أرشيف الوسم: الدكتور أحمد أديب أحمد

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السبعون حول مقام الإمامة

images

السُّؤال السَّبعونَ: ما هو مقامُ الإمامةِ الواجبةِ في فكرِ العلويِّين النُّصيريِّين؟

 

الجوابُ السَّبعونَ بإذنِ اللهِ:

الإمامةُ عندنا واجبةٌ ضرورةً، ولكنَّ الخلافَ على مَن هو الأليَقُ بالإمامةِ!!

فمَن وجبَ أن يتبوَّأَ هذا المقامَ العظيمَ لابدَّ أن يكون ممثِّلاً لصاحبِ الأمرِ، هادٍ للنَّاسِ، قائمًا بالحجَّةِ ليقطعَ الحُجَجَ، برهانُهُ قاطعٌ وحجَّتُهُ دامغةٌ، إِن سألَهُ النَّاسُ إظهارَ المعجِزِ في الفعلِ والقولِ أظهرَهُ من غيرِ عناءٍ ولا جهدٍ، عالمًا بما أرادَهُ صاحبُ الأمرِ وعاملاً به، عارفًا بتنزيلِ القرآنِ وتأويلِهِ، جميلَ الخصالِ، منزَّهًا عن ذميمِ الصِّفاتِ، فهو المثالُ الصَّادقُ للحقِّ في جميعِ مَلَكاتِهِ وصفاتِهِ وخصالِهِ وأفعالِهِ، لهذا فإنَّ ما يميِّزُ العلويِّينَ عن السُّنَّةِ والشِّيعةِ في رؤيتهم لمقامِ الإمامةِ يتلخَّصُ بقولِ الإمامِ الصَّادِق (ع): مثالُ مَحَلِّ الإِمَامِ فِي الأَرضِ مثالُ مَحَلِّ البَارِي فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ المُلكَ لاَ يَجُوزُ أَن يَملكَهُ وَيُدَبِّرَهُ إِلاَّ وَاحِدٌ، لِقَولِهِ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).

ولمَّا انتشرَ الكذبُ والتَّبديلُ والتَّحريفُ كانت الحاجةُ ماسَّةً لوجودِ الإمامِ الذي يقطعُ حججَ المتأوِّلينَ وألسنةَ المتقوِّلينَ بالبرهانِ، فيلتفَّ حولَهُ المؤمنونَ ولا يخالفونَهُ، فَتَعُمُّ الهدايةُ ولا يختلفُ المؤمنونَ في أحكامِ الدِّينِ تبعًا للآراءِ والأهواءِ، عندَهُ علمُ ما يُسأل عنه ولديهِ الحجَّةُ على إِزالةِ الأوهامِ والأباطيلِ والجهالاتِ والأضاليلِ.

لهذا نصَّبَ اللهُ تعالى الإمامَ للنَّاسِ، ليعرِّفَهم أصولَ دينِهم وتعاليمَهُ، ويصلحَهم ويَهديهم، كما يستحيلُ أن يتركَ الرَّسولُ التَّبليغَ عنه لأيٍّ كانَ، لذلكَ أمرَهُ تعالى بتنصيبِ الإمامِ بعدَ الإمامِ، ولو جازَ عليه تركَ هذا الواجبِ لجازَ عليه تركَ غيرِهِ، والدَّليلُ قول الله عز وجل: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) حيث سأل سيدنا المُعلَّى بن خُنَيس الإمام جعفر الصَّادق (ع) عنه فقال (ع): (أمرَ اللهُ الإمامَ الأوَّلَ أن يدفعَ إلى الإمامِ الذي بعدَهُ كلَّ شيءٍ عندَهُ)، وقال (ع) أيضًا: (إنَّ الإمامَ يعرفُ الإمامَ الذي مِن بَعدِهِ فيُوصي إليهِ).

 

هذا يعني أنَّه متى وجبَتِ الرِّسالةُ وجبَتِ الإمامةُ، ومتى بعثَ اللهُ رسالةً نصَّبَ الإمامَ وصيًّا، فلا رسالةَ بلا إِمامٍ، ولا شريعةَ بغيرِ حقيقةٍ، لذلك قال تعالى: (أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، وقد رَوَى سيِّدنا المفضَّلُ بن عمر (ع) أنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) قال: (يا مُفَضِّل، الأرضُ همُ المُؤمِنُونَ، والرَّواسِي هُمُ الأئِمَّةُ).

وإنَّ لأهلِ بيت النُّبوةِ مكانةً دينيَّةً خاصَّةً، فهم الذينَ أذهبَ الله عنهم الرِّجسَ كما هو ثابتٌ من آيةِ التَّطهيرِ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، وهم نفسُ النَّبيِّ كما هو ثابتٌ من آيةِ المباهلةِ: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، وهم أعدالُ الكتابِ كما هو ثابتٌ من حديث الثقلينِ المسلَّمِ بصحَّتِهِ وتواترِهِ، وهو قولُ الرَّسول (ص): (إنِّي مخلِّفٌ فيكم الثَّقَلَين: كتابَ اللهِ وعترتيِ أهل بيتي)، وقد فرضَ اللهُ تعالى مودَّتهم كما هو ثابتٌ من آية المودَّةِ: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، وجعلَ الصَّلاةَ عليهم جزءًا لا يتجزَّأُ من الصَّلاةِ على الرَّسولِ لقول رسول الله (ص): (ما في الميزانِ أثقلُ من الصَّلاةِ على محمدٍ وآلِ محمد، ومَن صلَّى عليَّ ولم يُصَلِّ على آلي لم يجدْ روحَ الجنَّة)، لذلكَ سمِّيَ رسولُ اللهِ عندنا (ص) إمامًا، وقال عن الحسن (ع) أنَّه إمام، وقال عن الحسين (ع) أنَّه إمام، ولا َيُجادلُ بصحةِ أقوالِ الرَّسولِ (ص) هذه.

وقد وردت كلمةُ (أئمَّة) في القرآنِ الكريم خمسَ مراتٍ، منها لفظٌ محمودٌ دلَّ على الهدايةِ التي تقودُ حتمًا إلى الحقِّ في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)، وقوله تعالى: (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، ومنها لفظٌ مذمومٌ دلَّ على طبيعةِ القيادةِ الفاسدةِ والمرجعيَّةِ الضَّالةِ وقدوةِ السوءِ التي تجرُّ أتباعَها إلى دارِ البوارِ، وهم كبعضِ زعماءِ قريشَ في قوله تعالى: (فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ)، وفرعونَ وجنودُهُ الذينَ يقودونَ إلى النارِ في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ)، وقد فرَّقَ الإمامُ الصَّادقُ بين أئمَّةِ الحقِّ وأئمَّةِ الضَّلالِ بقولِهِ: (نحن قومٌ فرضَ اللهُ طاعَتَنا، وأنتم تأتمُّون بمَن لا يَعذُرُ النَّاسَ بجهالَتِهِ).

ومن الملاحظِ أنَّ فَهْمَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ يتَّفقُ بالكاملِ مع البيانِ لأحكامِ الإمامةِ، ممثَّلَةً بإمامةِ إبراهيمَ والأنبياءِ من بعدِهِ، والتي أجمَلَها القرآنُ الكريمُ مخاطبًا سيِّدنا إبراهيم (ع) بقوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)، فالله تعالى هو الذي أسندَ منصبَ الإمامةِ لإبراهيمَ، وكذلكَ قوله تعالى عن الأئمَّةِ الذينَ جاؤوا من بعدِ إبراهيمَ حيثُ قالَ: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً)، (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً)، فاستعمل كلمات: (جاعلك، ونجعلهم، وجعلناهم).

فممَّا سبقَ نجدُ أنَّ اللهَ تعالى هو الذي يجعلهم أئمَّةً يهدونَ بأمرِ اللهِ ويقودونَ الخلقَ وفقَ التَّعاليمِ الإلهيَّةِ، وما يعنينا هو أنَّ أئمَّةَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ عالجوا معنى الإمامةِ كما تلقَّوهُ عن إمامِ الأئمَّةِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ حيث قال: (اللهم لا تخلو الأرضُ من حجَّةٍ لكَ على خلقِكَ: ظاهرٌ أو خائفٌ مغمورٌ، لئلا تبطلَ على النَّاسِ حُجَجُكَ أو بيِّناتُكَ)، وقال أيضًا: (لا يُقاسُ بآلِ محمَّدٍ من هذهِ الأمةِ أحدٌ، ولا يسوَّى بهم مَن جَرَتْ نعمَتُهُم عليه أبدًا، هم أساسُ الدِّينِ وعمادُ اليقينِ، إليهم يفيءُ الغالي، وبهم يُلحَقُ التَّالي، ولهم الولايةُ، وفيهم الوصيَّةُ والوراثة).

وقال الإمام علي زين العابدين (ع): (نحنُ أئمَّةُ المؤمنين، وحججُ اللهِ على العالمين، وسادةُ المؤمنين، وقادةُ الغُرِّ المحجَّلين)، وقال أيضًا: (نحن خلفاءُ الأرضِ، ونحنُ أولى المؤمنينَ بالمؤمنين)، وقال في الصَّحيفةِ السَّجاديَّة: (اللهمَّ إنَّكَ أيَّدتَ دينَكَ في كلِّ أوانٍ بإمامٍ أقمتَهُ علمًا لعبادِكَ ومنارًا في أرضكَ، بعدما وصلتَ حبلَهُ بحبلِكَ وجعلتَهُ السَّبيلَ إلى رضوانِكَ، وافترضتَ طاعَتَهُ وحذَّرتَ معصيتَهُ).

وقال الإمام الصادق (ع): (لو بقيتِ الأرضُ بغيرِ إمامٍ لَسَاخَتْ). كما قيلَ له: كيفَ ينتفعُ الناسُ بالحجَّةِ الغائبِ المستورِ؟ فقال (ع): (كما ينتفعونَ بالشمسِ إذا سترَها السَّحابُ).

وهذا يعني أنَّ أئمَّةَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ قد بيَّنوا الإمامةَ كما بيَّنَها الرَّسولُ (ص) على أنَّها ركنٌ من أركان الدِّينِ لا غِنَى عنه، وبأنَّ الإمامَ مُعيَّنٌ من اللهِ ومُعلَنٌ من رسولِهِ، وأنَّ مهمَّةَ الإمامِ أن يهدي لأمرِ اللهِ، فهو قائدُ الأمَّةِ ومرجعُها وقدوتُها في أمورِ دينِها ودنياها، لأنَّهُ الوحيدُ في زمانهِ المتَّصِفُ بالصِّفاتِ الشَّـرعيَّةِ للإمامةِ، والمؤهَّلُ الوحيدُ لخلافةِ النبيِّ في أمورِ الدِّينِ والدُّنيا.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال التاسع والستون حول التعزية والنفقة

images

السُّؤالُ التَّاسعُ والسِّتُّون: اختلفَ بعضُ المشائخِ في مدَّةِ التَّعزيةِ والنَّفقةِ المُقامَةِ عن نفسِ المتوفَى، فما هو قولُكم في ذلك؟

الجوابُ التَّاسعُ والسِّتُّون بإذنِ اللهِ:

قال البَعْضُ: إنَّ التَّعْزِيَةَ لِثَلاثٍ كما هي عندَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ، والزَّائِدُ عَلَى ثلاثٍ بُدْعَةٌ والبُدْعَةُ ضَلالٌ وكُفْرٌ!! وحُجَّتُهمْ قَولُ رَسُولِ اللهِ (ص): (أَطْعِمُوا آلَ جَعفَر لِثَلاث)، وَقَول الإمَامِ عَلِيٍّ (ع): (التعزية فوق ثلاث تجديد للمصيبة). وإنَّ النَّفَقَةَ المُقامَةَ عن نفسِ المتوفَى غَيْرُ مَطلُوبَةٍ، وهيَ حِمْلٌ وَعِبْءٌ ثَقِيْلٌ على كَاهِلِ أهْلِ المُصَابِ، والقِيَامُ بِهَا غَيْرُ مَرْغُوبٍ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ بُعْدٌ عَنِ الدِّينِ!!

أَمَّا البعضُ الآخَرُ فقالوا: إنَّ التَّعْزِيةَ لِسَبْعٍ، والنَّقْصُ عَنْهَا مُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ، وخُروجٌ عَنِ العُرْفِ الذي سَارَ عليهِ الأَجْدَادُ والنَّفَقَةُ واجِبَةٌ ولا بُدَّ مِنَ الذَّبَائِحِ فيها ومَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ، والخَارِجُ عَلَى ذلكَ خَارِجٌ عَلَى الملَّةِ والطَّريقَةِ والدّيْنِ!!

نحنُ نقولُ ما عرفناهُ عَنْ أَهْلِ البيتِ (ع)، فإذا حضَرَ المُسْلِمُ أَخَاهُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الأمَانةَ لِبَاريهَا فإنَّ أَقَلَّ مَا يجبُ عَليهِ هُو أَنْ يُلَقِّنَهُ الشَّهَادَةَ والوِلايَةَ، ومِنْ ثَمَّ يُوجِّهُهُ إِلى القِبْلَةِ، وبَعْدَ المَوتِ يَقُومُ بِغَسْلِهِ وتَكْفيْنِهِ، وأَنْ يُعْلِمَ الإخْوانَ بِخَبَرِهِ. وقَدْ ورَدَ اسْتِحْبَابُ تَشْييعِ الجَنَازَةِ والمَشي مَعَهَا وحَمْلِهَا. وفي ذلكَ ثَوَابٌ وأَجْرٌ كَبيْرٌ، وأَنْ يُصَلِّيَ علَى الجَنَازَةِ مَنْ هُو أَولَى النَّاسِ بِهَا من الأقربين، أَوْ يُكَلِّفُ مَنْ يُحِبُّ مِمَّنْ يَراهُ أَهْلاً. والتَّعْجيلُ في دَفْنِ المتوفَى تَكْريْمٌ لَهُ، ومِنْ ثَمَّ القِيَامُ بِالتَّعزيَةِ لأَهْلِ المُصيبَةِ بَعدَ الدَّفْنِ وعِنْدَ القَبْرِ.

ولم يصلْ إلينا خبر يحدِّدُ مدّة التعزية فالأمرُ متروكٌ للنَّاسِ حسبَ ما تمليهِ الظروف. وعليهِ فالتَّعْزيَةُ مَقْبُولةٌ لِيَومٍ أَوْ أَكْثَر.

أَمَّا النَّفَقةُ المُقامَةِ عن نفسِ المتوفَى فَهِيَ مَقْبُولَةٌ ومَشْرُوعَةٌ مَا دَامَ يُرَادُ بها وجْهُ الله، ولكنْ لمَ يُحدَّدْ كَمُّهَا أَوْ نَوْعُهَا أَوْ شَكلُها في نَصٍّ مُعْتَمَدٍ صريحٍ. وعليهِ فإنَّها قَدْ تَكُونُ في كُلِّ أَوْجِهِ الخَيْرِ المُتَعَارَفِ عليها، أو تحتَ كُلِّ مَا تَشملُهُ كلمة (في سبيل الله) قلَّ أو كَثُرَ، وهي غيرُ مَحْدُودَةٍ بِزَمَنٍ، وإنْ عُرِفَ عَنِ سلَفِنا الصَّالحِ القيامُ بزيارةِ القبرِ في اليَومِ السَّابِعِ، لأنَّ النَّفسَ تبقى سبعةَ أيَّامٍ على أقل حدٍّ حرَّةً طليقةً قبلَ أن تنتقلَ لتقومَ بجسدٍ آخر.

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السُّؤالُ الثامن والستون حول مكانة سلمان الفارسي

images

السُّؤالُ الثامن والستون: ما هي مكانةُ سلمان الفارسي عند العلويِّين النُّصيريِّينَ؟

الجوابُ الثامن والستون بإذن اللهِ:

سلمانُ الفارسيُّ منذُ ظهرَ في بلادِ فارسَ كان اسمُهُ رَوْزَبَةُ بنُ المَرْزَبَانِ، ومعنى اسمِهِ: خيرُ العَارفينَ.

وقد عاصَرَ من الأنبياءِ والمُرسَلينَ سيِّدَنا المسيحَ ودانيالَ وذا القَرنَين (ع)، وكانَ مع حواريِّي المسيح (ع) يدعو ويبشِّرُ بسيِّدنا محمَّد (ص).

كما عاصرَ من ملوكِ الفرسِ العظماء أزدشير بن بابك الفارسي وسابور، وممَّا رُويَ عنه أنَّهُ دخلَ إلى بيتِ النَّارِ في زمنِ فارسَ، وعندَ دخولِهِ إليها قَرْقَرَتْ كما تُقرقِرُ الدَّجاجةُ، وصاحَ منها صائحٌ: ما لَنَا ولك.َ وَخَمدَتْ، وذَكَرَ المجوسُ أنَّها قامَتْ ثلاثمائةِ سنةٍ خامدة، فتشاءمَ بِهِ أبوهُ وعمُّهُ اللذانِ كانا من سادةِ المجوس وحارباهُ.

وعاصرَ من سادَةِ العربِ لُؤي بن غالب، ومُرَّة وكَلاَّب وقُصَي وعبدُ مُنَاف وهَاشِم وعبدُ المطَّلِب وعبدُ اللهِ، وكان دائمَ التَّبشيرِ بمجيءِ خاتمِ النَّبيِّينَ حتَّى جاءَ رسولُ اللهِ محمَّد (ص) وأطلَقَ عليهِ اسمَ (سلمان)، وحمدَهُ قائلاً: (سلمانُ منَّا أهلُ البيتِ)، فقيل له: أَمِنْ بني هاشم؟ فقال: (نَعم، مِن بني هاشم عَلِمَ عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ).

ويكفيهِ أنَّهُ لم يسجدْ لا لصنمٍ في حياتِه ولا للنَّار بل بقي منتظرًا لبعثِ النَّبيِّ (ص) ما يزيدُ عن أربعةِ قرونٍ، وله حديثٌ طويلٌ في ذلك نقتصرُ فيه على البداياتِ حيث كانَ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وسلمان وأبا ذر وجماعةٌ من قريش مجتمعينَ في مسجدِ رسولِ اللهِ (ص)، فقال أمير المؤمنين: يا سلمانُ ألا تُخبِرُنا عن مبدأ أمرِكَ؟ فقالَ سلمان: واللهِ لو كانَ غيرُكَ سألَني لما أخبَرْتُهُ، يا مولاي أنا رجلٌ كنت من أهلِ شيرازَ من أبناءِ الدَّهاقين، وكنت عزيزًا على والديَّ، فبينما أنا سائرٌ مع أبي في عيدٍ لهم فإذا بصومعةٍ فيها رجلٌ ينادي: (أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وأشهدُ أنَّ عيسى روحُ اللهِ وكلمَتُهُ وأنَّ محمَّدًا حبيبُ اللهِ)، فَوَجَدْتُ حبَّ محمَّدٍ في لحمي ودمي ولم يُهنِّئنِي طعامٌ ولا شرابٌ، فقالت لي أمي: ما لَكَ يا بُنَيَّ لم تسجدْ اليومَ لِمَطلَعِ الشَّمسِ؟ فكابَرْتُها حتَّى سَكَنَتْ، فلما انصرفتُ إلى منزلي وإذا بكتابٍ مُعلَّقٍ في السَّقفِ، فقلتُ لأمي: ما هذا الكتابُ مُعَلَّقٌ في السَّقفِ؟ فقالت لي: يا روزبةُ إنَّ هذا الكتابَ لمَّا رَجعنا من عيدِنا رأيناهُ معلَّقًا فلا تقربْ ذلك المكانَ فإنَّك إنْ قربتَهُ قَتَلَكَ أبوكَ فَجَاهَدْتُها حتَّى جَنَّ الليلُ ونامَ أبي وأمي، فأخذتُ الكتابَ فإذا به: (بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا عهدُ اللهِ إلى آدمَ، إنَّه خالقٌ من صُلبِكَ نبيٌّ يُقال له: “محمد” يأمرُ بمكارمِ الأخلاقِ وينهى عن عبادةِ الأوثانِ، ويا روزبةُ أنت وصيُّ عيسى فآمِنْ واتركْ دينَ المجوسِ)، فَصُعِقْتُ صعقةً ونالَني شدَّةٌ فَعَلِمَ بذلك أبي وأمي، فأخذني أبي في بئرٍ عميقةٍ وقال لي: (إن ما رَجِعْتَ عمَّا أنتَ عليه وإلاَّ قتلناكَ)، فقلت لهم: (افعلوا ما شِئتم فإنَّ حبَّ محمَّدٍ قد تمكَّنَ من قلبي فلا يزولُ منه)، وما كنتُ أعرفُ بالعربيَّةِ قبل قراءتي ذلك الكتابَ، ولقد فهَّمَني اللهُ بالعربيَّةِ من وقتِ قراءَتِهِ، فبقيتُ في البئرِ وجعلوا يناولوني أقراصًا صغارًا في كلِّ يومٍ، فلمَّا طالَ أمري رفعتُ يديَّ إلى السَّماءِ وقلت: (يا رَبُّ أنتَ حبَّبْتَ محمَّدًا ووصيَّهُ إليَّ فَبِحَقِّ محمَّدٍ وسلالَتِهِ عَجِّلْ فَرَجِي ممَّا أنا فيه، فأتاني آتٍ عليه ثيابٌ بيضٌ فقال لي: قُمْ يا رَوزبَةُ، فأخذَ بيدي وأتى إلى الصَّومَعَةِ فجعلتُ أقول: (أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وأنَّ عيسى روحُ اللهِ وأنَّ محمَّدًا حبيبُ اللهِ)، إلى تتمَّةِ الخبرِ والخبرُ طويلٌ.

إنَّ السُّنَّةَ فضَّلوا على سلمان الفارسي كلاًّ من أبا بكرٍ وعمر وعثمانَ و… إلخ فنسَوهُ وترى أكثرَهم لم يسمعوا به، أمَّا الشِّيعةُ فأحبُّوهُ باعتبارِهِ فارسيًّا وذلكَ بسبب نظرتِهم القوميَّةِ واختلاطِ السِّياسةِ بالدِّينِ لديهم، أمَّا عندنا كعلويِّين نُصيريِّين فهناك مكانةٌ خاصَّةٌ لسيِّدنا سلمان الفارسي (ع) تعطيهِ مقامَهُ الخاصَّ والحقيقيِّ لأنَّنا لا نتجاوزُ الحدودَ ولا نقفزُ من النوَّافذِ بل ندخلُ البيوتَ من أبوابِها لقوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السابع والستون حول الاحتفال بالمناسبات الدينية

images

السُّؤالُ السَّابع والسِّتُّون: كيف يحتفلُ العلويون النُّصيريُّون بالمناسباتِ الدينيَّةِ السَّعيدةِ والحزينة؟

الجوابُ السَّابع والسِّتُّون بإذنِ الله:

إنَّ التَّغييبَ الذي ألقى بظلالِهِ على مجتمعنا العلويِّ النُّصيريِّ جعلَهُ عُرضةً للأقاويلِ والشَّائعاتِ من قبلِ المغرضين، حيث نسبوا لنا زورًا ما لا يليقُ بنا من طرقٍ احتفاليَّةٍ غريبةٍ وسلبيَّةٍ قد يمارسُها غيرنا، وقد تكونُ من ابتداعِ الخيالِ الحاقد، لذلكَ كانَ من الطَّبيعي أن يتساءل الكثيرون هذا السُّؤال، وكان لزامًا علينا أن نجيبَ بما فتحَ اللهُ على بصيرتنا من القولِ السَّديد، مع ملاحظة الفوارقِ الكبيرةِ بين ما يقيمُهُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ من موالدِ الإنشادِ ومآتمِ البكاءِ، وبين ما نقيمُهُ نحن من إحياء الأمرِ العظيمِ امتثالاً لقولِ الإمام جعفر الصَّادق (ع) عندما قال: (أحيوا أمرَنا، رَحِمَ اللهُ مَن أحيا أمرَنا)، فقيل: وكيف يُحيَى أمرُكُم؟ قال: (أن تتعلَّمُوا علومَنا وتعلِّموها لمُستحقِّيها، فإنَّ النَّاسَ لو عَلِمُوا محاسنَ كلامِنا لاتَّبعونا).

هكذا نحنُ نُحيي المناسباتِ الدِّينيَّةَ بالصَّلاةِ والتَّذاكرِ بالعلومِ الدِّينيَّةِ لتُقبَلَ أعمالُنا بمقدارِ معارفِنا، ونحنُ في ذلك نمتثلُ لقولِ سيِّدتنا فاطمةَ الزَّهراء (ع): (جعلَ اللهُ معرفَتَهُ تطهيرًا لكم من الشِّركِ، والصَّلاةَ تنزيهًا لكم عن الكِبرِ، والزَّكاةَ تزكيةً للنَّفسِ ونماءً في الرِّزقِ، والصِّيامَ تثبيتًا للإخلاصِ، والحجَّ تشييدًا للدِّين).

فأبناءُ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ السَّائرينَ على الصِّراطِ المستقيمِ لا يتوانَونَ عن حضورِ مجالسِ العلمِ ليتعلَّموا الآدابَ والعلومَ الدِّينيَّةَ وأصولَ الفقهِ إحياءً لأمرِ اللهِ وأنبيائِهِ وأئمَّتِهِ، هذا الأمرِ العظيمِ الذي حَثَّ على طلبِ العلمِ، حتَّى اعتبرَهُ حقًّا مشروعًا لكلِّ مؤمنٍ، وقد قالَ الإمام الصادق (ع): (واللهِ ما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أفضلَ من أداءِ حقِّ المؤمن)، وأولُ حقٍّ للمؤمنِ حثُّهُ على تحصيلِ العلم، واعتبارُهُ فريضةً لازمةً عليه لقولِ رسول الله (ص): (طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلمٍ، ألا إنَّ اللهَ يحبُّ بُغاةَ العلمِ)، والحديثُ هنا ليس فقط محصورًا بالعلومِ الدُّنيويَّةِ، إنَّما هناكَ تركيزٌ على العلومِ الإلهيَّةِ، لِمَا فيها من الشَّرَفِ والعظمةِ والفائدةِ، لذلك قال رسول الله (ص): (اطلبوا العلمَ ولو في الصِّينِ)، وليس الصِّين هنا بلدًا، إنَّما هو رمزٌ للحدِّ الذي يتوقَّفُ عندَهُ علمُ العلماءِ، وهو الغايةُ الكليةُ لِمَن يريدُ بلوغَ المعرفة.

وثاني حقٍّ للمؤمنِ بعدَ دخوله مدينةَ العلم هو حضُّهُ على التَّفقُّهِ في دينِهِ، لقوله تعالى: (لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ)، وقول الإمام الصادق (ع): (إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا فقَّهَهُ في الدِّينِ، ولا خيرَ في مَن لا يتفقَّهُ مِن أتباعِنا)، فالخيرُ هو الثَّوابُ، وهو مرتبطٌ بالفقهِ كما العملُ مرتبطٌ بالعلمِ لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (الحقَّ أقولُ لكم إنَّ الذي يذهبُ لِيُصلِّي بدونِ تدبُّرٍ يَستهزئُ باللهِ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السادس والستون حول التسبيحات الأربعة

images

السُّؤالُ السَّادسُ والسِّتُّون: هل يمكنُ شرحُ معاني التَّسبيحاتِ الأربعةِ عندَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ؟

الجوابُ السَّادسُ والسِّتُّون بإذنِ الله:

منَ الشَّائعِ لدى عامَّةِ المسلمينَ أنَّ ذكرَ اللهِ يتمثَّلُ بهذهِ الصِّيغةِ: (سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلاَّ الله، واللهُ أكبرُ)، وقد أجمعَ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّ ذكرَ الإنسانِ لربِّهِ يكونُ عندما يواجهُ المعاصي، ليجتنِبَها خوفًا من اللهِ، وخشيةً منه، وحبًّا وشكرًا له تعالى، وأنَّ غايةَ الذِّكرِ اللَّفظيِّ هي الانقيادُ والطَّاعةُ، ووردَ في شروحاتِهم أن معنى التَّسبيحاتِ الأربعةِ أن يعيشَ الإنسانُ معنى تسبيحِ اللهِ وتنزيهِهِ عن كلِّ نقصٍ، وأن يعيشَ حمدَ اللهِ وشكرَهُ على كلِّ نعمةٍ، وهذا قصورٌ عن فهمِ التَّسبيحِ والحمدِ والتَّكبيرِ، وهو ناجمٌ عن السَّطحيَّةِ التي تناولَ بها شيوخُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ فهمَ الكلامِ القرآنيِّ.

وقد أسَّسَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) بنيانَ البناءِ التَّوحيديِّ الخالصِ على أسسٍ راسخةٍ تمتدُّ في جذورِها إلى القرآنِ الكريمِ وكلامِ الإمام عليٍّ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، فكانَ لنا نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ منهاجًا توحيديًّا خالصًا من عقائدِ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وكانَ التَّسبيحُ عندنا هو تنزيهُ الباري عن كلِّ نقصانٍ وزيادةٍ وكمالٍ لقولِهِ تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)، وقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً)، لأنَّ النَّقصانَ ضدُّهُ الزِّيادةُ، والكمالَ ضدُّهُ النَّقصُ وهو كما قال جلَّ وعلا: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا)، وقد قال مولانا الإمام عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ، ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، والْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ).

وكلمةُ (سبحان) كلمةُ تنزيهٍ عربيَّةٌ مصدرُها (سَبَحَ) وقد جاءَ بالتَّعريفِ أنَّ معنى (سبحانَ الله) تعظيمُ وتنزيهُ الباري عمَّا قالَ فيه كلُّ مشركٍ، والمشركُ طبعًا هو الذي يغلو في الباري فيصفُهُ بصفاتِ الخلقِ لقولِ الإمام علي الرِّضا (ع): (مَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فهو مُشرِكٌ، ومَن نسَبَ إليه ما نهى عنه فهو كافرٌ)، وهذا يكونُ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، فهيئاتُ الشِّركِ مختلفةٌ وحقيقتَهُ الخفيَّةُ واحدةٌ وهي التي ذكرَها رسولُ اللهِ (ص) بقوله: (الشِّركُ في أمَّتي أَخْفَى مِن دَبيبِ النَّملةِ السَّوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على المسحِ الأسوَدِ).

وكان الحمدُ عندنا لا يقتصر على الشُّكرِ، بل يرتقي لإثباتِ الوجودِ الإلهيِّ المُنعِمِ علينا بمعرفةِ إشراقِ وجودِهِ وآياتِهِ البيِّناتِ، وأنَّ كلَّ ذلكَ للهِ جلَّ جلالُهُ لقوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، فالملحدونَ بالأسماءِ هم المنكرونَ لها المتوجِّهونَ إلى عبادةِ الوهمِ والعدمِ، فهم بذلكَ لا يعرفونَ معنى الحمدِ وإن ذكروهُ بألسنتِهم.

وكانَ التَّوحيد في قولنا: (لا إلهَ إلاَّ الله) هو نفي تعدُّدِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ وإنْ تعدَّدت الآياتُ والآلاءُ، فلو كانتِ الآياتُ هي الذَّاتُ حقيقةً وشكلاً لكانتِ الآياتُ آلهةً مع الإلهِ وهذا لا يجوزُ لقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وقد وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق شرحُ العبارةِ بقوله: (كلمةٌ أوَّلها كفرٌ وآخرها إيمانٌ، فلو قال: “لا إله” وسكتَ، لكانَ كفرَ).

ويأتي القولُ: (اللهُ أكبرُ)، ليسَ كما درجَ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّهُ أكبرُ من كلِّ شيءٍ، بل إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يتلمَّسُ في جماليَّتِها ما وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق (ع) حين جاءَهُ رجلٌ قائلاً: الله أكبر. فسألَهُ (ع): مِن أيِّ شيءٍ؟ فقالَ الرَّجلُ: من كلِّ شيءٍ. فقالَ (ع): لقد حدَّدْتَهُ. فقالَ الرَّجلُ: ما أقولُ يا مولاي؟ فقال (ع): (قل: اللهُ أكبرُ من أن يُوصَفَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد