أرشيف الوسم: الدكتور أحمد أديب أحمد

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثالث والسبعون حول أذية الأنبياء

images

السُّؤال الثَّالثُ والسَّبعون: كيف يمكن أن نفسِّرَ تعرُّضَ الأنبياءِ لأذَى أقوامِهم وهم مَعصومون؟

 

الجوابُ الثَّالثُ والسَّبعون بإذنِ الله:

إن أحدَ أهمِّ اختلافاتِنا العقائديَّةِ مع السُّنَّةِ والشِّيعةِ هو مفهومُ العصمةِ، والدَّرجةُ الرَّفيعةُ التي نصلُ إليها بعيدًا عن بَخْسِ الأنبياءِ حقَّهم في العصمةِ التَّكوينيَّةِ. وجوابًا على هذا السُّؤالِ سأوردُ بعضَ الأمثلةِ:

في قصَّةِ سيِّدنا موسى الكليمِ (ع)، وردَ أنَّ سيِّدنا موسى (ع) كانَ شديدَ الحَياءِ حتَّى لا يَكادَ يُرَى من جِلدِهِ شيءٌ، فَتَكلَّمَ بعضُ المُغرضين من بني إسرائيلَ في حقِّهِ بالبُهتانِ، وفَسَّرُوا حَيَاءَهُ أنَّهُ استِتَارٌ عن مَرَضٍ فيه (بَرَصٍ أو آفةٍ)، فَظَلَّ يَحتَمِلُ الأذى وهو صابرٌ يَدعوهم كما وردَ في الآيةِ: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ).

وقد كان بنو إسرائيلَ شعبًا قُسَاةَ القلوبِ لا يؤمنونَ إلاَّ بما يُعَاينونَ، فَهُم قَومٌ مَادِّيُّونَ يُثبِتونَ أنَّ اللهَ تَعالى أوجَدَ الأشياءَ من شَيءٍ، فَلَولا أنَّهُ شَيءٌ لَمَا استَطاعَ إيجادَ الأشياءِ أبَدًا!!

كيفَ لا وهم الذين رَأَوا الآياتِ العظمى من الحَيَّةِ والبَياضِ وانفلاقِ البحرِ لهم ثمَّ ابْتُلُوا باتِّخاذِهم العجلَ لقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاء مُّبِينٌ)!! ولم يَأخذوا بأمرِ اللهِ بل وَصَلَتْ قَسوَتُهم أن عَلَّقُوا إيمانَهم باللهِ على شرطِ أن يَرَوهُ جَهرَةً فأخَذْتُهُم الصَّاعقةُ وهم يَنظرونَ!

ولم يكتفوا بأذيَّةِ سيِّدنا موسى (ع) بل تابعوا أذيَّتَهم لسيِّدنا المسيح (ع) الذي وبَّخَهم قائلاً: (إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ).

ولكنَّ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا)، إن دَلَّ فإنَّما يَدُلُّ على أنَّ اللهَ تعالى يَعصِمُ أنبياءَهُ وَيُبَرِّئُهُم ممَّا يَفتريهِ عليهم السُّفهاءُ.

 

ولا نَنسى كيفَ أعطى سبحانَهُ القدوةَ للبشريَّةِ في صبرِ سيِّدنا أيُّوب (ع) في قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ).

كما كان بلاءُ سيِّدنا يعقوب (ع) أسوةً وعبرةً للصَّابرينَ بعدَما فَقَدَ أحبَّ أبنائِهِ واحدًا تِلوَ الآخرِ، فَصَبَرَ ولم يَيْأَسْ من رَوحِ اللهِ، ولم يَقُلْ إلاَّ ما يُرضي اللهَ، بل زَادَ تَضَرُّعُهُ إلى رَبِّهِ ورجاءُهُ إيَّاهُ كما وردَ في الآيةِ: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وقد أظهرَ سيِّدُنا يعقوب (ع) العَمَى لِشِدَّةِ بكائِهِ على فراقِهِ لمولانا يوسف (ع) في قوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ثم أظهرَ الإبصارَ حينَ أرسلَ له مولانا يوسف (ع) قميصَهُ لقوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا).

فاختفاءُ مولانا يوسف (ع) عن ناظرِ سيِّدنا يعقوب (ع) عُبِّرَ عنه بالعَمَى، أمَّا القميصُ فكانَ مثالَ التَّجلي الذي إذا أُلقِيَ على وَجْهِ سيِّدنا يعقوب (ع) أصبحَ مُبصِرًا، فالعَمَى والإبصارُ صِفَتَانِ لسيِّدنا يعقوب (ع)، أمَّا المُسَبِّبُ لهذا العَمَى والإبصارِ فهو مولانا يوسف (ع).

ومِثلُ هذا البلاءِ لنبيِّ اللهِ يعقوب (ع) بمشيئةِ اللهِ ليسَ ذنبًا أو عقوبةً أو انتقاصًا، بل عِبرَةٌ وآيةٌ للمتوسِّمينَ لقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ).

 

ونذكرُ في قصَّةِ سيِّدنا يونس (ع) قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فهل يَعصي سيِّدنا يونس (ع) أمرَ رَبِّهِ؟ وكيفَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ القادرَ على كلِّ شيءٍ لن يَقدرَ عليهِ؟

إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يؤكِّدُ أنَّ سيِّدنا يونسَ (ع) لم يُغاضِبْ رَبَّهُ، إذْ لم يَقُلْ تَعَالى أنَّه ذَهَبَ مُغاضِبًا رَبَّهُ، فَمَن زادَ هذهِ الزِّيادةَ كانَ يكذبُ على اللهِ ويزيدُ في القرآنِ ما ليسَ منهُ، وهذا ما لا يَجوزُ لأنَّه غَاضَبَ قومَهُ، وإنَّ سيِّدنا يونس (ع) لم يَقصدْ بذلكَ إلاَّ رِضَى اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذا هو المعنى الصَّحيح، والذي يَتَّضِحُ جَلِيًّا بِفَهمِ قوله تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) حيث جاءَ رجلٌ فسألَ ابنَ عبَّاس: كيفَ يَظُنُّ نبيُّ اللهِ يونسَ أنَّ اللهَ لن يَقدِرَ عليه؟ فقالَ ابنُ عباس: ليسَ هذا، ألمْ تقرأ قولَ اللهِ تعالى: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)، وهذا يعني أنَّ كلمةَ (نَقدِرَ عليه) لا تُشيرُ إلى معنى الاستطاعةِ، وإنَّما تُشيرُ إلى مَعنى التَّضييقِ، فسيِّدنا يونس (ع) لَمَّا دَعَا قَومَهُ للتَّوحيدِ ونَفَروا منهُ وأذوهُ، تَرَكَهم غَضَبًا للهِ ولم يظنَّ أنَّ اللهَ يحاسِبُهُ ويُضَيِّقُ عليهِ، وقد نَبَّهَ رسولُ اللهِ (ص) إلى هذا الأمرِ وحَذَّرَ مِن أن يُسِيءَ إنسانٌ الظَّنَّ بنبيِّ اللهِ يونسَ (ع) فقالَ (ص): (‏لا يَقولَنَّ أحدُكُم أنَّني خيرٌ من ‏يونسَ)، وهذا من تعظيمِ رسولِ اللهِ (ص) لشأنِ الأنبياءِ ودفاعِهِ عنهم.

وقد تَضَرَّعَ (ع) إلى رَبِّهِ مُنيبًا فقال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فاستجابَ لَهُ رَبُّهُ تعالى وجَعَلَ دُعاءَهُ هذا مأثورًا لِرَفعِ الكَربِ إلى يومِ القيامةِ.

كلُّ هذهِ المواقفِ تُعتَبرُ بَيِّنَةً على براءةِ الأنبياءِ (ع) وَجَاهِهِم وسَلامَتِهِم، لا نَيْلاً من عِصمَتِهِم، عليهم جميعًا الصَّلاةُ والسَّلام.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثاني والسبعون حول آدم الذي سجدت له الملائكة

images

السُّؤال الثَّاني والسَّبعون: هل كانَ آدمُ الذي سَجَدَتْ له الملائكةُ هو أبو البشر؟

 

الجواب الثَّاني والسَّبعون بإذن الله:

ما يَهمُّنا في قصَّةِ سيِّدنا آدم (ع) تلكَ المعاني العظيمةَ التي أرادَ اللهُ الإشارةَ إلى توحيدِهِ من خلالِها، إذْ قالَ تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ).

لقد تمَّ الخلقُ ثمَّ تمَّ التَّصويرُ، ومن ثمَّ أُمِرَ الملائكةُ بالسُّجودِ، فَلِمَنْ يَرمزُ اللهُ بآدمَ؟ أهو بَشَرٌ أم نَبِيٌّ؟ أم هو رمزٌ آخرُ أَجَلُّ وأعلى؟ هل كانَ آدمُ قبلَ الخلقِ موجودًا أم بَعْدَهُ؟ هل كانَ قبلَ الملائكةِ؟

إذا دقَّقنا في آياتِ القرآنِ الكريم التي رَوَتْ قصَّةِ البَدءِ، نلاحظُ أنه لا يوجدُ ترتيبٌ زمنيٌّ بين سيِّدنا آدم (ع) والملائكةِ، فدائمًا تبدأُ الآياتُ بقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، ولكنَّ الآياتِ التي تناولتِ التَّرتيبَ الزَّمنيَّ للخلقِ لم تَذكر اسمَ آدمَ صَراحةٌ، حيث قال تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ)، وقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، ولم ُيذكر هنا الاسمَ الصريحَ لسيِّدنا آدم (ع)، فلماذا كانَ ذلك؟

لاحظوا أنَّ إبليسَ لعنَهُ اللهُ كانَ دائمًا مع الملائكةِ، ولم يكنْ منهم، ولكنَّه كانَ معهم لِيَتَحقَّقَ وجودُ الضِّدَّين: الخيرُ والشَّرُّ، الطَّيِّبُ والخبيثُ، المؤمنُ والكافرُ، المُوحِّدُ والمُشرِكُ….

ولا يمكنُ أن يوجدَ الشَّرُّ من الخيرِ، ولكنَّه يوجدُ معه لِيَتَبيَّنَ الخيرُ من الشَّرِّ، ولا يمكنُ أن يكونَ المشركُ من المُوَحِّدينَ، بل مَعَهُم، أي أنَّهُ يُوجَدُ ليُعرَفَ الموحِّدُ من المشركِ، والمُحِقُّ من المُبطِلِ، وأساسُ هذه المعرفةِ وهذا التَّمييزِ كانَ وجود سيِّدنا آدم (ع)، وسيِّدُنا آدم (ع) مَثَلُ الحَقِّ الذي أُمِرَ الجميعُ بطاعتِهِ، وبما أنَّ الحقَّ ليسَ له بدايةٌ ولا نهاية، فسيِّدُنا آدم (ع) لم يُذكَرْ له بَدءٌ ولا خَلقٌ، فكانَ القولُ الإلهيُّ يوحي دائمًا بأنَّه موجودٌ، لم يُحدِّدْ زمنَ وجودِهِ، أو متَى كانَ وجودُهُ، أو أينَ كانَ وجودُهُ، في السَّماءِ أم في الأرضِ، بل اكتفى بالإشارةِ إلى الأمرِ الإلهيِّ بالسُّجودِ.

 

أخي السَّائل:

سيِّدُنا آدم (ع) لا يدخلُ في النَّصِّ القرآنيِّ في عدادِ المخلوقاتِ، وهنا قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، فالخلقُ من جهةِ الخالقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالنَّفسِ، أي بجوهرِ المخلوقِ، سواءَ كانَ بشرًا أو ملاكًا، أمَّا التَّصويرُ فهو من جهةِ المخلوقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالجسمِ، أي بالأعراضِ والأسماءِ والصِّفاتِ، فهل جسمُ الإنسانِ موجودٌ قبلَ نفسِهِ أم العكسُ؟ وهل هيكلُ الملاكِ موجودٌ قبلَ جوهرِهِ أم العكسُ؟ فالنَّفسُ قبلَ الجسمِ، والجوهرُ قبلَ العَرَضِ، لذلكَ كانَ الخلقُ قبلَ التَّصويرِ.

ثم قالَ: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ). لماذا لم يقلْ: (ثم قلنا لكم) كَتَتابُعٍ لِسِيَاقِ الكلامِ؟ لو قال ذلكَ لَكَانَتِ الآيةُ: (ثُمَّ قُلْنَا لكم اسْجُدُواْ لآدَمَ فسجدتم إلا إبليس) وهذا غيرُ واردٍ، لأنَّ المُخَاطَبَ من بدايةِ الآيةِ كانَ كافَّةَ الخَلقِ، من مؤمنٍ وكافرٍ، وسعيدٍ وشقيٍّ، وطيِّبٍ وخبيثٍ، ولكنْ: ليسَ كلُّ مَن يَسمعِ الأمرَ يُسارِعُ إلى الطَّاعةِ، فالطَّاعةُ محصورةٌ بالملائكةِ، وهم من عِدَادِ المُخاطَبين، وليسوا جميعَ المُخاطَبينَ، فَهُم مَن أقرَّ بالطَّاعةِ والعبادةِ.

وكانَ الأمرُ: (اسجدوا) ولم يكن: (اعبدوا)، وكان الجوابُ: (فسجدوا)، والسُّجودُ هنا سجودُ تكريمٍ وطاعةٍ لا سجودُ عبادةٍ، فلو كانَ آدمُ هنا بشرًا فهل يجوزُ سجودُ الأنوارِ للجسدِ المصنوعِ من الطِّينِ؟ هل يسجدُ النُّورُ للطِّينِ؟ هل يسجدُ الملائكةُ للبشرِ؟ لا.

إذن: سيِّدُنا آدم (ع) أجلُّ من البشرِ ومن الملائكةِ، وتَجِبُ له الطَّاعةُ والتَّكريمُ، لا العبادةُ، فلو جازَتْ له العبادةُ لَكُنَّا قد أشرَكنا آدمَ باللهِ، معاذَ اللهِ، لكنَّ العبادةَ للهِ الذي أظهرَ سيِّدنا آدم (ع) من دونِ سابقِ مَثيلٍ له، أظهرهُ من دونِ أبٍ ولا أمٍّ لِيَدُلَّ على أنَّه القادرُ أن يقولَ للشَّيءِ: (كُنْ فَيَكُون). فسيِّدُنا آدم (ع) هنا إذن ليس مخلوقًا، لكنَّهُ المَثَلُ الذي قَصَدَهُ تعالى في قوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

أمَّا إبليسُ سائسُ أهلِ الشِّركِ والجحودِ (لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ)، ولن يكونَ من السَّاجدين، لأنَّه لا يدخلُ في عِدَادِهم، لكنَّه قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).

لاحظوا مَكرَهُ وكِبْرَهُ وحُمْقَهُ وقِياسَهُ، فاللهُ لم يذكرْ أنَّ سيِّدنا آدم (ع) من طينٍ، ولم يَذكرْ أنَّهُ مَخلوقٌ، لكنَّ إبليسَ ظنَّ بِجَهلِهِ أنَّ اللهَ سبحانه يأمرُهُ بالسُّجودِ للجسدِ الظَّاهرِ، ظَنًّا منه أنَّ هذه الأسماءَ والصِّفاتِ الظَّاهرةَ ماهيَّةٌ للحقيقةِ الباطنةِ، وبقيَ أعوانُهُ وأتباعُهُ على نفسِ النَّهجِ والتَّفكيرِ، يُسَاوونَ بينَ المَثَلِ والمَمثولِ، والصِّفةِ والموصوفِ، والاسمِ والمُسَمَّى، فَضَلُّوا وكانوا من المشركينَ، وهم أتباعُ إبليسَ الذينَ قال تعالى فيهم: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الحادي والسبعون حول عيد الغدير

images

السَّؤالُ الحادي والسَّبعون: يُقالُ أنَّ العلويِّينَ يحتفلونَ بيومِ عيد الغديرِ، فما هي رمزيَّةُ هذا اليوم؟

الجوابُ الحادي والسَّبعون بإذنِ اللهِ:
يومُ الغديرِ من أعظمِ الأيَّامِ وأكبرِ الأعيادِ عندَ اللهِ تعالى، لأنَّ فيه تبليغُ الولايةِ وإتمامُ الرِّسالةِ، فقد ذُكِرَ أنَّهُ في حجَّةِ الوداعِ نزلَ قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً)، لأنَّ دينَ اللهِ لا يكتملُ إلاَّ بتبليغِ الولايةِ بعدَ الرِّسالةِ، فالرِّسالةُ لا معنى لوجودِها دونَ جوهرِها، وجوهرُ الرِّسالةِ هو الولايةُ لأنَّها آخِرُ الفَرَائِضِ وَكَمَالُ الدِّينِ، لذلك كانَ إكمالُ الدِّينِ بتبليغِ الولايةِ، وبها تمَّتْ النِّعمةُ الإلهيَّةُ وهي نعمةُ معرفةِ إثباتِ وجودِ الحقِّ المشهودِ، ومَن أنعمَ اللهُ عليهِ بالدِّينِ المُكتَمِلِ والشَّهادةِ التَّامَّةِ رضيَ اللهُ أن يكونَ من أهلِ الإسلامِ، وكلُّ هذا كانَ في يومٍ لا في ليلةٍ، لأنَّ اليومَ يرمزُ إلى الشَّهادةِ المُعلَنَةِ الصَّريحةِ على الملأ.
وقد خطبَ رسولُ اللهِ (ص) في أكثرِ من مئةِ ألفٍ من المسلمينَ وهو راجعٌ من حجَّةِ الوداعِ في مكانٍ يدعى (غدير خُمٍّ) بعدَ أن أنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، وكانَ الصَّحابيُّ الجليلُ عبدُ اللهِ بن مسعود (ع) يقرَؤها: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ في عليٍّ)، وجاءَ الوعدُ بالعصمةِ لأنَّ تبليغَ الولايةِ أصعبُ من تبليغِ الرِّسالةِ، فالرِّسالةُ يتقبَّلُها المسلمونَ، لكنَّ الولايةَ لا يتقبَّلُها إلاَّ المؤمنونَ، لذلكَ نجدُ مَن يتحدَّثُ عن الإسلامُ كُثُرٌ، لكنَّ مَن يدافعُ عن الولايةِ والنَّهجِ الحقِّ قلَّةٌ محارَبَةٌ لكنَّها معصومةٌ من النَّاسِ.
وفي تبليغِهِ قال (ص) للملأ: (أَلَسْتُ أولى بكم من أنفسِكُم)، فقالوا: بلى يا رسول الله. فوضعَ يدَهُ بيدِ مولانا أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرم الله وجهه ورفعَها إلى السَّماءِ وقال: (اللهمَّ وَالِ مَن وَالاهُ, وَعَادِ مَن عَاداهُ, وأَحِبَّ مَن أحبَّهُ, وأبغِضْ مَن أبْغَضَهُ, وانصُرْ مَن نَصَرَهُ, واخْذُلْ مَن خَذَلَهُ, وأدِرِ الحقَّ معَهُ حيثُ دارَ)، فَلَقِيَهُ عمرُ بن الخطَّاب وقالَ: (هنيئًا لك يا ابنَ أبي طالب، أصبحتَ مولايَ وَمَولى كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ).
وجاءَ على لسانِ عمرَ أنَّهُ قالَ للنَّبيِّ (ص): يا رسولَ اللهِ: كانَ في جَنبي شابٌّ حَسَنُ الوجهِ, طيِّبُ الرِّيحِ, فأجابَهُ (ص): (يا عُمَر, لقد عَقَدَ رسولُ اللهِ عَقْدًا لا يَحُلُّهُ إلاَّ منافقٌ)، ثمَّ قالَ رسولُ اللهُ (ص): (يا عُمَر, إنَّه ليسَ مِن وِلْدِ آدمَ, لكنَّهُ جبريلُ أرادَ أن يُؤكِّدَ عليكم ما قُلْتُهُ في عليٍّ).
ومن الجديرِ بالذِّكرِ أنَّ الإمامَ علي كرم الله وجهه تولَّى الخلافةَ في الثامنِ عشرَ من شهرِ ذي الحجَّةِ، فكانَتِ الذِّكرى السَّادسةَ والعشرينَ لواقعةِ الغديرِ.
ويحقُّ لنا كعلويِّينَ مسلمينَ أن نطالبَ دولتَنا بإعلانِ يومِ الغديرِ عيدًا رسميًّا أسوةً ببقيَّةِ الأعيادِ الدِّينيَّةِ والوطنيَّةِ، لأنَّ يومَ الغديرِ كانَ الحدَّ الفاصلِ بينَ بقاءِ الإسلامِ وفناءِ الإسلامِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السبعون حول مقام الإمامة

images

السُّؤال السَّبعونَ: ما هو مقامُ الإمامةِ الواجبةِ في فكرِ العلويِّين النُّصيريِّين؟

 

الجوابُ السَّبعونَ بإذنِ اللهِ:

الإمامةُ عندنا واجبةٌ ضرورةً، ولكنَّ الخلافَ على مَن هو الأليَقُ بالإمامةِ!!

فمَن وجبَ أن يتبوَّأَ هذا المقامَ العظيمَ لابدَّ أن يكون ممثِّلاً لصاحبِ الأمرِ، هادٍ للنَّاسِ، قائمًا بالحجَّةِ ليقطعَ الحُجَجَ، برهانُهُ قاطعٌ وحجَّتُهُ دامغةٌ، إِن سألَهُ النَّاسُ إظهارَ المعجِزِ في الفعلِ والقولِ أظهرَهُ من غيرِ عناءٍ ولا جهدٍ، عالمًا بما أرادَهُ صاحبُ الأمرِ وعاملاً به، عارفًا بتنزيلِ القرآنِ وتأويلِهِ، جميلَ الخصالِ، منزَّهًا عن ذميمِ الصِّفاتِ، فهو المثالُ الصَّادقُ للحقِّ في جميعِ مَلَكاتِهِ وصفاتِهِ وخصالِهِ وأفعالِهِ، لهذا فإنَّ ما يميِّزُ العلويِّينَ عن السُّنَّةِ والشِّيعةِ في رؤيتهم لمقامِ الإمامةِ يتلخَّصُ بقولِ الإمامِ الصَّادِق (ع): مثالُ مَحَلِّ الإِمَامِ فِي الأَرضِ مثالُ مَحَلِّ البَارِي فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ المُلكَ لاَ يَجُوزُ أَن يَملكَهُ وَيُدَبِّرَهُ إِلاَّ وَاحِدٌ، لِقَولِهِ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).

ولمَّا انتشرَ الكذبُ والتَّبديلُ والتَّحريفُ كانت الحاجةُ ماسَّةً لوجودِ الإمامِ الذي يقطعُ حججَ المتأوِّلينَ وألسنةَ المتقوِّلينَ بالبرهانِ، فيلتفَّ حولَهُ المؤمنونَ ولا يخالفونَهُ، فَتَعُمُّ الهدايةُ ولا يختلفُ المؤمنونَ في أحكامِ الدِّينِ تبعًا للآراءِ والأهواءِ، عندَهُ علمُ ما يُسأل عنه ولديهِ الحجَّةُ على إِزالةِ الأوهامِ والأباطيلِ والجهالاتِ والأضاليلِ.

لهذا نصَّبَ اللهُ تعالى الإمامَ للنَّاسِ، ليعرِّفَهم أصولَ دينِهم وتعاليمَهُ، ويصلحَهم ويَهديهم، كما يستحيلُ أن يتركَ الرَّسولُ التَّبليغَ عنه لأيٍّ كانَ، لذلكَ أمرَهُ تعالى بتنصيبِ الإمامِ بعدَ الإمامِ، ولو جازَ عليه تركَ هذا الواجبِ لجازَ عليه تركَ غيرِهِ، والدَّليلُ قول الله عز وجل: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) حيث سأل سيدنا المُعلَّى بن خُنَيس الإمام جعفر الصَّادق (ع) عنه فقال (ع): (أمرَ اللهُ الإمامَ الأوَّلَ أن يدفعَ إلى الإمامِ الذي بعدَهُ كلَّ شيءٍ عندَهُ)، وقال (ع) أيضًا: (إنَّ الإمامَ يعرفُ الإمامَ الذي مِن بَعدِهِ فيُوصي إليهِ).

 

هذا يعني أنَّه متى وجبَتِ الرِّسالةُ وجبَتِ الإمامةُ، ومتى بعثَ اللهُ رسالةً نصَّبَ الإمامَ وصيًّا، فلا رسالةَ بلا إِمامٍ، ولا شريعةَ بغيرِ حقيقةٍ، لذلك قال تعالى: (أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، وقد رَوَى سيِّدنا المفضَّلُ بن عمر (ع) أنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) قال: (يا مُفَضِّل، الأرضُ همُ المُؤمِنُونَ، والرَّواسِي هُمُ الأئِمَّةُ).

وإنَّ لأهلِ بيت النُّبوةِ مكانةً دينيَّةً خاصَّةً، فهم الذينَ أذهبَ الله عنهم الرِّجسَ كما هو ثابتٌ من آيةِ التَّطهيرِ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، وهم نفسُ النَّبيِّ كما هو ثابتٌ من آيةِ المباهلةِ: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، وهم أعدالُ الكتابِ كما هو ثابتٌ من حديث الثقلينِ المسلَّمِ بصحَّتِهِ وتواترِهِ، وهو قولُ الرَّسول (ص): (إنِّي مخلِّفٌ فيكم الثَّقَلَين: كتابَ اللهِ وعترتيِ أهل بيتي)، وقد فرضَ اللهُ تعالى مودَّتهم كما هو ثابتٌ من آية المودَّةِ: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، وجعلَ الصَّلاةَ عليهم جزءًا لا يتجزَّأُ من الصَّلاةِ على الرَّسولِ لقول رسول الله (ص): (ما في الميزانِ أثقلُ من الصَّلاةِ على محمدٍ وآلِ محمد، ومَن صلَّى عليَّ ولم يُصَلِّ على آلي لم يجدْ روحَ الجنَّة)، لذلكَ سمِّيَ رسولُ اللهِ عندنا (ص) إمامًا، وقال عن الحسن (ع) أنَّه إمام، وقال عن الحسين (ع) أنَّه إمام، ولا َيُجادلُ بصحةِ أقوالِ الرَّسولِ (ص) هذه.

وقد وردت كلمةُ (أئمَّة) في القرآنِ الكريم خمسَ مراتٍ، منها لفظٌ محمودٌ دلَّ على الهدايةِ التي تقودُ حتمًا إلى الحقِّ في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)، وقوله تعالى: (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، ومنها لفظٌ مذمومٌ دلَّ على طبيعةِ القيادةِ الفاسدةِ والمرجعيَّةِ الضَّالةِ وقدوةِ السوءِ التي تجرُّ أتباعَها إلى دارِ البوارِ، وهم كبعضِ زعماءِ قريشَ في قوله تعالى: (فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ)، وفرعونَ وجنودُهُ الذينَ يقودونَ إلى النارِ في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ)، وقد فرَّقَ الإمامُ الصَّادقُ بين أئمَّةِ الحقِّ وأئمَّةِ الضَّلالِ بقولِهِ: (نحن قومٌ فرضَ اللهُ طاعَتَنا، وأنتم تأتمُّون بمَن لا يَعذُرُ النَّاسَ بجهالَتِهِ).

ومن الملاحظِ أنَّ فَهْمَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ يتَّفقُ بالكاملِ مع البيانِ لأحكامِ الإمامةِ، ممثَّلَةً بإمامةِ إبراهيمَ والأنبياءِ من بعدِهِ، والتي أجمَلَها القرآنُ الكريمُ مخاطبًا سيِّدنا إبراهيم (ع) بقوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)، فالله تعالى هو الذي أسندَ منصبَ الإمامةِ لإبراهيمَ، وكذلكَ قوله تعالى عن الأئمَّةِ الذينَ جاؤوا من بعدِ إبراهيمَ حيثُ قالَ: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً)، (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً)، فاستعمل كلمات: (جاعلك، ونجعلهم، وجعلناهم).

فممَّا سبقَ نجدُ أنَّ اللهَ تعالى هو الذي يجعلهم أئمَّةً يهدونَ بأمرِ اللهِ ويقودونَ الخلقَ وفقَ التَّعاليمِ الإلهيَّةِ، وما يعنينا هو أنَّ أئمَّةَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ عالجوا معنى الإمامةِ كما تلقَّوهُ عن إمامِ الأئمَّةِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ حيث قال: (اللهم لا تخلو الأرضُ من حجَّةٍ لكَ على خلقِكَ: ظاهرٌ أو خائفٌ مغمورٌ، لئلا تبطلَ على النَّاسِ حُجَجُكَ أو بيِّناتُكَ)، وقال أيضًا: (لا يُقاسُ بآلِ محمَّدٍ من هذهِ الأمةِ أحدٌ، ولا يسوَّى بهم مَن جَرَتْ نعمَتُهُم عليه أبدًا، هم أساسُ الدِّينِ وعمادُ اليقينِ، إليهم يفيءُ الغالي، وبهم يُلحَقُ التَّالي، ولهم الولايةُ، وفيهم الوصيَّةُ والوراثة).

وقال الإمام علي زين العابدين (ع): (نحنُ أئمَّةُ المؤمنين، وحججُ اللهِ على العالمين، وسادةُ المؤمنين، وقادةُ الغُرِّ المحجَّلين)، وقال أيضًا: (نحن خلفاءُ الأرضِ، ونحنُ أولى المؤمنينَ بالمؤمنين)، وقال في الصَّحيفةِ السَّجاديَّة: (اللهمَّ إنَّكَ أيَّدتَ دينَكَ في كلِّ أوانٍ بإمامٍ أقمتَهُ علمًا لعبادِكَ ومنارًا في أرضكَ، بعدما وصلتَ حبلَهُ بحبلِكَ وجعلتَهُ السَّبيلَ إلى رضوانِكَ، وافترضتَ طاعَتَهُ وحذَّرتَ معصيتَهُ).

وقال الإمام الصادق (ع): (لو بقيتِ الأرضُ بغيرِ إمامٍ لَسَاخَتْ). كما قيلَ له: كيفَ ينتفعُ الناسُ بالحجَّةِ الغائبِ المستورِ؟ فقال (ع): (كما ينتفعونَ بالشمسِ إذا سترَها السَّحابُ).

وهذا يعني أنَّ أئمَّةَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ قد بيَّنوا الإمامةَ كما بيَّنَها الرَّسولُ (ص) على أنَّها ركنٌ من أركان الدِّينِ لا غِنَى عنه، وبأنَّ الإمامَ مُعيَّنٌ من اللهِ ومُعلَنٌ من رسولِهِ، وأنَّ مهمَّةَ الإمامِ أن يهدي لأمرِ اللهِ، فهو قائدُ الأمَّةِ ومرجعُها وقدوتُها في أمورِ دينِها ودنياها، لأنَّهُ الوحيدُ في زمانهِ المتَّصِفُ بالصِّفاتِ الشَّـرعيَّةِ للإمامةِ، والمؤهَّلُ الوحيدُ لخلافةِ النبيِّ في أمورِ الدِّينِ والدُّنيا.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال التاسع والستون حول التعزية والنفقة

images

السُّؤالُ التَّاسعُ والسِّتُّون: اختلفَ بعضُ المشائخِ في مدَّةِ التَّعزيةِ والنَّفقةِ المُقامَةِ عن نفسِ المتوفَى، فما هو قولُكم في ذلك؟

الجوابُ التَّاسعُ والسِّتُّون بإذنِ اللهِ:

قال البَعْضُ: إنَّ التَّعْزِيَةَ لِثَلاثٍ كما هي عندَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ، والزَّائِدُ عَلَى ثلاثٍ بُدْعَةٌ والبُدْعَةُ ضَلالٌ وكُفْرٌ!! وحُجَّتُهمْ قَولُ رَسُولِ اللهِ (ص): (أَطْعِمُوا آلَ جَعفَر لِثَلاث)، وَقَول الإمَامِ عَلِيٍّ (ع): (التعزية فوق ثلاث تجديد للمصيبة). وإنَّ النَّفَقَةَ المُقامَةَ عن نفسِ المتوفَى غَيْرُ مَطلُوبَةٍ، وهيَ حِمْلٌ وَعِبْءٌ ثَقِيْلٌ على كَاهِلِ أهْلِ المُصَابِ، والقِيَامُ بِهَا غَيْرُ مَرْغُوبٍ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ بُعْدٌ عَنِ الدِّينِ!!

أَمَّا البعضُ الآخَرُ فقالوا: إنَّ التَّعْزِيةَ لِسَبْعٍ، والنَّقْصُ عَنْهَا مُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ، وخُروجٌ عَنِ العُرْفِ الذي سَارَ عليهِ الأَجْدَادُ والنَّفَقَةُ واجِبَةٌ ولا بُدَّ مِنَ الذَّبَائِحِ فيها ومَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ، والخَارِجُ عَلَى ذلكَ خَارِجٌ عَلَى الملَّةِ والطَّريقَةِ والدّيْنِ!!

نحنُ نقولُ ما عرفناهُ عَنْ أَهْلِ البيتِ (ع)، فإذا حضَرَ المُسْلِمُ أَخَاهُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الأمَانةَ لِبَاريهَا فإنَّ أَقَلَّ مَا يجبُ عَليهِ هُو أَنْ يُلَقِّنَهُ الشَّهَادَةَ والوِلايَةَ، ومِنْ ثَمَّ يُوجِّهُهُ إِلى القِبْلَةِ، وبَعْدَ المَوتِ يَقُومُ بِغَسْلِهِ وتَكْفيْنِهِ، وأَنْ يُعْلِمَ الإخْوانَ بِخَبَرِهِ. وقَدْ ورَدَ اسْتِحْبَابُ تَشْييعِ الجَنَازَةِ والمَشي مَعَهَا وحَمْلِهَا. وفي ذلكَ ثَوَابٌ وأَجْرٌ كَبيْرٌ، وأَنْ يُصَلِّيَ علَى الجَنَازَةِ مَنْ هُو أَولَى النَّاسِ بِهَا من الأقربين، أَوْ يُكَلِّفُ مَنْ يُحِبُّ مِمَّنْ يَراهُ أَهْلاً. والتَّعْجيلُ في دَفْنِ المتوفَى تَكْريْمٌ لَهُ، ومِنْ ثَمَّ القِيَامُ بِالتَّعزيَةِ لأَهْلِ المُصيبَةِ بَعدَ الدَّفْنِ وعِنْدَ القَبْرِ.

ولم يصلْ إلينا خبر يحدِّدُ مدّة التعزية فالأمرُ متروكٌ للنَّاسِ حسبَ ما تمليهِ الظروف. وعليهِ فالتَّعْزيَةُ مَقْبُولةٌ لِيَومٍ أَوْ أَكْثَر.

أَمَّا النَّفَقةُ المُقامَةِ عن نفسِ المتوفَى فَهِيَ مَقْبُولَةٌ ومَشْرُوعَةٌ مَا دَامَ يُرَادُ بها وجْهُ الله، ولكنْ لمَ يُحدَّدْ كَمُّهَا أَوْ نَوْعُهَا أَوْ شَكلُها في نَصٍّ مُعْتَمَدٍ صريحٍ. وعليهِ فإنَّها قَدْ تَكُونُ في كُلِّ أَوْجِهِ الخَيْرِ المُتَعَارَفِ عليها، أو تحتَ كُلِّ مَا تَشملُهُ كلمة (في سبيل الله) قلَّ أو كَثُرَ، وهي غيرُ مَحْدُودَةٍ بِزَمَنٍ، وإنْ عُرِفَ عَنِ سلَفِنا الصَّالحِ القيامُ بزيارةِ القبرِ في اليَومِ السَّابِعِ، لأنَّ النَّفسَ تبقى سبعةَ أيَّامٍ على أقل حدٍّ حرَّةً طليقةً قبلَ أن تنتقلَ لتقومَ بجسدٍ آخر.

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد