أرشيف التصنيف: الدين العلوي

الدين العلوي

باحث علوي سوري: لا قيمة لجهادك إن كنتَ مجاهداً دون أن تكون موحداً

ahmad

باحث علوي سوري: لا قيمة لجهادك إن كنتَ مجاهداً دون أن تكون موحداً

=================

باتَ مصطلحُ الجهادِ من أكثرِ المصطلحاتِ رَواجًا في هذه المرحلةِ، وَتَتصارعُ الآراءُ والنَّظريَّاتُ بين مؤيِّدٍ ومعارضٍ لفكرةِ الجهادِ: فَمِنهم مَن يَرَاها فكرةً سلبيَّةً مع أنَّها واجبٌ إسلاميٌّ، ومنهم مَن يَرَاها إيجابيَّةً تحتاجُ للضَّبطِ، وكذلك منهم مَن يَربطُها بالمعركةِ ومنهم مَن يَربطُها بالحياةِ ومنهم من يَربطُها بالمعتَقَدِ.

في سوريَّة قَدَّمَ الكثيرونَ أنفسَهم دفاعًا عن الوطنِ، ومن كلِّ الطَّوائفِ، وكانَ للطَّائفةِ العلويَّةِ نصيبَها من عددِ الشُّهداءِ، لكنَّنا تساءَلنا: هل يقتصرُ مفهومُ الجهادِ عندَ العلويِّين على القتالِ المُسَلَّحِ الدَّائرِ ضِدَّ الإرهابِ؟

 

تَحاوَرْنا في هذا الموضوعِ مع الباحثِ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي قالَ: إنَّ دفاعَنا عن وَطنِنا وَتَمسُّكَنا بمبادِئِنا وتضحياتِنا الغاليةَ هي من أشكالِ الجهادِ الذي نُمارسُهُ قولاً وفعلاً، وهذا الدِّفاعُ ليس فقط لأجلِ سوريَّة، بل لأجلِ الإنسانيَّةِ، ولأجلِ نهجِ الحقِّ الذي يَعُمُّ برحمَتِهِ كلَّ شيءٍ. ولكنْ يَبقَى هذا الجهادُ هو الجهادُ الأصغرُ الذي لا يُغنِي عن الجهادِ الأكبرِ الممثَّلِ بعلمِ الأخلاقِ وتهذيبِ النَّفسِ والتَّوحيدِ، وهو مِن أسمى وأرفعِ العلومِ العلويَّةِ الإسلاميَّةِ لأنَّها تمثّلُ الجهادَ الأكبرَ الذي ذكرَهُ رسولُ اللهُ (ص) بقوله: (مرحبًا بقومٍ قَضَوا الجهادَ الأصغرَ وبقيَ عليهم الجهادُ الأكبرُ)، فقيل: يا رسولَ الله وما الجهادُ الأكبرُ؟ قال (ص): (جهادُ النفسِ)، وهذا الجهادُ يَلتزمُ به المؤمنُ العلويُّ امتثالاً لأمرِ مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اعلَموا أنَّ الجهادَ الأكبرَ جهادُ النفسِ فاشتغلوا بجهادِ أنفسِكُم تسعَدُوا)، فالجهادُ المطلوبُ من المؤمنِ العلويِّ إذن هو إتباعُ العقلِ في مواجهةِ الجهلِ، ولن يَحصلَ للنَّفسِ صفاءٌ واكتمالٌ وارتقاءٌ إلا بالتَّوحيدِ الخالصِ، فتكونَ مستعدَّةً لاستقبالِ الفيوضِ العقليَّةِ، وَتُعاينَ مراتبَ الوجودِ، فتصبحَ حرَّةً من الخوفِ والجبنِ والضَّعفِ، وتتأهَّلَ لتكونَ بتحقيقِها لهذه الكشوفِ آنِسَةً مطمئنَّةً بيقينِها، لقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، فَتَبلُغَ حقيقةَ التوحيدِ والإفرادِ الذي هو الغايةُ القصوى والمنتهى الأسمى للعبادةِ العرفانيَّةِ، وعندها لا تأخذُها في اللهِ لومةُ لائمٍ، فتجاهدُ لإعلاءِ كلمةِ الحقِّ، لقوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، فتهجُرَ الدنيا وزخارِفَها، وَتَسمو إلى العُلا بفناءِ الهوى، فلا يَرَى المؤمنُ العلويُّ الشهيدُ حينَها إلا وجهَ ربِّهِ الذي يؤيِّدُهُ بالكراماتِ الحِسَانِ، وهكذا لا يَقوَى عليه أحدٌ من جنودِ الشيطانِ، لأن جنودَ العقلِ المُنَزَّلونَ سَــيَقونَهُ شــرَّ أولئكَ الفانينَ بجهلِهِم وشـيطنتِهم لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا).

 

وحولَ هذا الارتقاءِ بمفهومِ الجهادِ، تساءَلنا عن علاقةِ بناءِ النَّفسِ بمفهومِ الجهادِ فقال الدكتور أحمد: فكرُنا العلويُّ يعتمدُ على بناءِ النَّفسِ بالقيمِ والأخلاقِ تمثُّلاً بقيمِ وأخلاقِ أهلِ البيت المعصومينَ، لأنَّنا نتمثَّل بهم في قيمِنا وأخلاقِنا وأفكارِنا، ولذلكَ فإنَّ كلَّ مَن انتَمى إليهم بحقٍّ كان رجلاً استثنائيًّا سواءَ في فكرِهِ الرَّاقي أو فيما قَدَّمَهُ للبشريَّةِ أو في قيادتِهِ حين يتولَّى البلادَ وَيُقاتِلُ في مواجهةِ القوى المنحرفةِ، وسيصلُ إلى هذهِ الرِّفعةِ عندما يَلتزمُ بوصيَّةِ مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لأصحابِهِ: (اللهَ اللهَ في الجهادِ للأنفسِ، فهي أعدى العدوِّ لكم. إنَّه تباركَ وتعالى يقول: إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ)، فالمؤمنُ العلويُّ يطمحُ أن يترقَّى في مقاماتِ العبادة ليبلغَ مرتبةَ العارفين. وأوَّلُ درجاتِ العبادة إصلاحُ النفسِ بإتباع أحكامِ الحقِّ، وهذا يحتاجُ إلى رياضاتٍ ومجاهداتٍ مستمرةٍ لينفصلَ المؤمنُ العلويُّ عن العالَمِ الفاني ويتَّصلَ بحضرةِ الباقي.

 

وحول أوَّلِ وأهمِّ ما يبلغُهُ هذا العلويُّ في ارتقائِهِ يتابعُ الدكتور أحمد قائلاً: من أهمِّ الحالاتِ التي يجبُ أن يبلغَها المؤمنُ العلويُّ في جهادِ النَّفسِ هي معرفةُ النَّفسُ، فهذا هو الطَّريقُ إلى معرفةِ الحقِّ تعالى، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ (ص) أنَّه سُئلَ: متى يَعرف الإنسانُ ربَّهُ؟ فقال: (إذا عرفَ نفسَهُ)، كما قال مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (معرفةُ النَّفسِ أعرَفُ المعارفِ) ولولاها لم يكن لمؤمنٍ معرفةُ رَبِّهِ لهذا قال كرَّم اللهُ وجهَهُ: (عَجِبْتُ لمن يجهلُ نفسَهُ كيف يعرفُ ربَّهُ!!). هذا يعني أن الهدفَ المقدَّسَ والمقصودَ الإلهيَّ الذي يتمثّلُ بالعبوديَّةِ حقيقةً، لا يمكنُ الوصولُ إليهِ إلاَّ بتحقيقِ العبادةِ طريقةً، والدَّوامُ على ذلك هو من جهادِ النفسِ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، وشرطُ هذا الوصالِ هو ورودُ المعاني السَّاميةِ والنَّهلُ من العلمِ التَّوحيديِّ لأنَّه ضرورةٌ حتميَّةٌ للمؤمنِ العلويِّ، فهو أصلُ كلِّ خيرٍ لقولِ رسولُ اللهُ (ص): (أفضَلُكم إيمانًا أفضلُكُم معرفةً)، وهذه المعرفةُ التوحيديَّةُ هي الزَّكاةُ الحقيقيَّةُ لنفسِ المؤمنِ العلويِّ لقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)، وسيُؤتى على هذه التَّزكيةِ ثوابًا عظيمًا لقوله تعالى: (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى).

 

وحولَ تَسَاؤلِنا عن علاقةِ جهادِ النَّفــسِ بالعقيدةِ الدِّينيَّةِ التَّوحيديَّةِ، قال الدكتور أحمد: لا قيمةَ لجهادِكَ إن كنتَ مجاهدًا دونَ أن تكون موحِّدًا، فأنتَ إذ تجاهدُ فإنَّكَ تُجاهِدُ دفاعًا عن عقيدةِ التَّوحيدِ التي أمركَ اللهُ أن تُعلِي كلمَتَها، خاليةً من التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، لذلكَ لا يَقبلُ اللهُ جهادَ مجاهدٍ دون أن يكونَ موحِّدًا صافيَ العقيدةِ، وهذا مِن أُسُسِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخَصيبيِّ الذي لا تشوبُهُ شوائبُ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وَيَرتقي من عالمِ الدُّنيا إلى عالمِ الآخرةِ، فأهلُ الدُّنيا يقفونَ عندَ الحدودِ الدُّنيا لمفهومِ جهادِ النَّفسِ، فَيَظنُّونَ أنَّه يتعلَّقُ فقط بتَرويضِها على الطَّاعاتِ ومخالفةِ نوازعِها الشِّريرةِ والأهواءِ البدنيَّةِ، لكنَّ المؤمنينَ العلويِّينَ الذين ارتقَوا في مراتبِ العارفينَ وَعَرفوا حقيقةَ الأنوارِ وَشَهِدُوا الآنَ الدائمَ وأقرُّوا له بالشَّهادةِ العظمى، وَسَلبُوا عن حضرةِ الحقِّ ما رأوهُ من العللِ في عالَمِ الملكوتِ وعالَمِ الجبروتِ، أرادوا تحقيقَ السَّعادةِ وبلوغَ الأرَبِ فَجَاهدوا أنفسَهم عن الوقوع في مهالكِ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وصارَعوها لكيلا تَستبدِلَ رضا الخالقِ برضا المخلوقِ، امتثالاً لقول سيِّدنا المسيح (ع) لأحدِ تلاميذِهِ: (إِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا، لأنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟).

أجرى الحوار: وليد عرفات

 

المصدر: مصر تايمز

باحث علوي سوري: الغلو هو أن تجعل الأنبياءَ والرسلَ والأئمَّةَ بشراً خطَّائين

ahmad

باحث علوي سوري:

الغلو هو أن تجعل الأنبياءَ والرسلَ والأئمَّةَ بشراً خطَّائين

================

 

تَسْتَوقِفُنا في كثيرٍ من الأحيانِ بعضُ المفاهيمِ الخاطئةِ، بل والمُجحِفَةِ، بحقِّ الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ (ع)، وهناكَ أسئلةٌ تتبادرُ للذِّهنِ: هل الأنبياءُ والرُّسلُ والأئمَّةُ بَشَرٌ كسائرِ البَشَرِ فيما يَرجِعُ الى شُؤونِهم الطَّبيعيَّةِ البشريَّةِ، يأكلونَ ويشربونَ، ويتزوَّجونَ ويتناسلونَ ككلِّ البشرِ!؟ وهل يُعَدُّ هذا من كمالِ بشريَّتِهم؟ وهل اختصاصُ اللهِ لهم بالنُّبوَّةِ والرِّسالةِ والولايةِ والعصمةِ والإمامةِ لا يُخرِجُهم عن حَدِّ بشريَّتِهم!؟

من جهةٍ ثانيةٍ: هل العلويُّونَ هم غلاةٌ لأنَّهم يُنَزِّهونَ الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ عن الحالاتِ البشريَّةِ!؟ وهل تَنزيهُهُم لهم عن البشريَّةِ يعني تأليهَهُم!؟

 

للإجابةِ عن هذهِ التَّساؤلاتِ كانَ لموقعِ مصر تايمز هذا الحوارُ الصَّريحُ مع الباحثِ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي قالَ: أستغربُ كلَّ الغرابةِ ممَّن يعتقدُ أنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ (ع) بشرٌ مثلُنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وأنَّهم فقط عبادٌ مكرَّمُونَ كالأولياءِ الصَّالحينَ من نخبةِ البشرِ اختَّصُهم اللهُ تعالى بلطفِهِ وكرامتِهِ وَحَبَاهُم بالولايةِ…!!

 

وتابعَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ قائلاً: لقد سقطَ الحشويَّونَ والمقصِّرونَ في هذا الاعتقادِ، خاصَّةً أنَّهم احتجُّوا بأحاديثَ مزوَّرةٍ ملفَّقةٍ لإثباتِ شُبهَتِهم بحقِّ الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، الذين أظهرُوا الحالاتِ البشريَّةَ تعليمًا ولطفًا وتأنيسًا وتفهيمًا، لأنَّ الإنسانَ لن يفهمَ عن النُّورِ إذا كلَّمَهُ، ولا يفهمُ إلا عن جنسِهِ، فَوَجَبَ أن يكلِّمَ الأنبياءُ والرُّسلُ والأئمَّةُ المعصومونَ (ع) البشرَ من صورةٍ تشاكلُهم وَتُماثِلُهم، لكنَّ العاقلَ يفهم أنَّ ما أظهروهُ من مشاكلةٍ ومماثلةٍ لنا لا يَنفي المقامَ المحمودَ التكوينيَّ لهم، والذي يَخضعُ لولايَتِه كلُّ ما في هذا الكونِ، وهذا المقامُ لا يبلغُهُ حتى الملائكةُ المقرَّبون بدليلِ قول رسولِ اللهِ (ص): (لي مع اللهِ وقتٌ لا يَسَعني فيه مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسَلٌ)، وقول الأئمَّةِ (ع): (إنَّ لنا مع اللهِ حالاتٍ لا يبلغُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ). فلا شُبهَةَ في ولايَة الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع) على المخلوقينَ لِكَونِهِم السَّببُ في الخلقِ، ولم يدَّعِ أحدٌ أنَّ هناكَ خالقًا من دونِ اللهِ لقوله تعالى: (ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).

 

ولدى استفسارِنا عن وصفِ القرآنِ الكريمِ للأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ بأنَّهم بشرٌ أجاب الدكتور أحمد: إنَّ إطلاقَ لفظِ (البشر) عليهم مَجَازٌ لا حقيقةٌ، إذ لمَّا كانَ الموجودُ على الأرضِ بشرًا، أرسلَ اللهُ سبحانه وتعالى الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمةَ مبشِّرينَ ومنذِرينَ يَراهم البشرُ بشرًا مثلَهم على هيئتِهم وَصِفَتِهم البشريَّةِ وهم يَجِلُّون عن ذلكَ، بدليلِ قوله تعالى: (إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُم يُوحَى إليَّ)، فقد قال: (إنما أنا بشرٌ مثلكم) ولم يقل: (منكم) والفرقُ كبيرٌ بين الكلمتين (مثلكم- منكم)، ثم أتبَعَها تنزيهًا لهم عن البشريَّةِ بقوله: (يوحى إليَّ) فما تفسيرُ ذلك؟

لقد قال الإمام الصادقُ (ع): (إنَّا معاشِرَ الأنبياءِ والأوصياءِ لا نُحمَلُ في البطونِ ولا نخرجُ من الأرحامِ لأنَّنا نورُ اللهِ الذي لا تنالُهُ الأدناسُ)، فأنوارُ اللهِ في الأرضِ لا يَليقُ بهم فعلُ البشرِ من التَّزاوجِ والولادةِ والمخاضِ والعِصيانِ والغوايةِ والغضبِ والخوفِ والسَّهوِ والنَّقصِ والقتلِ والصلبِ، والقولُ والخطابُ بالنهي والزَّجر والتأنيب والتَّوبيخ لا يَليقُ بهم، إنَّما يقعُ هذا القولُ بِمَن هو مركَّبٌ من الطَّبائِعِ الأربعةِ من البشرِ، لذلك لا يجوزُ إثباتُ العصيانِ والغوايةِ على الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، لأنَّ الغوايةَ هي التَّوقُّفُ عن إجابةِ الدَّعوةِ، وهذا لا يقعُ في الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ المعصومين (ع)، لأنَّ عصمَتُهم ذاتيَّةٌ وشموليَّةٌ، ولا تقعُ عليهم أيَّةٌ من الحالاتِ البشريَّةِ التي ذكرنا، فمثلُ هذهِ الحالاتِ المذكورةِ في المُتَشَابِهِ من الآياتِ لا تليقُ بهم، بل بعَالَمِ البشرِ، كقوله تعالى: (وعصى آدمُ ربَّهُ فَغَوَى)، وقوله جلَّ جلاله: (لِيَغفرَ لك اللهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تأخَّر)، وقوله سبحانه: (لَئن أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكونَنَّ من الخاسرين).

 

وحول مَن يقول أنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ (ع) كانوا مجتهدينَ كبقيَّةِ البشرِ المجتهدينَ الذينَ قد يخطِئونَ ويصيبونَ، قال الباحثُ العلويُّ السُّوريُّ: مَن زعمَ ذلك فقد غَالى بهم، وهنا جاءَ تحذيرِ مولانا الصَّادق (ع) من أهل الغلوِّ حين قال: (إن الغلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، فَمَن أثبتَ على اللهِ ما لا يليقُ بهِ فقد غالى به، فالغلوُّ خطأٌ في الاعتقادِ، وهو إثباتُ التَّجسيمِ والتَّركيبِ لذاتِ الإلهِ عزَّ شأنُهُ، وهو إفراطٌ وتفريط؛ ولا يُرَى المؤمنُ مُفرِطًا ولا مُفَرِّطًا، لذلك فإنَّ عقيدَتنا العلوية الإسلاميَّة ليست غلوًّا ولا تسفيهًا، بل هي وسطيَّةٌ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا). ولَطالما اتَّهمَ المسلمون النَّصارى بأنَّهم أهلُ غلوٍّ وتسفيهٍ، لأنَّهم أنكروا وصايةَ سيِّدنا شمعون الصَّفا عليهم بعدَ سيدنا المسيح (ع)، وَرَفعوا سيدَنا المسيحَ (ع) إلى درجةِ الألوهيَّةِ، كما فعلَ المقصِّرةُ والحشويَّةُ والمنخنقةُ عندما رفعوا الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ (ع) إلى درجة الألوهيَّةِ.

إنَّ مَن اعتبروا أنَّ المسيحَ هو اللهُ، ما قَدَروا اللهَ حقَّ قَدْرِهِ، ولكنَّهم كفروا لأنَّهم عَبَدُوا المسيحَ من دونِ اللهِ، وجعلوا المُرسِلَ من جنسِ الرَّسولِ، ولم يفهموا قول سيِّدنا المسيح (ع): (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ). وأمَّا مَن اعتَبَروا أنَّ المسيحَ ابنُ اللهِ، فقد أشركوا لأنَّهم اعتبروا بأنَّهُ قديمٌ من قديمٍ، وأنَّ ذاتَ الأبِ والابنِ مشتركةٌ، وتناسَوا قولَ سيِّدنا المسيح (ع): (أنا والأبُ واحدٌ… وهو أعظمُ من الكلِّ)، وتعامَوا عن تنزيهِهِ لباريهِ في قوله: (المجدُ للهِ في العُلا)، ومَن كان المجدُ له لا يشبهُ شيئًا ولا يشبهُهُ شيءٌ لقولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إن اللهَ لا يُشبِهُ شيئًا ولا يشبهُهُ شيءٌ). وجميعُهم أفرَطُوا بتسليمِهم للمسيحِ (ع) ورفعوهُ إلى درجةِ الألوهيَّةِ، وما كانَ ذلكَ طاعةً للمسيحِ، بل لإفسادِ دعوَتِهِ للولايةِ، وأثبتوا ذلكَ من خلالِ التَّناقضِ والتَّفريطِ بالمسيحِ (ع)، فأثبَتوا عليه الصَّلبَ، ولكنَّ اللهَ تعالى يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ).

ولأنَّ القرآنَ الكريمَ يتحدَّثُ عن كلِّ الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ (ع)، ولا يختصُّ واحدًا دون الآخرِ، ففيهِ من الرَّمزِ ما يجعلهُ دائمًا أبدًا، فهل تساءلَ أحدٌ لماذا قال تعالى: (وما قتلوه)، مع أن فعلَ الصَّلبِ هو الواقعُ بسيِّدنا المسيح (ع)، فَبِمَن وقعَ فعِلُ القتلِ!؟

وزنًا بوزنٍ وقسطًا بقسطٍ: إنَّ الغلاةَ هم مَن أفرَطُوا وَرَفعوا الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ (ع) إلى مقامِ ربِّ العالمين، ثمَّ ظلموهُم وفرَّطوا بهم عندما زَعَمُوا أنَّهم قُتِلوا على يدِ الأمويِّين والعبَّاسيِّين. فالأنبياءُ والرُّسلُ والأئمَّةُ (ع) لم يُقتَلوا، بل شُبِّهَ لهم، فإذا كانَ المؤمنُ لا يموتُ، والإيمانُ لا يموتُ، لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا ولَيْسَ بِمَيِّتٍ ويَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا ولَيْسَ بِبَالٍ)، فكيفَ يموتُ الأنبياءُ والرُّسلُ والأئمَّةُ؟

وَنَفَى الباحثُ العلويُّ السُّوريُّ أن يكونَ هذا التَّنزيهُ تأليهًا لهم حيثُ قال: إنَّ تَعظيمَنا وَتَوقيرَنا وإجلالَنا للأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ (ع) عن القتلِ والصَّلبِ والحالاتِ البشريَّةِ ليسَ تأليهًا لهم كما زَعَمَتِ المقصِّرةُ والمنخنقةُ والحشويَّةُ، أو أرادَتْ التَّرويجَ لهذا الاتِّهامِ لنا نحنُ العلويِّين، بل هم استحقُّوا تعظيمَنا لهم لأنَّهم نورُ اللهِ، والنورُ ليسَ مركَّبًا من الطَّبائعِ الأربعةِ، وذلك بدليلِ قولِ سيِّدنا المسيحِ (ع): (مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ)، وقد سُئلَ الإمامُ الباقرُ (ع) عن قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) فقال: (النُّورُ؛ واللهِ نورُ الأئمَّةِ من آلِ محمَّد إلى يومِ القيامةِ، وهم واللهِ نورُ اللهِ الذي أُنْزِلَ، وهم واللهِ نورُ اللهِ في السَّماواتِ وفي الأرضِ).

 

 

المصدر: مصر تايمز

باحث علوي سوري: احذروا المواقع المشبوهة التي تدعي العلوية

ahmad

باحث علوي سوري:

احذروا المواقع المشبوهة التي تدعي العلوية

================

 

نطَّلعُ في الإنترنيت على مجموعاتٍ ومواقعَ يقالُ أنَّها علويَّة، ومنها (المعرفةُ بالنُّورانيَّةِ) و(أسرارُ العقيدةِ النُّصيريَّةِ) وغيرها، وهي تنشرُ مقالاتٍ كثيرةً عن العلويِّينَ، فهل هي حقيقةً مواقعُ تمثِّلُ العلويِّينَ أم أنَّها مواقعُ لا أساسَ لها من الصِّحَّةِ ولا ارتباطَ لها بهم.

حولَ هذا الموضوعِ كانَ لموقع مصر تايمز هذا الحوارُ مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد حيث قالَ لنا بكلِّ شفافيَّةٍ: لقد اطَّلَعْتُ على محتوى هذه المجموعاتِ والمواقعِ، ولكنَّني فُوجِئتُ بما وجدْتُ فيها من الإسفافِ الذي لا يَليقُ بالعلويِّ الطَّاهرِ الذي عَلَت نفسُهُ بمعرفةِ باريهِ وتسامَتْ بِتَخَلُّقِهِ بأخلاقِ النَّبيِّينَ وآدابِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، ورأيتُ فيها ما يثيرُ الرَّيبَ والشَّكَ ويجعلني أحذِّرُ منها كيلا يظنَّ متابعُوها أنَّها للعلويِّين حقيقةً، حتى لو نشرَتْ بعضَ مقالاتِنا وعلومِنا، فليسَ كلُّ مَن نشرَ لنا ومدَحَنا برياءٍ قادرٌ أن يَشتري صمتَنا عن أخطائِهِ وشبهاتِهِ، فلا أموالُ المموِّلينَ تنفعُ معنا، ولا شهاداتُ الدُّكتوراه الفخريَّةِ تُغرينا، ولا المناصبُ الدِّينيَّةُ ولا الكسوةُ الشَّرعيَّةُ هي التي تَمنحنا الشَّأنَ العالي عندَ ربِّنا.

 

وحولَ ملابساتِ هذه المجموعاتِ والمواقعِ وما تنشرُهُ من مقالاتٍ ورواياتٍ قال الباحث الدِّينيُّ: إنَّها تنشرُ مقالاتٍ ورواياتٍ مخالفةً للحقيقةِ التي أُمرنا بإقامَتِها حرصًا لا خوفًا، ويُظهرُونها على أنَّها من أسرارِ العلويِّينَ التي لا تُباحُ، وَيَهرعون بالسّبِّ والشَّتمِ والتَّكفيرِ لنا. علمًا أنَّ الأسرارَ الإلهيَّةَ غيرُ مُغيَّبةٍ عن النَّاسِ بل في أيدي الجميعِ، لكنَّهم غيَّبوا أنفسَهم عنها بإنكارِهم فَجَهِلُوها لقولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (سِرُّ اللهِ مَبثوثٌ بين خَلقِهِ لا يعرفُهُ أكثرُهم، ولو أرادَ لعرَّفَهم، فَمَا للهِ سِرٌّ إلا وهو على ألسُنِ خَلقِهِ، ولا لهُ حرزٌ أكبرُ من جَهلِهم بِهِ). فالنَّاسُ يَرونَ الأسرارَ عِيانًا لكنْ لا يَشهدونَها يَقينًا لقوله تعالى: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)، وهم يَسمعونَها ويتكلَّمونَ بها ويردِّدُونها لكن دونَ إيمانٍ ولا إدراكٍ لقوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ). ولكنَّنا إثباتًا للحجَّةِ أُمرْنا بقولِ الحقيقةِ لا بِطَمسِها، وبالتَّغنِّي بالنُّورِ لا بالظَّلامِ، لقوله تعالى: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)، ولكنْ دونَ أن نطرحَ جواهرَ السِّرِّ عاريةً من السِّترِ لقولِ سيِّدِنا المسيح (ع): (لا تَطرَحُوا دُرَرَكُم قدّامَ الخنازيرِ لئلَّا تَدوسَها بأرجلِها وتلتفتَ فَتُمزِّقَكم).

وأضافَ الدكتور أحمد موضِّحًا: الشَّهادةُ للرَّبِّ ليست سِرًّا، لكنَّ معرفتَهُ هي السِّرُّ الصَّميمُ، فالسِّرُّ موجودٌ في شهادةِ (لا إله إلا الله)، لكنْ هل اللهُ هو نبيٌّ أم رسولٌ أم وليٌّ أم صحابيٌّ أم رجلٌ أم…….؟ أم أنَّه اللهُ ربُّ العالمينَ المنادي من النَّارِ التي آنَسَتْ سيِّدَنا موسى الكليم (ع) فقال تعالى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ، فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)؟

وختمَ الدكتور أحمد حديثَهُ قائلاً وَمُحذِّرًا وموضِّحًا: إذا أردْتُم أن تتعرَّفُوا كيف تكونُ مخالفةُ الصِّراطِ وتشويهُ المعاني ونقضُ المباني فانظروا إلى مقالاتِ المسافِحين أصحابِ المجموعاتِ والمواقعِ الزَّائفةِ، وشروحاتِ المبذِّرينَ وسفاهةِ الضَّالِّينَ وسقاطةِ المختلَّينَ عقائديًّا، فهؤلاء الذين انتسَبُوا جميعًا إلى حزبِ إبليسِ الأبالسةِ، فَمَكَرُوا بفحشِ فِعلِهم وإعلانِ حقدِهم ليُثبِتُوا أنَّنا عابدونَ للبشرِ!! أو ليقتلونا بقولِ ما لا يجوزُ عنا!! أو ليُخرِجُوا ويَحرِفوا أبناءَنا عن نهجِ الحقِّ!! فمَكَرَ اللهُ عليهم بفضحِهم أمامَ النَّاسِ بعاهاتِ البرصِ والجذامِ، ومخالفاتِهم للدِّينِ القويمِ وَنَبذِهم في مناطقِهم، وأموالِهم التي قبضُوها لقاءَ مؤلَّفاتِهم المشبوهةِ من قِبَلِ الرَّاعينَ للحركاتِ الدِّينيَّةِ الإصلاحيَّةِ ظاهرًا والأصوليَّةِ حقيقةً، حتى بلغَ الأمرُ بأتباعِهم إلى تَمجيِدهم وتعظيمِهم وتَنصيبِهم سادةً لمذاهبَ قد تصبحُ منشقَّةً في المستقبلِ عن الأصولِ العلويَّةِ، ولكنَّ هذا لا يعدُّ خسارةً لنا، بل تنظيفًا دوريًّا لجسدِنا العلويِّ الطَّاهرِ لقولِهِ جلَّ لجلاله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).

 

أجرى الحوار: وليد عرفات

 

المصدر: مصر تايمز

الاستيعاب الديني والفتنة

ahmad

الاستيعاب الديني والفتنة

بقلم الباحث الديني العلوي: د. أحمد أديب أحمد

================

 

كتبَ الباحثُ السُّوريُّ في الشُّؤونِ الدِّينيَّةِ أحمد أديب أحمد مقالاً لوكالة مهر للأنباء تطرَّقَ فيه إلى قضيَّةِ الفتنةِ في الأمَّةِ الإسلاميَّةِ داعيًا إلى نبذِ التَّطرُّفِ الطَّائفيِّ ونفي الآخرِ لتحقيقِ وحدةِ الأمَّةِ وَوَأدِ الفتنةِ.

 

(الفتنةُ نائمةٌ لعنَ اللهُ مَن أيقظَها)؛ حديثٌ استُخدِم مؤخَّرًا بشكلٍ واسعٍ، وهو منسوبٌ لرسولِ اللهِ (ص) ومشهورٌ بضعفِ سَنَدِهِ، وهو يخدمُ سياسةَ الاستيعابِ الدِّينيِّ والمذهبيِّ سواء بالتَّرهيبِ أو بالتَّرغيبِ.

وسياسةُ الاستيعابِ الدِّينيِّ ليسَتْ بجديدةٍ، فهي امتدادٌ لما كان يجري سابقًا في العصورِ الأمويَّةِ والعبَّاسيَّةِ والعثمانيَّةِ. فقد كان المجتمعُ الإسلاميُّ يعاني من سياسةِ نشرِ الدِّينِ بالقوَّةِ، ومحوِ الآخرِ، فَعَلى الجميعِ أن يُواليَ معاويةَ ويزيدًا ويعاديَ عليًّا والحسينَ (ع) في زمنِ الأمويِّينَ الذي شاعَتْ فيه مسبَّةُ أميرِ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ على المنابرِ لألفِ شهرٍ، حتَّى أنَّ مَن كلَّفَهُ معاويةُ بأخذِ البيعةِ ليزيد أمسكَ بيدِهِ صُرَّةً من المالِ وبيدِهِ الأخرى سيفًا وقال: (مَن بايعَ فلَهُ هذا) وأشارَ بيدِهِ إلى المالِ، (وَمَن لم يُبايعْ فلَهُ هذا) وأشارَ بيدِهِ إلى السَّيفِ!!

لم تُسَمَّ مسبَّةُ الأمويِّينَ للإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بالفتنةِ!! بل اتُّهِمَ أصحابُهُ الموالونَ له بأنَّهم يَفتِنُونَ النَّاسَ في عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ!!

ولم تُسَمَّ بيعةُ يزيد اللَّعين فتنةً، لكنَّهم أطلقوا على ثورةِ الإمامِ الحسينِ (ع) اسمَ الفتنةِ!!

ولم يُسَمَّ بطشُ العبَّاسيِّينَ بأتباعِ أهلِ البيتِ (ع) فتنةً، لكنَّهم أطلقوا على احتجاجاتِ الأئمَّةِ وأصحابِهم على المذاهبِ الحائدةِ اسمَ الفتنةِ!!

ولم تُسَمَّ مجازرُ العثمانيِّينَ بالعلويِّينَ في سوريَّة فتنةً، بل زَعَموا أنَّ وجودَ العلويِّين بِحَدِّ ذاتِهِ فتنةٌ ويجبُ وأدُها أي قتلُهم!!

واستمرَّ الصِّراعُ بين أهلِ الباطلِ الذين حازُوا الجاهَ والمالَ والسُّلطةَ، وبينَ أهلِ الحقِّ القِلَّةِ الذين كلَّما حاولوا أن يُعلُوا كلمةَ الحقِّ اتُّهِمُوا بالفتنةِ وسُلَّتْ عليهم سيوفُ الظُّلمِ والاستبدادِ. وما زالَ يُقالُ في وجهِ مَن يُدافِعُ عن الحقِّ: (الفتنةُ نائمةٌ لعنَ اللهُ مَن أيقظَها)!!

كلمةُ حقٍّ يُرَادُ بها باطلٌ، لِيُشرِّعُوا إسكاتَهُ وإطفاءَ نورِهِ، وأمَّا الفتنةُ الحقيقيَّةُ فَتُروى وَتُرعى وَتَنمو وهي المتمثِّلةُ بالباطلِ الذي نَرَاهُ يُنشَرُ بسياسةِ السَّيفِ أو بسياسةِ الاستيعابِ..

فدعوةُ كلٍّ من داعشَ وجبهةِ النُّصرةِ والوهابيَّةِ والإخوانِ المسلمينَ لاستيعابِ الطَّائفةِ السُّنيَّةِ.. هي فتنةٌ.. والدَّليلُ ما نتجَ مؤخَّرًا عن مؤتمرِ جروزني في الجمهوريَّةِ الشِّيشانيَّةِ من إخراجٍ للوهابيَّةِ من دائرةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ.

وكم اعتزَّ مفتي الجمهوريَّةِ العربيَّةِ السُّوريَّةِ الشَّيخ أحمد بدر الدين حسون بإسلاميَّتِهِ الشَّاميَّةِ المعتدلةِ فاتَّهموهُ بالفتنةِ!! والحقيقةُ أنَّ الفتنةَ الحقيقيَّةَ هي اعتراضُ الوهابيَّةِ والإخوانِ المسلمينَ على المسارِ المعتدلِ الذي يَسلُكُهُ، حتى كان من نتائجِ فِتنَتِهِم المُغرِضَةِ استشهادُ الشَّيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي كان داعيًا للتَّمسُّكِ بالوطنِ والجيشِ فاعتبروهُ مُفتِنًا وقتلوهُ في المحرابِ بتفجيرٍ إرهابيٍّ.

فانظروا كيف يَقلبُونَ الحقائقَ وَيَلبِسُونَ الحقَّ بالباطلِ مع أنَّ اللهَ تعالى يقول: (وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ).

فليسَ من الفتنةِ أن يعتزَّ القائدُ بشَّار الأسد بالعروبةِ الصَّافيةِ ويتمسَّكَ بدفَّةِ القيادةِ لبلدِهِ لضمانِ حمايتِهِ من التَّقسيمِ والإرهابِ، وليسَ من الفتنةِ أن يعتزَّ سيِّدُ المقاومةِ حسن نصر الله بانتمائِهِ لشيعةِ الإمامِ الحسينِ (ع) ويتحلَّى بأخلاقِ أهلِ البيتِ (ع)، وليسَ من الفتنةِ أن يعتزَّ السُّنيُّ بسنيَّتِهِ والشِّيعيُّ بشيعيَّتِهِ والدُّرزيُّ بدرزيَّتِهِ والمسيحيُّ بمسيحيَّتِهِ، وليسَ من الفتنةِ أن نعتزَّ بعلويَّتِنا المتجذِّرَةِ بانتمائِنا للإمامِ علي والحسن والحسين والتِّسعة من بعد الحسين (ع)، بل الفتنةُ هي اعتراضُ مَن يريدُ إخراجَنا من دينِ الإسلامِ!!

فمِن حقِّ كلِّ إنسانٍ أن يعتزَّ بانتمائِهِ الوطنيِّ والدِّينيِّ، ويلتزمَ بعبادتِهِ وإقامةِ طقوسِهِ وعاداتِهِ وفقًا لتربيتِهِ وقناعاتِهِ مع وجوبِ احترامِ هذه العباداتِ والطُّقوسِ والعاداتِ من قِبَلِ الآخرينَ حتى يُبادِلَهم الاحترامَ نفسَهُ، لذلك فإنَّني أجدُ أنَّ المعيارَ لا يكونُ في أن ننفيَ وجودَ الطَّائفيَّةِ ونكذبَ على أنفسِنا وعلى الآخرين، ولا يكونُ في أن يتنكَّرَ كلٌّ منَّا لطائفتِهِ ويستحيَ منها، بل الواجبُ أن نستحيَ من الظُّلمِ والنِّفاقِ والرِّياءِ لقولِ الإمامِ علي زين العابدين (ع): (ليسَ من العصبيَّةِ أن يحبَّ الرَّجلُ قومَهُ، لكنَّ العصبيَّةَ أن يَرَى شرارَ قومِهِ خيرًا من خيارِ قومٍ آخرينَ)، فمحبَّةُ القومِ جائزةٌ وواجبةٌ، لكنَّ التَّعصُّبَ للأشرارِ هو المرفوضُ لأنَّه الفتنةُ العمياءُ التي تتمثَّلُ بتكفيرِ الآخرينَ والدَّعوةِ لقتلهِمِ.

فالحقُّ المشروعُ أن يقفَ الإنسانُ مدافعًا عن الحقِّ وعن وجودِهِ، ولا يَهُمُّ إن اتُّهِمَ بإشعالِ الفتنةِ أو لا!!

ولَطالما رَدَّ سيِّدنا أبو شعيب محمَّد بن نُصَير على أهلِ الغلوِّ، وأوضحَ سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيُّ الحجَّةَ بكلِّ جرأةٍ في كتابِهِ (الهداية الكبرى)، فكانَ ذلكَ مصدرًا لاعتزازِنا بتمسُّكِنا بنهجِهما الموافقِ لنهجِ أهلِ البيتِ (ع)، فكانت الفتنةُ الحقيقيَّةُ هي اعتراضُ مَن عاداهُما من مُتطرِّفي الشِّيعةِ والسُّنَّةِ الخارجينَ عن النَّهجِ العلويِّ الوسطيِّ الحقيقيِّ، لذلك حاربُونا لمقولَتِنا: (نحنُ الأصلُ وخاصَّةُ الخاصَّةِ عندَ الأئمَّةِ، ولسنا مقصِّرةً ولا حشويَّةً ولا مُنخَنِقَةً ولا غُلاةً)، فلماذا يعترضُ المرتزقةُ المنتفعينَ من الأموالِ المُغدَقَةِ عليهم من مؤسَّساتِ الفتنةِ الضَّخمةِ التي تَسعى لنشرِ البِدَعِ والشُّبهاتِ وتفتيتِ الصُّفوفِ.. لِيَدقُّوا إسفينَ الجهلِ والتَّبعيَّةِ والجبنِ والخوفِ في صفوفِ شبابِنا؟

ولابدَّ من الإشارةِ إلى أنَّ سياسةَ المدِّ الشِّيعيِّ التي تَسعى لها بعضُ التَّياراتِ الشِّيعيَّةِ المتطرِّفَةِ هي فتنةٌ، منها مَن يَرعاها وَيَدعَمُها الغربُ في لندن، وتتبنَّاها بعضُ المجمَّعاتِ الدِّينيَّةِ والمدارسِ الشَّرعيَّةِ التي تدعو للتَّشيُّعِ في سوريَّة ويلتحقُ برَكبِهِا أصحابُ النُّفوسِ الضَّعيفةِ الذين تمَّ شراؤهم بالمالِ. والدَّليلُ على أنَّها فتنةٌ هو مخالفتُهم لسياسةِ الإمامِ روحِ اللهِ الخُمَينيِّ والإمام علي الخامنئي الدَّاعيةِ للتَّحالفِ والتَّعاطفِ مع المذاهبِ المختلفةِ واحترامِها، وليسَ إلى محاربَتِها أو محاولةِ صهرِها في المذهبِ الشِّيعيِّ.

 

أقول أخيرًا:

إنَّ شهداءَنا في سوريَّة لم يكونوا داعينَ للفتنةِ حتَّى قتلوهم!! وكذلك لم يكن شهداءُ المجاهدينَ من حزبِ اللهِ داعينَ للفتنةِ حتَّى قتلوهم!! وكذلك لم يكن الشُّهداءُ الإيرانيُّون أو الرُّوس الذين سقطوا في سوريَّة وهم يحاربونَ الإرهابَ داعينَ للفتنةِ حتَّى قتلوهم!! على عكسِ مَن فجَّروا أنفسَهم وقتلوا الأبرياءَ واغتصبوا النِّساءَ ومثَّلوا بالجثثِ من الإرهابيِّين التَّكفيريِّين أصحابِ الفتنةِ الحقيقيَّةِ.

فالجرأةُ والقوَّةُ والمبادرةُ والإيضاحُ والصِّدقُ وقولُ كلمةِ الحقِّ ليست فتنةً، لكنَّ الفتنةَ هي الخوفُ والجبنُ والضَّعفُ والتَّلكُّؤ والإبهامُ والكذبُ والنِّفاقُ والمجاملةُ، ونحن قومٌ نقتدي بقولِ مولانا الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لَأَبْقُرَنَّ الباطلَ حتى أُخْرِجَ الحقَّ من خَاصِرَتِهِ).

وللهِ دُرُّ أبي النَّواسِ المتَّهَمِ بفتنةِ الخمرِ لأنَّه المُخلِصُ بإيمانِهِ الذي مَدَحَ به الإمامَ عليَّ الرِّضا (ع) بأجملِ الشِّعرِ قائلاً:

 

“مطـهـرون نـقـيــات ثـيابـــهـم

تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

من لم يكن علوياً حين تنســـبه

فما له في قـديم الدهـر مفتخــر

والله لما بــرا خـلقاً فأتـقـنــه

صـفاكم واصطفاكم أيها البشر

فأنـتم الملأ الأعـلى وعـنـدكم

علم الكتاب وما تأتي الســور”.

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء- إيران

نشر بتاريخ الخميس ٣ تشرين الثاني ٢٠١٦

 

باحث علوي سوري: لا نعتقد بالثَّالوث المتعدِّد ولا بتجسيم الألوهيَّة

ahmad

باحث علوي سوري:

لا نعتقد بالثَّالوث المتعدِّد ولا بتجسيم الألوهيَّة

* حوار: أحلام رمضان

================

 

نقرأُ في كثيرٍ من المواقعِ والكتبِ أنَّ العلويِّينَ يعتقدونَ بالثَّالوثِ المتعدِّدِ، ويجسِّمونَ الإلهَ في جسمِ عليٍّ ابن عمِّ الرَّسولِ (ص)، ونقرأُ كثيرًا من الرِّواياتِ والأساطيرِ التي تُحكى عنهم، لكنَّنا لا نجدُ جوابًا شافيًا، فقليلاً ما نرى أحدًا يتكلَّمُ ليوضِّحَ الحقيقةَ. ومن أجلِ التَّحقيقِ في هذا الأمرِ وإيضاحِ الحقيقةِ كانَ لموقع مصر تايمز هذا الحوارُ مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد.

 

مصر تايمز: لماذا برأيكَ كلُّ هذهِ الرِّواياتِ والأساطيرِ التي تُحكَى عن العلويَّةِ؟

الدكتور أحمد: إنَّ جحودَ وإنكارَ أعداءِ أميرِ المؤمنينَ (علي) كرَّمَ اللهُ وجهَهُ جعلَهم يُعادونَ أولياءَهُ وأتباعَهُ عبرَ العصورِ حِقدًا وبُغضًا وحَسَدًا، لكن أنَّى يكون لافترائِهم حقيقة ولدينا كعلويِّينَ من الأدلَّةِ ما يكفي لبراءَتِنا من تلفيقاتِهم وكذبِهم، بل ولدينا من الأدلَّةِ ما يكفي لِنَردَّ التُّهمةَ عليهم ونكشفَ كفرَهم وزندَقَتهم، ونفضحَ فسادَ عقيدتِهم السَّلفيَّةِ الباطلةِ، ولكنَّنا نرتقي دومًا في طاعتنا لرسولِ اللهِ (ص) الذي لا ينطقُ عن الهوى، وهو الذي أوضحَ الحكمَ الإلهيَّ الثابتَ حين بلَّغَ رسالةَ ربِّهِ عندما أمرَهُ في حجَّةِ الوداعِ بالآيةِ المباركةِ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، فقال مبلِّغًا الولايةَ على رؤوسِ الأشهادِ في يومِ الغديرِ العظيمِ مشيرًا لمولانا أمير المؤمنين (علي) كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اللهمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ وأحِبَّ مَن أحبَّهُ وأبغِضْ مَن أبغَضَهُ وانصُرْ مَن نصرَهُ واخذلْ مَن خذلَهُ).

 

مصر تايمز: ماذا تقولُ فيما كتبَهُ بعضُ الكتَّابِ المصريِّينَ والسُّعوديينَ كالدكتور مصطفى الشَّكعة وغيره، حيث أنَّهم يتَّهمونَ العلويِّينَ بأنَّهم يزعمونَ أنَّ صفاتِ عليٍّ البشريَّةَ الجسميَّةَ كامنةٌ في الذَّاتِ الإلهيَّةِ؟

الدكتور أحمد: نحن ندحضُ افتراءَ هؤلاءِ المفترينَ بقولِ رسولِ اللهِ (ص): (كنتُ أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ، يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النورُ ويقدِّسُهُ قبل أن يخلقَ اللهُ آدمَ بألفِ عامٍ)، فالذَّاتُ الإلهيَّةُ لا يكمنُ بداخلِها شيءٌ ولا يخرجُ منها شيءٌ، وهذا التَّبعيضُ لا نؤمنُ به إطلاقًا امتثالاً لقولِ مولانا أمير المؤمنين (علي) كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (ليسَ في الأشياءِ بوالجٍ ولا عنها بخارجٍ) نفيًا للحلولِ والتَّبعيضِ.

 

مصر تايمز: كيف يُقالُ إذن أنَّ أولَ اعتقادِ العلويَّةِ النصيريَّةِ هو بالثَّالوثِ المتعدِّدِ؛ أي إيمانُهم بثلاثةِ آلهةٍ؟

الدكتور أحمد: لم يَخلُ وقتٌ من الأوقاتِ من الهجومِ الشَّرسِ على نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ التَّوحيديِّ من قبلِ السَّلفيِّينَ الذين يُصَوِّرونَ أوهامَهم الشَّيطانيَّةِ في كتبِهم ومقالاتِهم المشبوهةِ، وإن افتراءاتِهم لسذاجَتِها تكادُ تكونُ مدعاةً للسُّخريةِ والأسفِ، هي وَمَن يُصدِّقها ويُروِّجُ لها وينشرُها، لكنْ يمكنُنا أن نقولَ: إنَّ دينَنا العلويَّ الإسلاميَّ القويمَ المرتكِزَ على كتابِ اللهِ تعالى هو دينُ توحيدٍ، ففي الاعتقادِ بالثَّالوثِ المتعدِّدِ شركٌ، وقد قالَ مولانا أمير المؤمنين (علي) كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (مَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ أشَارَ إِلَيْهِ)، ولا يمكنُ بحالٍ من الأحوالِ أن يكونَ اللهُ متجزِّئا في ذاتِهِ لقوله كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لاَ تَقَعُ الأوْهَامُ لَهُ عَلى صِفَة، وَلاَ تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّة، وَلاَ تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَالتَّبْعِيضُ، وَلاَ تُحِيطُ بِهِ الأبْصَارُ وَالْقُلُوبُ)، ولكنَّ اللهَ خارجٌ عن الأعدادِ، فأوَّلُ الأعدادِ هو الواحدُ والله أحدٌ لقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وهذا ينفي شركَ الثَّالوثِ المتعدِّدِ لقوله تعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ)، وهو أبينُ دليلٍ على كذبِ أولئكَ السَّلفيِّينَ المفترينَ الذين غَلُوا في دينِهم واتَّهمونا بهذا الغلوِّ لِيُزيلُوا الشُّبهةَ عنهم، وقد ذكرَهُم تعالى بقولِهِ: (يا أهلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُم)، وقد وقعَ فيهم قول سيِّدنا المسيح (ع): (تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ، هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا وَلَكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْمًا).

 

مصر تايمز: يقالُ أنَّكم تنكرونَ الألوهيَّةَ العظمى وتزعمونَ تجسيدَ الألوهيَّةِ في جسمِ عليٍّ، ما هو تعليقُكم؟

الدكتور أحمد: هناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ إجلالِ وتعظيمِ أميرِ المؤمنينَ (علي) كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لِمَا يمتلكُهُ في وجودِهِ من الصِّفاتِ الكماليَّةِ، وبين تجسيدِ الألوهيَّةِ في جسمٍ بشريٍّ كما يلصقونَ بنا زورًا!!

فمَن ذا الذي يقدر أن يبلغُ شأنَ أميرِ المؤمنين (علي) كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وهو الذي قال فيه رسولُ اللهِ (ص): (عليٌّ بابُ علمي، ومبيِّنٌ لأمَّتي ما أُرسِلتُ به من بعدي، حبُّهُ إيمانٌ وبغضُهُ نفاقٌ)، كما قال له (ص): (أنت الصِّدِّيقُ الأكبرُ، وأنتَ الفاروقُ الأعظمُ الذي يفرِّقُ بين الحقِّ والباطلِ)، أفَبَعدَ هذا شكٌّ في المقامِ الرَّفيعِ لأمير المؤمنين (علي) كرَّمَ اللهُ وجهَهُ!؟

لكن أن نُتَّهمَ بتجسيدِ الألوهيَّةِ في جسمٍ عليٍّ فهذا منافٍ للتَّوحيدِ لأنَّنا في نهجِنا العلويِّ لَسنا معطِّلينَ نَنفي وجودَ الإلهِ، ولا مجسِّمينَ نجسِّدُ الإلهَ في جسمٍ، بل موحِّدينَ يَقينًا لقولِ مولانا أمير المؤمنين (علي) كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (مَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ وَرَجِعَ بنفي فذلكَ معطِّلٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بصورةٍ فذلك مُجسِّمٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بحيرةٍ فذلكَ مُوحِّدٌ).

 

المصدر: مصر تايمز