أرشيف الوسم: الدكتور أحمد أديب أحمد

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس والسبعون حول توريث الخطيئة

 

images

السُّؤال الخامسُ والسَّبعون: لولا أنَّ آدمَ أخطأَ وزَلَّ في الجنَّةِ، هل كنَّا خرجنا من الجنَّةِ وهبطنا على الأرضِ؟

 

الجوابُ الخامسُ والسَّبعون بإذنِ الله:

يقول تعالى: (مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).

هذا يعني أنَّ الهدايةَ والضَّلالةَ نابعةٌ من نفسِ الإنسانِ، وليست ميراثًا عن الآباءِ والأجدادِ، فكيف تكونُ ميراثًا عن الأنبياءِ الذين لا يُخطئون، ولو كان ميراثُنا عن الأنبياءِ لَمَا كنَّا قد هَبَطْنا من الجنَّةِ أصلاً.

قد يزعمُ قائلٌ أنَّ اللهَ أخذَ الميثاقَ من سيِّدنا آدمَ (ع) نيابةً عن ذرِّيَّتِهِ مُستَشهدًا بالآيةِ الكريمةِ: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، علمًا أنَّنا أوردنا شرحًا وافيًا حولها في الجوابِ الثَّامنِ والثَّلاثين.

ويزعمُ آخرُ أنَّ النَّبيَّ محمَّد (ص) يشيرُ إلى توريثِ الخطيئةِ بقوله: (نَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وأخطأَ فأًخطأتْ ذُرِّيَّتُهُ)!!!

بالتَّدقيقِ في الآيةِ الكريمةِ نجدُ أنَّ اللهَ تعالى لم يقلُ أنَّ الميثاقَ أُخِذَ من سيِّدنا آدمَ (ع) بالنِّيابةِ عن ذُرِّيَّتِهِ، بلْ إنَّ الذُّرِّيَّةَ كانت موجودةً بالفعلِ وتمَّ إشهادُها على أنفسِها، وهو ما أكدَّهُ سيِّدنا رسولُ اللهِ (ص) حين قال: (يُقَال لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْل النَّار يَوْم الْقِيَامَة: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك مَا عَلَى الْأَرْض مِنْ شَيْء أَكُنْت مُفْتَدِيًا بِهِ؟ قَالَ: “فَيَقُول: نَعَمْ”، فيُقالُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْك أَهْوَن مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِك بِي شَيْئًا فَأَبَيْت إِلَّا أَنْ تُشْرِك بِي).

فالخطيئةُ والجحودُ إذن لا يُورَّثانِ، لكنَّ النَّاسَ يَنسونَ ويَجحدونَ ويُخطِئُونَ لأنَّهم ضعفاءُ كما قالَ تعالى: (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)، وكلُّ إنسانٍ يَتَحمَّلُ خَطأَهُ بنفسِهِ لقوله تعالى: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، وقوله سُبحانه: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، وقوله عزَّ عِزُّهُ: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ).

ومِن الواجبِ ذكرُهُ أنَّ سيِّدنا آدمَ (ع) لم يَخرجْ من الجنَّةِ بسبب الزَّلَّةِ والخطيئةِ، وهو ما شرحناه في الجوابِ الخامسِ عشر، بل لتأديةِ الرِّسالةِ لقولِ الرُّوحِ القُدُسِ ليوسف بن داؤد في الرُّؤيا التي شاهدها لتبرئةِ مريم العذراءَ (ع): (فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ)، وكذلكَ لِتَتمَّ بذلكَ الدَّعوةُ للإيمانِ لكلٍّ من الإنسِ والجِنِّ، لقولِهِ سبحانَهُ: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الرابع والسبعون حول أزواج الأنبياء وارتكاب الفاحشة

images

السُّؤال الرَّابعُ والسَّبعون: هل يمكنُ القول: إنَّ عائشة زوجةَ النَّبي (ص) ارتكبَتِ الفاحشةَ كأزواج الأنبياءِ السَّابقين؟

 

الجوابُ الرَّابعُ والسَّبعون بإذنِ الله:

منَ المهمِّ جدًّا أن نؤكِّدَ أنَّنا كعلويِّين لسنا بسبَّابين ولا شتَّامين فيما يخصُّ المخالفين للهِ ورسولِهِ، لأنَّ السَّبَّ والشَّتمَ للمخالفينَ يقابلُهُ سَبٌّ وشتمٌ لأئمَّتِنا وهو خطأٌ لا نَرضى الوقوعَ بهِ كما وقعَ بهِ الشِّيعةُ في مواجهاتِهم العلنيَّةِ مع السُّنَّةِ على شاشاتِ التَّلفزةِ ومواقعِ التَّواصلِ الاجتماعي و….، وذلكَ امتثالاً منَّا لقولِ الإمام جعفر الصَّادق (ع): (لا تَسُبُّوا طَواغِيتَهم فَيَسُبُّوا أئِمَّتَكُم بغيرِ علمٍ)، وقولِ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (إنِّي أكرهُ لكم أن تكونوا سبَّابينَ، ولكنَّكم لو وصفتُم أعمالَهم وذكرتُم حالَهم لَكانَ أصوبَ)، لذلكَ يمكنُنا أن نوصِّفَ ما فعلَهُ الأشخاصُ في التَّاريخ، ونبتعدُ عن السَّبِّ والشَّتمِ لأنَّهُ ليس من أخلاقِ العلويِّ الحقيقيِّ.

ومن ذلكَ ما نصفُ بهِ أفعالَ أبي بكر عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب بخصوصِ جَهلهم في أمورِ الدِّينِ،و تخلُّفِهم عن جيش أسامة، واغتصابِ الخلافةِ متناسينَ قولَ رسولِ اللهِ (ص): (إنَّ هذا وَصيِّي وخَليفتي مِن بَعدي فاسمَعوا لَهُ وأطيعوهُ)، ومنعِ فاطمةَ الزَّهراء (ع) حقَّها في أرضِ فَدْك، وهجومِهما لإحراقِ بيتِ فاطمة متناسينَ قولَ رسول اللهِ (ص): (رِضَى فاطمةَ مِن رِضَاي وسُخطُ فاطمةَ من سُخْطِي، فَمَن أرضَى فاطمةَ فقد أرضانِي ومن أسخطَ فاطمةَ فقد أسخَطَنِي).

وكذلك أفعال عائشة بنت أبي بكر ومخالفتِها لرسولِ اللهِ (ص) وخروجِها لمحاربةِ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في واقعةِ الجملِ التي تُعتبرُ أكبرَ مخالفةٍ اقترفَتْها عائشة متناسيةً قولَ رسولِ الله (ص): (يا عليُّ، حَربُكَ حَربي وسِلْمُكَ سِلمِي)، وهي الفاحشةُ التي حذَّرَها الرَّسولُ من الوقوعِ فيها في قوله تعالى: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)، وليسَ المقصود فاحشةً أخلاقيَّةً معاذَ الله، وذلكَ كرامةً لرسولِ الله (ص)، علمًا أن طلحةَ حاولَ التَّطاولَ على حُرمةِ النَّبيِّ (ص) ولكنْ هيهات، حيث ذكرَ بعضُ المؤرِّخينَ أنَّ طلحةَ قالَ: (لَئِنْ مَاتَ محمَّد لَنَنْكِحَنَّ أزواجَهُ مِن بَعدِهِ- أو لَأَتَزَوَّجَنَّ عائشةَ) فَتَأذَّى رسولُ اللهِ (ص) من كلامِ طلحةَ وأنزلَ اللهُ قولَهُ: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً).

وفي نفس السِّياقِ يمكننا أن نؤكِّدَ على ذلكَ من خلالِ أمثلةٍ مع باقي الأنبياءِ كالشُّبهة الواردةِ في تفسيرِ قوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، حيث زَعَموا أنَّ ذلكَ إشارةٌ إلى ارتكابِ زوجةِ نوحٍ الفاحشةَ الأخلاقيَّةَ، وأنَّ ذلكَ الولدَ الغارقَ هو ابنٌ غيرُ شرعيٍّ لها، ولتمريرِ هذا البهتانِ اسْتَدَلُّوا بغيرِ دليلٍ وهو قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ).

 

والرَّدُّ عليهم في قولِ ابْنِ عَبَّاس: (مَا زَنَتْ اِمْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، أمَّا قَوْله: “إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلك”؛ أَيْ الذِينَ وَعَدْتُك نَجَاتهمْ)، كما كان ابنُ عبَّاس يقول: (مَن قالَ أنَّه ليسَ ابنَ نوحٍ فقد كَذَّبَ بالقرآنِ، ألم تَقْرَؤُوا قولَهُ تعالى: وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ).

وأمَّا نسبةُ الخيانةِ وارتكابِ الفاحشةِ إلى امرأتَي نوحٍ ولوطٍ، وكذلك نساء النَّبيِّ اللاتي خالَفْنَهُ كعائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر، فالمرادُ بها الخيانةُ في الإيمانِ لا في العِرْضِ، لأنهنَّ خالفنَ أوامرَ اللهِ وأنبيائهِ فاستحقَّتْ كلٌّ منهنَّ العذابَ ضعفَين، والدَّليلُ قوله تعالى: (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

ولابدَّ في الختامِ أن نؤكِّدَ أن المؤمنَ لا يُبتلى بالزَّواجِ من امرأةٍ عاهرةٍ تفعلُ الفاحشةَ الأخلاقيَّةَ كرامةً له وصيانةً له من الذُّلِّ والهوان.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثالث والسبعون حول أذية الأنبياء

images

السُّؤال الثَّالثُ والسَّبعون: كيف يمكن أن نفسِّرَ تعرُّضَ الأنبياءِ لأذَى أقوامِهم وهم مَعصومون؟

 

الجوابُ الثَّالثُ والسَّبعون بإذنِ الله:

إن أحدَ أهمِّ اختلافاتِنا العقائديَّةِ مع السُّنَّةِ والشِّيعةِ هو مفهومُ العصمةِ، والدَّرجةُ الرَّفيعةُ التي نصلُ إليها بعيدًا عن بَخْسِ الأنبياءِ حقَّهم في العصمةِ التَّكوينيَّةِ. وجوابًا على هذا السُّؤالِ سأوردُ بعضَ الأمثلةِ:

في قصَّةِ سيِّدنا موسى الكليمِ (ع)، وردَ أنَّ سيِّدنا موسى (ع) كانَ شديدَ الحَياءِ حتَّى لا يَكادَ يُرَى من جِلدِهِ شيءٌ، فَتَكلَّمَ بعضُ المُغرضين من بني إسرائيلَ في حقِّهِ بالبُهتانِ، وفَسَّرُوا حَيَاءَهُ أنَّهُ استِتَارٌ عن مَرَضٍ فيه (بَرَصٍ أو آفةٍ)، فَظَلَّ يَحتَمِلُ الأذى وهو صابرٌ يَدعوهم كما وردَ في الآيةِ: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ).

وقد كان بنو إسرائيلَ شعبًا قُسَاةَ القلوبِ لا يؤمنونَ إلاَّ بما يُعَاينونَ، فَهُم قَومٌ مَادِّيُّونَ يُثبِتونَ أنَّ اللهَ تَعالى أوجَدَ الأشياءَ من شَيءٍ، فَلَولا أنَّهُ شَيءٌ لَمَا استَطاعَ إيجادَ الأشياءِ أبَدًا!!

كيفَ لا وهم الذين رَأَوا الآياتِ العظمى من الحَيَّةِ والبَياضِ وانفلاقِ البحرِ لهم ثمَّ ابْتُلُوا باتِّخاذِهم العجلَ لقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاء مُّبِينٌ)!! ولم يَأخذوا بأمرِ اللهِ بل وَصَلَتْ قَسوَتُهم أن عَلَّقُوا إيمانَهم باللهِ على شرطِ أن يَرَوهُ جَهرَةً فأخَذْتُهُم الصَّاعقةُ وهم يَنظرونَ!

ولم يكتفوا بأذيَّةِ سيِّدنا موسى (ع) بل تابعوا أذيَّتَهم لسيِّدنا المسيح (ع) الذي وبَّخَهم قائلاً: (إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ).

ولكنَّ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا)، إن دَلَّ فإنَّما يَدُلُّ على أنَّ اللهَ تعالى يَعصِمُ أنبياءَهُ وَيُبَرِّئُهُم ممَّا يَفتريهِ عليهم السُّفهاءُ.

 

ولا نَنسى كيفَ أعطى سبحانَهُ القدوةَ للبشريَّةِ في صبرِ سيِّدنا أيُّوب (ع) في قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ).

كما كان بلاءُ سيِّدنا يعقوب (ع) أسوةً وعبرةً للصَّابرينَ بعدَما فَقَدَ أحبَّ أبنائِهِ واحدًا تِلوَ الآخرِ، فَصَبَرَ ولم يَيْأَسْ من رَوحِ اللهِ، ولم يَقُلْ إلاَّ ما يُرضي اللهَ، بل زَادَ تَضَرُّعُهُ إلى رَبِّهِ ورجاءُهُ إيَّاهُ كما وردَ في الآيةِ: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وقد أظهرَ سيِّدُنا يعقوب (ع) العَمَى لِشِدَّةِ بكائِهِ على فراقِهِ لمولانا يوسف (ع) في قوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ثم أظهرَ الإبصارَ حينَ أرسلَ له مولانا يوسف (ع) قميصَهُ لقوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا).

فاختفاءُ مولانا يوسف (ع) عن ناظرِ سيِّدنا يعقوب (ع) عُبِّرَ عنه بالعَمَى، أمَّا القميصُ فكانَ مثالَ التَّجلي الذي إذا أُلقِيَ على وَجْهِ سيِّدنا يعقوب (ع) أصبحَ مُبصِرًا، فالعَمَى والإبصارُ صِفَتَانِ لسيِّدنا يعقوب (ع)، أمَّا المُسَبِّبُ لهذا العَمَى والإبصارِ فهو مولانا يوسف (ع).

ومِثلُ هذا البلاءِ لنبيِّ اللهِ يعقوب (ع) بمشيئةِ اللهِ ليسَ ذنبًا أو عقوبةً أو انتقاصًا، بل عِبرَةٌ وآيةٌ للمتوسِّمينَ لقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ).

 

ونذكرُ في قصَّةِ سيِّدنا يونس (ع) قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فهل يَعصي سيِّدنا يونس (ع) أمرَ رَبِّهِ؟ وكيفَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ القادرَ على كلِّ شيءٍ لن يَقدرَ عليهِ؟

إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يؤكِّدُ أنَّ سيِّدنا يونسَ (ع) لم يُغاضِبْ رَبَّهُ، إذْ لم يَقُلْ تَعَالى أنَّه ذَهَبَ مُغاضِبًا رَبَّهُ، فَمَن زادَ هذهِ الزِّيادةَ كانَ يكذبُ على اللهِ ويزيدُ في القرآنِ ما ليسَ منهُ، وهذا ما لا يَجوزُ لأنَّه غَاضَبَ قومَهُ، وإنَّ سيِّدنا يونس (ع) لم يَقصدْ بذلكَ إلاَّ رِضَى اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذا هو المعنى الصَّحيح، والذي يَتَّضِحُ جَلِيًّا بِفَهمِ قوله تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) حيث جاءَ رجلٌ فسألَ ابنَ عبَّاس: كيفَ يَظُنُّ نبيُّ اللهِ يونسَ أنَّ اللهَ لن يَقدِرَ عليه؟ فقالَ ابنُ عباس: ليسَ هذا، ألمْ تقرأ قولَ اللهِ تعالى: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)، وهذا يعني أنَّ كلمةَ (نَقدِرَ عليه) لا تُشيرُ إلى معنى الاستطاعةِ، وإنَّما تُشيرُ إلى مَعنى التَّضييقِ، فسيِّدنا يونس (ع) لَمَّا دَعَا قَومَهُ للتَّوحيدِ ونَفَروا منهُ وأذوهُ، تَرَكَهم غَضَبًا للهِ ولم يظنَّ أنَّ اللهَ يحاسِبُهُ ويُضَيِّقُ عليهِ، وقد نَبَّهَ رسولُ اللهِ (ص) إلى هذا الأمرِ وحَذَّرَ مِن أن يُسِيءَ إنسانٌ الظَّنَّ بنبيِّ اللهِ يونسَ (ع) فقالَ (ص): (‏لا يَقولَنَّ أحدُكُم أنَّني خيرٌ من ‏يونسَ)، وهذا من تعظيمِ رسولِ اللهِ (ص) لشأنِ الأنبياءِ ودفاعِهِ عنهم.

وقد تَضَرَّعَ (ع) إلى رَبِّهِ مُنيبًا فقال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فاستجابَ لَهُ رَبُّهُ تعالى وجَعَلَ دُعاءَهُ هذا مأثورًا لِرَفعِ الكَربِ إلى يومِ القيامةِ.

كلُّ هذهِ المواقفِ تُعتَبرُ بَيِّنَةً على براءةِ الأنبياءِ (ع) وَجَاهِهِم وسَلامَتِهِم، لا نَيْلاً من عِصمَتِهِم، عليهم جميعًا الصَّلاةُ والسَّلام.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثاني والسبعون حول آدم الذي سجدت له الملائكة

images

السُّؤال الثَّاني والسَّبعون: هل كانَ آدمُ الذي سَجَدَتْ له الملائكةُ هو أبو البشر؟

 

الجواب الثَّاني والسَّبعون بإذن الله:

ما يَهمُّنا في قصَّةِ سيِّدنا آدم (ع) تلكَ المعاني العظيمةَ التي أرادَ اللهُ الإشارةَ إلى توحيدِهِ من خلالِها، إذْ قالَ تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ).

لقد تمَّ الخلقُ ثمَّ تمَّ التَّصويرُ، ومن ثمَّ أُمِرَ الملائكةُ بالسُّجودِ، فَلِمَنْ يَرمزُ اللهُ بآدمَ؟ أهو بَشَرٌ أم نَبِيٌّ؟ أم هو رمزٌ آخرُ أَجَلُّ وأعلى؟ هل كانَ آدمُ قبلَ الخلقِ موجودًا أم بَعْدَهُ؟ هل كانَ قبلَ الملائكةِ؟

إذا دقَّقنا في آياتِ القرآنِ الكريم التي رَوَتْ قصَّةِ البَدءِ، نلاحظُ أنه لا يوجدُ ترتيبٌ زمنيٌّ بين سيِّدنا آدم (ع) والملائكةِ، فدائمًا تبدأُ الآياتُ بقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، ولكنَّ الآياتِ التي تناولتِ التَّرتيبَ الزَّمنيَّ للخلقِ لم تَذكر اسمَ آدمَ صَراحةٌ، حيث قال تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ)، وقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، ولم ُيذكر هنا الاسمَ الصريحَ لسيِّدنا آدم (ع)، فلماذا كانَ ذلك؟

لاحظوا أنَّ إبليسَ لعنَهُ اللهُ كانَ دائمًا مع الملائكةِ، ولم يكنْ منهم، ولكنَّه كانَ معهم لِيَتَحقَّقَ وجودُ الضِّدَّين: الخيرُ والشَّرُّ، الطَّيِّبُ والخبيثُ، المؤمنُ والكافرُ، المُوحِّدُ والمُشرِكُ….

ولا يمكنُ أن يوجدَ الشَّرُّ من الخيرِ، ولكنَّه يوجدُ معه لِيَتَبيَّنَ الخيرُ من الشَّرِّ، ولا يمكنُ أن يكونَ المشركُ من المُوَحِّدينَ، بل مَعَهُم، أي أنَّهُ يُوجَدُ ليُعرَفَ الموحِّدُ من المشركِ، والمُحِقُّ من المُبطِلِ، وأساسُ هذه المعرفةِ وهذا التَّمييزِ كانَ وجود سيِّدنا آدم (ع)، وسيِّدُنا آدم (ع) مَثَلُ الحَقِّ الذي أُمِرَ الجميعُ بطاعتِهِ، وبما أنَّ الحقَّ ليسَ له بدايةٌ ولا نهاية، فسيِّدُنا آدم (ع) لم يُذكَرْ له بَدءٌ ولا خَلقٌ، فكانَ القولُ الإلهيُّ يوحي دائمًا بأنَّه موجودٌ، لم يُحدِّدْ زمنَ وجودِهِ، أو متَى كانَ وجودُهُ، أو أينَ كانَ وجودُهُ، في السَّماءِ أم في الأرضِ، بل اكتفى بالإشارةِ إلى الأمرِ الإلهيِّ بالسُّجودِ.

 

أخي السَّائل:

سيِّدُنا آدم (ع) لا يدخلُ في النَّصِّ القرآنيِّ في عدادِ المخلوقاتِ، وهنا قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، فالخلقُ من جهةِ الخالقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالنَّفسِ، أي بجوهرِ المخلوقِ، سواءَ كانَ بشرًا أو ملاكًا، أمَّا التَّصويرُ فهو من جهةِ المخلوقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالجسمِ، أي بالأعراضِ والأسماءِ والصِّفاتِ، فهل جسمُ الإنسانِ موجودٌ قبلَ نفسِهِ أم العكسُ؟ وهل هيكلُ الملاكِ موجودٌ قبلَ جوهرِهِ أم العكسُ؟ فالنَّفسُ قبلَ الجسمِ، والجوهرُ قبلَ العَرَضِ، لذلكَ كانَ الخلقُ قبلَ التَّصويرِ.

ثم قالَ: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ). لماذا لم يقلْ: (ثم قلنا لكم) كَتَتابُعٍ لِسِيَاقِ الكلامِ؟ لو قال ذلكَ لَكَانَتِ الآيةُ: (ثُمَّ قُلْنَا لكم اسْجُدُواْ لآدَمَ فسجدتم إلا إبليس) وهذا غيرُ واردٍ، لأنَّ المُخَاطَبَ من بدايةِ الآيةِ كانَ كافَّةَ الخَلقِ، من مؤمنٍ وكافرٍ، وسعيدٍ وشقيٍّ، وطيِّبٍ وخبيثٍ، ولكنْ: ليسَ كلُّ مَن يَسمعِ الأمرَ يُسارِعُ إلى الطَّاعةِ، فالطَّاعةُ محصورةٌ بالملائكةِ، وهم من عِدَادِ المُخاطَبين، وليسوا جميعَ المُخاطَبينَ، فَهُم مَن أقرَّ بالطَّاعةِ والعبادةِ.

وكانَ الأمرُ: (اسجدوا) ولم يكن: (اعبدوا)، وكان الجوابُ: (فسجدوا)، والسُّجودُ هنا سجودُ تكريمٍ وطاعةٍ لا سجودُ عبادةٍ، فلو كانَ آدمُ هنا بشرًا فهل يجوزُ سجودُ الأنوارِ للجسدِ المصنوعِ من الطِّينِ؟ هل يسجدُ النُّورُ للطِّينِ؟ هل يسجدُ الملائكةُ للبشرِ؟ لا.

إذن: سيِّدُنا آدم (ع) أجلُّ من البشرِ ومن الملائكةِ، وتَجِبُ له الطَّاعةُ والتَّكريمُ، لا العبادةُ، فلو جازَتْ له العبادةُ لَكُنَّا قد أشرَكنا آدمَ باللهِ، معاذَ اللهِ، لكنَّ العبادةَ للهِ الذي أظهرَ سيِّدنا آدم (ع) من دونِ سابقِ مَثيلٍ له، أظهرهُ من دونِ أبٍ ولا أمٍّ لِيَدُلَّ على أنَّه القادرُ أن يقولَ للشَّيءِ: (كُنْ فَيَكُون). فسيِّدُنا آدم (ع) هنا إذن ليس مخلوقًا، لكنَّهُ المَثَلُ الذي قَصَدَهُ تعالى في قوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

أمَّا إبليسُ سائسُ أهلِ الشِّركِ والجحودِ (لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ)، ولن يكونَ من السَّاجدين، لأنَّه لا يدخلُ في عِدَادِهم، لكنَّه قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).

لاحظوا مَكرَهُ وكِبْرَهُ وحُمْقَهُ وقِياسَهُ، فاللهُ لم يذكرْ أنَّ سيِّدنا آدم (ع) من طينٍ، ولم يَذكرْ أنَّهُ مَخلوقٌ، لكنَّ إبليسَ ظنَّ بِجَهلِهِ أنَّ اللهَ سبحانه يأمرُهُ بالسُّجودِ للجسدِ الظَّاهرِ، ظَنًّا منه أنَّ هذه الأسماءَ والصِّفاتِ الظَّاهرةَ ماهيَّةٌ للحقيقةِ الباطنةِ، وبقيَ أعوانُهُ وأتباعُهُ على نفسِ النَّهجِ والتَّفكيرِ، يُسَاوونَ بينَ المَثَلِ والمَمثولِ، والصِّفةِ والموصوفِ، والاسمِ والمُسَمَّى، فَضَلُّوا وكانوا من المشركينَ، وهم أتباعُ إبليسَ الذينَ قال تعالى فيهم: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الحادي والسبعون حول عيد الغدير

images

السَّؤالُ الحادي والسَّبعون: يُقالُ أنَّ العلويِّينَ يحتفلونَ بيومِ عيد الغديرِ، فما هي رمزيَّةُ هذا اليوم؟

الجوابُ الحادي والسَّبعون بإذنِ اللهِ:
يومُ الغديرِ من أعظمِ الأيَّامِ وأكبرِ الأعيادِ عندَ اللهِ تعالى، لأنَّ فيه تبليغُ الولايةِ وإتمامُ الرِّسالةِ، فقد ذُكِرَ أنَّهُ في حجَّةِ الوداعِ نزلَ قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً)، لأنَّ دينَ اللهِ لا يكتملُ إلاَّ بتبليغِ الولايةِ بعدَ الرِّسالةِ، فالرِّسالةُ لا معنى لوجودِها دونَ جوهرِها، وجوهرُ الرِّسالةِ هو الولايةُ لأنَّها آخِرُ الفَرَائِضِ وَكَمَالُ الدِّينِ، لذلك كانَ إكمالُ الدِّينِ بتبليغِ الولايةِ، وبها تمَّتْ النِّعمةُ الإلهيَّةُ وهي نعمةُ معرفةِ إثباتِ وجودِ الحقِّ المشهودِ، ومَن أنعمَ اللهُ عليهِ بالدِّينِ المُكتَمِلِ والشَّهادةِ التَّامَّةِ رضيَ اللهُ أن يكونَ من أهلِ الإسلامِ، وكلُّ هذا كانَ في يومٍ لا في ليلةٍ، لأنَّ اليومَ يرمزُ إلى الشَّهادةِ المُعلَنَةِ الصَّريحةِ على الملأ.
وقد خطبَ رسولُ اللهِ (ص) في أكثرِ من مئةِ ألفٍ من المسلمينَ وهو راجعٌ من حجَّةِ الوداعِ في مكانٍ يدعى (غدير خُمٍّ) بعدَ أن أنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، وكانَ الصَّحابيُّ الجليلُ عبدُ اللهِ بن مسعود (ع) يقرَؤها: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ في عليٍّ)، وجاءَ الوعدُ بالعصمةِ لأنَّ تبليغَ الولايةِ أصعبُ من تبليغِ الرِّسالةِ، فالرِّسالةُ يتقبَّلُها المسلمونَ، لكنَّ الولايةَ لا يتقبَّلُها إلاَّ المؤمنونَ، لذلكَ نجدُ مَن يتحدَّثُ عن الإسلامُ كُثُرٌ، لكنَّ مَن يدافعُ عن الولايةِ والنَّهجِ الحقِّ قلَّةٌ محارَبَةٌ لكنَّها معصومةٌ من النَّاسِ.
وفي تبليغِهِ قال (ص) للملأ: (أَلَسْتُ أولى بكم من أنفسِكُم)، فقالوا: بلى يا رسول الله. فوضعَ يدَهُ بيدِ مولانا أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرم الله وجهه ورفعَها إلى السَّماءِ وقال: (اللهمَّ وَالِ مَن وَالاهُ, وَعَادِ مَن عَاداهُ, وأَحِبَّ مَن أحبَّهُ, وأبغِضْ مَن أبْغَضَهُ, وانصُرْ مَن نَصَرَهُ, واخْذُلْ مَن خَذَلَهُ, وأدِرِ الحقَّ معَهُ حيثُ دارَ)، فَلَقِيَهُ عمرُ بن الخطَّاب وقالَ: (هنيئًا لك يا ابنَ أبي طالب، أصبحتَ مولايَ وَمَولى كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ).
وجاءَ على لسانِ عمرَ أنَّهُ قالَ للنَّبيِّ (ص): يا رسولَ اللهِ: كانَ في جَنبي شابٌّ حَسَنُ الوجهِ, طيِّبُ الرِّيحِ, فأجابَهُ (ص): (يا عُمَر, لقد عَقَدَ رسولُ اللهِ عَقْدًا لا يَحُلُّهُ إلاَّ منافقٌ)، ثمَّ قالَ رسولُ اللهُ (ص): (يا عُمَر, إنَّه ليسَ مِن وِلْدِ آدمَ, لكنَّهُ جبريلُ أرادَ أن يُؤكِّدَ عليكم ما قُلْتُهُ في عليٍّ).
ومن الجديرِ بالذِّكرِ أنَّ الإمامَ علي كرم الله وجهه تولَّى الخلافةَ في الثامنِ عشرَ من شهرِ ذي الحجَّةِ، فكانَتِ الذِّكرى السَّادسةَ والعشرينَ لواقعةِ الغديرِ.
ويحقُّ لنا كعلويِّينَ مسلمينَ أن نطالبَ دولتَنا بإعلانِ يومِ الغديرِ عيدًا رسميًّا أسوةً ببقيَّةِ الأعيادِ الدِّينيَّةِ والوطنيَّةِ، لأنَّ يومَ الغديرِ كانَ الحدَّ الفاصلِ بينَ بقاءِ الإسلامِ وفناءِ الإسلامِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.
الدكتور أحمد أديب أحمد