أرشيف الوسم: أهل السنة والجماعة

السؤال السبعون حول مقام الإمامة

images

السُّؤال السَّبعونَ: ما هو مقامُ الإمامةِ الواجبةِ في فكرِ العلويِّين النُّصيريِّين؟

 

الجوابُ السَّبعونَ بإذنِ اللهِ:

الإمامةُ عندنا واجبةٌ ضرورةً، ولكنَّ الخلافَ على مَن هو الأليَقُ بالإمامةِ!!

فمَن وجبَ أن يتبوَّأَ هذا المقامَ العظيمَ لابدَّ أن يكون ممثِّلاً لصاحبِ الأمرِ، هادٍ للنَّاسِ، قائمًا بالحجَّةِ ليقطعَ الحُجَجَ، برهانُهُ قاطعٌ وحجَّتُهُ دامغةٌ، إِن سألَهُ النَّاسُ إظهارَ المعجِزِ في الفعلِ والقولِ أظهرَهُ من غيرِ عناءٍ ولا جهدٍ، عالمًا بما أرادَهُ صاحبُ الأمرِ وعاملاً به، عارفًا بتنزيلِ القرآنِ وتأويلِهِ، جميلَ الخصالِ، منزَّهًا عن ذميمِ الصِّفاتِ، فهو المثالُ الصَّادقُ للحقِّ في جميعِ مَلَكاتِهِ وصفاتِهِ وخصالِهِ وأفعالِهِ، لهذا فإنَّ ما يميِّزُ العلويِّينَ عن السُّنَّةِ والشِّيعةِ في رؤيتهم لمقامِ الإمامةِ يتلخَّصُ بقولِ الإمامِ الصَّادِق (ع): مثالُ مَحَلِّ الإِمَامِ فِي الأَرضِ مثالُ مَحَلِّ البَارِي فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ المُلكَ لاَ يَجُوزُ أَن يَملكَهُ وَيُدَبِّرَهُ إِلاَّ وَاحِدٌ، لِقَولِهِ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).

ولمَّا انتشرَ الكذبُ والتَّبديلُ والتَّحريفُ كانت الحاجةُ ماسَّةً لوجودِ الإمامِ الذي يقطعُ حججَ المتأوِّلينَ وألسنةَ المتقوِّلينَ بالبرهانِ، فيلتفَّ حولَهُ المؤمنونَ ولا يخالفونَهُ، فَتَعُمُّ الهدايةُ ولا يختلفُ المؤمنونَ في أحكامِ الدِّينِ تبعًا للآراءِ والأهواءِ، عندَهُ علمُ ما يُسأل عنه ولديهِ الحجَّةُ على إِزالةِ الأوهامِ والأباطيلِ والجهالاتِ والأضاليلِ.

لهذا نصَّبَ اللهُ تعالى الإمامَ للنَّاسِ، ليعرِّفَهم أصولَ دينِهم وتعاليمَهُ، ويصلحَهم ويَهديهم، كما يستحيلُ أن يتركَ الرَّسولُ التَّبليغَ عنه لأيٍّ كانَ، لذلكَ أمرَهُ تعالى بتنصيبِ الإمامِ بعدَ الإمامِ، ولو جازَ عليه تركَ هذا الواجبِ لجازَ عليه تركَ غيرِهِ، والدَّليلُ قول الله عز وجل: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) حيث سأل سيدنا المُعلَّى بن خُنَيس الإمام جعفر الصَّادق (ع) عنه فقال (ع): (أمرَ اللهُ الإمامَ الأوَّلَ أن يدفعَ إلى الإمامِ الذي بعدَهُ كلَّ شيءٍ عندَهُ)، وقال (ع) أيضًا: (إنَّ الإمامَ يعرفُ الإمامَ الذي مِن بَعدِهِ فيُوصي إليهِ).

 

هذا يعني أنَّه متى وجبَتِ الرِّسالةُ وجبَتِ الإمامةُ، ومتى بعثَ اللهُ رسالةً نصَّبَ الإمامَ وصيًّا، فلا رسالةَ بلا إِمامٍ، ولا شريعةَ بغيرِ حقيقةٍ، لذلك قال تعالى: (أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، وقد رَوَى سيِّدنا المفضَّلُ بن عمر (ع) أنَّ الإمامَ الصَّادقَ (ع) قال: (يا مُفَضِّل، الأرضُ همُ المُؤمِنُونَ، والرَّواسِي هُمُ الأئِمَّةُ).

وإنَّ لأهلِ بيت النُّبوةِ مكانةً دينيَّةً خاصَّةً، فهم الذينَ أذهبَ الله عنهم الرِّجسَ كما هو ثابتٌ من آيةِ التَّطهيرِ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، وهم نفسُ النَّبيِّ كما هو ثابتٌ من آيةِ المباهلةِ: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، وهم أعدالُ الكتابِ كما هو ثابتٌ من حديث الثقلينِ المسلَّمِ بصحَّتِهِ وتواترِهِ، وهو قولُ الرَّسول (ص): (إنِّي مخلِّفٌ فيكم الثَّقَلَين: كتابَ اللهِ وعترتيِ أهل بيتي)، وقد فرضَ اللهُ تعالى مودَّتهم كما هو ثابتٌ من آية المودَّةِ: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، وجعلَ الصَّلاةَ عليهم جزءًا لا يتجزَّأُ من الصَّلاةِ على الرَّسولِ لقول رسول الله (ص): (ما في الميزانِ أثقلُ من الصَّلاةِ على محمدٍ وآلِ محمد، ومَن صلَّى عليَّ ولم يُصَلِّ على آلي لم يجدْ روحَ الجنَّة)، لذلكَ سمِّيَ رسولُ اللهِ عندنا (ص) إمامًا، وقال عن الحسن (ع) أنَّه إمام، وقال عن الحسين (ع) أنَّه إمام، ولا َيُجادلُ بصحةِ أقوالِ الرَّسولِ (ص) هذه.

وقد وردت كلمةُ (أئمَّة) في القرآنِ الكريم خمسَ مراتٍ، منها لفظٌ محمودٌ دلَّ على الهدايةِ التي تقودُ حتمًا إلى الحقِّ في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)، وقوله تعالى: (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، ومنها لفظٌ مذمومٌ دلَّ على طبيعةِ القيادةِ الفاسدةِ والمرجعيَّةِ الضَّالةِ وقدوةِ السوءِ التي تجرُّ أتباعَها إلى دارِ البوارِ، وهم كبعضِ زعماءِ قريشَ في قوله تعالى: (فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ)، وفرعونَ وجنودُهُ الذينَ يقودونَ إلى النارِ في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ)، وقد فرَّقَ الإمامُ الصَّادقُ بين أئمَّةِ الحقِّ وأئمَّةِ الضَّلالِ بقولِهِ: (نحن قومٌ فرضَ اللهُ طاعَتَنا، وأنتم تأتمُّون بمَن لا يَعذُرُ النَّاسَ بجهالَتِهِ).

ومن الملاحظِ أنَّ فَهْمَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ يتَّفقُ بالكاملِ مع البيانِ لأحكامِ الإمامةِ، ممثَّلَةً بإمامةِ إبراهيمَ والأنبياءِ من بعدِهِ، والتي أجمَلَها القرآنُ الكريمُ مخاطبًا سيِّدنا إبراهيم (ع) بقوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)، فالله تعالى هو الذي أسندَ منصبَ الإمامةِ لإبراهيمَ، وكذلكَ قوله تعالى عن الأئمَّةِ الذينَ جاؤوا من بعدِ إبراهيمَ حيثُ قالَ: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً)، (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً)، فاستعمل كلمات: (جاعلك، ونجعلهم، وجعلناهم).

فممَّا سبقَ نجدُ أنَّ اللهَ تعالى هو الذي يجعلهم أئمَّةً يهدونَ بأمرِ اللهِ ويقودونَ الخلقَ وفقَ التَّعاليمِ الإلهيَّةِ، وما يعنينا هو أنَّ أئمَّةَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ عالجوا معنى الإمامةِ كما تلقَّوهُ عن إمامِ الأئمَّةِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ حيث قال: (اللهم لا تخلو الأرضُ من حجَّةٍ لكَ على خلقِكَ: ظاهرٌ أو خائفٌ مغمورٌ، لئلا تبطلَ على النَّاسِ حُجَجُكَ أو بيِّناتُكَ)، وقال أيضًا: (لا يُقاسُ بآلِ محمَّدٍ من هذهِ الأمةِ أحدٌ، ولا يسوَّى بهم مَن جَرَتْ نعمَتُهُم عليه أبدًا، هم أساسُ الدِّينِ وعمادُ اليقينِ، إليهم يفيءُ الغالي، وبهم يُلحَقُ التَّالي، ولهم الولايةُ، وفيهم الوصيَّةُ والوراثة).

وقال الإمام علي زين العابدين (ع): (نحنُ أئمَّةُ المؤمنين، وحججُ اللهِ على العالمين، وسادةُ المؤمنين، وقادةُ الغُرِّ المحجَّلين)، وقال أيضًا: (نحن خلفاءُ الأرضِ، ونحنُ أولى المؤمنينَ بالمؤمنين)، وقال في الصَّحيفةِ السَّجاديَّة: (اللهمَّ إنَّكَ أيَّدتَ دينَكَ في كلِّ أوانٍ بإمامٍ أقمتَهُ علمًا لعبادِكَ ومنارًا في أرضكَ، بعدما وصلتَ حبلَهُ بحبلِكَ وجعلتَهُ السَّبيلَ إلى رضوانِكَ، وافترضتَ طاعَتَهُ وحذَّرتَ معصيتَهُ).

وقال الإمام الصادق (ع): (لو بقيتِ الأرضُ بغيرِ إمامٍ لَسَاخَتْ). كما قيلَ له: كيفَ ينتفعُ الناسُ بالحجَّةِ الغائبِ المستورِ؟ فقال (ع): (كما ينتفعونَ بالشمسِ إذا سترَها السَّحابُ).

وهذا يعني أنَّ أئمَّةَ أهلِ بيتِ النُّبوةِ قد بيَّنوا الإمامةَ كما بيَّنَها الرَّسولُ (ص) على أنَّها ركنٌ من أركان الدِّينِ لا غِنَى عنه، وبأنَّ الإمامَ مُعيَّنٌ من اللهِ ومُعلَنٌ من رسولِهِ، وأنَّ مهمَّةَ الإمامِ أن يهدي لأمرِ اللهِ، فهو قائدُ الأمَّةِ ومرجعُها وقدوتُها في أمورِ دينِها ودنياها، لأنَّهُ الوحيدُ في زمانهِ المتَّصِفُ بالصِّفاتِ الشَّـرعيَّةِ للإمامةِ، والمؤهَّلُ الوحيدُ لخلافةِ النبيِّ في أمورِ الدِّينِ والدُّنيا.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

المتعة لا تجوز للعلويين

hesham

المتعة لا تجوز للعلويين

بقلم الباحث الديني هشام احمد صقر

 

يتناحر أهل السُّنَّةِ والجماعةِ مع أهلِ الشِّيعةِ بخصوصِ جوازِ المتعةِ أو حُرمَتِها، رغم أنَّ الاثنين يطبِّقانِ نفسَ الأمرِ تحتَ مسمَّياتٍ مختلفةٍ، وكلٌّ منهم يستندُ إلى أحاديثِهِ، وكلاهما مخطئٌ لا محالةَ، فالشَّريعةُ المحمَّديَّةُ أرقى وأعلى من أن تنصبَّ تعاليمها حول الأمورِ الجسمانيَّةِ الشَّهوانيَّةِ التي روَّجَ لها من أرادَ تخريبَ الإسلامِ عبرَ العصورِ، وسيبقى نهجُنا العلويُّ النُّصيريُّ الخصيبيُّ هو الحامي لهذا لدينِ الإسلامِ الحنيفِ من تخريبِ الفاسدين وتزييفِ المفسِدين.

فالسُّنَّةُ يطبِّقون زواجَ المتعةِ باسمٍ آخر وهو الزَّواجُ السِّريُّ أو الزَّواجُ العُرفيُّ، ومن جهةٍ أخرى هناكَ ما يسمَّى النِّكاحُ بالأجرةِ الذي روَّجَ له أبو حنيفة حين قال: (رجلٌ استأجرَ امرأةً ليزني بها فزَنَى بها فلا حَدَّ عليهما)!؟ محتجًّا بحديثين عن الخليفةِ عمر أوَّلهما ما رُويَ أنَّ امرأةً استسقَتْ راعيًا فأبى أن يسقيَها حتَّى تمكِّنَهُ من نفسِها فَدَرَأ عمر الحدَّ عنهما، وثانيهما أنَّ امرأةً سألتْ رجلاً مالاً فأبى أن يعطيها حتَّى تمكِّنَهُ من نفسِها فَدَرَأ الحدَّ وقال: (هذا مهرٌ)، وحسبَ تبريرِ الروايتين تم اعتبارُ أنَّ المهرَ والأجرَ يتقاربان في قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) فسمِّيَ الأجرُ مهرًا!؟

أمَّا الشِّيعةُ فقد اختلقوا أقوالاً لا صحَّةَ لها ونسَبوها للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) لترويجِ زواجِ المتعةِ لأنَّهم المُقَصِّرَةُ الذين لا يَملكونَ أنفسَهم الأمَّارةَ بالسُّوءِ, وكُلُّ إنسانٍ إبليسهُ مِزاجُهُ.

فمِنْ ذلكَ ما وردَ زورًا أنَّ سيِّدنا المفضَّل بن عمر (ع) سألَ: يا مولاي فالمتعةُ؟ قال الإمامُ الصَّادقُ (ع): (المتعةُ حلالٌ طَلْقٌ والشَّاهدُ بها قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، والقولُ المعروفُ هو المُشتَهِرُ بالوليِّ والشُّهودِ، وإنَّما احتِيجَ إلى الوليِّ والشُّهودِ في النِّكاحِ، لِيَثبُتَ النَّسلُ ويَصِحَّ النَّسَبُ ويَستَحِقَّ الميراثُ، والمؤمنُ المدقِّقُ سيكتشفُ كذبَ الشِّيعةِ على مولانا الصَّادق (ع)، فلا علاقة للقولِ المنسوبِ: (المتعةُ حلالٌ طَلْقٌ) بالآيةِ المذكورةِ التي تمنعُ الاختلاءَ بالمرأةِ؛ أي معاشرَتَها، إلا بعدَ القولِ المعروفِ والكتابِ المُعبِّرِ عن عقدِ النِّكاحِ بوجودِ الوليِّ والشُّهود.

فالمتعةُ التي ذكرَها الأئمَّةُ (ع) لا تعني الزَّواجَ المؤقَّتَ الذي يبيحُهُ الشِيعةُ، بل هي الزَّواجُ الحلالُ بين المؤمنينَ والمؤمناتِ لقوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، وهو المقصودُ بقولِ المفضَّل (ع): يا مولايَ فما شَرَائِطُ المتعةِ؛ أي الزَّواجِ؟ فقال الصَّادقُ (ع): (يا مفضَّل لها سبعونَ شرطًا مَن خالفَ فيها شرطًا واحدًا ظلمَ نفسَهُ)، قال المفضَّل: يا سيدي قد أمرتُمُونا أن لا نتمتَّعَ “أي نتزوَّجَ” بِبَغيَّةٍ “أي بزانية” ولا مشهورةٍ بفسادٍ ولا مجنونةٍ، وأن ندعوها إلى الفاحشةِ “أي الزِّنا اختبارًا لها”، فإنْ أجابَتْ فقد حُرِّمَ الاستمتاعُ بها “أي الزَّواجُ منها”، وأن نسأل أفارغة “أي عازبةٌ” أم مشغولةٌ بِبَعلٍ “أي متزوِّجةٌ” أو حَمْلٍ أو بِعُدَّةٍ “إن كانت مطلَّقةً أو أرملةً”، فإنْ شُغِلَتْ بواحدةٍ من الثَّلاثِ فلا تَحِلُّ “كزوجةٍ”، وإن خَلَتْ فيقولُ لها: متِّعيني “أي زَوِّجيني” نفسك على كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ وسُنَّةِ نبيِّهِ (ص) نكاحًا غيرَ سفاحٍ وهو قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ)، فالمُحصَناتُ هنَّ سادةُ القومِ في ذلكَ العصرِ، وما مَلَكتِ الأيمانُ فَهُنَّ الإماءُ في ذلكَ العصرِ، وقد جاءَ الإسلامُ ليُكرِّمَ العبدَ والأمَةَ ويخرِجَهُما من ذُلِّ العبوديَّةِ إلى كَرامةِ الحرِّيَّةِ، حيث أنَّ الآيةَ تأمرُ المؤمنَ بالزَّواجِ من الأمَةِ كما لو أنَّها سيِّدةٌ، وذلكَ بإذنِ أهلها وإيتاءِ مهرِها بالمعروفِ وبزواجٍ شرعيٍّ لا بسفاحٍ ولا مُخَادَنَةِ، ولكنَّ الإسلام كان يتحدَّثُ بمفرداتِ ومصطلحاتِ العصرِ الذي نزلَ فيهِ، ولو أنَّهُ نزلَ في هذا العصرَ لاستعملَ مفرداتِ هذا العصرِ.

وعلى هذا فلا صحَّةَ لِمَا نُسِبَ من أحاديثَ مُختَلَقَةٍ عن زواجِ المتعةِ كالحديثِ الذي أوردَهُ شيخُهم المفيدُ عن هشام بن سالم أنَّ الإمام الصَّادقَ (ع) قال: (يُستَحَبُّ للرَّجلِ أن يتزوَّجَ المتعةَ، وما أحبُّ للرَّجلِ منكم أن يخرجَ من الدُّنيا حتَّى يتزوجَّ المُتعةَ و لو مرَّة)!؟ أو كالحديث المنسوب للإمام الباقر (ع) أنه قال على لسان رسول الله (ص): (لمَّا أُسرِيَ بي إلى السَّماءِ لَحِقَني جبرائيلُ فقال: يا محمَّد إنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ يقول: إنِّي قد غفرْتُ للمتمتِّعينَ من النِّساءِ)!؟ أو ما نُسِبَ قول الإمام الصَّادقَ (ع) حين سألَ أحدَهم: تمتعت؟ فقالَ: لا. فقال الصَّادقُ (ع): (لا تخرجْ من الدُّنيا حتَّى تُحييَ السُّنَّةَ)!؟ فما هذا الإفك الذي به يتلفَّظون!؟

لقد جعلَ الشِّيعةُ من الأئمَّةِ أشخاًصا يخافونَ من النَّاس عندما نسبوا زورًا للإمامِ الكاظم (ع) قوله إلى بعض مواليه: (لا تُلِحُّوا في المتعةِ إنَّما عليكم إقامةُ السُّنَّةِ، ولا تَشتَغِلوا بها عن فُرُشِكُم وحَلائِلِكُم فَيَكفُرنَ ويدَّعِين على الآمرينِ لكم بذلكَ ويَلعنوننا)!؟ فهل يخشى الأئمَّةُ (ع) لومَ لائمٍ في الحقِّ!؟ أم أنَّهُ هوى الرُّواةِ الكاذبينَ!؟

وهل يتناقضُ كلامُ الإمامِ مع بعضِهِ، فكيفَ يدعونَ للمتعةِ في الوقتِ الذي ينهَونَ عنها كما في جوابِ الإمامِ الرِّضا (ع) حين سُئِلَ عنها فقال: (ما أنت وذاكَ قد أغناكَ الله عنها)، وجوابه حين سُئِلَ عنها فقال: (المتعةُ لم توجدْ لكم)، وكما في قوله (ع): (دَعُوها، أمَا يَستحي أحدُكم أن يُرَى في موضعِ العَورَةِ فَيَدخلَ بذلكَ على صالحِ إخوانِهِ وأصحابِهِ).

واستنادًا إلى هذه الأقوال المُثبَتَةِ أكَّدَ سيِّدنا الشَّابُّ الثِّقَةُ ميمونُ الطَّبرانيُّ (ق) أنَّ المتعةَ لا تجوز للعلويِّينِ من أهلِ الدِّينِ الحقِّ لقولِهِ تعالى: (مَنْ أرادَ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ في حَرثِهِ ومَنْ أراد حَرْثَ الدُّنيا نُؤتِهِ منها وَمَا لَهُ في الآخرةِ من نصيب).

السؤال التاسع والستون حول التعزية والنفقة

images

السُّؤالُ التَّاسعُ والسِّتُّون: اختلفَ بعضُ المشائخِ في مدَّةِ التَّعزيةِ والنَّفقةِ المُقامَةِ عن نفسِ المتوفَى، فما هو قولُكم في ذلك؟

الجوابُ التَّاسعُ والسِّتُّون بإذنِ اللهِ:

قال البَعْضُ: إنَّ التَّعْزِيَةَ لِثَلاثٍ كما هي عندَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ، والزَّائِدُ عَلَى ثلاثٍ بُدْعَةٌ والبُدْعَةُ ضَلالٌ وكُفْرٌ!! وحُجَّتُهمْ قَولُ رَسُولِ اللهِ (ص): (أَطْعِمُوا آلَ جَعفَر لِثَلاث)، وَقَول الإمَامِ عَلِيٍّ (ع): (التعزية فوق ثلاث تجديد للمصيبة). وإنَّ النَّفَقَةَ المُقامَةَ عن نفسِ المتوفَى غَيْرُ مَطلُوبَةٍ، وهيَ حِمْلٌ وَعِبْءٌ ثَقِيْلٌ على كَاهِلِ أهْلِ المُصَابِ، والقِيَامُ بِهَا غَيْرُ مَرْغُوبٍ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ بُعْدٌ عَنِ الدِّينِ!!

أَمَّا البعضُ الآخَرُ فقالوا: إنَّ التَّعْزِيةَ لِسَبْعٍ، والنَّقْصُ عَنْهَا مُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ، وخُروجٌ عَنِ العُرْفِ الذي سَارَ عليهِ الأَجْدَادُ والنَّفَقَةُ واجِبَةٌ ولا بُدَّ مِنَ الذَّبَائِحِ فيها ومَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ، والخَارِجُ عَلَى ذلكَ خَارِجٌ عَلَى الملَّةِ والطَّريقَةِ والدّيْنِ!!

نحنُ نقولُ ما عرفناهُ عَنْ أَهْلِ البيتِ (ع)، فإذا حضَرَ المُسْلِمُ أَخَاهُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الأمَانةَ لِبَاريهَا فإنَّ أَقَلَّ مَا يجبُ عَليهِ هُو أَنْ يُلَقِّنَهُ الشَّهَادَةَ والوِلايَةَ، ومِنْ ثَمَّ يُوجِّهُهُ إِلى القِبْلَةِ، وبَعْدَ المَوتِ يَقُومُ بِغَسْلِهِ وتَكْفيْنِهِ، وأَنْ يُعْلِمَ الإخْوانَ بِخَبَرِهِ. وقَدْ ورَدَ اسْتِحْبَابُ تَشْييعِ الجَنَازَةِ والمَشي مَعَهَا وحَمْلِهَا. وفي ذلكَ ثَوَابٌ وأَجْرٌ كَبيْرٌ، وأَنْ يُصَلِّيَ علَى الجَنَازَةِ مَنْ هُو أَولَى النَّاسِ بِهَا من الأقربين، أَوْ يُكَلِّفُ مَنْ يُحِبُّ مِمَّنْ يَراهُ أَهْلاً. والتَّعْجيلُ في دَفْنِ المتوفَى تَكْريْمٌ لَهُ، ومِنْ ثَمَّ القِيَامُ بِالتَّعزيَةِ لأَهْلِ المُصيبَةِ بَعدَ الدَّفْنِ وعِنْدَ القَبْرِ.

ولم يصلْ إلينا خبر يحدِّدُ مدّة التعزية فالأمرُ متروكٌ للنَّاسِ حسبَ ما تمليهِ الظروف. وعليهِ فالتَّعْزيَةُ مَقْبُولةٌ لِيَومٍ أَوْ أَكْثَر.

أَمَّا النَّفَقةُ المُقامَةِ عن نفسِ المتوفَى فَهِيَ مَقْبُولَةٌ ومَشْرُوعَةٌ مَا دَامَ يُرَادُ بها وجْهُ الله، ولكنْ لمَ يُحدَّدْ كَمُّهَا أَوْ نَوْعُهَا أَوْ شَكلُها في نَصٍّ مُعْتَمَدٍ صريحٍ. وعليهِ فإنَّها قَدْ تَكُونُ في كُلِّ أَوْجِهِ الخَيْرِ المُتَعَارَفِ عليها، أو تحتَ كُلِّ مَا تَشملُهُ كلمة (في سبيل الله) قلَّ أو كَثُرَ، وهي غيرُ مَحْدُودَةٍ بِزَمَنٍ، وإنْ عُرِفَ عَنِ سلَفِنا الصَّالحِ القيامُ بزيارةِ القبرِ في اليَومِ السَّابِعِ، لأنَّ النَّفسَ تبقى سبعةَ أيَّامٍ على أقل حدٍّ حرَّةً طليقةً قبلَ أن تنتقلَ لتقومَ بجسدٍ آخر.

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

موقفنا من أبي الخطَّاب

hesham

موقفنا من أبي الخطَّاب

بقلم الباحث الديني هشام أحمد صقر

بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ واختلافِ الأمَّةِ ظهرَ من الكُتَّابِ مَن أفسدَ وفَرَّقَ بين المسلمين وبَثَّ روحَ الكراهيَّةِ والأحقادِ، قسَّمَ المجتمعَ إلى أتباعِ أشخاصٍ، وقد قلبوا بتقسيماتِهم الحقَّ باطلاً والباطلَ حقًّا، وكانت غايتُهُم ذَمَّ مَن كان مقرَّبًا من الأئمَّةِ المعصومين (ع)، وحمدَ مَن كان من عامَّةِ صحابَتِهم، تمامًا كما حصلَ مع أصحابِ رسولِ الله (ص) المقرَّبين والعامَّةِ.
وقد برز منهم سعد الأشعري القمي في كتابَيهِ (الردُّ على الغلاة) و(المقالات والفِرَق)، والشهرستاني في كتابه (الملل والنِّحل)، والغضائري في كتابه (مجمع الرجال)، والنجاشـي في كتابه (رجال النجاشـي)، والطوسي شـيخ الطائفة الشيعية في كتابه (الغيبة)، والكشـي في كتابِهِ (اختيار معرفة الرجال)، وأورَدُوا في كتبِهم القميئةِ فتنًا وإساءةً لسادةِ القومِ دون أيِّ إثباتٍ، ومن هؤلاء السَّادة سيِّدنا أبي الخطَّاب محمد بن أبي زينب الكاهلي الذي اتَّهموهُ حسب زعمهم “بتأليهِ الإمامِ الصَّادقِ (ع)، واعتبارِ طينَتِهِ من طينةٍ أخرى غيرِ طينةِ البشرِ، وأنَّ الأئمَّةَ (ع) كانوا أنبياء وأنَّ الحسنَ والحسينَ وأولادَهما أبناءُ اللهِ وأحباؤهُ، وأنَّهُ وأتباعَهُ أخرجوا الإمامة عن أولاد علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في أعصارِ زعمائهم، ما دَعَا الإمامَ الصَّادقَ (ع) إلى التَّبرُّؤ منه وأمرِ أصحابِهِ بالبراءةِ منه”!! إلى غير ذلكَ من الافتراءاتِ التي لا يصدِّقُها إلاَّ كلُّ مفتونٍ مغبون.

فَمِمَّا رواهُ سيِّدنا الحسينُ بن حمدانَ الخصيبيُّ (ع) في كتابِ الهدايةِ الكبرى عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) قوله: (أبو الخطاب عَيْبَةُ عِلمِنا وموضعُ سِرِّنَا، وهو الأمينُ على أخبارِنا).
هذه المكانةُ الرَّفيعةُ التي نالَها سيِّدنا أبو الخطَّاب أثارَتْ حقدَ وحسدَ المنافقينَ الذينَ لم ينالوا هذه المكانةَ كزرارة بن أعين وأبو بصير الثقفي وأبو بكر الحضرمي ومحمد بن أبي يعفور ومحمد بن مسلم الثقفي وعامر بن جذاعة وكثير بياع النوى وبُرَيد العِجلي وحجر بن زائدة، الذين انطبق عليهم قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً)، فأثاروا حولَهُ شبهاتٍ وأكاذيبَ لفَّقوها فاعتُقِلَ في دارٍ تدعى دارَ الرِّزقِ في الكوفةِ، فزارَهُ آنذاك سيِّدنا المفضَّل بن عمر وأصحابُهُ، وكان وقتَها من المقرَّبينَ للإمامِ الصَّادق (ع)، ودخلوا عليه فوجدوهُ ساجداً يدعو.

إلاَّ أنَّ كلَّ هذا الإيمانِ والتَّوحيد زادَ حَسَدَهم وأحقادَهم فأكثروا في لعنِهِ في المجتمعِ لتنفيرِ النَّاسِ منه وتأليبِهم عليه، فقد حَسَدُوهُ على نعمةِ اللهِ عليهِ وكانوا فيهِ كما قال الله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، فجاءَ أصحابُ الإمامِ الصَّادقِ (ع) فحذَّرهم من الانجرارِ وراءَ لعنِهِ لأنَّهُ انجرارٌ وراءَ الحاسدِ له زرارةَ وأتباعُهُ، وهم مقصِّرو الشِّيعةِ الذينَ أظهروا ولايةَ أهلِ البيتِ وأساؤوا للصَّحابةِ الميامين، وزُرَارَة معروفٌ بِقِلَّةِ أدبِهِ وكذبِهِ على لسانِ الإمام واختلافه مع خواصِّ الإمام كهشام بن الحكم وحمران بن أعين والمفضل بن عمر (ع).

السُّؤالُ الثامن والستون حول مكانة سلمان الفارسي

images

السُّؤالُ الثامن والستون: ما هي مكانةُ سلمان الفارسي عند العلويِّين النُّصيريِّينَ؟

الجوابُ الثامن والستون بإذن اللهِ:

سلمانُ الفارسيُّ منذُ ظهرَ في بلادِ فارسَ كان اسمُهُ رَوْزَبَةُ بنُ المَرْزَبَانِ، ومعنى اسمِهِ: خيرُ العَارفينَ.

وقد عاصَرَ من الأنبياءِ والمُرسَلينَ سيِّدَنا المسيحَ ودانيالَ وذا القَرنَين (ع)، وكانَ مع حواريِّي المسيح (ع) يدعو ويبشِّرُ بسيِّدنا محمَّد (ص).

كما عاصرَ من ملوكِ الفرسِ العظماء أزدشير بن بابك الفارسي وسابور، وممَّا رُويَ عنه أنَّهُ دخلَ إلى بيتِ النَّارِ في زمنِ فارسَ، وعندَ دخولِهِ إليها قَرْقَرَتْ كما تُقرقِرُ الدَّجاجةُ، وصاحَ منها صائحٌ: ما لَنَا ولك.َ وَخَمدَتْ، وذَكَرَ المجوسُ أنَّها قامَتْ ثلاثمائةِ سنةٍ خامدة، فتشاءمَ بِهِ أبوهُ وعمُّهُ اللذانِ كانا من سادةِ المجوس وحارباهُ.

وعاصرَ من سادَةِ العربِ لُؤي بن غالب، ومُرَّة وكَلاَّب وقُصَي وعبدُ مُنَاف وهَاشِم وعبدُ المطَّلِب وعبدُ اللهِ، وكان دائمَ التَّبشيرِ بمجيءِ خاتمِ النَّبيِّينَ حتَّى جاءَ رسولُ اللهِ محمَّد (ص) وأطلَقَ عليهِ اسمَ (سلمان)، وحمدَهُ قائلاً: (سلمانُ منَّا أهلُ البيتِ)، فقيل له: أَمِنْ بني هاشم؟ فقال: (نَعم، مِن بني هاشم عَلِمَ عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ).

ويكفيهِ أنَّهُ لم يسجدْ لا لصنمٍ في حياتِه ولا للنَّار بل بقي منتظرًا لبعثِ النَّبيِّ (ص) ما يزيدُ عن أربعةِ قرونٍ، وله حديثٌ طويلٌ في ذلك نقتصرُ فيه على البداياتِ حيث كانَ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وسلمان وأبا ذر وجماعةٌ من قريش مجتمعينَ في مسجدِ رسولِ اللهِ (ص)، فقال أمير المؤمنين: يا سلمانُ ألا تُخبِرُنا عن مبدأ أمرِكَ؟ فقالَ سلمان: واللهِ لو كانَ غيرُكَ سألَني لما أخبَرْتُهُ، يا مولاي أنا رجلٌ كنت من أهلِ شيرازَ من أبناءِ الدَّهاقين، وكنت عزيزًا على والديَّ، فبينما أنا سائرٌ مع أبي في عيدٍ لهم فإذا بصومعةٍ فيها رجلٌ ينادي: (أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وأشهدُ أنَّ عيسى روحُ اللهِ وكلمَتُهُ وأنَّ محمَّدًا حبيبُ اللهِ)، فَوَجَدْتُ حبَّ محمَّدٍ في لحمي ودمي ولم يُهنِّئنِي طعامٌ ولا شرابٌ، فقالت لي أمي: ما لَكَ يا بُنَيَّ لم تسجدْ اليومَ لِمَطلَعِ الشَّمسِ؟ فكابَرْتُها حتَّى سَكَنَتْ، فلما انصرفتُ إلى منزلي وإذا بكتابٍ مُعلَّقٍ في السَّقفِ، فقلتُ لأمي: ما هذا الكتابُ مُعَلَّقٌ في السَّقفِ؟ فقالت لي: يا روزبةُ إنَّ هذا الكتابَ لمَّا رَجعنا من عيدِنا رأيناهُ معلَّقًا فلا تقربْ ذلك المكانَ فإنَّك إنْ قربتَهُ قَتَلَكَ أبوكَ فَجَاهَدْتُها حتَّى جَنَّ الليلُ ونامَ أبي وأمي، فأخذتُ الكتابَ فإذا به: (بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا عهدُ اللهِ إلى آدمَ، إنَّه خالقٌ من صُلبِكَ نبيٌّ يُقال له: “محمد” يأمرُ بمكارمِ الأخلاقِ وينهى عن عبادةِ الأوثانِ، ويا روزبةُ أنت وصيُّ عيسى فآمِنْ واتركْ دينَ المجوسِ)، فَصُعِقْتُ صعقةً ونالَني شدَّةٌ فَعَلِمَ بذلك أبي وأمي، فأخذني أبي في بئرٍ عميقةٍ وقال لي: (إن ما رَجِعْتَ عمَّا أنتَ عليه وإلاَّ قتلناكَ)، فقلت لهم: (افعلوا ما شِئتم فإنَّ حبَّ محمَّدٍ قد تمكَّنَ من قلبي فلا يزولُ منه)، وما كنتُ أعرفُ بالعربيَّةِ قبل قراءتي ذلك الكتابَ، ولقد فهَّمَني اللهُ بالعربيَّةِ من وقتِ قراءَتِهِ، فبقيتُ في البئرِ وجعلوا يناولوني أقراصًا صغارًا في كلِّ يومٍ، فلمَّا طالَ أمري رفعتُ يديَّ إلى السَّماءِ وقلت: (يا رَبُّ أنتَ حبَّبْتَ محمَّدًا ووصيَّهُ إليَّ فَبِحَقِّ محمَّدٍ وسلالَتِهِ عَجِّلْ فَرَجِي ممَّا أنا فيه، فأتاني آتٍ عليه ثيابٌ بيضٌ فقال لي: قُمْ يا رَوزبَةُ، فأخذَ بيدي وأتى إلى الصَّومَعَةِ فجعلتُ أقول: (أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وأنَّ عيسى روحُ اللهِ وأنَّ محمَّدًا حبيبُ اللهِ)، إلى تتمَّةِ الخبرِ والخبرُ طويلٌ.

إنَّ السُّنَّةَ فضَّلوا على سلمان الفارسي كلاًّ من أبا بكرٍ وعمر وعثمانَ و… إلخ فنسَوهُ وترى أكثرَهم لم يسمعوا به، أمَّا الشِّيعةُ فأحبُّوهُ باعتبارِهِ فارسيًّا وذلكَ بسبب نظرتِهم القوميَّةِ واختلاطِ السِّياسةِ بالدِّينِ لديهم، أمَّا عندنا كعلويِّين نُصيريِّين فهناك مكانةٌ خاصَّةٌ لسيِّدنا سلمان الفارسي (ع) تعطيهِ مقامَهُ الخاصَّ والحقيقيِّ لأنَّنا لا نتجاوزُ الحدودَ ولا نقفزُ من النوَّافذِ بل ندخلُ البيوتَ من أبوابِها لقوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد