أرشيف الوسم: العلويون

الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها

hesham

الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها
بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

قال تعالى: (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمثال لِلنَّاسِ). فَبِمَنْ ضَرَبَ اللهُ الأمثالَ؟ وما هو الفرقُ بين المَثَلِ والمَمثولِ؟
إن بدعَ الحلولِ والإنكارِ كانت ولا زالَتْ تستهدفُ حبلَ اللهِ العلويِّ المتينِ، لِتُوهِنَهُ وتُخْرِجَهُ من مَتَانَتِهِ، لِتُبعِدَ النَّاسَ عن مبادئِ عَقيدَتِهم، وتُفَرِّقَهُم إلى آراءَ شتَّى.
لقد حاولَ المُشبِّهونَ تَحويرَ صميمِ العقيدةِ العلويَّةِ نتيجةَ انتحالِهم لأسلوبِ التَّحريفِ والتَّزييفِ، فوَقَعَ هؤلاء المشبِّهونَ كما سادَتُهم المتشيِّعونَ بالحلولِ في فهمِ الأمثالِ التي ضَرَبَها تعالى للنَّاس، حيث جَعَلُوا المثلَ حقيقةً للممثولِ، ولم يُفرِّقُوا بين المثلِ المضروبِ والغايةِ من ضَربِهِ.
ففي قصَّةِ سيِّدنا موسى (ع) وَقَعوا بالحلولِ، إذ رَفَعوا سيِّدَنا موسى (ع) من مقامِ الوجودِ الكاملِ الذي هو الفعلُ العاقلُ إلى واجبِ الوجودِ الذي له مقامُ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ. فما هذا الهراءُ الذي يَتَخبَّطونَ فيه؟
إنَّ قصَّةَ سيدنا موسى (ع) ومعجزاتِهِ كما وردَتْ في الذِّكرِ الحكيمِ أنَّ الله تعالى قال: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، فاليمينُ هنا اليدُ، واليدُ الفعلُ والقوَّةُ، وهذا الفعلُ والقوَّةُ تكوينيٌّ لموسى (ع)، لأنَّ كافَ الخطابِ راجعةٌ إليهِ، وهناك حكمةٌ ربَّانيَّةٌ، حيثُ أجاب سيدنا موسى (ع): (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)، فالعصا المباركةُ هي مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المماثِلَةِ للفعلِ العاقلِ، لذلكَ قالَ: (عَصَايَ)، ولم يقل: (عَصَا)، والدَّلالةُ بذلكَ إلى وجودِ واجبِ الوجودِ على قَدْرِ سيدنا موسى (ع)، ثم قال تعالى: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) ثم قال: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى).
إنَّ سمةً الحيَّةِ هي سِمَةُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المتحرِّكَةِ، فالحيَّةُ إذنْ هي العصا من ناحيةِ الحقيقةِ، ولكنَّ العصا ليسَتْ حيَّةً من ناحيةِ الشَّكلِ، وهذا يماثلُ قولَ سيدنا المسيح (ع): (إنَّ الواحدَ هو الأحدُ ولكنَّ الأحدَ ليسَ واحدٌ)، لأنَّ السِّماتِ والحدودَ التي ظهرَتْ بالسَّعي تُماثِلُ السِّماتِ والحدودَ الموسويَّةَ، فَمَن جعلَ حقيقةَ العصا حيَّةً فقد أنكرَ المعجزَ الإلهيَّ وصارَ بذلكَ منكرًا لواجبِ الوجودِ، وَمَن قالَ بأنَّها بالحقيقةِ حيَّةٌ وَعَصا وقعَ بالتَّشبيهِ، وهو بذلكَ التَّشبيهِ يكون قد سَاوَى بين سيدنا موسى وَمَولاه، وهذا لا يجوزُ، لأنَّهُ شِركٌ باللهِ، لقولِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (أشهدُ أنَّ مَن سَاواكَ بشيءٍ من خَلقِكَ فقد عَدَلَ بِكَ، والعادلُ بِكَ كافِرٌ).
أمَّا أهلُ التَّوحيدِ الخالصِ فَيَعلمونَ أنَّ العصا لم تَبدُ كالحيَّةِ إلاَّ بعدَ الإلقاءِ وليسَ قبلَهُ، للدَّليلِ على أنَّ السِّماتِ والحدودَ لا تُطلَقُ عليهِ إلاَّ بعدَ إظهارِ الأفعالِ، فلا يُقالُ فاعلٌ إلاَّ بعدَ إظهارِ الفعلِ، وليسَ الفعلُ حقيقةً لذاتِ الفاعلِ المقدَّسَةِ.
أمَّا الحيَّةُ فإنَّها تَسعى، ولم يقل بأنَّ العصا هي التي تَسْعَى، لأنَّها كانت ساكنةً، فالحركةُ إذَنْ بعدَ السُّكونِ، لأنَّ الحركةَ مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ، أمَّا السُّكونُ فهو رمزٌ إلى إفرادِ ذاتِ واجبِ الوجودِ.
ثمَّ عادَ الأمرُ الإلهيُّ يَصدُرُ: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) فَوَضَع سيدنا موسى (ع) يَدَهُ في جَيبِهِ وأخرَجَها فإذا هي تتلألأ، فَفِعلُ الإدخالِ والإخراجِ ارتبطَ باليدِ، لأنَّ اليدَ دَلَّتْ على أنَّ الفعلَ والقوَّةَ حقيقةٌ تكوينيَّةٌ لسيدنا موسى (ع)، لِيَدُلَّ على مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ وإنْ أبْدَى أفعالاً تماثلُ الفعلَ الكاملَ، لكنَّها تَبقى أفعالٌ وجوديَّةٌ فقط.
وأظهَرَ سيِّدُنا موسى (ع) المعجزاتِ على الملأ باجتماعِهِ مع السَّحرَةِ أمامَ فرعونَ لَعَنَهُ اللهُ، لتكونَ الحجَّةُ الرَّبَّانيَّةُ تامَّةً وكاملةً لذلك أَسْلَمَ السَّحَرَةُ كما في قوله تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى). وهنا لابدَّ من طَرحِ بعضِ التَّساؤلاتِ، فلماذا ألقَى السَّحرَةُ عِصِيَّهُم في البدايةِ ثمَّ ألقاها سيِّدُنا موسى (ع)؟ ولماذا عَمَلُهُم سِحرًا، بينما سُمِّيَ فعلُ سيِّدنا موسى معجزةً؟
لأنَّ أفعالَ السَّحرةِ كانت ناقصةً ولم تكتملْ فَعِصِيُّهُم تحوَّلَتْ إلى ثعابينَ لكنَّها لم تَرجعْ بعدَ ذلكَ إلى حالِها الأوَّلِ، أمَّا عَصَا سيِّدِنا موسى (ع) فقد تحوَّلَتْ بدايةً إلى حيَّةٍ، ثم تَلَقَّفَتْهُم، ثمَّ عادَتْ إلى حَالِها الأوَّلِ، وهذا له دلالةٌ إيمانيَّةٌ، فأهلُ التَّشبيهِ يَقفونَ عندَ مرحلةِ الإثباتِ ولا يَستطيعونَ تَجاوزَها، فَيُثبِتُونَ على الذَّاتِ المقدَّسَةِ الحدودَ والسِّماتِ ثمَّ يَجعلونَها حقيقةً لها وهذا شركٌ باللهِ، لذلكَ فإنَّ توحيدَهُم خاطئٌ. أمَّا أهلُ الإيمانِ واليقينِ فَيُثبِتُونَ وجودَ الذَّاتِ المقدَّسَةِ في السَّماواتِ والأرضِ، ثم يُفرِدُونَ ذاتَ واجبِ الوجودِ عن جميعِ هذهِ السِّماتِ والحدودِ لِيَبلُغُوا بذلكَ درجةَ الإخلاصِ في التَّوحيدِ، وهذا مِثَالُهُ في القصَّةِ أنَّ العَصَا تَحَوَّلَتْ إلى حَيَّةٍ ثمَّ عَادَتْ إلى عَصَا.

السؤال الرابع والثمانون حول زيارة مقامات الأولياء الصالحين والتبرك بها

 

images

السُّؤالُ الرَّابعُ والثَّمانون: ما هو مبرِّرُ زيارتكُم لقبورِ شيوخِكم؟ أليسَ تقبيلُها من أنواعِ الشِّركِ؟ فلماذا تقومونَ بذلك وقد نَهَى الرَّسولُ عن ذلك؟

 

الجوابُ الرَّابعُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

إنَّ هذا اتِّهام صريحٌ موجَّهٌ إلينا لذلكَ لابدَّ من الإيضاحِ أوَّلاً أنَّ النَّهيَ عن زيارةِ الـمَقاماتِ والـمَزاراتِ كانَ مِن دَأبِ أعداءِ رسولِ اللهِ (ص)؟!

إذْ وَرَدَ في الخبرِ أنَّ مروانَ بن الحكم أقبلَ يومًا فَوَجَدَ رَجُلاً وَاضِعًا وَجهَـهُ على القبرِ، فأقبَلَ عليهِ وأخذَ بِرَقَبَتِهِ ثم قالَ: هل تَدري ما تَصنَعُ؟ فإذا هو الصَّحابـيُّ الجليلُ أبو أيُّوب الأنصاري، فقالَ: نَعم إنِّي لم آتِ الحَجَرَ، إنَّما جِئْتُ لأُسَلِّمَ على رسولِ اللهِ (ص).

فَتَبَرُّكُنا بالمقاماتِ والمزاراتِ كَتَبَرُّكِ هذا الصَّحابيِّ الجليلِ بمقامِ رسولِ اللهِ (ص). ونحنُ في تَبَرُّكِنا بالمقاماتِ والمزاراتِ نَقتدي برسولِ اللهِ (ص) عندما كان يقفُ عندَ الحَجرِ الأسودِ ويُقبِّلُهُ، فهذا التَّبَرُّكُ ليسَ عبادةً للحجرِ، إنَّما هو احترامٌ للأرواحِ الطَّاهرةِ، وتعظيمٌ لِشَعائِرِ اللهِ، وقد قال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوى القُلُوب)، شَأنُهُ شَأنُ تَقبـيلِ غِلافِ المصحفِ الكريمِ والكتبِ السَّماويَّةِ، إلاَّ إذا كانَ أحدٌ يَذهبُ إلى أنَّ تقبـيلَنا للمصحفِ كفرٌ وإلحادٌ!!

وبِعَرْضِ المسألةِ على كتابِ اللهِ نَستَذكِرُ قوله تعالى: (اذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأتِ بَصيراً)، إلى قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ ألْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَاْرتَدَّ بَصيرًا). فهذهِ الآيةُ صريحةٌ تؤكِّدُ أنَّ النَّبيَّ يعقوب (ع) كان مفتقرًا للهِ عندما تبرَّكَ بقميصِ الوصيِّ يوسفَ (ع)، وهذا من التَّعليمِ الرَّفيعِ للتَّبَرُّكِ بمقاماتِ ومَزاراتِ الأولياءِ الصَّالحين.

وهذا يؤكِّدُ أنَّ إقامةَ الدُّعاءِ عندَ المقاماتِ والمزاراتِ والتَّبرُّكَ بها مُسْتَحَبٌّ ومُقْتَرِنٌ بِالثَّوابِ، وهو نوعٌ من تعظيمِ شعائرِ اللهِ، والكتابُ الكريمُ يُصَـرِّحُ بِجَوَازِ ذلكَ، من خلالِ عدَّةِ أدلَّةٍ:

  • الدَّليلُ الأوَّلُ: السَّادَةُ العِظَامُ أصحابِ الكهفِ الذينَ وردَ ذِكْرُهم في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، فَجَعَلَ المَوضِعَ مَزارًا، وهذا المزارُ صارَ ذا كرامةٍ وَشَرَفٍ بسببِ وُجُودِهِم، إذ قال تعالى: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا).

  • الدَّليلُ الثَّاني: مقامُ سيِّدِنا إبراهيم الخليلِ (ع) الذي وَجَبَ الدُّعاءُ عِندَهُ لقوله سبحانَهُ: (وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، فإذا كانَ الأمــرُ كذلـكَ بالنِّسبَةِ إلى مَقامِ سيِّدنا إبراهيمَ الخليلَ (ع)، ألا يَنبغي أن يكونَ كذلكَ بالنِّسبَةِ إلى مَقَامَاتِ الرُّسُلِ والسَّادةِ المؤمنينَ الـمُتَّقينَ، وقد قالَ تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ)؟!

  • الدَّليلُ الثَّالث: البيوتُ المرفوعةُ في قوله تعالى: (في بُيُوت أذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ، رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ): فليسَ الـمُرَادُ من البيوتِ هو الجوامعُ فقط، بل هي الأماكنُ التي يُذكَرُ فيها اسمُ اللِه تعالى كالمقاماتِ والمزاراتِ. وهذا الرَّفعُ له مَعنيان:

  • الأوَّل: أن يكونَ الـمُرادُ منه هو الرَّفعُ الماديُّ الذي يَتحقَّقُ بإرساءِ القواعدِ والبناءِ، كما قال سبحانه: (وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعيلُ)، وهذا يَدُلُّ بكلِّ وضوحٍ على جَوَازِ تَشييدِ المقاماتِ وتَعميرِها.

  • والثَّاني أن يكونَ الـمُرادُ منه هو الرَّفعُ الحقيقيُّ، كما قال عزَّ وجلَّ: (وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا)؛ أي مَنَحْنَاهُ مكانةً عاليةً من خلالِ التَّكريمِ والتَّشريفِ والـمَدَدِ. وهذا يَدُلُّ على تَكريمِها وَتَبجيلِها وَصِيَانَتِها وَتَطهيرِها مِمَّا لا يَليقُ بشأنِها.

ولابدَّ من التَّذكيرِ بقولِ الإمامِ علي الهادي (ع) الواردِ في كتابِ تحفِ العقولِ عن آلِ الرَّسولِ (ص): (إنَّ للهِ بِقَاعـًا مَحمـودَةً يُحِبُّ أن يُدْعَى فيها فَيَسْــتَجِـيبَ لِمَنْ دَعَاهُ)، وهذا يعني أنَّ الدُّعاءَ مُسْتَحَبٌّ في بُقعَةٍ لامَسَتْ أحدَ الأئمَّةِ أو الأنبياءِ أو الرُّسُلِ (ع) أو الأولياءِ الصَّالحينَ (ق) فأصبحَتْ مَزارًا.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ميزان اليقين.. أصله ونشأته

hesham

ميزان اليقين.. أصله ونشأته

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

 

قليلٌ من النَّاسِ هم القدوةُ الحسنةُ في التَّوحيدِ، فإذا انضمَّ إلى ذلك كونُ القدوةِ الحسنةِ سلالةُ بيتِ النُّبوَّةِ وأحفادُ شرفِ الرِّسالةِ، الجبالُ الشَّامخةُ الذين يُقتَفَى أثرُهم وُتَّبَعُ مَنهَجُهُم، ويَستضيءُ الجيلُ بسيرَتِهم، كانت النتيجةُ أفكارًا خلاَّقةً للبشريَّةِ جمعاء.

والموضوعُ الذي تمَّ اختيارُ الكلامِ فيه، تَشغلُ مسائلُهُ النَّاسَ منذُ زمنٍ طويلٍ، وخاصَّةً في هذا الزَّمنِ الذي أصبحَ فيه أغلبُ النَّاسِ على غيرِ بصيرةٍ، وبغفلةٍ جعلتهُم يسيرونَ على غيرِ طريقِ الحقِّ، ودعاةً بألسِنَتِهم فقط.

فَمَا هي المبادئُ الكبرى والشُّروطُ الرَّئيسةُ لِصِحَّةِ الاعتقادِ والالتزامِ كما قالَ سُبحانَهُ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)؟

أليسَ القرآنُ هو الميزانُ بين الخالقِ والمخلوقِ؟

يقول تعالى: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)؛ فقوله: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) يشيرُ إلى الإفراطِ الذي يُلزِمُ الجورَ والفسادَ، وهم أصحابُ النَّظريَّةِ الصِّفاتيَّةِ السَّفسطائيَّةِ أهلُ التَّشبيهِ، أمَّا قوله: (وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) فيشيرُ إلى تفريطِ أهلِ التَّعطيلِ أصحابِ النَّظريَّةِ العدميَّةِ، لذلكَ جاءَ الأمرُ الإلهيُّ بالوسطيَّةِ والاعتدالِ في قولِ الله: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ).

فَمَا هو أصلُ الميزانِ؟ وهل الكفَّتَين هما أصلُ الميزانِ؟

لا، فأصلُ الميزانِ التَّقويمُ الثَّابتُ القائمُ بذاتِهِ، والكفَّتَانِ مُضافَتَانِ لِعِلَّةِ الخلقِ والحاجةِ للعدلِ، والكفَّتان لم تُعَلَّقَا على الميزانِ قبل الإيجادِ، إنَّما بعدَ الإيجادِ. فَعِندما احتاجَ النَّاسُ للوزنِ، تَمَّ تَعليقُهُما، كذلكَ حينَ احتاجَ المخلوقُ إلى معرفةِ الحقِّ الجوهريِّ تَجَلَّى لَهُ فأبدَى الكتابَينِ المَمثولَينِ بالكفَّتَينِ وهما الكتابُ المَرقومُ وكتابُ الأبرارِ المعبَّرُ عنهما معًا بالكتابِ المسطورِ لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ).

إنَّ مبدأَ أهلِ التَّوحيدِ الخالصِ كالميزانِ لهُ كفَّتانِ هما الإثباتُ والإفرادُ، وهما مُتلازِمَانِ، فلا يَجوزُ الإثباتُ دونَ إفرادٍ، ولا الإفرادُ دونَ إثباتٍ، لأنَّ الإثباتَ دونَ إفرادٍ تشبيهٌ وإشراكٌ كعبادةِ الأصنامِ لقولِ الإمام الرِّضا (ع): (مَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فهو مُشرِكٌ)، والإفرادُ دونَ إثباتٍ تعطيلٌ وإنكارٌ كعبادةِ العدمِ، فإذا سبقَ لكَ الإقرارُ بالكتابِ المسطورِ وَجَبَ عليكَ إفرادُ الذَّاتِ المقدَّسةِ عن سِمَاتِ وحدودِ الكتابِ المسطورِ، فالدَّلالةُ للكتابِ المسطورِ إثباتٌ للتَّجلِّي، ثمَّ الإفرادُ عن التَّجسيمِ والتَّحديدِ والتَّخطيطِ للوصولِ الى حقيقةِ العبادةِ.

لكنَّ المشبِّهينَ وإخوانَهم المُنكِرين حَادوا عن طريقِ الحقِّ، فَمِنهم مَن أنكرَ مُعاينَةَ عالمِ الحسِّ للكتابِ المرقومِ بِقَولِهم الباطلِ: (إنَّ الكتابَ المرقومَ مُخصَّصٌ لعالمِ العقلِ فقط)، فلم يُميِّزُوا بين النَّحرِ والبَترِ في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)، فكلمةُ (كوثر) تدلُّ على وجودِ الحقِّ الجوهريِّ، وهي دلالةٌ على الكتابِ المسطورِ، وقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) دعوةٌ للإقرارِ بالكتابِ المسطورِ، ومِن ثمَّ إفرادِ الذَّاتِ المقدَّسةِ بقوله: (وَانْحَرْ)، فالنَّحرُ هو نفيُ السِّماتِ والحدودِ عن الذَّاتِ المقدَّسةِ وهذا هو الإفرادُ، والإفرادُ ليس إنكارَ الكتابِ المسطورِ، لأنَّ المُنكِرَ هو الأبترُ الذي لم يُقِر أصلاً بوجودِ الكتابِ المسطورِ، فَبَعضهم أبتَرُ من جهةِ إنكارِهِ لوجودِ كتابِ الأبرارِ المُماثِلِ لعالمِ الحسِّ، وبَعضُهم مُنكِرٌ لوجودِ الكتابِ المرقومِ المُماثِلِ لعالمِ العقلِ، وهؤلاء المُنكِرونَ ينطبقُ عليهم قوله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).

وهناكَ الكثيرُ من الأقوالِ والدَّلائلِ على إثباتِ المعايَنَةِ للكتابِ المسطورِ، فَكَما ثَبَتَ وجودُ الأفلاكِ العقليَّةِ والأجرامِ السَّماويَّةِ في السَّماءِ ثَبَتَ وجودُ الكتابِ المسطورِ لهم على مِثَالِهم كَصُورِهم (كسِماتِهم) العقليَّةِ يَرَاها أهلُ سَمَاواتِهِ وأرضِهِ ويَعرفُها العارفونَ ويُنكِرُها الجاحدونَ، فالحقُّ الجوهريُّ وإنْ بَدَا للأفلاكِ العقليَّةِ والأجرامِ الحسِّيَّةِ بِسِمَتَينِ فهو صاحبُ الحَضرَةِ الأحديَّةِ الذي لا يتغيَّرُ ولا يَحولُ ولا يزولُ ولا يُشبِهُهُ شَيءٌ ولا يُشبِهُ شيئًا ولا تُضرَبُ به الأمثالُ وليسَ هو مِن قِبَلِ الهيئاتِ والأفلاكِ والأجناسِ، وإنَّما تَجَلَّى لهم رحمةً ولُطفًا من غيرِ حلولٍ ولا اتِّحادٍ ولا مُمَازجَةٍ، فالمعاينُ لوجودِ الذَّاتِ المقدَّسةِ كالنَّاظرِ في الماءِ يُعاينُ نظيرَ سِمَاتِهِ وَحُدودِهِ، وهذا دليلٌ على وجودِ واجبِ الوجودِ في سماواتِهِ وأرضِهِ لِتَكونَ حجَّتُهُ تامَّةً وبالغةً، فَمَنْ وَزَنَ بميزانِ أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ وأقرَّ وآمنَ إثباتًا وإفرادًا نَجَا، ومَن خالفَ ميزانَنا العلويَّ فَشَبَّهَ أو أنكَرَ وقعَ بالرَّدَى.

السؤال الثالث والثمانون حول الفرق بين الطائفة العلوية والطائفة السنية

images

السُّؤالُ الثَّالثُ والثَّمانون: ما هو الفرقُ بين الطَّائفةِ العلويَّةِ والطَّائفةِ السُّــنِّـيَّـةِ؟ ولماذا أنتم مُغالونَ بِعَلي؟ وماذا يُمَثِّلُ لكم محمَّد (ص) مُقارنةً به؟

الجوابُ الثَّالثُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:
إنَّ الفرقَ الجوهريَّ فيما بَيننا أنَّنا كعلويِّينَ تَمَسَّكْنا بالعِتْرَةِ وأنتم تَمَسَّكْتُم بالصَّحابةِ، والمقصودُ بالعِترَةِ هم أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ والحسنُ والحسينُ والتِّسعَةُ من بَعدِ الحسين إماماً بعد إمامٍ حتَّى مَجيءِ المهديِّ الـمُنتَظَرِ (ع) امتثالاً لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (إنِّي مُخلِفٌ فيكُم كتابُ الله ِوعترَتي أهل بيتي، ما إنْ تَمَسَّكتُم بهِ لن تَضلُّوا). فَمَا يُمَيِّزُنا عن السُّنَّةِ أنَّنا نُقِرُّ بِمَبدأ الولايةِ للأئمَّةِ المعصومين (ع)، وهذا الفرقُ الجوهريُّ يَتَفرَّعُ عنهُ فُروقٌ كثيرةٌ كأحقِّيَّةِ الخلافةِ وانتخابِ الصَّحابةِ بين مَيَامِينَ ومُخالِفِين، عَدَا عن أنَّنا نأخذُ عُلومَنا الفقهيَّةَ من مدرسةِ الإمامِ جعفر الصَّادقِ (ع)، بينما يأخذُ السُّنَّةُ علومَهُم من اجتهاداتِ تلاميذِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) في مَذَاهِبِهم الأربعةِ، ومَن يَرتَوي من النَّبعِ لا يَرتوي من السَّواقي.
ولمَّا ثَبَتَ أنَّ السُّنَّةَ الـمُنخَنِقَةَ كما الشِّيعةُ الـمُقَصِّرةُ لهم طـريقُ الغُلُوِّ وأساسُهُ، ثبتَت بَراءَتُنا من الغُلُوِّ، وَقَد حَذَّرَ سيِّدُنا محمَّد بن نُصَير (ع) من الغُلُوِّ في قوله: (لقد قَرَنَ اللهُ سبحانَهُ هذهِ الأسماءَ بِنَفسِهِ ولم يَقرنْها بِغيرِهِ فقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ، وقال تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ).
فالغلوُّ خطأٌ في الاعتقادِ، وهو إثباتُ التَّجسيمِ والتَّركيبِ لذاتِ الإلَهِ عزَّ شَأنُهُ. هذا يَعني أنَّه إفرَاطٌ وَتَفريطٌ؛ ولا يُرَى المؤمنُ مُفرِطًا ولا مُفَرِّطًا، فَعَقِيدَتنا الصَّحيحةُ ليست غُلُوًّا ولا تَسْفِيهًا، بل هي وَسَطيَّةٌ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا).
ونحنُ لا نُنقِصُ من شأنِ أميرِ المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لِمَقامٍ دونَ الوصايَةِ، ولا نَرفَعُ الأنبياءَ والرُّسلَ لِمَقامِ الألوهيَّة، والدَّليلُ في قولَهُ تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). فإذا كانَ القرآنُ الكريمُ قد صَرَّحَ بالرِّسالةِ والنُّبوَّةِ لسَيِّدِنا محمَّد (ص)، وأنَّهُ خاتمُ الأنبياءِ، وبأنَّ الولايةَ أعلى من الرِّسَالةِ لقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ)، فقدَّمَ الولايةَ على الرِّسالةِ. فهل مِن أحَدٍ يَجرؤُ على تكذيبِ القرآنِ الكريمِ؟
إنَّ تَنزيهَنا للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسُلِ (ع) عن الخطأ والنِّسـيانِ والضَّعفِ والعجزِ هو الذي دَعَا كُلاًّ من السُّنَّةِ الـمُنخَنِقَةِ والشِّيعةِ الـمُقَصِّرَةِ إلى اتِّهامِنا بالغُلُوِّ!! فإذا كان هؤلاء يُجيزُونَ الضَّعفَ والعجزَ للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ فنحنُ لا نُجيزُ ذلكَ، لأنَّ ذلكَ يَتنافَى مع العقلِ والدِّينِ، بل نحن نستندُ لقوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ)، وقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) حين سـئلَ: الإمامُ يموتُ؟ فقالَ (ع): (المؤمنُ لا يموتُ، والإيمانُ لا يموتُ، فكيفَ يموتُ الإمامُ؟!!)، وفي هذا القولِ ردٌّ كافٍ على مَن خالفَ مبدأ الحقِّ.
ولا بدَّ من التنويهِ إلى أنَّ المغالينَ زَعَمُوا أنَّ للباري ماهِيَّةً ولكن لا تُدرك، وهؤلاء انطبقَ عليهم قوله تعالى: (إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شـيئًا)، فَمَهما تَعَدَّدَتِ الطـُّرقُ وتنوَّعَتْ، سَواءَ كانت حِسِّـيَّةً مَاديَّةً أو مَعنويَّةً عقليَّةً، فإنَّها جسورٌ ومعابرُ للاستدلالِ فقط.
فالتَّعريفُ الصَّحيحُ للغلوِّ هو رفعُ المخلوقِ وَجَعلُهُ ذاتًا للخالقِ، وهو القولُ بأنَّ الخالقَ عينُ المخلوقِ والرَّبَّ عينُ المربوبِ والكلَّ واحدٌ، ونحنُ من الغلوِّ براءٌ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثاني والثمانون حول الفرق بين التجلي والحلول

images

السُّؤال الثَّاني والثمانون: هل التَّجليِّ الذي تتحدَّثُ عنه النُّصيريَّةُ هو حلولُ اللهِ بالبشرِ كنزولِهِ في جسدِ علي؟

 

الجوابُ الثَّاني والثمانون بإذنِ اللهِ:

إنَّ للمؤمنِ على المؤمنِ حقوقًا، منها النَّصيحةُ والتَّنبيهُ من الوقوعِ في الأخطارِ والشُّرورِ، وأعظمُ الشَّرِّ ما كان في الدِّينِ والعقيدةِ، لذلكَ لَزِمَ التَّنبيهُ إلى ما قامَ به أهلُ الحلولِ، وإلى ما تحتويهِ كتبُهم ومراجعُهم الخاصَّةُ من أمورٍ وضعَها سادَتُهم ويجبُ مراجعتُها والتَّدقيقُ فيها والبراءةُ منها، وسأوضِّحُ في هذا الجوابِ بعضًا من شُبُهاتِهم وَبِدَعِهِم التي نُسِبَتْ زورًا وبُهتانًا لنَهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ، وسأوضِّحُ بالشَّرحِ الدَّقيقِ المعاني الحقيقيَّةَ للأقوالِ المَعصومَةِ التي يجبُ ألاَّ تُؤخَذَ على ظاهرِ الكلامِ لقولِ سيِّدنا المسيحِ (ع): (لا تَحكُمُوا حسبَ الظَّاهرِ ولكنْ احكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا).

يزعمُ الحلوليُّونَ أنَّهم يَكتسبونَ مَعرِفَتهم بالوحي لا بالطُّرُقِ والحقائقِ، فَهُم لا يَستَدِلُّونَ بالقرآنِ ولا بالأخبارِ المُتواتِرَةِ عن النَّبيِّ والأئمَّةِ (ع)، لذلك ضَلَّ أهلُ الحلولِ عن فَهْمِ إثباتِ المَشهودِ الموجودِ لِيُثبِتُوا حسبَ زعمِهم (حلولَ اللهِ بالكائناتِ العاقلةِ وغيرِ العاقلةِ، فَكُلُّ كائنٍ يَرَى اللهَ تعالى كَهَيئَتِهِ إنَّما أكبرُ وأعظمُ، فالبشرُ يَرَاهُ بَشَرًا أكبرَ وأعظمَ!! والحيوانُ والنَّباتُ والجمادُ يَرَونَهُ حَيَوانًا ونباتًا وجَمَادًا أكبرَ وأعظمَ!!).

ومن أعلامِ بدعةِ الحلولِ السَّابقين (سنان قزحل وسراج الدين العاني وعلي بن قرمط وعلي بن كشكة العشيري وزيد الحاسب وإسماعيل بن خلاَّد وإسحاقَ الأحمر)، حيث قالوا في بعض بِدَعِهم: (إنَّ اللهَ حَلَّ في جميعِ الأشياءِ كالبقرِ والحيوانِ والكلابِ والخنازيرِ…!!)، وها هم أهل الحلولِ المتأخِّرين الذين تَنَزَّلُ عليهم الشَّياطينُ، تَرَاهُم في كلِّ وَادٍ يَهيمُ، يتحدَّثُون في كلِّ علمٍ، ولكنَّ حديثَهم سَطحيٌّ ضَحْلٌ، وَعَرْضٌ سَاذَجٌ مَبتورٌ، وهو حديثُ مَن قَرأَ شيئًا عن الموضوعِ وَأَلَمَّ ببعضِ الشَّيءِ، ثمَّ صَبَّهُ في قالبٍ خطابيٍّ لِيَستعرضَ به أمامَ حَفنَةٍ من العوامِّ، يُبهِرُها صَدَى سُمعَتِهِ وَصِيتُهُ وجَلَبَةُ خَيلِهِ وَخُدَّامِهِ أكثرُ ممَّا يُفْقَهُ من قولِهِ وحديثِهِ.

لقد خرجَ أهل الحلولِ عن نهجِ الحقِّ حين قالوا: (لا هيولى إلَّا حقٌّ، ولا حقَّ إلَّا تابعٌ لهَيولى، وكلُّ حقٍّ لا يَتبعُ هيولى ليس حقًّا!!)؛ أرادوا بذلك حلولَ اللهِ في كلِّ الهيئاتِ والأشكالِ حسب شُروحاتِهِم، فكلُّ ما نَرَاهُ من صُورٍ وهيئاتٍ- وفق زعمِهم- قد حَلَّ اللهُ فيها لإثباتِ وجودِهِ، سواءَ كان ذلك في البشرِ أم في الحيوانِ أم النَّباتِ أم الجماد، إذ كلُّ موجودٍ يراهُ مثلَهُ بهيئةٍ أكبرَ وأعظمَ، فمثلاً البشرُ يرونَهُ بشرًا أضخم، والضِّفدعُ يراهُ ضفدَعًا أكبر، والشَّجرةُ تراهُ شجرةً أكبر، معاذَ الله من هذا الحلولِ الشَّيطانيِّ الرَّجيمِ!!

إنَّ هؤلاء الحلوليِّينَ لم يَفقَهوا ما رُويَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) حين قيل له: يا سيِّدي، اللهُ في كلِّ مكانٍ أو في مكانٍ دونَ مكانٍ؟ فقال: (بَلْ في كلِّ مكانٍ). قيل: فهو في الجمادِ والنَّباتِ؟ فقال: (ليسَ هوَ فيهِ كالشَّيءِ في الشَّيءِ حُلولاً، ولا هو خارجٌ منهُ كالشَّيءِ في مكانٍ دونَ مكانٍ مُباينًا). قيل: نعم فَمَثِّلْ لي ذلكَ. قالَ: (ضَوءُ الشَّمسِ يَطلُعُ على الجِيَفِ ويُظِلُّ النُّطَفَ). قيل: أَوَمُحْتَجِبٌ هو؟ فقال: (أَوَمُحْتَجِبٌ ضوءُ الشَّمسِ عن الخَلقِ؟). قيل: لا. قال: (وكذلكَ هو). قيل: فَظَاهِرٌ هو كضوءِ الشَّمسِ؟ قال: (فَضَوءُ الشَّمسِ تَرَاهُ الأبصارُ وَتَحويهِ؟). قيل: لا. قال: (وكذلك هو). قيل: فما يَضُرُّهُ مُلامَسَةٌ؟ قال: (أفَيَضُرُّ الشَّمسَ طُلُوعُها على الجِيَفِ؟). قيل: لا. قال: (وكذلك هو).

إنَّ هذا القولَ يؤكِّدُ أنَّ التَّجلِّي لا يعني حلولاً في الكائناتِ كما يزعمُ أهلُ الحلولِ، وبالتَّالي كما يتَّهمُنا السُّنَّةُ والشِّيعةُ، بل هو دلالةٌ على وجودِ الحقِّ إثباتًا للحجَّةِ وإيضاحًا للمَحَجَّةِ، لقول أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (إنَّ الصَّنعَةَ على صَانِعِها تَدُلُّ)، فالحقُّ تعالى واجبُ الوجودِ لِذَاتِهِ لِكَونِ عَدَمِ وُجودِهِ يَعدمُ جميعَ المُحدَثاتِ، وَبِفَيضِ وُجودِهِ تَنمو سائرُ الموجوداتِ من الخَلقِ والنَّباتِ.

وهكذا جَرَّ أهلُ الحلولِ أنفسَهُم بأنفسِهِم ليفضحُوا شركَهُم حين زَعَمُوا أنَّ (ليلةَ القدرِ هي اجتماعُ الواحدِ والوحدانيَّةِ بالأحدِ!!)، فهل يقبلُ العارفُ في نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ أن يحلَّ عالَمُ الأسبابِ وعالَمُ الكَشْفِ بالحقِّ عزَّ وجلَّ!؟

وأيَّةُ شَيْطَنَةٍ سيطرَتْ على أهلِ الحلولِ حين فسَّرُوا قوله تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقوله سبحانه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، فزَعَمُوا شارحينَ الآيتين بقولهِم المَشبوهِ: (شَارَكَ اللهُ الرَّسولَ وَشَاطَرَهُ بالعبوديَّةِ كإشراكِ الطَّاعَةِ!!)، مخالفينَ ما وردَ في مُحكَمِ نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ أنَّ اللهَ أمرَ بالسُّجودِ سجودَ طاعةٍ للنَّبيِّ آدم (ع) في قولِهِ تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، ولكنَّه أمرَ بعبادةِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ في قوله سبحانَهُ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وقولِهِ: (وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)، فالطَّاعةُ جائزةٌ للرَّسولِ وَمَن يَخْتَصُّهُ اللهُ بِهَا، لأنَّ اللهَ أَقَامَ رَسولَهُ فِي خَلقِهِ، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ، وَالدُّعَاءَ إِلَيهِ دُعَاءً إِلَيهِ، فلْنَتَقَيَّدْ بأحكامِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ والعِترَةِ، وفي ذلكَ الرَّحمَةُ وتمامُ النِّعمةِ، وَقَد قرنَ سبحانَهُ طَاعَتَهُ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ، وَذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى قُربِ الحبيبِ من رَبِّهِ. أمَّا العبادةُ فغيرُ جائزةٍ إلَّا للحقِّ جلَّ وَعَلا، لذلكَ أُطْلِقَ الكفرُ على مَن يَعبُدُ الرَّسولَ دونَ المُرسِلِ، وأُطلِق الشِّركُ على مَن يَعبدُ الرَّسولَ والمُرسِلَ، وشُهِدَ بالتَّوحيدِ لِمَن عَبَدَ المُرسِلَ دونَ الرَّسولِ.

وقد وجدنا أهلَ الحلولِ قد غرقُوا أكثر فأكثر في شيطَنَتِهِم ليفسِّرُوا أقوالَ المعصومين بفهمِهِم الإنكاريِّ، فقد أوردوا القولَ المشبوهَ: (لا خَلا ولا مَلا بين الحقِّ والعقلِ أي ليس بين نورِهِ ومقامِهِ إلَّا ذَاتُهُ!!) جاعلينَ مقامَ الحقِّ هو العقلُ، وهذا من أفكارِ الحلوليِّين الذينَ اعتبرُوا أنَّ روحَ العقلِ مقامُ الحقِّ!! ولم يفهم أهلُ الحلولِ أنَّ قُرْبَ العقلِ من الحقِّ ليس حلولاً، بل يعني أنَّهُ لا واسطةَ بين الحقِّ والعقلِ، لقولِهِ تعالى في الحديثِ القدسيِّ مخاطبًا العقلَ: (وَعِزَّتي وَجَلالي ما خَلَقْتُ خَلقًا أقربَ إليَّ منكَ، ولكَ أظهَرْتُ خَلقِي وبكَ آخذُ عليهم عَهدِي وبكَ أُعطِي وبكَ أَحكُمُ وبكَ أمضِي، ما وَصَلَ إليَّ مَن جَحَدَكَ ولا احتجبَ عنِّي مَن عَرَفَكَ، رَضِيتُكَ للعالَمِينَ نورًا وَبِحُكمِي فيهم مُدَبِّرًا).

إنَّ شركَ أهلِ الحلولِ جعلَهُم أيضًا مشركينَ بعبادةِ الأسماءِ الحسنى فها هم قد قالوا قولَهُم المشبوهَ: (اسمُ الله ذاتُهُ!!) غافلين عمَّا قاله الإمامُ الصَّادق (ع): (إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، فلو كانَ الاسمُ هو المُسَمِّي لَكَانَ كلُّ اسمٍ إلهًا، ولكنَّ اللهَ مَعنى يُدَلُّ عليهِ بهذِهِ الأسماءِ وكلُّها غيرُهُ)، فَلَو قُلْنَا أنَّ الذَّاتَ الإلهيَّةَ هي الأسماءُ الحسنى فلا يجوزُ من الحكمةِ عبادةُ اسمٍ، كما أنَّه تعالى لم يقل: (اللهُ هو الأسماءُ الحُسنَى)، بل قال: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)؛ أي يميلونَ عن الحقِّ في أسمائِهِ.

لكلِّ ما سبقَ نؤكِّدُ أنَّ البحثَ عن مشكلةِ الخلطِ بينَ العلويَّةِ والحلوليَّةِ عندَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ تُشَكِّلُ أكبرَ عدوٍّ يُهدِّدُنا، وَتُعطي صورةً مشوَّهَةً عنَّا، لذلكَ فإنَّ بحوثَ الحاقدينَ التي تناولَتْ نهجَنا العلويِّ الإسلاميِّ على ذلكَ المَسْلكِ الغريبِ، لن يجعلَها تدرِكُ عَقَائِدَنا إلَّا كمَا صَوَّرَها وَرَسَمَها لهم أباليسُهم، لذلكَ نقولُ للباحثِ المُنصفِ في نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ: يَنبغي أنْ تتعرَّفَ عليه كما هُوَ في حَقيقتِهِ وعندَ أهلِهِ من السَّادَةِ الثِّقاةِ الميامينِ المَشهودِ لهم بالعلمِ والمعرفةِ والتُّقى واليقينِ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد