أرشيف التصنيف: الدين العلوي

الدين العلوي

باحث ديني علوي: نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم

ahmad

باحث ديني علوي: نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم

أجرى الحوار: محمد مظهري

================

شاعَ في الفترةِ الأخيرةِ ظهورُ بعضِ الذين يقولونَ بأنَّ العلويِّينَ لا يؤمنونَ بمحمَّد نبيًّا، ويعتبرونَ أنَّه كان رجلاً ذكيًّا استطاعَ أن (يخدعَ النَّاسَ في زمانِهِ ويوهِمُهم بأنَّه نبيٌّ مُرسَلٌ)!، ومنذ فترةٍ ظهرَتْ مجموعةٌ من المثقَّفينَ والكتَّابِ ليَنشروا أفكارًا تعارضُ الأفكارَ الإسلاميَّة وَتَدعو إلى الخروجِ عن العاداتِ الإسلاميَّةِ الباليةِ حسبَ ادِّعاءِ أصحابِها.

للحديثِ حولَ هذا الموضوعِ أجرَتْ وكالة مهر للأنباء حوارًا خاصًا مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد، وهذا هو:

وكالة مهر للأنباء: ما هو تعليقكَ على مَن يقدِّمُ نفسَهُ مفكِّرًا دينيًّا أو كاتبًا فيَطعنُ بالإسلامِ ورسولِ الإسلامِ؟

د. أحمد: إنَّ الأفكارَ الإلحاديَّةَ انتشرَتْ عبرَ كافَّةِ العصورِ، لكنَّها كانت تأخذُ أشكالاً متعدِّدةً حسبَ طبيعةِ المجتمعِ والعلومِ التي توصَّلوا إليها في تلك العصورِ، فالوثنيَّةُ وعبادةُ الأصنامِ في عهدِ سيِّدنا محمَّد (صلواتُ اللهِ عليهِ وعلى آلِه) إلحادٌ، وعبادةُ الكواكبِ والنُّجومِ وكذلكَ عبادةُ النَّمرودِ في زمنِ سيِّدنا إبراهيم (ع) إلحادٌ، وعبادةُ فرعونَ والعجلِ في زمن سيِّدنا موسى (ع) إلحادٌ، وهذا يعني أنَّ الملحدينَ المنكرينَ موجودونَ في كلِّ عصرٍ، فلا عجبَ أن يوجَدوا في هذا العصرِ الحديثِ ويتأثَّروا بالعلومِ الماديَّةِ التي وصَلْنا إليها، فتَصعُبَ عليهم عمليَّةُ الرَّبطِ بين العلمِ والدِّينِ، ويربطونَ الدِّينَ بأحداثٍ تاريخيةٍ ورجالٍ متاجرينَ باسمِ الدِّينِ، فَيَطعنونَ بالدِّينِ والأنبياءِ والمرسلينَ، ومنهم سيِّدنا محمَّد (ص). هذا يعني أنَّ أمثالَ هؤلاءِ الذين يقدِّمونَ أنفسَهم باحثينَ في الأديانِ ليَطعنوا في دينِ الإسلامِ والنَّبيِّ الكريمِ هم عبارةٌ عن ساذجين مادِّيِّين ألحَدوا في دينِ اللهِ وانتهجُوا طريقَ الإلحادِ وإنكارَ الوجودِ الإلهيِّ، وآمنوا بنظريَّةِ الصُّدفةِ، وهذا أمرٌ يخصُّهم بشرطِ إلاَّ يتطاولوا على الدِّينِ والمعتقداتِ السَّاميةِ إنْ لم يَفهموها.

وكالة مهر للأنباء: يقولُ بعضُ هؤلاءِ الكتَّابِ أنَّ العلويِّينَ لا يؤمنونَ بمحمَّد نبيًّا ويطعنونَ بنبَّوتِهِ، والبعضُ يتَّهمُكم بأنَّكم تقولونَ أنَّ الوحيَ أخطأ فَنَزَلَ على محمَّد (ص) بدلاً عن الامامِ علي… ما تعليقكَ؟

د. أحمد: مِن السُّخريةِ بمكانٍ رميُ الاتِّهاماتِ من دونِ أدلَّةٍ وبراهينَ، فالاتِّهامُ الزُّورُ لمجرَّدِ الاتِّهامِ هو نهجٌ انتهجَهُ الحاقدونَ عبرَ العصورِ، وطالَنا منه كعلويِّينَ ما طالَنا، وَتَحمَّلنا منهم ما تحمَّلناهُ من الكذبِ والتَّضليلِ، لكن لا يموتُ حقٌّ وراءَهُ مدافعٌ، ونحنُ دومًا ندافعُ عن كلمةِ الحقِّ وننتصرُ بها. أمَّا بالنِّسبةِ لِمَن يزعمُ أنَّنا لا نؤمنُ بمحمَّد نبيًّا فهو كمَن يُخرجُنا من دينِ الإسلامِ لأنَّ شهادةَ الإسلامِ: (أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ)، فهل تكونُ الشَّهادةُ ناقصةً؟ بالطَّبعِ لا. ولكنْ من الغرابةِ أنْ يَقلبُوا الحقائقَ فيُحوِّلوا تنزيهَنا للأنبياءِ والأئمَّةِ إلى إنكارٍ لهم، ويحوِّلوا إيمانَنا بعصمَتِهم إلى طعنٍ بنبوَّتِهم وإمامَتِهم!! عدا عن أنَّ الوحيَ المرسلَ الذي هو جبرائيلُ (ع) لا يمكنُ أن ينطقَ عن الهوى فكيفَ له أن يُخطئَ؟

إنَّ مَن يَزعمُ أنَّ الوحيَ أخطأ فنزلَ على سيِّدنا محمَّد (ص) بدلاً من أمير المؤمنين عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ هو مفترٍ وجاهلٌ، لأنَّه يطعنُ في نزاهةِ الوحي ونورانيَّتِهِ، ويطعنُ بسيِّدنا محمَّد (ص) ويجعلُهُ غيرَ لائقٍ بالرِّسالةِ، ويطعنُ بمولانا علي كرَّم اللهُ وجهَهُ لأنَّه يجعلُهُ مهمَّشًا وضعيفًا، ويطعنُ باللَّهِ عزَّ وجلَّ لأنَّه يجرِّدُهُ من العدلِ الإلهيِّ، فهل من عاقلٍ يقبلُ بهذا الكلامِ واللهُ هو الذي اصطفاهُم بقوله: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)؟

وكالة مهر للأنباء: تحدَّثتَ عن تنزيهكُم للأنبياءِ وإيمانِكُم بعصمَتِهم، فما هو مفهومُ عصمةِ الأنبياءِ لديكم؟ وهل العصمةُ بعدَ البعثةِ أم قبلَها أيضًا؟

د. أحمد: إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ الخصيبيَّ يقولُ بعدمِ جوازِ صدورِ الذُّنوبِ والمعاصي من الأوصياءِ والأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ (ع) مطلقًا لا قبلَ إظهارِهم النُّبوَّةَ والرِّسالةَ ولا في حالِها ولا بعدَها و….، فإنكارُ العصمةِ التَّكوينيَّةِ المطلقةِ للأنبياءِ هي من مقولاتِ ابنِ تيميَّةَ وأتباعِهِ، وقد أثبتَ الحشويَّةُ والمنخنقةُ والمقصِّرةُ كونَ الحالاتِ البشريةِ عليهم كي لا يعصمُوهم عن الخطأ والسَّهو والمعصيةِ، ليبرِّروا تصحيحَ الخلافةِ التي أشرَعها اللهُ بلسانِ نبيِّهِ لأميرِ المؤمنينَ (علي) والأئمَّةِ (ع) من بعدِهِ، فاغتصبَها البعضُ بالحيلةِ والقهرِ والقوَّةِ، وعلى رأسِهم الطُّلَقَاءُ وأبناءُ الطُّلقاءِ من بني أميَّةَ وبني العبَّاسِ، وَجَوَّزوا خلافةَ مَن عبدَ الأصنامَ في سالفِ عمرِهِ وَفَعَلَ أفعالَ الجاهليَّةِ.

أما نحن كعلويِّين فنقرُّ إقرارًا تامًّا بعصمةِ الأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسلِ قبلَ البعثةِ وبعدَها امتثالاً لقولِ الإمامِ الرِّضا (ع) لسائلٍ سألَ عن الآياتِ المتشابهةِ: (ويحَكَ، اتَّقِ اللهَ ولا تنسبْ إلى أنبياءِ اللهِ الفواحشَ، ولا تتأوَّلْ كتابَ اللهِ برأيكَ). وللأئمَّةِ مقامٌ محمودٌ ودرجةٌ ساميةٌ تكوينيَّةٌ يخضعُ لولايَتِها الكونُ، وإنَّ لهم مقامًا لا يبلغُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ حيث قال جبرائيل (ع) كما وردَ في رواياتِ المعراجِ: (لو دَنَوتُ أُنمُلَةً لاحتَرَقْتُ)، وقد ورد عن الأئمَّةِ (ع): (إنَّ لنا مع اللهِ حالاتٍ لا يبلغُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ).

فهؤلاء لابدَّ أن يكونوا معصومينَ مُطَهَّرينَ تطهيرًا تكوينيًّا لقولهِ تَعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، وهذه الآية تُعتبرُ من دلائلِ العصمةِ الذَّاتيَّةِ عند الأئمةِ، إذ تُبَيِّنُ أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ طَهَّرَ الرَّسولَ من كلِّ رِجسٍ، وَمَنْ طَهَّرَهُم اللهُ تعالى فهم مُطَهَّرون مَعصومون، وهم السَّفينةُ ذات المدلولِ العظيمِ، التي قال فيها رسول الله (ص): (مَثَلُ أهلِ بيتي فيكم كَمَثَلِ سفينةِ نوح، من رَكِبَها نَجَا، ومَن تَخَلَّفَ عنها هَلَكَ).

وكالة مهر للأنباء: هل تصبُّ هذه العصمةُ في معنى تأليهِهم خاصَّةً أنَّ النُّصيريَّةَ متَّهمةٌ بتأليهِ الأنبياءِ والأئمَّةِ؟

د. أحمد: لماذا الإصرارُ دومًا على اتِّهامنا بتأليهِ الأنبياءِ والأئمَّةِ واعتبارِهم في مقامِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ؟ يبدو أنَّه من الصَّعبِ أن يفهمَ الضُّعفاءُ معنى قولِ النَّبيِّ (ص): (لي مع اللهِ وقتٌ لا يَسَعني فيه ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ)، وقول الإمام الصادق (ع): (إنَّ لنا مع اللهِ حالات هو فيها نحنُ ونحنُ هو، وهو مع ذلكَ هو هو ونحن نحن)، فالُمدقِّقُ المُنصفُ يَفهم أنَّ النَّبيَّ يفرِّقُ بين نفسِهِ وبين ربِّهِ، وهو القائلُ (ص): (أوَّلُ ما خلقَ اللهُ نوري)، وكذلكَ يَعِي هذا المدقِّقُ أنَّ الصَّادقَ (ع) لا يساوي نفسَهُ بربِّهِ، بل يؤكِّدُ على إفرادِ الانفصالِ بعدَ إثباتِ الاتِّصالِ، لأنَّ الأنبياءَ والأئمَّةَ هم الواسطةُ التَّكوينيَّةُ بين الرَّبِّ والخلقِ، بدليلِ قولِ الرَّسولِ (ص): (مَن رآني فقد رأى الحقَّ)، وقول سيِّدنا المسيح (ع): (أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ، لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي، لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا).

ما ذكرتُهُ يؤكِّدُ أنَّ كلَّ ما أظهروهُ تعليمٌ لنا للالتزامِ والارتقاءِ بأنفسِنا إلى صفائِها، فلا المعصيةُ لَحِقَتْ بِهم، ولا الخسارةُ ولا المخالَفَةُ ولا التحذيرُ وقَعَ عليهم، إنَّما كلُّ ذلكَ راجعٌ وواقعٌ بالبشرِ، فالأئمَّةُ والأنبياءُ والرُّسلُ (ع) أسمَى وأرقى من ذلكَ لأنَّهم أنوارُ اللهِ لقولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إنَّنا معاشرَ الأنبياءِ والأوصياءِ لا نُحمَلُ في البطونِ ولا نخرجُ من الأرحامِ لأننا نورُ اللهِ الذي لا تَنَالُهُ الأدناسُ)، وقد سُئِلَ الإمامُ الباقرُ (ع) عن قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) فقال: (النُّورُ؛ واللهِ نورُ الأئمَّةِ من آلِ محمَّدٍ إلى يومِ القيامةِ، وهم واللهِ نورُ اللهِ الذي أُنزِلَ، وهم واللهِ نورُ اللهِ في السَّماواتِ وفي الأرضِ).

وكالة مهر للأنباء: ماذا تقولُ في الختامِ لمَن ينشرونَ أفكارًا تعارضُ الأفكارَ الإسلاميَّةَ وتدعو إلى الخروجِ عن العاداتِ الإسلاميَّةِ الباليةِ حسبَ ادِّعاءِ أصحابِها؟

د. أحمد: أقول لهم: الحسُّ لا يَنالُ غيرَ الجزئيَّ، فلو اقتصَرْنا في الاعتمادِ على الحسِّيَّاتِ فحسبْ، من غيرِ ركونٍ إلى العقليَّاتِ، لن يتمَّ لنا إدراكٌ ولا فكرٌ لقوله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)، وقوله: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). فالحياةُ الإنسانيَّةُ قائمةٌ على أساسِ الإدراكِ والفكرِ، وكلَّما كان الفكرُ صحيحًا كانت الحياةُ قويمةً، ولهذا دَعَا القرآنُ إلى الفكرِ الصَّحيحِ وترويجِ طرقِ العلمِ في آياتٍ كثيرةٍ كقوله: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، فالنَّهجُ الاستدلاليُّ أو الاستقرائيُّ الذي تنتهجونَهُ صحيحٌ بشرطِ عدمِ القياسِ والاجتهادِ فيه، لذلك أنصحكُمْ بالتزامِ قول أمير المؤمنين (علي) كرَّم اللهُ وجهَهُ: (لا يُعرَفُ الحقُّ بالرجالِ، اعرفِ الحقَّ تعرفْ أهلَهُ).

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء

باحث ديني علوي: نحن نمارسُ الشريعة ونَعقِلُ الحقيقة ونفي بالعقود

ahmad

باحث ديني علوي:

نحن نمارسُ الشريعة ونَعقِلُ الحقيقة ونفي بالعقود

أجرى الحوار: محمد مظهري

================

أشارَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ أحمد أديب أحمد إلى إنَّ النُّصيريِّينَ يمارسونَ الشَّريعةَ ويعقلونَ الحقيقةَ، منوِّهًا إلى إنَّ إنَّه ليسَ بين الكتبِ السَّماويَّةِ المُنزَلةِ والأنبياءِ والرُّسلِ تفرقةٌ ولا اختلافٌ، لأنَّهم على دينٍ واحدٍ هو علمُ الحقائقِ الذي لا يختلفُ ولا يتغيَّرُ.

أكَّدَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ الدكتور أحمد أديب أحمد في حديثٍ خاصٍّ لوكالة مهر للأنباء بأنَّ الاتِّهاماتِ الموجَّهةَ للعلويَّةِ النُّصيريَّةِ بالغلوِّ والتَّطرُّفِ الفكريِّ، وإهمالِ الظَّاهرِ والتَّمسُّكِ بالباطنِ، عاريةٌ عن الصِّحَّةِ مضيفًا: إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ الخصيبيَّ يقومُ على مبدأ الوسطيَّةِ الموسومِ بالصِّراطِ المستقيمِ في قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

 

وأوضحَ الباحثُ السُّوريُّ أنَّ الوسطيَّةَ أو الصِّراطَ المستقيمَ موقفٌ معتدلٌ بين موقفينِ متطرِّفينِ، وهما الإفراطُ والتَّفريطُ، مستشهدًا بقولِ الإِمَامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (الجَاهِلُ لاَ يُرَى إِلاَّ مُفرِطًا أَو مُفَرِّطًا)، لذلك عَبَّرَتْ عنهما الآيةُ الكريمةُ بالسُّبُلِ المنهيِّ عن اتِّباعِها، كما قالَ مولانا أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اليمينُ والشِّمالُ طريقُ ضلالةٍ، أمَّا الطريقُ الوسطى فهي الجَّادَّةُ)، وهو ما أشارَ إليه أفلاطونُ الحكيم بقولِهِ: (الفضيلةُ وسطٌ بينَ رَذيلَتين)، فالجاهلونَ هم الذين اعتقدُوا بالشَّرائعِ فقط وأنكروا الحقائقَ مطلقًا، وظنُّوا أنَّهم لم يُكلَّفوا إلا بالصُّورِ الشَّرعيَّةِ الظَّاهرةِ، لقوله تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ)، فالاختلافُ يكونُ حسب زعمِ الجاهلين واقعًا من الأنبياءِ، وإليهم عائدٌ.

 

ورأى الدكتور أحمد أنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ يقولونَ للعامَّةِ أقوالاً على سبيلِ مذاهبِهم الظَّاهرةِ، ويوضِّحونَ للخاصَّةِ الحقائقَ المعرفيَّةَ، لذلك نجدُ الأقوالَ المتضادَّةَ والملتبسَةَ المتشابهةَ ضِدَّ الأقوالِ المحكَمَةِ الثَّابتةِ.

مضيفًا بقولِهِ: إلاَّ أَّنَّ ما يُثبِتُ الاعتقادَ بالحقائقِ هو التزامُنا أنَّ كافةَ الأنبياءِ والرُّسلِ لا يدينونَ إلا بدينٍ واحدٍ، ولا يريدونَ من حقائقِ شرائعِهم وفرائضِهم وكافَّةِ أقوالِهم إلاَّ هذه الحقائق، فلو كان المرادُ بالشَّرائعِ ظاهرُها فقط فلماذا اختلَفَت أوامرُها ونواهيها وتحليلُها وتحريمُها.

 

وأشارَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ إلى أنَّ القرآنَ يؤكِّدُ حقيقةَ ما وَصَّى به تعالى الأنبياءَ والرسلَ من علمِ الحقائقِ لا علمِ الشَّرائعِ، لأنَّ علمَ الشَّرائعِ فيه خلافٌ وتفرقةٌ، أمَّا علمُ الحقائقِ فهو الدِّينُ القيِّمُ الثَّابتُ قولاً وفعلاً مستشهدًا بقوله تعالى: (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)، وقوله تعالى: (وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)، وقوله تعالى: (لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ). ومثلُ ذلك ما وردَ في الإنجيلِ عن سيِّدنا المسيح (ع): (يغلطُ مَن يجعلُ اللهَ خاضعًا للشريعةِ كما أنه هو نفسُهُ خاضعٌ لها من حيث هو إنسان).

 

ونوَّهَ الدكتور أحمد أديب أحمد إلى أنَّه ليسَ بين الكتبِ السَّماويَّةِ المنزلةِ والأنبياءِ والرُّسلِ تفرقةٌ ولا اختلافٌ، لأنهم على دينٍ واحدٍ هو علمُ الحقائقِ الذي لا يختلفُ ولا يتغيَّرُ، بل الاختلافُ من جهةِ علومِ الظاهرِ التَّشريعيَّةِ فقط، فالشَّرائعُ الظَّاهرةُ هي المتحوِّلةُ، أي لا اختلافَ بالتَّنزيلِ بل بالتَّأويلِ. وقد حصلَ الاختلافُ في التَّأويلِ عندما انحرفَ أصحابُ علمِ الشَّرائعِ عن الحقائقِ المحكَمَةِ، وتعلَّقوا بالاعتقادِ بالمتشابِهِ، فتناقَضَتْ أقوالُهم، وزاغوا عن الحقِّ، فأزاغَ اللهُ قلوبَهم عدلاً منه تعالى كما أخبرَ عنهم في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)، فالخسرانُ المبينُ لأصحابِ علمِ الشَّرائعِ الذين يتَّبعونَ المتشابهاتِ ويتركونَ المحكماتِ، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ)، فالمتشابهُ كمثالٍ لعلمِ الشَّرائعِ ليس للاعتقادِ والتَّديُّنِ، ودليلُ نفي الاعتقادِ بعلمِ الشرائعِ حقيقةً هو قوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا)، إنَّما الاعتقادُ بالمحكمِ كمثالٍ لعلمِ الحقائقِ في قوله تعالى: (وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا).

 

وعلَّقَ الباحثُ في الشُّؤونِ العلويَّةِ على ما يُقالُ حولَ العلويِّين عن عدمِ إقامةِ الشَّريعةِ الظَّاهرةِ وتمسُّكِهم بالمعتقداتِ الباطنيَّةِ بأنَّ هذا كلامٌ غيرُ دقيقٍ مؤكِّدًا أنَّ العلويِّين النُّصيريِّين يمارسونَ الشَّريعةَ ويعقلونَ الحقيقةَ، لكنَّ البعضَ لم يفهمْ ما هو معنى رفعِ التَّكليفِ، وظَنَّهُ إهمالاً، منوِّهًا أنَّ اللهَ لم يفرضْ على المؤمنينَ العارفينَ التَّكليفَ بالاعتقادِ بالشَّرائعِ الظَّاهرةِ، بل رَفَعَها عنهم تكليفًا لأنَّ التَّكليفَ الظَّاهرَ ليسَ غايةً، وإنَّما هو وسيلةٌ وَدِرعُ وقايةٍ، وبقيتِ الفرائضُ فرائضًا مُلزِمةً لنا، فالحشويَّةُ والمقصِّرةُ يَحملونَ على الاعتقادِ بعلمِ الشَّرائعِ المَحضِ، ويتمسَّكونَ بحرفيَّةِ النَّصِّ ويرفضونَ علمَ الحقائقِ، فهم من الذين وَصَفَهم تعالى بقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) لأنَّ السَّرابَ مَثَلٌ على الاعتقادِ بعلمِ الشرائعِ المحضِ، فظلموا أنفسَهم وكانوا كما قال تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ)، لأنَّ التبديلَ الحاصلَ في علمِ التَّشريعِ خصَّ به الظَّالمين فقط، إذ لم تقل الآيةُ: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ آمنوا)، وهؤلاء هم الذين غَرَّهُمْ علمُ الشَّرائعِ الظَّاهرِ المحضِ.

 

وختمَ الدكتور أحمد قائلاً: لا يجوزُ للعاقلِ اللبيبِ الخبيرِ في نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ أن يجعلَ المثلَ حقيقةً للممثولِ، فالخلافُ ليسَ حولَ الفرائضِ (كالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحجِّ والجهادِ) وغيرها، بل حولَ تأويلِ أصحابِ علمِ الشَّرائعِ الحشويِّينَ والمقصِّرينَ لهذهِ العباداتِ، فالحقُّ ما أتى به الأنبياءُ والرُّسلُ وأهلُ العصمةِ من الحقائقِ التي هي القولُ الثابتُ الذي لا يتبدَّلُ كما أشارَ إليه تعالى بقوله: (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ)، وقد جاء عن سيِّدنا المسيح (ع) قوله: (قولوا لي: أللعلمِ أم العملِ أعطانا اللهُ الشريعةَ؟ الحقَّ أقولُ لكم: إنَّ غايةَ كلِّ علمٍ هي تلكَ الحكمةُ)، فجميعُ الفرائضِ واجبةٌ ولازمةٌ لأهلِ الإيمانِ، لكنَّ معرفةَ الحقائقِ مُفتَرَضةٌ عليهم لأنَّ الأعمالَ لا يَقبَلُها اللهُ جلَّ جلالُهُ إلاَّ مِن أهلِ الإيمانِ المُقرِّينَ بوجودِهِ، وقد تَمَّ تغييبُ أهلِ التَّفويضِ والتَّقصيرِ عنها وكُلِّفوا بالحدودِ الشَّرعيةِ فقط لإنكارِهم، فَمَن تركَ الاعتقادَ بالحقائقِ فقد تَعَدَّى حَدًّا من حدودِ اللهِ، وَضَيَّعَ حقًّا من حقوقِهِ، فالمؤمنُ العلويُّ النصيريُّ الخصيبيُّ العارفُ وَفَى بالعقودِ عندما أكَّدَ اعتقادَهُ بالحقائقِ معرفةً، ورفضَهُ الاكتفاءَ بالشَّرائعِ على سبيلِ التَّديُّنِ جهلاً، لذلك نَجَا بمعرفةِ باريهِ وكان مِن المتَّقين في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

 

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء

باحث ديني علوي: المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله

ahmad

باحث ديني علوي:

المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله

أجرى الحوار: محمد مظهري

================

أشارَ الباحثُ الدِّينيُّ السُّوريُّ الدكتور أحمد أديب أحمد إلى أنَّ ملاحقاتِ العثمانيِّينَ للعلويِّينَ كان لها الدَّورُ الأكبرُ في ابتعادِهم عن المساجدِ والتزامِهِم البيوتَ، في الوقتِ الذي تَغُصُّ فيه مساجدُ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ بالمصلِّينَ، متسائلاً بالنَّظرِ إلى هذهِ الإجراءاتِ: هل يَنبغي أن نعتقدَ بأنَّ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ لا يؤمنونَ بالمساجدِ ولذلكَ لا يَرتادونَها؟

 

وصَرَّحَ الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد لوكالةِ مهر للأنباء أنَّهُ مع الأيَّامِ اختلطَتِ الأمورُ ببعضِها وتحوَّلَتْ المساجدُ إلى مكانٍ للقتلِ والجريمةِ، فالعديدُ من مجازرِ الذَّبحِ والقتلِ والتَّمثيلِ ارتُكبَتْ بحقِّ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ في المساجدِ نفسِها.

 

وأضافَ: وَيُسَجِّلُ التَّاريخُ أفظعَ المجازرِ التي ارتكبَها العثمانيُّون بحقِّنا في حلبَ بعدَ الحربِ التي شُنَّتْ على الدَّولةِ الحمدانيَّةِ في القرنِ السَّادسِ عشر ميلادي، أشهرُها مذبحةُ الجامعِ الكبيرِ في حلبَ على يَدِ الطَّاغيةِ سليم الأول بفتوى الفناءِ لابنِ تيميَّةَ لعنَهُ اللهُ، والتي أودَتْ بحياةِ أربعينَ ألفِ مُصَلٍّ وَرَاحَ ضحيَّتَها آلافُ أطفالٍ ونساءٍ وشيوخٍ في منطقةِ (التِّلَلِ) الواقعةِ غربَ القلعةِ، والتي سُمِّيَتْ كذلكَ بسببِ تِلَلِ الرُّؤوسِ التي حَزَّها أولئكَ الأصوليُّونَ التَّكفيريُّونَ.

 

وتابعَ: اليومَ يتابعُ أعداءُ الدِّينِ الوهابيُّون والإخوانُ المسلمون استخدامَ المساجدِ كمستودعاتٍ للسِّلاحِ ومنصَّاتٍ لإطلاقِ الصَّواريخِ والقنَّاصاتِ وغيرِها، فهل يُعقَلُ أن تكونَ هذهِ المساجدُ هي المساجدُ المقدَّسَةُ التي هي بيوتُ اللهِ حقًّا، والتي يُحاسبُنا البعضُ من عَدَمِ وُرُودِها وهو القائلُ: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ)؟.

وأردفَ: بالطَّبعِ لا، لأنَّ المسجدَ في مفهومِنا العلويِّ النُّصيريِّ حبلٌ متَّصِلٌ بين الأرضِ والسَّماءِ، ومكانٌ للطَّهارةِ، ومنطقةٌ حُرِّمَتْ على الشَّياطينِ وانقطَعَتْ عن الأهواءِ، فَصَارَتْ مَهْدَ الإيمانِ ومنهلَ الصَّفاءِ والإخلاصِ، وهو مدرسةٌ خَصَّهَا اللهُ تعالى باسمِهِ حتَّى صارَ بَيتَهُ، ونحنُ من طلابِ هذهِ المدرسةِ، وقد دَوَّننا اللهُ تعالى من زُمرةِ أبناءِ المسجدِ إذْ سَمَّى اللهُ تعالى الطَّرائقَ والحقائقَ باسمِ المسجدِ، لكنَّه نَهَى عن الإقامةِ بمسجدِ التَّشبيهِ في قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وبيَّنَ لنا أنَّ الإقامةَ بالمسجدِ الحقيقيِّ الذي أُسِّسَ على تَقوى الإثباتِ والإفرادِ في قوله سبحانه: (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).

 

وقالَ الدكتور أحمد: أشهرُ أئمَّةِ المساجدِ من سادَتِنا العظماءِ بعدَ سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ هو أكبرُ وأفقهُ تلامذتِهِ وهو الشَّيخُ الثِّقةُ محمد بن عليٍّ الجِلِّيِّ الذي كان إمامًا لأكبرِ مساجدِ المسلمينَ في حلب، وهناك الكثيرُ من سادَتِنا عبرَ التَّاريخِ كانوا أئمَّةً للمسلمينَ في المساجدِ لا يَتَّسِعُ المجالُ لذكرِهِم هنا.

 

وأضافَ الباحثُ العلويُّ: كيف لا نكونُ من أبناءِ المساجدِ ونحنُ نَمْتَثِلُ كعلويِّينَ جعفريِّينَ نُصيريِّينَ لأمرِ مولانا جعفر الصَّادق (ع): (عَلَيكُمْ بإتيانِ المساجدِ فإنَّها بيوتُ اللهِ في الأرضِ، وَمَن أتَاها مُتَطَهِّرًا طَهَّرَهُ اللهُ من ذنوبِهِ وكَتَبَهُ من زُوَّارِهِ، فأكثِروا فيها من الصَّلاةِ والدُّعاءِ)، لكنَّنا نَحترمُ قدسيَّةَ المسجدِ لأنَّهُ مكانٌ للتَّوحيدِ والعبادةِ لا للمُجونِ والرِّياءِ، لقوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا).

وتابعَ الدكتور أحمد أديب أحمد: إنَّ المسجدَ في المفهومِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ له مقامُ التَّجلِّي، وله عنوانُ عِيَانِ الحقِّ، لكنَّهُ لا يُشيرُ إلى مشهدٍ إلهيٍّ دونَ غيرِهِ من المَشَاهدِ، وإنَّما هو جامعٌ للمَشاهدِ كلِّها لقوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ)، وهذا لا يتحقَّقُ بعبادةِ الهوى وطلبِ اللَّذَّاتِ بل بالاتِّصالِ الرُّوحيِّ مع اللهِ تعالى، فالمسجدُ ليسَ مجرَّدَ بناءٍ يتردَّدُ إليهِ النَّاسُ في أوقاتٍ من النَّهارِ، بل هو المقامُ الذي يُعبِّرُ عن الاتِّصالِ باللهِ سبحانَهُ وتعالى، والتَّوجُّهِ والانقيادِ إليهِ سبحانَهُ، وَمَن كانَ يريدُ أن يحقِّقَ هذا الاتِّصالَ الكاملَ فَعَليهِ أن يتخطَّى الشُّبهاتِ التي وقعَ بها الحائدونَ عن النَّهجِ الحقِّ: أوَّلُها تلكَ التي ظَنَّ أصحابُها أنَّ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ هي الأحكامُ الحقيقيَّةُ المفروضةُ، فتَرَكوا وأنكروا العلومَ الحقيقيَّةَ عندَنا وهَجَروها، والتزَموا اعتقادًا حقيقيًّا أفكارَ وأقوالَ روَّادِ المنخنقةِ والمقصِّرةِ، ويكفي للرَّدِّ عليهم قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (لا تَعْمَلْ بالشَّريعةِ دونَ أن تَعْلَمَ الحقيقةَ فَيَحبِطَ عَمَلُكَ)، وثانيها تلكَ التي ظَنَّ أصحابُها أنَّ علمَ القشورِ واجبٌ اعتقادًا كعلمِ الحقائقِ، فَهُم يساوونَ بينَ القشورِ واللُّبِّ، ويكفي للرَّدِّ عليهم قوله سبحانه: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ)، والكلُّ يعلمُ الفرقَ الكبيرَ بين العذبِ الفراتِ عندنا، والملحِ الأجاجِ عندَ غيرِنا، وثالثُها تلكَ التي ظَنَّ أصحابُها أنَّه يجبُ العملُ بعلمِ القشورِ الذي بَلَّغَهُ الأنبياءُ والرُّسُلُ فقط، ويكفي للرَّدِّ عليهم ما قالَهُ الإمام الصَّادق (ع): (مَن تركَ الحقَّ محكَمًا ابتُلِيَ بعبادةِ الباطلِ متشابهًا).

 

وحولَ سؤالٍ عمَّا إذا كانت هذه الرَّمزيَّةُ للمسجدِ تُبَرِّرُ عدمَ دخولِ المساجدِ المعمورةِ والتزامِها في كلِّ الأوقاتِ قال الباحثُ الدِّينيُّ أحمد لوكالة مهر للأنباء: يقولُ رسولُ اللهِ (ص): (جُعلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا)، فلنفرضْ أنَّنا في صحراءَ قَفرٍ، ولا يوجدُ أيُّ بناءٍ، أفلا نَقضي وقتًا؟ هذا يعني أنَّ الأمرَ لا يتعلَّقُ بالمباهاةِ بزيارةِ مبانٍ شُيِّدَتْ على أنَّها مساجدُ لأنَّ المؤمنَ بحالةِ اعتكافٍ مستمرٍّ، ولابدَّ أن يقومَ بآدابِهِ وَيَصومَ عن تذكُّرِ غيرِ الحقِّ، وإلاَّ يخرجَ من مسجدِ العبوديَّةِ إلاَّ بِقَدْرِ الحاجةِ، فإذا انقضَتْ حاجَتُهُ يعودُ ولا يستأنسُ بغيرِ الحقِّ ولا يتعلَّقُ قلبُهُ بغيرِهِ، حتَّى يصيرَ قلبُهُ مَنزلاً للحقِّ ومَسجدًا للرُّبوبيَّةِ، فَيُثني الحقُّ عليهِ في ذاكَ المسجدِ بالتَّجليَّاتِ، وهذا الثَّناءُ هو صلاةُ الرَّبِّ فيقولُ: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكةِ والرُّوحِ).

 

وحولَ مفهومِ بناءِ المساجدِ عندَ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ خاصَّةً مع انتشارِ ظاهرةِ بنائِها بكثافةٍ أكَّدَ الدكتور أحمد في تصريح لوكالة مهر للأنباء أنَّ بناءَ المسجدِ فيه أجرٌ عظيمٌ وثوابٌ جسيمٌ لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن بَنَى مَسجدًا في الدُّنيا أعطاهُ اللهُ)، فَيَجبُ أن تعيشَ مجتمعاتُنا ثقافةَ بناءِ المساجدِ لأنَّها من مظاهرِ الإسلامِ الحقِّ.

 

وأضافَ: لكنَّ هذا لا يكفي، فالمطلوبُ عمارَتُها، وهذهِ العمارةُ لا تتعلَّقُ بالمادِّيَّاتِ بل بالرُّوحانيَّاتِ، لذلك لا يمكنُ أن تكونَ على يَدِ المشبِّهينَ والمعطِّلينَ مِن الذين انحرَفُوا بعقيدَتِهم عن نهجِ التَّوحيدِ الذي أقرَّهُ أميرُ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لقوله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلاَّ اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)، فعمارةُ المساجدِ لا تكونُ إلاَّ على أيدي مَن انتَهَجَ نهجَ الحقِّ من المؤمنينَ المحمَّديِّينَ العلويِّينَ الذين أثبَتُوا وجودَ الحقِّ في سماواتِهِ وأرضِهِ وَنَزَّهوا ذاتَهُ تعالى عن حَدَّي التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، لأنَّ المشركَ هو الذي زَعَمَ إدراكَ الوجودِ، والمعطِّلَ هو الذي زَعَمَ عدمَ إدراكِ الوجودِ، وكلاهُما يقعُ فيهِ قوله سبحانه: (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء

باحث ديني علوي: شهادة الحق أساس النهج العلوي النصيري

ahmad

باحث ديني علوي: شهادة الحق أساس النهج العلوي النصيري

أجرى الحوار: محمد مظهري

==================

أشارَ الباحثُ الدِّينيُّ السُّوري الدكتور أحمد أديب أحمد إلى الاتِّهاماتِ التي وُجِّهَتْ للفرقةِ العلويَّةِ بأنَّهم غيرُ مسلمين، وأنَّهم وثنيُّو العقيدةِ، وأنَّهم لا ينطقونَ بالشَّهادةِ لأنَّهم يتوجَّهونَ بالعبادةِ إلى المخلوقِ دونَ الخالقِ، مُشدِّدًا على أنَّ العلويِّين فِعلاً ينتمونَ إلى الاسلامِ وينطقونَ بالشَّهادةِ لكنْ لا تَتمُّ الشَّهادةُ إلاَّ بتحقيقِ المعرفةِ التي هي أساسٌ لِصِدْقِها. وحولَ الشَّهادةِ عند العلويِّينَ النُّصيريِّينَ أجرَتْ وكالة مهر للأنباء مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الحوارَ التالي:

 

وكالة مهر للأنباء: ما تعليقكَ على مَن يقولونَ أنَّكم لا تَشهدونَ شهادةَ الإسلامِ؟

د. أحمد: يقول تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، وقد باتَ مِن المُخجِلِ أنْ يطعنَ أعداؤنا بانتمائِنا للإسلامِ وَيُكذِّبُوا شهادَتنا التي فرضَها الدِّينُ الحنيفُ: (أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهُ)، فمبدأُ الإيمانِ الحقِّ لا يَتمُّ إلاَّ بشهادةِ الحقِّ، لذلك لا يجوزُ أن تكونَ شهادةُ الحقِّ ناقصةً، بل كاملةً لقولِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع): (كلمةٌ أوَّلُها كفرٌ وآخرُها إيمانٌ، فلَو قالَ: “لا إلهَ” وسَكَتَ لكانَ كَفَرَ).

 

وكالة مهر للأنباء: إنَّ ما دَعَا البعضَ لاتِّهامِكُم هو أنَّكم تدَّعونَ أنَّكم تشهدونَ للحاضرِ الموجودِ، فَمَا هو معنى الشَّهادةِ للحاضرِ الموجودِ وماذا تَقصدونَ بها؟

د. أحمد: الشَّهادةُ جاءَتْ من الفعلِ (شَهِدَ)، وهذا الشُّهودُ يَقتضي المعرفةَ واليقينَ والتَّصديقَ حتَّى يتحقَّقَ التَّجلِّي، فالإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ أكَّدَ في نهجِ البلاغةِ أَنَّ شهادةَ لا إِلَهَ إِلا اللَّه: (شَهَادَةُ إِيمَانٍ وإِيقَانٍ وإِخْلاصٍ وإِذْعَانٍ)، لذلكَ فإنَّ ذُروَةُ سِرِّ الإيمانِ تَكمنُ في الشَّهادةِ للهِ لقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، فاليقينُ طريقٌ للوصولِ إلى القمَّةِ التي يكونُ معها قوله تعالى: (لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). ولكنْ لا تَتمُّ الشَّهادةُ إلا بتحقيقِ المعرفةِ التي هي أساسٌ لِصِدْقِها لقوله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ).

 

وكالة مهر للأنباء: وهل يَعني ذلكَ أنَّكم تَعلمونَ الغيبَ فَتَشهدونَ لَهُ؟

د. أحمد: طبعًا لا نحنُ ولا أحدَ يَعلمُ الغيبَ إطلاقًا، لكنْ هل تَعلم لماذا جاءَ الإسلامُ بالشَّهادةِ؟ لأنَّ مشركي قريشَ عندَ بعثةِ سيِّدِنا محمَّد (ص) كانوا يعبدونَ الأوثانَ وينكرونَ وجودَ الباري، وكانوا كالقومِ الذين عارَضُوا سيِّدَنا موسى (ع) وقالوا له: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)، وكانَ الأوجَبُ لو كانوا مؤمنينَ أن يَسألوا سيِّدَنا موسى (ع) وَيَسألوا سيِّدَنا محمد (ص): (ما الدَّليلُ على وجودِ الباري؟)، فكلمةُ (الدَّليلِ) لا تكونُ إلا لإثباتِ مَوجودٍ مَشهودٍ، لأنَّ ما لا يوجدُ مَشهودًا لا يُقالُ: (ما الدَّليلُ عليه؟)، مع الإشارةِ إلى أن الدَّليلَ غيرُ المدلولِ عليهِ، والمَثَلَ غيرُ الممثولِ بهِ، ولكن الأدلَّةَ والأمثالَ طُرُقُ الاستدلالِ.

 

وكالة مهر للأنباء: هل المقصودُ بالموجودِ المشهودِ الإمامُ عليٍّ؟ خاصَّةً أنَّهُ يُقالُ أنَّكم تقولونَ في شهادَتِكم: (لا إلهَ إلاَّ علي)؟

د. أحمد: بل نحنُ نقولُ: (لا إلهَ إلاَّ العليُّ العظيمُ)، واسمُ (العليِّ) من أسماءِ اللهِ الحُسنَى، وقد ذُكِرَ في القرآنِ الكريمِ سِتَّ مرَّاتٍ، ولكنَّ المقصودَ بالموجودِ المشهودِ هو ما أشارَ إليهِ الإمامُ علي كرَّمَ اللهُّ وجهَهُ في الخطبةِ المعروفةِ بالوسيلةِ: (عَلَيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ في الغَيبِ والشَّهادةِ)، فإذا كانَ عالَمُ الغيبِ عبارةٌ عن الوجودِ المجرَّدِ عن الموادِّ والصُّورِ، فإنَّ عالَمَ الشَّهادةِ هو عالمُ الحِسِّ والدَّليلِ على السِّرِّ الخَفِيِّ المستورِ لأصحابِ العقولِ النَّيِّرَةِ والقلوبِ المطيعةِ الخاليةِ من الشِّركِ والتَّشبيهِ.

فالمشركونَ المشبِّهونَ زَعَموا أنَّ الشَّهادةَ حالةُ نقصٍ مُمْتَنِعةٌ أصلاً مُحتجِّينَ بقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، وهذا استدلالٌ خاطئٌ أرادوا به نفيَ الوجودِ الإلهيِّ، لأنَّ الآيةَ نَفَتْ إدراكَ الإحاطةِ ولم تَنفِ الشَّهادةَ، لأنَّ ما لا يكونُ مشهودًا لا يمكنُ الاستدلالُ عليهِ، ولا يجوزُ أن يكونَ الباري ممنوعَ الوجودِ. فالآيةُ الكريمةُ إذن نَفَتْ الإدراكَ بالعينِ، ولم تَنفِ الشَّهادةَ، إذْ إنَّ مَن لم يَشهَدوا للحقِّ كانت شهادَتُهُم باطلةً، مَثَلُهُم كَمَنْ ذكرَهم تعالى بقولِهِ: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ) لأنَّ قلوبَهم جاحدةٌ ومنكرةٌ وبعيدةٌ عن الإيمانِ، لا تنتفعُ بما تَرَى وَتَسْمَعُ لشدَّةِ إنكارِها عنادًا واستكبارًا وجحودًا لقوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)، فاللهُ لا يمنعُ عنهم معرفتَهُ لقوله تعالى: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) وهو الدَّالُّ بوجودِهِ لعبادِهِ المؤمنينَ، ولكنَّ المشركين اسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى لأنَّهم لا يحتملونَ إشراقَ نورِ الحقِّ لقوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ)، لأنَّ عيونَهم عميٌ عن صراطِ الحقِّ المَشهودِ، فلم يُبصِروا الآياتِ السَّماويةَ التي أظهرَها مع أنَّه أكَّدَ على إظهارِها بقوله: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا).

 

وكالة مهر للأنباء: وكيفَ تكونُ الشَّهادةُ للمشهودِ والرُّؤيةُ معدومةٌ؟ وكيف يتمُّ تعريفُ النَّاسِ بربِّهم ليَشهَدوا له؟

د. أحمد: لا شيءَ يمنعُ من شهودِ الحقِّ تعالى، لقوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، يعني أيُّ شيءٍ أكبرُ وجودًا وعيانًا وبيانًا، فأعلمَنا أنَّه مشهودٌ، لا شيءَ يحجبُهُ أو يسترُهُ في الحقيقةِ، لكنَّ الشَّهادةَ لا يمكن أن تبدأ من تلقاءِ المخلوقينَ أنفسِهم، لأنَّهم بحاجةٍ للتَّعليمِ والإرشادِ من قِبَلِ باريهم وخالِقِهم، لذلكَ جاءَ قولُهُ تعالى على لسانِ الملائكةِ وهم يُخاطِبونَ ربَّهم: (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)، وعلى هذا الأساسِ فإنَّ أوَّلَ الشَّهادةِ هي شهادةُ اللَّهِ جلَّ جلالُهُ تَعليمًا للخلقِ لقولِهِ في الحديثِ القدسيِّ: (كنتُ كنزًا مخفيًّا، فأحبَبْتُ أن أُعرَفَ، فَخَلقْتُ الخلقَ لكي أُعرَفَ)، ولهذا جاءت الآية الكريمة: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فاللهُ هو الشَّاهدُ الأوَّلُ، الذي عَرَّف الخلقَ معنى الشَّهادةِ للباري سبحانَهُ، وكيفَ تكونُ الشَّهادةُ لإلهٍ موجودٍ مشهودٍ، فَشَهِدَ الأنبياءُ وشهدَتِ الملائكةُ لما عرفَتْهُ، وشهدَ أولو العلمِ بالحقِّ.

فاللهُ شَهِدَ بذاتِهِ في مقامِ الجمعِ على وحدانيَّتِهِ، إذ لم يبقَ شاهدٌ ولا مشهودٌ غيرُهُ، ثم رَجِعَ إلى مقامِ التَّفصيلِ فَشَهِدَ بنفسِهِ مع غيرِهِ من الملائكةِ وأولي العلمِ على وحدانيَّتِهِ في ذلكَ المَشهَدِ قائمًا بالقسطِ مُقيمًا للعَدْلِ في تفاصيلِ مظاهرِهِ بإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّهُ من جودِهِ وكمالِهِ وتجلِّيهِ بحسبِ استعدادِهِ واستحقاقِهِ، لا إلهَ إلا هُوَ في المَشهَدَينِ العزيزُ القاهرُ الذي يَقهَرُ كلَّ شيءٍ باعتبارِ الجمعِ فلا يَصِلُ إليهِ أحدٌ، الحكيمُ الذي يُدَبِّرُ بحكمتِهِ كلَّ شيءٍ، فَيُعطيهِ ما يَليقُ به باعتبارِ التَّفصيلِ لقوله تعالى: (لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا).

 

وكالة مهر للأنباء: فهل الشَّهادةُ للحاضرِ الموجودِ باللِّسانِ مجازيَّةٌ على أنَّه غائبٌ عن العيونِ ولكنَّهُ حاضرٌ في القلوبِ والأذهانِ؟

د. أحمد: هناكَ فرق ٌشاسعٌ بين النُّطقِ بالشَّهادةِ من جهةِ اللِّسانِ فقط، وبينَ تحقيقِ الشَّهادةِ من جهةِ العقلِ بعدَ نُطقِها باللِّسانِ، وقد ميَّزَ اللهُ سبحانُهُ أهلَ التَّحقيقِ عن أهلِ المجازِ في قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)، فأهلُ التَّحقيقِ همِ الَّذينَ يشهدونَ الوُجودَ، ثم ينفُونَ عن ذاتِهِ تعالى ما لا يليقُ به جلَّ جلالُهُ، أمَّا أهلُ المجازِ فَيَشهدونَ للهِ بالوحدانيَّةِ من غيرِ تحقيقِ وجودٍ، بل هم مقلِّدُونَ، كمَن وجدَ غيرَهُ على طريقةٍ فتابعَهُم عليها بدونِ تدقيقٍ ولا تمحيصٍ. فنُطقُ الشَّهادةِ باللِّسانِ فقط دون إذعانٍ بالعبوديَّةِ للَّهِ تعالى تحقيقًا، يُعَدُّ نفاقًا لا إيمانًا، وهذا ما أشارَ إليهِ تعالى بقوله: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)، أمَّا نُطْقُ الشَّهادةِ باللِّسانِ، وتحقيقُ الشَّهادةِ بالعقلِ، فهو الحكمُ الفيصلُ في معرفةِ المؤمنينَ الذينَ كانوا على نهجِ الأنبياءِ موافقينَ، وهكذا كانت شهادَةُ أحدِ المؤمنينَ العارفينَ وهو الشَّيخُ الثِّقةُ أبو محمَّد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرَّاني في مقدِّمةِ كتابِهِ (تُحَفُ العقولِ عن آلِ الرَّسولِ): (أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، شهادةً بَزَغَتْ عن إخلاصِ الطَّويِّ ونُطقُ اللِّسانِ بها عبارةٌ عن صدقٍ خَفِيٍّ إنَّهُ الخالقُ البارئُ المُصوِّرُ له الأسماءُ الحسنَى ليسَ كمِثْلِهِ شيءٌ إذْ كان الشَّيءُ من مَشيئَتِهِ وكانَ لا يُشْبِهُهُ مكوِّنُهُ)، فالشَّاهدونَ باللِّسانِ نطقًا وبالعقلِ تحقيقًا هم الشَّاهدونَ للحَقِّ عندما خاطبَهم قائلاً: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا)، هؤلاء هُمْ أصحابُ الشَّهادةِ الحقَّةِ الذين قُبلَتْ شَهادَتُهم فاستحقُّوا أن يكونوا نبراسًا لِمَنْ تَبِعَهم، لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَـطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، وهم أنصارُ سيِّدِنا محمد (ص) الذين خاطَبَهم تعالى بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ)، وهم أنصارُ سيِّدِنا المسيح (ع) الذين ذكرَهم تعالى بقولِهِ: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ).

 

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء

باحث ديني سوري: التنوع المذهبي حالة طبيعية وراقية

ahmad

باحث ديني سوري: التنوع المذهبي حالة طبيعية وراقية

أجرى الحوار: محمد مظهري

================

أكَّدَ الباحثُ الدِّينيُّ أحمد أديب أحمد على ضرورةِ فَهمِ وتفهيمِ معنى مصطلحِ الوحدةِ المجتمعيَّةِ مُنتَقدًا تقصيرَ المؤسَّساتِ الإعلاميَّةِ والتَّربويَّةِ والثَّقافيَّةِ والدِّينيَّةِ في نشرِ ثقافةِ تقاربِ الأديانِ في المنطقةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ حرصًا على نسيجِ المجتمعِ.

انتشرَ الحديثُ بكثافةٍ عن موضوعِ الوحدةِ المجتمعيَّةِ وتقاربِ الأديانِ في المنطقةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، حرصًا على نسيجِ المجتمعِ الفسيفسائيِّ الفريدِ في تنوُّعِهِ الدِّينيِّ والمذهبيِّ، لكنْ وبعدَ سِتِّ سنواتٍ من بدايةِ ما يسمَّى بالرَّبيعِ العربيِّ لم تتطوَّرْ طريقةُ التَّفكيرِ عندَ مجتمعاتِنا، بل على العكسِ زادَ التَّقوقعُ والتَّحجُّرُ عندَ جزءٍ، في مقابلِ ازديادِ الانفلاتِ من الضَّوابطِ والقيودِ عند جزءٍ آخر، وبقيَتْ فئةٌ قليلةٌ واعيةٌ في مقابلِ فئةٍ كثيرةٍ غيرِ واعيةٍ للخطرِ المُحْدِقِ بالمنطقةِ، وهذا التَّقصيرُ يعودُ لتقصيرِ المؤسَّساتِ الإعلاميَّةِ والتَّربويَّةِ والثَّقافيَّةِ والدِّينيَّةِ في فهمِ وتفهيمِ معنى مصطلحِ الوحدةِ المجتمعيَّةِ الذي طُرِحَ خوفًا من خطرِ التَّقسيمِ.

 

وفي حوارٍ أجرَتْهُ وكالة مهر للأنباء مع الدكتور أحمد أديب أحمد وهو مدرِّسٌ في كليَّةِ الاقتصادِ بجامعةِ تشرين، ومن الباحثينَ الدِّينيِّينَ لدَى الطَّائفةِ العلويَّةِ، وله العديدُ من المؤلَّفاتِ منها: (نورُ الهدايةِ لأهلِ الولايةِ، نبضٌ لصفصافِ الفضاءِ، نهرُ العسلِ، الاقتصادُ السِّياحيُّ قيدُ التَّجهيز…)، أكَّدَ الدكتور أحمد أنَّه لابدَّ من توضيحِ مفهومِ الوحدةِ المجتمعيَّةِ حتَّى يستطيعَ النَّاسُ أن يُتقِنُوا ممارسَتَها، فالوحدةُ المجتمعيَّةُ لا تَعني ذوبانَ الجزءِ في الكلِّ، ولا ذوبانَ الجزءِ الأصغرِ في الجزءِ الأكبرِ، ولا أن نقولَ ما لا نؤمنُ به مجاملةً ورياءً مُدَّعينَ كذبًا أنَّنا لا نفرِّقُ بين المذاهبِ والطوائفِ، علمًا أنَّ أبناءَ كلِّ طائفةٍ أو مذهبٍ لهم الحقُّ في الحياةِ بحرِّيَّةٍ وكرامةٍ في الوطنِ الجامعِ للكلِّ، دونَ الاستغناءِ عن الخصوصيَّةِ الفكريَّةِ والعقائديَّةِ لكلِّ طائفةٍ أو مذهبٍ.

 

وأضافَ الدُّكتور أحمد قائلاً: يَكذِبُ مَن يقولُ: (لم نكنْ نتحدَّثُ سابقًا بمصطلحاتِ مسلمٍ ومسيحيٍّ، أو سُنِّيٍّ وشيعيٍّ وعلويٍّ ودرزيٍّ وإسماعيليٍّ، أو أرثوذكسيٍّ وكاثوليكيٍّ، أو….)، لأنَّ هذا كان قائمًا أصلاً في مجتمعاتِنا، لكنَّهُ كان مُغيَّبًا إعلاميًّا في بعضِ الدُّولِ كَمَنْ يَكذِبُ على نفسِهِ، وغيرُ متاحٍ للحديثِ في المؤسَّساتِ الرَّسميَّةِ، ممَّا ولَّدَ في المجتمعِ قنابلَ موقوتةً انفجرَتْ مع بدايةِ مشهدِ الخريفِ العربيِّ من خلالِ ما شاهدناهُ من القتلِ والتَّمثيلِ بالجثثِ والإرهابِ تحتَ رايةِ الإسلامِ في سوريَّة والعراقِ واليمنِ وليبيا ومصر، والإسلامُ بريءٌ من هؤلاءِ المجرمينَ سواءَ كانوا من الجيشِ الحرِّ أو جيشِ الإسلامِ أو جبهةِ النُّصرَةِ أو داعشَ أو الوهابيِّينَ أو الإخوانِ المسلمينَ المجرمينَ.

 

وأوضحَ: نتذكَّرُ جميعًا كيف حرَّضَ أدعياءُ الدِّينِ المتعصِّبونَ في بعضِ جوامعِ حمصَ وبانياس التي كانت مقرَّاتِ إرهابٍ على قتلِ العلويِّينَ بتهمةِ الكفرِ التي ألصَقَها بهم ابنُ تيميَّةَ، وكيفَ حرَّضَ شيوخُ الفتنةِ في بعضِ جوامعِ درعا على قتلِ جيرانهم الدُّروزِ في السُّويداءِ وسَبي نسائِهم، وليسَ بالخافي علينا دعواتُ مسيحيِّي حلبَ والقامشلي للهجرةِ إلى أوروبَّا، ونتذكرُ ما حَدَثَ في الرَّقة والموصل وجبل سنجار، ونتذكَّرُ دعواتِ شيوخِ الوهابيِّينِ والإخوانِ المسلمينَ كالقرضاوي والعريفي والعرعور، ومشاهدَ الذَّبحِ والمجازرَ الجماعيَّةَ ونبشَ قبورِ الصَّحابةِ الأجلَّاءِ والهجومَ على مقاماتِ أهلِ البيتِ والنِّداءَاتِ الطائفيَّةَ الدَّاعيةَ إلى القتلِ والتَّهجيرِ، ومع أنَّنا مُقتَنعونَ أنَّ محراكَ الشَّرِّ والفتنةِ هو الصُّهيونيَّةُ العالميَّةُ إلاَّ أنَّه لابدَّ أن نقولَ: لو تَمَّتْ توعيةُ أبناءِ المجتمعاتِ المنغلقةِ وتَعليمُهم بأنَّ مَن يُنادونَ بقتلِهم هم إخوانُهم في الوطنِ لَمَا حصلَ ما قد حَصَلَ بهذه الكثافةِ وهذا المشهدِ الظَّلاميِّ.

 

وتساءلَ الباحثُ الدِّينيُّ: هل استطاعَتِ المؤسَّساتُ الرَّسميَّةُ في بلادِنا ترسيخَ الوحدةِ المجتمعيَّةِ عندما قيَّدَتْ الحرِّيَّاتِ الدِّينيَّةَ واتَّهمَتْ بالطَّائفيَّةِ كلَّ مَن يتحدَّثُ عن مرحلةِ الإخوانِ المسلمينَ وعن الفكرِ الوهابيِّ التَّكفيريِّ المتطرِّفِ؟ وهل استطاعَتْ حمايةَ شريحةٍ اجتماعيَّةٍ كبيرةٍ من الانجرارِ وراءَ دعواتِ الفتنةِ في سوريَّة ومصرَ وتونسَ عندما سَعَتْ إلى تغييبِ ذكرِ مرحلةِ صراعِ الإخوانِ مع الرَّئيسِ جمال عبد الناصر، وَتَغييبِ ذكرِ حربِ الثَّمانينيَّاتِ في سوريَّة لِيَنسى الجيلُ الجديدُ- حسبَ زعمِ هذهِ المؤسَّساتِ- ما جَرَى ويكونَ مُغَيَّبًا كي لا يمتلئَ قلبُهُ حقدًا وعصبيَّةً؟ فكانتِ النَّتيجةُ ترسيخَ الأحقادِ والعصبيَّاتِ الدَّفينةِ لدى شريحةٍ متعصِّبةٍ ومتقوقعةٍ، وجهلَ شريحةٍ أخرى بمبادئِ وتعاليمِ الإخوانِ والوهابيِّينَ التَّلموديَّةِ، مع أنَّه كان يَنبغي على المؤسَّساتِ الرَّسميَّةِ أن تلتزمَ بتعاليمِ الحكماءِ التي لابدَّ من تَطبيقِها بحذافيرِها، وأبرزُهم القائدُ الخالدُ العظيمُ حافظ الأسد الذي قالَ في توجيهه لرجالِ الدِّينِ في الثَّمانينيَّاتِ: (يجبُ إلاَّ ننساهُم أبدًا، يجبُ أن نذكِّرَ أطفالَنا بهم، وأن نذكِّرَ بهم أيضًا جيلَنا باستمرارٍ، لنعيشَ جميعًا آباءً وأبناءً وأطفالاً حقيقةَ هذهِ العصابةِ، لؤمَ هذه العصابةِ، عمالةَ هذهِ العصابةِ، ويجبُ أن تتذكَّرَ الأجيالُ جيلاً بعدَ جيلٍ ما فعلَتْهُ من قتلٍ وغدرٍ في هذا البلدِ تلكَ العصابةُ.. عصابةُ الإخوانِ المسلمينَ).

 

وتحدَّثَ الدُّكتور أحمد عن الحلِّ قائلاً: يجبُ أن نحقِّقَ المفهومَ الحقيقيَّ للوحدةِ المجتمعيَّةِ بما يتناسبُ مع تعاليمِ الدِّينِ السَّماويِّ لا الأحكامِ الوضعيَّةِ لأهلِ القياسِ والاجتهادِ، هذا المفهومُ الذي يقومُ على حقِّ كلِّ شخصٍ بأنْ ينتميَ لطائفتِهِ أو مذهبِهِ وأن يعتزَّ بذلكَ دونَ خجلٍ أو حَيَاءٍ، وأنْ يضمنَ احترامَ الآخرينَ له حين يقابلُهم باحترامِهِ لهم، وأن لا يسعَى أيُّ مذهبٍ لتغييبِ المذهبِ الآخرِ ومحاربتِهِ، بل على العكسِ أرى أنَّ التَّنوُّعَ هو حالةٌ طبيعيَّةٌ، والاختلافَ بينَ المذاهبِ والطَّوائفِ حالةٌ راقيةٌ طالما لم تتحوَّلْ إلى تكفيرٍ وتحقيرٍ، فليسَتْ الأكثريَّةُ بالضرورةِ تَمثيلاً حقيقيًّا للحقِّ لقولِهِ تعالى: (بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، ولا يعني أن تكونَ الأقليَّةُ صامتةً ومغيَّبةً ومغمورةً وعُرضَةً للإشاعاتِ والرِّواياتِ الملفَّقةِ والكاذبةِ من قِبَلِ المنحرفينَ والمغرضينَ، وهو ما أباحَ للعثمانيِّينَ أن يمارسُوا مجازرَهم وإبادَتَهم لأعدادٍ كبيرةٍ من العلويِّينَ والأرمنِ، واليومَ تتولَّى داعش المهمَّةَ لتُضيفَ إليهم الدُّروز والإسماعيليِّين والأيزيديِّين!!

 

وأضافَ الباحثُ السُّوري: فَليَقُلْ كلُّ شخصٍ ما عندَهُ بحريَّةٍ واعتدالٍ وليُظهِرْ مناقِبَهُ وليُبدي مَحاسِنَهُ وليمارسْ عبادَتَهُ بحرِّيَّةٍ لأنَّه ابنُ هذا الوطنِ ومن حقِّهِ أن يكونَ موجودًا ومحترمًا ومعترفًا به، ولْنبتعدْ عن النَّظريَّةِ الاندماجيَّةِ التي تقولُ: (يجبُ أن يتحوَّلَ الجميعُ ليَكونوا مِثلي) كما هي نظرةُ الإفتاءِ الدِّينيِّ في عمومِ دولِ المنطقةِ، كما يجبُ أن نبتعدَ عن النَّظريَّةِ الإقصائيَّةِ التي هي سياسةُ نشرِ الدَّعوةِ عندَ الإخوانِ المسلمينَ والوهابيِّين وجبهةِ النُّصرة وداعش، لأنَّ الفكرَ الإقصائيَّ أو الفكرَ الاندماجيَّ فكرٌ خطيرٌ أساسُهُ صهيونيٌّ، وانعكاساتُهُ على المجتمعِ تتمثَّلُ بزيادةِ الأحقادِ والضَّغائنِ والشُّعورِ بالظُّلمِ وازديادِ مظاهرِ الكذبِ والنِّفاقِ، فَتَبدو على الوجوهِ ابتسامةٌ كاذبةٌ، وفي القلوبِ براكينُ سَتَثورُ في اللَّحظةِ التي يُتاحُ لها أن تنفجرَ، والنَّتيجةُ خرابُ المجتمعِ ودمارُ الوطنِ.

وَدَعا المؤسَّساتِ الدينيَّةَ وعلى رأسِها وزاراتُ الأوقافِ ومديريَّاتُها إلى الانفتاحِ وعدمِ التَّقوقعِ والإقصاءِ، بل السَّماحِ لكلِّ أطيافِ المجتمعِ بالتَّعبيرِ عن أنفسِهم ومعتقداتِهم بكلِّ حرِّيَّةٍ.

 

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء