أرشيف الوسم: أهل السنة والجماعة

السؤال الثالث والسبعون حول أذية الأنبياء

images

السُّؤال الثَّالثُ والسَّبعون: كيف يمكن أن نفسِّرَ تعرُّضَ الأنبياءِ لأذَى أقوامِهم وهم مَعصومون؟

 

الجوابُ الثَّالثُ والسَّبعون بإذنِ الله:

إن أحدَ أهمِّ اختلافاتِنا العقائديَّةِ مع السُّنَّةِ والشِّيعةِ هو مفهومُ العصمةِ، والدَّرجةُ الرَّفيعةُ التي نصلُ إليها بعيدًا عن بَخْسِ الأنبياءِ حقَّهم في العصمةِ التَّكوينيَّةِ. وجوابًا على هذا السُّؤالِ سأوردُ بعضَ الأمثلةِ:

في قصَّةِ سيِّدنا موسى الكليمِ (ع)، وردَ أنَّ سيِّدنا موسى (ع) كانَ شديدَ الحَياءِ حتَّى لا يَكادَ يُرَى من جِلدِهِ شيءٌ، فَتَكلَّمَ بعضُ المُغرضين من بني إسرائيلَ في حقِّهِ بالبُهتانِ، وفَسَّرُوا حَيَاءَهُ أنَّهُ استِتَارٌ عن مَرَضٍ فيه (بَرَصٍ أو آفةٍ)، فَظَلَّ يَحتَمِلُ الأذى وهو صابرٌ يَدعوهم كما وردَ في الآيةِ: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ).

وقد كان بنو إسرائيلَ شعبًا قُسَاةَ القلوبِ لا يؤمنونَ إلاَّ بما يُعَاينونَ، فَهُم قَومٌ مَادِّيُّونَ يُثبِتونَ أنَّ اللهَ تَعالى أوجَدَ الأشياءَ من شَيءٍ، فَلَولا أنَّهُ شَيءٌ لَمَا استَطاعَ إيجادَ الأشياءِ أبَدًا!!

كيفَ لا وهم الذين رَأَوا الآياتِ العظمى من الحَيَّةِ والبَياضِ وانفلاقِ البحرِ لهم ثمَّ ابْتُلُوا باتِّخاذِهم العجلَ لقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاء مُّبِينٌ)!! ولم يَأخذوا بأمرِ اللهِ بل وَصَلَتْ قَسوَتُهم أن عَلَّقُوا إيمانَهم باللهِ على شرطِ أن يَرَوهُ جَهرَةً فأخَذْتُهُم الصَّاعقةُ وهم يَنظرونَ!

ولم يكتفوا بأذيَّةِ سيِّدنا موسى (ع) بل تابعوا أذيَّتَهم لسيِّدنا المسيح (ع) الذي وبَّخَهم قائلاً: (إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ).

ولكنَّ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا)، إن دَلَّ فإنَّما يَدُلُّ على أنَّ اللهَ تعالى يَعصِمُ أنبياءَهُ وَيُبَرِّئُهُم ممَّا يَفتريهِ عليهم السُّفهاءُ.

 

ولا نَنسى كيفَ أعطى سبحانَهُ القدوةَ للبشريَّةِ في صبرِ سيِّدنا أيُّوب (ع) في قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ).

كما كان بلاءُ سيِّدنا يعقوب (ع) أسوةً وعبرةً للصَّابرينَ بعدَما فَقَدَ أحبَّ أبنائِهِ واحدًا تِلوَ الآخرِ، فَصَبَرَ ولم يَيْأَسْ من رَوحِ اللهِ، ولم يَقُلْ إلاَّ ما يُرضي اللهَ، بل زَادَ تَضَرُّعُهُ إلى رَبِّهِ ورجاءُهُ إيَّاهُ كما وردَ في الآيةِ: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وقد أظهرَ سيِّدُنا يعقوب (ع) العَمَى لِشِدَّةِ بكائِهِ على فراقِهِ لمولانا يوسف (ع) في قوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ثم أظهرَ الإبصارَ حينَ أرسلَ له مولانا يوسف (ع) قميصَهُ لقوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا).

فاختفاءُ مولانا يوسف (ع) عن ناظرِ سيِّدنا يعقوب (ع) عُبِّرَ عنه بالعَمَى، أمَّا القميصُ فكانَ مثالَ التَّجلي الذي إذا أُلقِيَ على وَجْهِ سيِّدنا يعقوب (ع) أصبحَ مُبصِرًا، فالعَمَى والإبصارُ صِفَتَانِ لسيِّدنا يعقوب (ع)، أمَّا المُسَبِّبُ لهذا العَمَى والإبصارِ فهو مولانا يوسف (ع).

ومِثلُ هذا البلاءِ لنبيِّ اللهِ يعقوب (ع) بمشيئةِ اللهِ ليسَ ذنبًا أو عقوبةً أو انتقاصًا، بل عِبرَةٌ وآيةٌ للمتوسِّمينَ لقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ).

 

ونذكرُ في قصَّةِ سيِّدنا يونس (ع) قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فهل يَعصي سيِّدنا يونس (ع) أمرَ رَبِّهِ؟ وكيفَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ القادرَ على كلِّ شيءٍ لن يَقدرَ عليهِ؟

إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يؤكِّدُ أنَّ سيِّدنا يونسَ (ع) لم يُغاضِبْ رَبَّهُ، إذْ لم يَقُلْ تَعَالى أنَّه ذَهَبَ مُغاضِبًا رَبَّهُ، فَمَن زادَ هذهِ الزِّيادةَ كانَ يكذبُ على اللهِ ويزيدُ في القرآنِ ما ليسَ منهُ، وهذا ما لا يَجوزُ لأنَّه غَاضَبَ قومَهُ، وإنَّ سيِّدنا يونس (ع) لم يَقصدْ بذلكَ إلاَّ رِضَى اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذا هو المعنى الصَّحيح، والذي يَتَّضِحُ جَلِيًّا بِفَهمِ قوله تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) حيث جاءَ رجلٌ فسألَ ابنَ عبَّاس: كيفَ يَظُنُّ نبيُّ اللهِ يونسَ أنَّ اللهَ لن يَقدِرَ عليه؟ فقالَ ابنُ عباس: ليسَ هذا، ألمْ تقرأ قولَ اللهِ تعالى: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)، وهذا يعني أنَّ كلمةَ (نَقدِرَ عليه) لا تُشيرُ إلى معنى الاستطاعةِ، وإنَّما تُشيرُ إلى مَعنى التَّضييقِ، فسيِّدنا يونس (ع) لَمَّا دَعَا قَومَهُ للتَّوحيدِ ونَفَروا منهُ وأذوهُ، تَرَكَهم غَضَبًا للهِ ولم يظنَّ أنَّ اللهَ يحاسِبُهُ ويُضَيِّقُ عليهِ، وقد نَبَّهَ رسولُ اللهِ (ص) إلى هذا الأمرِ وحَذَّرَ مِن أن يُسِيءَ إنسانٌ الظَّنَّ بنبيِّ اللهِ يونسَ (ع) فقالَ (ص): (‏لا يَقولَنَّ أحدُكُم أنَّني خيرٌ من ‏يونسَ)، وهذا من تعظيمِ رسولِ اللهِ (ص) لشأنِ الأنبياءِ ودفاعِهِ عنهم.

وقد تَضَرَّعَ (ع) إلى رَبِّهِ مُنيبًا فقال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فاستجابَ لَهُ رَبُّهُ تعالى وجَعَلَ دُعاءَهُ هذا مأثورًا لِرَفعِ الكَربِ إلى يومِ القيامةِ.

كلُّ هذهِ المواقفِ تُعتَبرُ بَيِّنَةً على براءةِ الأنبياءِ (ع) وَجَاهِهِم وسَلامَتِهِم، لا نَيْلاً من عِصمَتِهِم، عليهم جميعًا الصَّلاةُ والسَّلام.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثاني والسبعون حول آدم الذي سجدت له الملائكة

images

السُّؤال الثَّاني والسَّبعون: هل كانَ آدمُ الذي سَجَدَتْ له الملائكةُ هو أبو البشر؟

 

الجواب الثَّاني والسَّبعون بإذن الله:

ما يَهمُّنا في قصَّةِ سيِّدنا آدم (ع) تلكَ المعاني العظيمةَ التي أرادَ اللهُ الإشارةَ إلى توحيدِهِ من خلالِها، إذْ قالَ تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ).

لقد تمَّ الخلقُ ثمَّ تمَّ التَّصويرُ، ومن ثمَّ أُمِرَ الملائكةُ بالسُّجودِ، فَلِمَنْ يَرمزُ اللهُ بآدمَ؟ أهو بَشَرٌ أم نَبِيٌّ؟ أم هو رمزٌ آخرُ أَجَلُّ وأعلى؟ هل كانَ آدمُ قبلَ الخلقِ موجودًا أم بَعْدَهُ؟ هل كانَ قبلَ الملائكةِ؟

إذا دقَّقنا في آياتِ القرآنِ الكريم التي رَوَتْ قصَّةِ البَدءِ، نلاحظُ أنه لا يوجدُ ترتيبٌ زمنيٌّ بين سيِّدنا آدم (ع) والملائكةِ، فدائمًا تبدأُ الآياتُ بقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، ولكنَّ الآياتِ التي تناولتِ التَّرتيبَ الزَّمنيَّ للخلقِ لم تَذكر اسمَ آدمَ صَراحةٌ، حيث قال تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ)، وقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، ولم ُيذكر هنا الاسمَ الصريحَ لسيِّدنا آدم (ع)، فلماذا كانَ ذلك؟

لاحظوا أنَّ إبليسَ لعنَهُ اللهُ كانَ دائمًا مع الملائكةِ، ولم يكنْ منهم، ولكنَّه كانَ معهم لِيَتَحقَّقَ وجودُ الضِّدَّين: الخيرُ والشَّرُّ، الطَّيِّبُ والخبيثُ، المؤمنُ والكافرُ، المُوحِّدُ والمُشرِكُ….

ولا يمكنُ أن يوجدَ الشَّرُّ من الخيرِ، ولكنَّه يوجدُ معه لِيَتَبيَّنَ الخيرُ من الشَّرِّ، ولا يمكنُ أن يكونَ المشركُ من المُوَحِّدينَ، بل مَعَهُم، أي أنَّهُ يُوجَدُ ليُعرَفَ الموحِّدُ من المشركِ، والمُحِقُّ من المُبطِلِ، وأساسُ هذه المعرفةِ وهذا التَّمييزِ كانَ وجود سيِّدنا آدم (ع)، وسيِّدُنا آدم (ع) مَثَلُ الحَقِّ الذي أُمِرَ الجميعُ بطاعتِهِ، وبما أنَّ الحقَّ ليسَ له بدايةٌ ولا نهاية، فسيِّدُنا آدم (ع) لم يُذكَرْ له بَدءٌ ولا خَلقٌ، فكانَ القولُ الإلهيُّ يوحي دائمًا بأنَّه موجودٌ، لم يُحدِّدْ زمنَ وجودِهِ، أو متَى كانَ وجودُهُ، أو أينَ كانَ وجودُهُ، في السَّماءِ أم في الأرضِ، بل اكتفى بالإشارةِ إلى الأمرِ الإلهيِّ بالسُّجودِ.

 

أخي السَّائل:

سيِّدُنا آدم (ع) لا يدخلُ في النَّصِّ القرآنيِّ في عدادِ المخلوقاتِ، وهنا قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، فالخلقُ من جهةِ الخالقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالنَّفسِ، أي بجوهرِ المخلوقِ، سواءَ كانَ بشرًا أو ملاكًا، أمَّا التَّصويرُ فهو من جهةِ المخلوقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالجسمِ، أي بالأعراضِ والأسماءِ والصِّفاتِ، فهل جسمُ الإنسانِ موجودٌ قبلَ نفسِهِ أم العكسُ؟ وهل هيكلُ الملاكِ موجودٌ قبلَ جوهرِهِ أم العكسُ؟ فالنَّفسُ قبلَ الجسمِ، والجوهرُ قبلَ العَرَضِ، لذلكَ كانَ الخلقُ قبلَ التَّصويرِ.

ثم قالَ: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ). لماذا لم يقلْ: (ثم قلنا لكم) كَتَتابُعٍ لِسِيَاقِ الكلامِ؟ لو قال ذلكَ لَكَانَتِ الآيةُ: (ثُمَّ قُلْنَا لكم اسْجُدُواْ لآدَمَ فسجدتم إلا إبليس) وهذا غيرُ واردٍ، لأنَّ المُخَاطَبَ من بدايةِ الآيةِ كانَ كافَّةَ الخَلقِ، من مؤمنٍ وكافرٍ، وسعيدٍ وشقيٍّ، وطيِّبٍ وخبيثٍ، ولكنْ: ليسَ كلُّ مَن يَسمعِ الأمرَ يُسارِعُ إلى الطَّاعةِ، فالطَّاعةُ محصورةٌ بالملائكةِ، وهم من عِدَادِ المُخاطَبين، وليسوا جميعَ المُخاطَبينَ، فَهُم مَن أقرَّ بالطَّاعةِ والعبادةِ.

وكانَ الأمرُ: (اسجدوا) ولم يكن: (اعبدوا)، وكان الجوابُ: (فسجدوا)، والسُّجودُ هنا سجودُ تكريمٍ وطاعةٍ لا سجودُ عبادةٍ، فلو كانَ آدمُ هنا بشرًا فهل يجوزُ سجودُ الأنوارِ للجسدِ المصنوعِ من الطِّينِ؟ هل يسجدُ النُّورُ للطِّينِ؟ هل يسجدُ الملائكةُ للبشرِ؟ لا.

إذن: سيِّدُنا آدم (ع) أجلُّ من البشرِ ومن الملائكةِ، وتَجِبُ له الطَّاعةُ والتَّكريمُ، لا العبادةُ، فلو جازَتْ له العبادةُ لَكُنَّا قد أشرَكنا آدمَ باللهِ، معاذَ اللهِ، لكنَّ العبادةَ للهِ الذي أظهرَ سيِّدنا آدم (ع) من دونِ سابقِ مَثيلٍ له، أظهرهُ من دونِ أبٍ ولا أمٍّ لِيَدُلَّ على أنَّه القادرُ أن يقولَ للشَّيءِ: (كُنْ فَيَكُون). فسيِّدُنا آدم (ع) هنا إذن ليس مخلوقًا، لكنَّهُ المَثَلُ الذي قَصَدَهُ تعالى في قوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

أمَّا إبليسُ سائسُ أهلِ الشِّركِ والجحودِ (لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ)، ولن يكونَ من السَّاجدين، لأنَّه لا يدخلُ في عِدَادِهم، لكنَّه قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).

لاحظوا مَكرَهُ وكِبْرَهُ وحُمْقَهُ وقِياسَهُ، فاللهُ لم يذكرْ أنَّ سيِّدنا آدم (ع) من طينٍ، ولم يَذكرْ أنَّهُ مَخلوقٌ، لكنَّ إبليسَ ظنَّ بِجَهلِهِ أنَّ اللهَ سبحانه يأمرُهُ بالسُّجودِ للجسدِ الظَّاهرِ، ظَنًّا منه أنَّ هذه الأسماءَ والصِّفاتِ الظَّاهرةَ ماهيَّةٌ للحقيقةِ الباطنةِ، وبقيَ أعوانُهُ وأتباعُهُ على نفسِ النَّهجِ والتَّفكيرِ، يُسَاوونَ بينَ المَثَلِ والمَمثولِ، والصِّفةِ والموصوفِ، والاسمِ والمُسَمَّى، فَضَلُّوا وكانوا من المشركينَ، وهم أتباعُ إبليسَ الذينَ قال تعالى فيهم: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

براءة سلمان الفارسي

mini-logo

براءة سلمان الفارسي

بقلم الكاتب: بسام جابر أحمد

منذُ أيَّام وقعَ بين يديَّ مقالٌ يؤذي المشاعرَ لِمَا فيهِ من التَّزويرِ والقوميَّةِ العرجاء التي يفكِّرُ بها البعض، وهو بعنوان: “خيانة سلمان الفارسي”!!

وفحوى المقال أنَّ “حشدًا من المتظاهرينَ الإيرانيِّينَ المحتجِّينَ على تدهورِ الأوضاعِ الاقتصاديَّةِ في إيران، أضرمَ النَّارَ في تمثالِ الفارسيِّ. وانتقدَ بعضُ النَّاشطينَ بشدَّةٍ دورَ الفارسيَّ في تاريخِ إيرانَ، معتبرينَ أنَّه خانَ الفرسَ باتِّباعِهِ الإسلامَ قبل 14 قرنا”!!

هناكَ من يستثمرُ النَّزعاتِ القوميَّةَ والعرقيَّةَ لتشويهِ التَّاريخِ وإحداثِ الفوضى، وهذا أمرٌ لا يمكنُ السُّكوتُ عنه، لأنَّ السُّكوتَ عنه يعني مساهمةً وقبولاً فيه، فلماذا لم تتَّخذِ السُّلطاتُ الدِّينيَّةُ والسِّياسيَّةُ موقفًا في مواجهةِ هذا الحدثِ، الذي لا يخصُّ الشِّيعةَ أو غيرهم، بقدرِ ما يخصُّ الإسلامَ عمومًا لأنَّ سيِّدنا سلمان الفارسي (ع) يُعتَبرُ عمودًا راسخًا من أعمدة الإسلامِ والإنسانيَّةِ جمعاء، رغمًا عن أنوفِ كلِّ الحاسدينَ له، وهو لا يخصُّ الفرسَ وحدَهم بقدرِ ما يخصُّ الإسلامَ والإنسانيَّةَ جمعاء.

حيث وردَ في الرِّواياتِ الصَّادقةِ أنَّ سيِّدنا سلمانَ دخلَ يومًا مجلسَ رسولِ اللهِ (ص)، فإذا هو غاصٌّ بوجوهِ الجُلَساء من قريشَ، فَتَخطَّاهم جميعًا وقعدَ في صدرِ المجلسِ، وتحرَّكتْ الغطرسةُ القريشيَّةُ في النُّفوس، فإذا بعضُهم يقول له: مَن أنتَ حتَّى تتخطَّانا؟ ويقولُ آخر: ما حَسَبُكَ وما نَسَبُكَ؟

فَعَلَتِ الابتسامةُ الطَّريَّةُ بالوداعةِ ثغرَ سلمانَ وقالَ بأناةٍ: (أنا ابنُ الإسلامِ، كنتُ عبدًا فأعتَقَنِي اللهُ بمحمَّدٍ، وَوَضيعًا فَرَفَعَنِي اللهُ بمحمَّدٍ، وفقيرًا فأغناني اللهُ بمحمَّدٍ، فهذا حَسَبِي وهذا نَسَبِي)، فقال سيِّدنا محمَّد (ص): (صَدَقَ سلمانُ، صَدَقَ سلمانُ، صَدَقَ سلمانُ، مَن أرادَ أن ينظرَ إلى رجلٍ نُوِّرَ قلبُهُ بالإيمانِ فَلْيَنظرْ إلى سلمان).

فهذا سيِّدنا سلمان الفارسيُّ الذي لا يمكننا أن نسمحَ لأحدٍ أن يتجرَّأ عليه متمثِّلينَ بدفاعِ نبيِّ الرَّحمةِ عنه، ويكفيه قوله (ص): (أنا سابقُ العربِ إلى الجنَّةِ، وسلمانُ سابقُ الفرسِ إلى الجنَّةِ.. إنَّ الجنَّة لأكثرُ شوقًا إلى سلمانَ من سلمانَ إلى الجنَّةِ، وإنَّ الجنَّةَ لأكثرُ عشقًا لسلمانَ من سلمانَ إلى الجنَّةِ)، وهو الموسومُ بالمحمَّديِّ لقول الإمام الباقر (ع): (قولوا: سلمان المحمَّدي، ذلكَ رجلٌ منَّا أهل البيتِ).

ولكلِّ هذهِ القيمِ والرِّفعةِ التي يتَّصفُ بها كانَ يليقُ به وصفُ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي علينا من ذكرِهِ السّلامُ بقولِهِ: (ذلكَ امرؤٌ منَّا أهل البيتِ، مَن لكم بمثلِ لقمانَ الحكيم، عَلِمَ العلمَ الأوَّلَ والعلمَ الآخرَ، وقرأ الكتابَ الأوَّلَ والكتابَ الآخرَ، وكان بحرًا لا يَنزِفُ).

ومَن كان بهذهِ المنزلةِ لابدَّ أن يعرفَ أنَّ أقوامًا من أصحابِ القوميَّات سيحاولون النَّيلَ من استقامَتِهِ فَرَدَّ عليهم بقوله وكفاهُ ردًّا: (إنَّ النَّسَبَ لا يقدِّسُ أحدًا، إنَّما يقدِّسُ الإنسانَ عملُهُ).

السؤال السبعون حول مقام الإمامة

images

السُّؤال السَّبعونَ: ما هو مقامُ الإمامةِ الواجبةِ في فكرِ العلويِّين النُّصيريِّين؟

 

الجوابُ السَّبعونَ بإذنِ اللهِ:

الإمامةُ عندنا واجبةٌ ضرورةً، ولكنَّ الخلافَ على مَن هو الأليَقُ بالإمامةِ!!

فمَن وجبَ أن يتبوَّأَ هذا المقامَ العظيمَ لابدَّ أن يكون ممثِّلاً لصاحبِ الأمرِ، هادٍ للنَّاسِ، قائمًا بالحجَّةِ ليقطعَ الحُجَجَ، برهانُهُ قاطعٌ وحجَّتُهُ دامغةٌ، إِن سألَهُ النَّاسُ إظهارَ المعجِزِ في الفعلِ والقولِ أظهرَهُ من غيرِ عناءٍ ولا جهدٍ، عالمًا بما أرادَهُ صاحبُ الأمرِ وعاملاً به، عارفًا بتنزيلِ القرآنِ وتأويلِهِ، جميلَ الخصالِ، منزَّهًا عن ذميمِ الصِّفاتِ، فهو المثالُ الصَّادقُ للحقِّ في جميعِ مَلَكاتِهِ وصفاتِهِ وخصالِهِ وأفعالِهِ، لهذا فإنَّ ما يميِّزُ العلويِّينَ عن السُّنَّةِ والشِّيعةِ في رؤيتهم لمقامِ الإمامةِ يتلخَّصُ بقولِ الإمامِ الصَّادِق (ع): مثالُ مَحَلِّ الإِمَامِ فِي الأَرضِ مثالُ مَحَلِّ البَارِي فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ المُلكَ لاَ يَجُوزُ أَن يَملكَهُ وَيُدَبِّرَهُ إِلاَّ وَاحِدٌ، لِقَولِهِ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).

ولمَّا انتشرَ الكذبُ والتَّبديلُ والتَّحريفُ كانت الحاجةُ ماسَّةً لوجودِ الإمامِ الذي يقطعُ حججَ المتأوِّلينَ وألسنةَ المتقوِّلينَ بالبرهانِ، فيلتفَّ حولَهُ المؤمنونَ ولا يخالفونَهُ، فَتَعُمُّ الهدايةُ ولا يختلفُ المؤمنونَ في أحكامِ الدِّينِ تبعًا للآراءِ والأهواءِ، عندَهُ علمُ ما يُسأل عنه ولديهِ الحجَّةُ على إِزالةِ الأوهامِ والأباطيلِ والجهالاتِ والأضاليلِ.

لهذا نصَّبَ اللهُ تعالى الإمامَ للنَّاسِ، ليعرِّفَهم أصولَ دينِهم وتعاليمَهُ، ويصلحَهم ويَهديهم، كما يستحيلُ أن يتركَ الرَّسولُ التَّبليغَ عنه لأيٍّ كانَ، لذلكَ أمرَهُ تعالى بتنصيبِ الإمامِ بعدَ الإمامِ، ولو جازَ عليه تركَ هذا الواجبِ لجازَ عليه تركَ غيرِهِ، والدَّليلُ قول الله عز وجل: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) حيث سأل سيدنا المُعلَّى بن خُنَيس الإمام جعفر الصَّادق (ع) عنه فقال (ع): (أمرَ اللهُ الإمامَ الأوَّلَ أن يدفعَ إلى الإمامِ الذي بعدَهُ كلَّ شيءٍ عندَهُ)، وقال (ع) أيضًا: (إنَّ الإمامَ يعرفُ الإمامَ الذي مِن بَعدِهِ فيُوصي إليهِ).

 

هذا يعني أنَّه متى وجبَتِ الرِّسالةُ وجبَتِ الإمامةُ، ومتى بعثَ اللهُ رسالةً نصَّبَ الإمامَ وصيًّا، فلا رسالةَ بلا إِمامٍ، ولا شريعةَ بغيرِ حقيقةٍ، لذلك قال تعالى: (أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، وقد رَوَى سيِّدنا المفضَّلُ بن عمر (ع) أنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) قال: (يا مُفَضِّل، الأرضُ همُ المُؤمِنُونَ، والرَّواسِي هُمُ الأئِمَّةُ).

وإنَّ لأهلِ بيت النُّبوةِ مكانةً دينيَّةً خاصَّةً، فهم الذينَ أذهبَ الله عنهم الرِّجسَ كما هو ثابتٌ من آيةِ التَّطهيرِ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، وهم نفسُ النَّبيِّ كما هو ثابتٌ من آيةِ المباهلةِ: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، وهم أعدالُ الكتابِ كما هو ثابتٌ من حديث الثقلينِ المسلَّمِ بصحَّتِهِ وتواترِهِ، وهو قولُ الرَّسول (ص): (إنِّي مخلِّفٌ فيكم الثَّقَلَين: كتابَ اللهِ وعترتيِ أهل بيتي)، وقد فرضَ اللهُ تعالى مودَّتهم كما هو ثابتٌ من آية المودَّةِ: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، وجعلَ الصَّلاةَ عليهم جزءًا لا يتجزَّأُ من الصَّلاةِ على الرَّسولِ لقول رسول الله (ص): (ما في الميزانِ أثقلُ من الصَّلاةِ على محمدٍ وآلِ محمد، ومَن صلَّى عليَّ ولم يُصَلِّ على آلي لم يجدْ روحَ الجنَّة)، لذلكَ سمِّيَ رسولُ اللهِ عندنا (ص) إمامًا، وقال عن الحسن (ع) أنَّه إمام، وقال عن الحسين (ع) أنَّه إمام، ولا َيُجادلُ بصحةِ أقوالِ الرَّسولِ (ص) هذه.

وقد وردت كلمةُ (أئمَّة) في القرآنِ الكريم خمسَ مراتٍ، منها لفظٌ محمودٌ دلَّ على الهدايةِ التي تقودُ حتمًا إلى الحقِّ في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)، وقوله تعالى: (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، ومنها لفظٌ مذمومٌ دلَّ على طبيعةِ القيادةِ الفاسدةِ والمرجعيَّةِ الضَّالةِ وقدوةِ السوءِ التي تجرُّ أتباعَها إلى دارِ البوارِ، وهم كبعضِ زعماءِ قريشَ في قوله تعالى: (فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ)، وفرعونَ وجنودُهُ الذينَ يقودونَ إلى النارِ في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ)، وقد فرَّقَ الإمامُ الصَّادقُ بين أئمَّةِ الحقِّ وأئمَّةِ الضَّلالِ بقولِهِ: (نحن قومٌ فرضَ اللهُ طاعَتَنا، وأنتم تأتمُّون بمَن لا يَعذُرُ النَّاسَ بجهالَتِهِ).

ومن الملاحظِ أنَّ فَهْمَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ يتَّفقُ بالكاملِ مع البيانِ لأحكامِ الإمامةِ، ممثَّلَةً بإمامةِ إبراهيمَ والأنبياءِ من بعدِهِ، والتي أجمَلَها القرآنُ الكريمُ مخاطبًا سيِّدنا إبراهيم (ع) بقوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)، فالله تعالى هو الذي أسندَ منصبَ الإمامةِ لإبراهيمَ، وكذلكَ قوله تعالى عن الأئمَّةِ الذينَ جاؤوا من بعدِ إبراهيمَ حيثُ قالَ: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً)، (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً)، فاستعمل كلمات: (جاعلك، ونجعلهم، وجعلناهم).

فممَّا سبقَ نجدُ أنَّ اللهَ تعالى هو الذي يجعلهم أئمَّةً يهدونَ بأمرِ اللهِ ويقودونَ الخلقَ وفقَ التَّعاليمِ الإلهيَّةِ، وما يعنينا هو أنَّ أئمَّةَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ عالجوا معنى الإمامةِ كما تلقَّوهُ عن إمامِ الأئمَّةِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ حيث قال: (اللهم لا تخلو الأرضُ من حجَّةٍ لكَ على خلقِكَ: ظاهرٌ أو خائفٌ مغمورٌ، لئلا تبطلَ على النَّاسِ حُجَجُكَ أو بيِّناتُكَ)، وقال أيضًا: (لا يُقاسُ بآلِ محمَّدٍ من هذهِ الأمةِ أحدٌ، ولا يسوَّى بهم مَن جَرَتْ نعمَتُهُم عليه أبدًا، هم أساسُ الدِّينِ وعمادُ اليقينِ، إليهم يفيءُ الغالي، وبهم يُلحَقُ التَّالي، ولهم الولايةُ، وفيهم الوصيَّةُ والوراثة).

وقال الإمام علي زين العابدين (ع): (نحنُ أئمَّةُ المؤمنين، وحججُ اللهِ على العالمين، وسادةُ المؤمنين، وقادةُ الغُرِّ المحجَّلين)، وقال أيضًا: (نحن خلفاءُ الأرضِ، ونحنُ أولى المؤمنينَ بالمؤمنين)، وقال في الصَّحيفةِ السَّجاديَّة: (اللهمَّ إنَّكَ أيَّدتَ دينَكَ في كلِّ أوانٍ بإمامٍ أقمتَهُ علمًا لعبادِكَ ومنارًا في أرضكَ، بعدما وصلتَ حبلَهُ بحبلِكَ وجعلتَهُ السَّبيلَ إلى رضوانِكَ، وافترضتَ طاعَتَهُ وحذَّرتَ معصيتَهُ).

وقال الإمام الصادق (ع): (لو بقيتِ الأرضُ بغيرِ إمامٍ لَسَاخَتْ). كما قيلَ له: كيفَ ينتفعُ الناسُ بالحجَّةِ الغائبِ المستورِ؟ فقال (ع): (كما ينتفعونَ بالشمسِ إذا سترَها السَّحابُ).

وهذا يعني أنَّ أئمَّةَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ قد بيَّنوا الإمامةَ كما بيَّنَها الرَّسولُ (ص) على أنَّها ركنٌ من أركان الدِّينِ لا غِنَى عنه، وبأنَّ الإمامَ مُعيَّنٌ من اللهِ ومُعلَنٌ من رسولِهِ، وأنَّ مهمَّةَ الإمامِ أن يهدي لأمرِ اللهِ، فهو قائدُ الأمَّةِ ومرجعُها وقدوتُها في أمورِ دينِها ودنياها، لأنَّهُ الوحيدُ في زمانهِ المتَّصِفُ بالصِّفاتِ الشَّـرعيَّةِ للإمامةِ، والمؤهَّلُ الوحيدُ لخلافةِ النبيِّ في أمورِ الدِّينِ والدُّنيا.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

المتعة لا تجوز للعلويين

hesham

المتعة لا تجوز للعلويين

بقلم الباحث الديني هشام احمد صقر

 

يتناحر أهل السُّنَّةِ والجماعةِ مع أهلِ الشِّيعةِ بخصوصِ جوازِ المتعةِ أو حُرمَتِها، رغم أنَّ الاثنين يطبِّقانِ نفسَ الأمرِ تحتَ مسمَّياتٍ مختلفةٍ، وكلٌّ منهم يستندُ إلى أحاديثِهِ، وكلاهما مخطئٌ لا محالةَ، فالشَّريعةُ المحمَّديَّةُ أرقى وأعلى من أن تنصبَّ تعاليمها حول الأمورِ الجسمانيَّةِ الشَّهوانيَّةِ التي روَّجَ لها من أرادَ تخريبَ الإسلامِ عبرَ العصورِ، وسيبقى نهجُنا العلويُّ النُّصيريُّ الخصيبيُّ هو الحامي لهذا لدينِ الإسلامِ الحنيفِ من تخريبِ الفاسدين وتزييفِ المفسِدين.

فالسُّنَّةُ يطبِّقون زواجَ المتعةِ باسمٍ آخر وهو الزَّواجُ السِّريُّ أو الزَّواجُ العُرفيُّ، ومن جهةٍ أخرى هناكَ ما يسمَّى النِّكاحُ بالأجرةِ الذي روَّجَ له أبو حنيفة حين قال: (رجلٌ استأجرَ امرأةً ليزني بها فزَنَى بها فلا حَدَّ عليهما)!؟ محتجًّا بحديثين عن الخليفةِ عمر أوَّلهما ما رُويَ أنَّ امرأةً استسقَتْ راعيًا فأبى أن يسقيَها حتَّى تمكِّنَهُ من نفسِها فَدَرَأ عمر الحدَّ عنهما، وثانيهما أنَّ امرأةً سألتْ رجلاً مالاً فأبى أن يعطيها حتَّى تمكِّنَهُ من نفسِها فَدَرَأ الحدَّ وقال: (هذا مهرٌ)، وحسبَ تبريرِ الروايتين تم اعتبارُ أنَّ المهرَ والأجرَ يتقاربان في قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) فسمِّيَ الأجرُ مهرًا!؟

أمَّا الشِّيعةُ فقد اختلقوا أقوالاً لا صحَّةَ لها ونسَبوها للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) لترويجِ زواجِ المتعةِ لأنَّهم المُقَصِّرَةُ الذين لا يَملكونَ أنفسَهم الأمَّارةَ بالسُّوءِ, وكُلُّ إنسانٍ إبليسهُ مِزاجُهُ.

فمِنْ ذلكَ ما وردَ زورًا أنَّ سيِّدنا المفضَّل بن عمر (ع) سألَ: يا مولاي فالمتعةُ؟ قال الإمامُ الصَّادقُ (ع): (المتعةُ حلالٌ طَلْقٌ والشَّاهدُ بها قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، والقولُ المعروفُ هو المُشتَهِرُ بالوليِّ والشُّهودِ، وإنَّما احتِيجَ إلى الوليِّ والشُّهودِ في النِّكاحِ، لِيَثبُتَ النَّسلُ ويَصِحَّ النَّسَبُ ويَستَحِقَّ الميراثُ، والمؤمنُ المدقِّقُ سيكتشفُ كذبَ الشِّيعةِ على مولانا الصَّادق (ع)، فلا علاقة للقولِ المنسوبِ: (المتعةُ حلالٌ طَلْقٌ) بالآيةِ المذكورةِ التي تمنعُ الاختلاءَ بالمرأةِ؛ أي معاشرَتَها، إلا بعدَ القولِ المعروفِ والكتابِ المُعبِّرِ عن عقدِ النِّكاحِ بوجودِ الوليِّ والشُّهود.

فالمتعةُ التي ذكرَها الأئمَّةُ (ع) لا تعني الزَّواجَ المؤقَّتَ الذي يبيحُهُ الشِيعةُ، بل هي الزَّواجُ الحلالُ بين المؤمنينَ والمؤمناتِ لقوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، وهو المقصودُ بقولِ المفضَّل (ع): يا مولايَ فما شَرَائِطُ المتعةِ؛ أي الزَّواجِ؟ فقال الصَّادقُ (ع): (يا مفضَّل لها سبعونَ شرطًا مَن خالفَ فيها شرطًا واحدًا ظلمَ نفسَهُ)، قال المفضَّل: يا سيدي قد أمرتُمُونا أن لا نتمتَّعَ “أي نتزوَّجَ” بِبَغيَّةٍ “أي بزانية” ولا مشهورةٍ بفسادٍ ولا مجنونةٍ، وأن ندعوها إلى الفاحشةِ “أي الزِّنا اختبارًا لها”، فإنْ أجابَتْ فقد حُرِّمَ الاستمتاعُ بها “أي الزَّواجُ منها”، وأن نسأل أفارغة “أي عازبةٌ” أم مشغولةٌ بِبَعلٍ “أي متزوِّجةٌ” أو حَمْلٍ أو بِعُدَّةٍ “إن كانت مطلَّقةً أو أرملةً”، فإنْ شُغِلَتْ بواحدةٍ من الثَّلاثِ فلا تَحِلُّ “كزوجةٍ”، وإن خَلَتْ فيقولُ لها: متِّعيني “أي زَوِّجيني” نفسك على كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ وسُنَّةِ نبيِّهِ (ص) نكاحًا غيرَ سفاحٍ وهو قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ)، فالمُحصَناتُ هنَّ سادةُ القومِ في ذلكَ العصرِ، وما مَلَكتِ الأيمانُ فَهُنَّ الإماءُ في ذلكَ العصرِ، وقد جاءَ الإسلامُ ليُكرِّمَ العبدَ والأمَةَ ويخرِجَهُما من ذُلِّ العبوديَّةِ إلى كَرامةِ الحرِّيَّةِ، حيث أنَّ الآيةَ تأمرُ المؤمنَ بالزَّواجِ من الأمَةِ كما لو أنَّها سيِّدةٌ، وذلكَ بإذنِ أهلها وإيتاءِ مهرِها بالمعروفِ وبزواجٍ شرعيٍّ لا بسفاحٍ ولا مُخَادَنَةِ، ولكنَّ الإسلام كان يتحدَّثُ بمفرداتِ ومصطلحاتِ العصرِ الذي نزلَ فيهِ، ولو أنَّهُ نزلَ في هذا العصرَ لاستعملَ مفرداتِ هذا العصرِ.

وعلى هذا فلا صحَّةَ لِمَا نُسِبَ من أحاديثَ مُختَلَقَةٍ عن زواجِ المتعةِ كالحديثِ الذي أوردَهُ شيخُهم المفيدُ عن هشام بن سالم أنَّ الإمام الصَّادقَ (ع) قال: (يُستَحَبُّ للرَّجلِ أن يتزوَّجَ المتعةَ، وما أحبُّ للرَّجلِ منكم أن يخرجَ من الدُّنيا حتَّى يتزوجَّ المُتعةَ و لو مرَّة)!؟ أو كالحديث المنسوب للإمام الباقر (ع) أنه قال على لسان رسول الله (ص): (لمَّا أُسرِيَ بي إلى السَّماءِ لَحِقَني جبرائيلُ فقال: يا محمَّد إنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ يقول: إنِّي قد غفرْتُ للمتمتِّعينَ من النِّساءِ)!؟ أو ما نُسِبَ قول الإمام الصَّادقَ (ع) حين سألَ أحدَهم: تمتعت؟ فقالَ: لا. فقال الصَّادقُ (ع): (لا تخرجْ من الدُّنيا حتَّى تُحييَ السُّنَّةَ)!؟ فما هذا الإفك الذي به يتلفَّظون!؟

لقد جعلَ الشِّيعةُ من الأئمَّةِ أشخاًصا يخافونَ من النَّاس عندما نسبوا زورًا للإمامِ الكاظم (ع) قوله إلى بعض مواليه: (لا تُلِحُّوا في المتعةِ إنَّما عليكم إقامةُ السُّنَّةِ، ولا تَشتَغِلوا بها عن فُرُشِكُم وحَلائِلِكُم فَيَكفُرنَ ويدَّعِين على الآمرينِ لكم بذلكَ ويَلعنوننا)!؟ فهل يخشى الأئمَّةُ (ع) لومَ لائمٍ في الحقِّ!؟ أم أنَّهُ هوى الرُّواةِ الكاذبينَ!؟

وهل يتناقضُ كلامُ الإمامِ مع بعضِهِ، فكيفَ يدعونَ للمتعةِ في الوقتِ الذي ينهَونَ عنها كما في جوابِ الإمامِ الرِّضا (ع) حين سُئِلَ عنها فقال: (ما أنت وذاكَ قد أغناكَ الله عنها)، وجوابه حين سُئِلَ عنها فقال: (المتعةُ لم توجدْ لكم)، وكما في قوله (ع): (دَعُوها، أمَا يَستحي أحدُكم أن يُرَى في موضعِ العَورَةِ فَيَدخلَ بذلكَ على صالحِ إخوانِهِ وأصحابِهِ).

واستنادًا إلى هذه الأقوال المُثبَتَةِ أكَّدَ سيِّدنا الشَّابُّ الثِّقَةُ ميمونُ الطَّبرانيُّ (ق) أنَّ المتعةَ لا تجوز للعلويِّينِ من أهلِ الدِّينِ الحقِّ لقولِهِ تعالى: (مَنْ أرادَ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ في حَرثِهِ ومَنْ أراد حَرْثَ الدُّنيا نُؤتِهِ منها وَمَا لَهُ في الآخرةِ من نصيب).