتُ حقيقةً وشكلاً لكانتِ الآياتُ آلهةً مع الإلهِ وهذا لا يجوزُ لقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وقد وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق شرحُ العبارةِ بقوله: (كلمةٌ أوَّلها كفرٌ وآخرها إيمانٌ، فلو قال: “لا إله” وسكتَ، لكانَ كفرَ).

ويأتي القولُ: (اللهُ أكبرُ)، ليسَ كما درجَ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّهُ أكبرُ من كلِّ شيءٍ، بل إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يتلمَّسُ في جماليَّتِها ما وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق (ع) حين جاءَهُ رجلٌ قائلاً: الله أكبر. فسألَهُ (ع): مِن أيِّ شيءٍ؟ فقالَ الرَّجلُ: من كلِّ شيءٍ. فقالَ (ع): لقد حدَّدْتَهُ. فقالَ الرَّجلُ: ما أقولُ يا مولاي؟ فقال (ع): (قل: اللهُ أكبرُ من أن يُوصَفَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس والستون حول ميلاد المسيح

images

السُّؤال الخامس والسِّتُّون: هل ينظرُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لميلادِ السَّيِّدِ المسيحِ (ع) كما تنظرُ إليهِ المذاهبُ الأخرى؟ أم كما ينظرُ إليهِ المسيحيُّونَ أنفسُهم؟

 

الجوابُ الخامسُ والسِّتُّونَ بإذنِ اللهِ:

لابدَّ في البدايةِ من الإشارةِ إلى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) سُمِّيَ مسيحًا كما وردَ عن الموالي (ع) لأنَّ في كلِّ شيءٍ منه مسحةً، وليسَ فيه مسحةً من غيرِهِ، وقيلَ أنَّهُ سُمِّيَ مسيحًا لأنَّه كان يمسحُ كلَّ ذي عاهةٍ بيدِهِ فيبرأَ، وقيلَ أنَّهُ كان ممسوحًا ليسَ لهُ ما للرِّجالِ ولا ما للنِّساءِ، لأنَّهُ لاهوتٌ ماثلَ النَّاسوتيِّين كأمثالِهم ليفهموا عنه، وكلُّ ذلكَ لإثباتِ الحجَّةِ عليهم، فقد مَسَحَ العالمَ بأسماءٍ وهيئاتٍ ومسحَ نفسَهُ باسمٍ وهيئةٍ لتَقْرُبَ الصُّورَةُ من الصُّورةِ فلذلك سُمِّيَ مسيحًا.

نحن العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لا نجسِّدُ سيِّدنا المسيح (ع) بشرًا فنوقعُ عليه الولادةَ البشريَّةَ كما تفعلُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ، بل نرفعُهُ كما أمرنا (ع) بقوله: (مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي). كذلك لا نجسِّدُ الإلهَ الآبَ فنساويهِ بالمألوهِ الابنِ كما يفعلُ النَّصارى، بل ندركُ منزلةَ الابنِ الأعظم من بارئِهِ الآبِ الوهَّابِ، وما خَصَّهُ به من قدرتِهِ لقوله (ع): (الحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ، إِنْ عَلِمْتُمْ هَذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ).

إنَّ الابنَ في نهجنا العلويِّ النُّصيريِّ غيرُ الآبِ، كما أنَّ الرَّسولَ غيرُ المرسِلِ، فالابنُ ليسَ هو الآبُ بذاتِهِ، بل إنَّ الابنَ له آبٌ أوجدَهُ ومُرسِلٌ أرسلَهُ ومكوِّنٌ كوَّنَهُ، وهذا يعني أنَّ الابنَ ليسَ هو الإلهُ المعبودُ، بل هو عبدُهُ ونبيُّهُ ورسولُهُ الذي أرسلَهُ بالهدى ودينِ الحقِّ إلى أهلِ الحقِّ والجحودِ لقوله (ع): (الكلامُ الذي تسمعونَهُ ليسَ لي بل للآبِ الذي أرسلَني).

ولطالَما صرَّح سيِّدنا المسيحُ (ع) وشَهِدَ أنَّهُ رسولُهُ وعبدُهُ المُفتَقِرُ إليهِ، وأنَّه إلهُهُ الذي يدعوهُ وَيَتضرَّعُ إليهِ ويُناجيهِ لِكَشفِ ضُرِّهِ، وينتصرُ به على أعدائِهِ في مَلمَّاتِهِ، كما في قوله تعالى على لسان المسيح: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)، وقوله عزَّ وجلَّ: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)، وكذلك ما جاء في الإنجيلِ على لسانِ سيِّدنا المسيح (ع): (الذي يؤمنُ بي ليسَ يؤمنُ بي بلْ بالذي أرسلَني).

وقد أوضحَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) خطأ مَن اعتقدَ أنَّ الابنَ إلهٌ كالآبِ، علمًا أنَّ المشبِّهينَ اعتقدوا بذلك تقليدًا ولم يتفقَّهُوا فيهِ من أهلِ العلمِ، فمَن زعمَ أنَّ الابنَ والآبَ جوهرٌ واحدٌ وقالَ بإلهينِ اثنينِ، فقد جعلَهُما قديمينِ وهذا ممَّا لا تقبلُهُ العقولُ، لقوله تعالى: (وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ)، فمنَ الشِّركِ أن يُساوى الابنُ بالآبِ، والعبدُ بالمولى، والمألوهُ بالإلهِ، وهذا ما نهى عنه تعالى بقوله: (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)، حتى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) أشارَ لذلكَ قائلاً: (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ)، فمَن لم يُخلِّصِ الابنَ من الآبِ لم يعبدْ شيئًا.

كما جاءَ في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ) نهيٌ للمؤمنينَ أن يُساووا بين الابنِ والآبِ، وهو الغلوُّ في الابنِ لأنَّه قد اشتبَهَ على المشبِّهين قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (كلُّ مَن رَآني فقد رَأى اللهَ)، لذلك قال عزَّ وجلَّ: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)؛ أي كفرَ من قالَ إنَّ الآبَ هو الابنُ، وهذا ليسَ إسقاطًا لمنزلةِ الابنِ لقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) أن تجعلوهُ مخلوقًا يجري عليه ما يجري على المخلوقين، لذلك لا نقولُ إنَّ الابنَ مخلوقٌ إجلالاً وإعظاماً، ولكنْ نقول إنَّ الآبَ فوقَهُ، وهو معنى قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أنا والأبُ واحدٌ… وهو أعظمُ من الكلِّ).

فالآبُ أحدٌ فوقَ كل شيءٍ ولا شيءَ معه، أبدعَ الابنَ وهو المسيحُ (ع) عبدُهُ القائمُ بقسطِهِ، وأجرى على يدِهِ الخلقَ والرِّزقَ والحياةَ لقوله تعالى على لسانه: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

ولابدَّ للمؤمنِ أن يعرفَ أنَّ طريقَ الوصولِ للمسيحِ (ع) لا يكونُ إلاَّ من خلال روحِ القُدُسِ الذي خاطبَ مريمَ العذراءَ وبشَّرَها كما جاءَ في الآيةِ: (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، وكذلك جاءَ في الإنجيل الخطابُ لها: (اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ) وهذا دليلٌ على أنَّ معرفةَ الابنِ لا يُدخَلُ إليها إلاَّ من معرفةِ روحِ القُدُسِ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ)، فالأجلانِ في التأويلِ هما روحُ القُدُسُ والابنُ، ومثالُهُما تبشيرُ سيِّدنا يوحنَّا المعمدان بظهورِ المخلِّصِ سيِّدنا المسيح (ع)، فإذا قُضِيَ هذان الأجلانِ فلا عدوانَ: أي ليس فوقَهُما إلاَّ الآبُ، وهو الغايةُ لمن أرادَ النَّجاةَ.

ومَن أرادَ النَّجاةَ تمسَّكَ بالعروةِ الوثقى التي هي ولايةُ الوصيِّ، ومن تخلَّفَ عن هذه الولايةِ كانَ من أهلِ الباطلِ لقولِ الإمامِ جعفر الصادق (ع): (لقد ارتقيتُم إلى درجةٍ ما فوقَها مرقاةٌ، ما بعدَ معرفةِ اللهِ ورسولِهِ إلاَّ الباطلُ فماذا تطلبونَ؟)، دليلاً على أنَّ جميعَ الأنبياءِ أشاروا إلى الأوصياءِ، فسيِّدنا عيسى اعترفَ لوصيِّهِ شمعون الصَّفا وهو المكنَّى (بطرس) بقوله: (أنتَ صَخْرَتي وعليكَ أَبنِي كَنيسَتِي)، فأقرَّ أنَّه الملتجأُ إليهِ والموثوقُ بِهِ، كما سيِّدُنا محمَّد (ص) أشارَ إلى وصيِّهِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، وأعلنَ وصرَّحَ بأنَّهُ الوليُّ بقوله: (أينَ مُنجِزُ وعدي؟ أينَ قاضي ديني؟ أين مُفَرِّجُ الهمِّ عني؟ أين عليٌّ وصيِّي؟)، فنسألُ الله أن يثبِّتنا على هذه الولايةِ ويجعلنا من السَّالكين على سبيل النَّجاةِ إلى أبدِ الآبدين.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الرابع والستون حول النَّبيِّ الأمِّيِّ

images

السُّؤالُ الرَّابعُ والسِّتُّون: ما هو المقصودُ بالنَّبيِّ الأمِّيِّ؟ وهل يُعقَلُ أن يكونَ النَّبيُّ أمِّيًّا جاهلاً؟

 

الجوابُ الرَّابعُ والسِّتُّون بإذنِ اللهِ:

مِن أسوأ الشُّبهاتِ التي حاولتِ النَّيلَ من سيِّدنا محمَّد (ص) إجماعُ شيوخِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ على أنَّهُ كانَ أمِّيًّا لا يعرفُ القراءةَ والكتابةَ.

والأغربُ من ذلكَ أنَّ كبارَ شيوخِ الشِّيعةِ وافقوا هذا الرأيَ الغريبَ، فمنهم الشَّريفُ المرتضى في رسائلِهِ حين سُئِل عما يجبُ اعتقادُهُ في النَّبيِّ (ص): هل كان يحسنُ الكتابةَ وقراءةَ الكتبِ أو لا؟ فأجاب: (بأنَّ كِلا الأمرينِ محتملانِ من دونِ القطعِ بأحدهما)!! وكذلكَ شيخُ الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ الطُّوسي الذي قال: (فأمَّا قولُهم: إنَّه يجبُ أن يكونَ عالمًا بسائرِ المعلوماتِ وبالغيبِ، فلا شبهةَ في بطلانِهِ، لأنَّ من المعلومِ أنَّ جميعَ ذلك لا تعلُّقَ له ببابِ الدِّينِ)!!! وكذلك شيخهم المفيدُ القائلُ في السِّياقِ نفسِهِ: (وليسَ من شرطِ الأنبياءِ أن يحيطوا بكلِّ علمٍ، ولا أن يَقفوا على باطنِ كلِّ ظاهرٍ، وقد كان نبيُّنا محمَّد أفضلَ النَّبيِّينَ وأعلمَ المرسَلينَ أمِّيًّا بنَصِّ التَّنزيلِ، وكان يَسألُ عن الأخبارِ ويَخفى عليهِ منها ما لم يَأتِ به إليهِ صادقٌ من النَّاس)!! وكذلك من المتأخِّرينَ محسن الأمين بقوله: (أمَّا ما ذكرَهُ الشَّيخُ المفيدُ من أنَّ الإمامَ لا يعلمُ جميعَ ما يكونُ إلاَّ في الأحكامِ، فهو الحقُّ الذي لا شُبهةَ فيه، وكذلكَ النَّبي، إذ لم يَدلَّ على ذلك دليلٌ من عقلٍ ولا نقلٍ، وإنَّما قام الدَّليلُ على عدمِ جوازِ جهلِ النَّبيِّ أو الإمامِ شيئًا من الأحكامِ عند حاجةِ العبادِ إليهِ، ولا يجبُ أن يعلمَ النَّبيُّ الأحكامَ كلَّها قبلَ الحاجةِ إليها)!!

أيُّ إجحافٍ وأيَّةُ شبهةٍ أجمعَ عليها شيوخُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ بفهمِهم القاصرِ لصفةِ الأمِّيّ الواردةِ في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، وقوله سبحانه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)!؟

وهل لجاهلٍ لا يعرفُ القراءةَ والكتابةَ وأصولَ النَّحوِ والبلاغةِ أن يأمرَ بالمعروفِ وينهى عن المنكرِ ويحلَّ الحلالَ ويحرِّمَ الحرامَ؟ وهل حضَّ جاهلٌ على وجهِ الأرضِ أتباعَهُ على طلبِ العلمِ والمعرفةِ كما حضَّ النَّبيُّ (ص): (طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ)، وقوله: (اطلبوا العلمَ ولو في الصِّين)؟ وكيفَ لجاهلٍ لا يعرفُ أصولَ الكلامِ أن يقرأ القرآنَ بدونِ لحنٍ فيه وقد نَبَّهَ تعالى من هؤلاء بقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)؟ وكيفَ لجاهلٍ لا يعرفُ القراءةَ والكتابةَ أن يدقِّقَ ما يجمعُهُ حَفَظَةُ القرآنِ وكُتَّابُ الوحي الذينَ أمرَهم بجمعِهِ وحفظِهِ؟

لقد تصدَّى سادةُ العلويَّةِ النُّصيريَّة وعلى رأسِهم سيِّدنا محمدُ بن نُصَيرٍ (ع) لهؤلاءِ الجُهَّالِ الذينَ يسيئونَ للنَّبيِّ الأعظمِ (ص) حين أوضحوا أنَّ صفةَ الأمِّيِّ لا تعني الجهلَ بالقراءةِ والكتابةِ عدا عن الإحاطة بعلمِ كلِّ شيءٍ، بل هي صفةُ المُماثَلَةِ والانتماءِ الاجتماعيِّ للقومِ الأمِّيِّينَ الذينَ أرسلَ لهم بدليلِ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، ومن غيرِ المعقولِ أن أهلَ مكَّةَ كانوا جميعًا لا يعرفونَ القراءةَ والكتابةَ، بل إنَّهم لُقِّبوا بالأمِّيِّينَ لأنَّهم أهلُ مكَّةَ، ومكَّةُ أمُّ القرى، فلُقِّبوا بالأمِّيِّين نسبةً لذلك، وكانت صفتُهُ الأمِّيُّ؛ أي أنَّهُ مَكِّيُّ الانتماءِ، وهو الذي أمَّ البشرَ جميعًا كما أمَّتْ مكَّةُ الأماكنَ جميعًا، والتي كانت تُدعى بالقرى، وقد جاءَ ليُذِرَ الأمِّيِّينَ في أمِّ القرى ثمَّ ينشرَ رسالةَ الإسلامِ في بقاعِ الأرضِ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد