أرشيف الوسم: الأزمة السورية

السؤال الثالث والعشرون حول دور رجال الدين في مواجهة الفساد

images

 

السُّؤالُ الثَّالث والعشرون: ما هو دورُ رجالِ الدِّينِ في مواجهةِ الفسادِ؟

 

الجوابُ الثَّالث والعشرون بإذنِ اللهِ:

 

سَعَى الإسلامُ بأحكامِهِ إلى حمايةِ المجتمعِ ووقايتِهِ من العابثينَ بأمنِهِ واستقرارِهِ، ومن الّذينَ يتهدَّدونَهُ بالمسِّ بقيمِهِ وأخلاقهِ، فضمانُ تقدُّمِ المجتمعاتِ هو بِحِفظِ قيمِها وأخلاقِها وعدمِ المسِّ بها.

والتَّركيزُ على حمايةِ المجتمعِ بصونِ أركانهِ يبدأ بالتَّشديدِ على الوقايةِ بتعزيزِ مناعتِهِ، ومواجهةِ الفسادِ والانحرافِ.

وقد وصلنا إلى وقتٍ كَثُرَ الحديثُ فيه عن القتلِ والذَّبحِ والزِّنا والسَّرقةِ والسَّطو والخيانةِ وسلبِ أموالِ الدَّولةِ واستغلالِ المسؤولينَ لمناصبِهم حتَّى صارَتْ أخبارُ الفسادِ خبرًا كبقيَّةِ الأخبارِ، وأصبحَتْ توجدُ التَّبريراتُ لهذه الأفعالِ عندما يُبرَّرُ أو يُوجَّهُ الفسادُ ويصبحُ هو الواقعُ.

ومن هنا، جاءَ التَّوجيهُ الإلهيُّ حاسمًا في مواجهةِ الفسادِ والانحرافِ في قوله سبحانَهُ وتعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، فقد توعَّد بالعذابِ الأليمِ في الدُّنيا والآخرةِ الذين يحبُّونَ أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمَنوا، وهم القائمونَ على الفسادِ في البلادِ، لأنَّ فسادَهم وإفسادَهم كانَ سببًا في شيوعِ الفواحشِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، فهم المسؤولونَ عن شيوعِ الجريمةِ بأنواعِها، وهم المسؤولونَ بإفقارِهم للشَّعبِ عن شيوعِ الرَّشوةِ والسَّرقةِ والرَّذيلةِ والمتاجرةِ بالأجسادِ لتلبيةِ الحاجاتِ المادَّيَّةِ والفيزيولوجيَّةِ للنَّاس، وغيرِ ذلكَ من المسؤوليَّاتِ التي قصَّروا بها.

ولهذا يحثُّ نهجُنا العلويُّ على مواجهةِ الفسادِ وفضحِهِ اقتداءً بثوَّارِ الإسلامِ الحقيقيِّينَ الذين قدَّموا تضحياتِهم الجمَّةَ لإبطالِ فسادِ المُفسِدِينَ، في الوقتِ الذي كانت فيهِ رموزُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ مهادِنَةً للفسادِ باعتبارِ ذلكَ تقيَّةً برأيهم؟

فأينَ مواجهةُ الفسادِ عند المسلمينَ حين اغتُصِبَتِ الخلافةُ بعدَ غيبةِ رسولِ اللهِ (ص)، وحينَ سُرِقَتْ أموالُ بيتِ مالِ المسلمينِ في عهدِ عثمان بن عفان!!

وكم من النَّاكثينَ والمارقينَ والقاسطينَ ظَهروا حينَ حُشِدَتِ الجيوشُ لمحاربةِ الإمامِ علي كرَّمَ الله وجهَهُ، وحينَ تكالَبوا على الإمامِ الحسين (ع) ورجالِهِ تحت راياتِ معاويةَ ويزيد؟

وأينَ غابَتْ أصواتُهم حينَ استُشهِدَ الصَّحابةُ المقرَّبونَ كعمارِ بن ياسر وصعصعة بن صوحان ورشيد الهجري ومالك الأشتر وأويس القرني وغيرهم على يدِ رجال بني أميَّةَ وبني العبَّاسِ؟

وأينَ المسلمينَ من الثَّائرِ الصَّادقِ ضدَّ الفسادِ سيِّدنا أبي ذر الغفاري الذي واجهَ فسادَ الخليفةِ الثَّالثِ فنُفِيَ إلى الرِّبدةِ وسُحِلَ جسدُهُ واستُشهِدَ في الصَّحراءِ!!!

وأينَ إسلامُ المسلمينَ في العصرِ الحديثِ حين نراهُم بكلِّ سقاطةٍ قد أشهروا سيوفَهم المسمومةَ في وجهِ (النِّظامِ النُّصيريِّ الكافرِ كما زعموا!!) فأرسَلوا داعشَ وجبهةَ النُّصرةِ ليقتلوا سوريَّةَ ويطهِّروها من (رجسِ النُّصيريَّةِ!!)، وزَعَموا أنَّ (العلويِّينَ النُّصيريِّينَ!!) حكموا البلادَ بالدِّيكتاتوريَّةِ والاستبدادِ في عهدِ القائدِ الخالدِ العظيمِ حافظ الأسد والقائدِ المؤمنِ الصَّامدِ بشار الأسد، اللَّذينَ هزَّا عروشَ الأمريكان والصَّهاينةِ والوهَّابيَّةِ، فلماذا وجدنا تآمرَ ملوكِ ورؤساءِ الخليجِ وتونس وفلسطين والأردن والمغرب، وتخاذُلَ رؤساءَ آخرينَ منهم في مصر والعراق وإيران؟ فهل معاييرُهم في مساندةِ الحقِّ هي معاييرُ طائفيَّةٌ!؟

وما هو وجهُ الشَّبهِ بين الإخوانيِّ خالد مشعل وعمرو بن العاص؟ وبين المصري عبد الفتاح السِّيسي الذي طابَتْ له مائدةُ ملكِ السَّعوديَّةِ وأبي هريرةَ الذي طابَتْ له مائدةُ معاوية؟ وكذلكَ الإيرانيُّ حسن روحاني الذي سارعَ لزيارةِ التُّركي أردوغان متجاهلاً حليفَهُ السُّوريَّ الأسدَ فكانَ كمَن نكثَ عهدَهُ للإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في قتالِ النَّاكثينَ أصحابِ الجملِ فلم يَخذلوا الحقَّ ولم يَنصروا الباطلَ؟

والسُّؤال الذي قد يُطرَحُ: لماذا ساهمَ تَسَتُّرُ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ عبرَ التَّاريخِ تحتَ مُسمَّى التَّقيَّةِ بتشجيعِ مَن ارتكَبُوا الموبقاتِ على القيامِ بها، بينما لو عَرَفوا أنَّهم سيُفضَحونَ لَتَراجَعوا عنها؟

إنَّ كلَّ رجلِ دينٍ يسكتُ عن الفسادِ ويخافُ من فضحِهِ تقرُّبًا للسُّلطةٍ أو خوفًا من الأمنِ فهو فاسدٌ بحدِّ ذاتِهِ، وهو كأولئكَ المتستِّرينَ على الفاسدينَ عبر التَّاريخِ حتى اليوم، وكأنَّهُ لم يقرأ قولَ القائدِ الخالدِ حافظ الأسد: (لا أريدُ لأحدٍ أن يسكتَ على الأخطاءِ، ولا أن يتستَّرَ على العيوبِ والنَّقائصِ).

نحنُ نقتدي بقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّرْهُ بيدِهِ، فإنْ لم يَستطِعْ فبلسانِهِ، فإنْ لم يستطعْ فبقلبِهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمانِ).

فقوامُ المجتمعِ بأخلاقِهِ وقيمِهِ، ومتى تعرَّضَتْ للتَّهديدِ فالمجتمعُ كلُّهُ سيكونُ في خطرٍ. فمِن مسؤوليَّتِنا أن نعملَ على الحفاظِ على هذه القيمِ التي إن أُسِيءَ إليها، تهدَّدَتْ أركانُ المجتمعِ وقواعدُهُ. وعلينا في ذلك ألا نكتفي بوعيدِ اللهِ، بل أن نكفَّ أيدي العابثينَ بِقِيَمِ هذا المجتمعِ، سواءَ الذين ينشرونَ الفسادَ، أو الذين يَسعَونَ إلى تسميمِ أجواءِ المجتمعِ بِهِ.

فنحنُ لا ندفنُ رؤوسَنا في الرِّمالِ وكأنَّه لا فسادَ يجبُ معالجَتُهُ وبترُهُ في مجتمعاتِنا، لأنَّنا نأتمرُ بأمرِ سيِّدنا المسيح (ع): (أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ).

ومن ناحيةٍ أخرى، لا نشجِّعُ هذا الفسادَ بإشاعتِهِ والقبولِ به، لأنَّ هذا سوفَ يَمحو صورَ الخيرِ والعطاءِ والمعروفِ والإحسانِ والتَّسامحِ داخلَ مجتمعِنا، أو قصصَ التَّضحيةِ والجهادِ والإباءِ التي يَذخرُ بها مجتمعُنا والتي كتبَها شهداؤنا الأبرارُ ومقاتلونا الأطهارُ في الجيشِ العربيِّ السوريِّ، فهذا ما نَرتقي به، وهذا ما دَعَا اللهُ إليه عندما قال: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

القتال في المدن في مواجهة حرب العصابات الإرهابية وأهم المهارات والخبرات التي اكتسبها الجيش العربي السوري

ahmad

القتال في المدن في مواجهة حرب العصابات الإرهابية

وأهم المهارات والخبرات التي اكتسبها الجيش العربي السوري

الدكتور أحمد أديب أحمد
= = = = = = =

مقدمة:

حرب المدن هي الحرب الحديثة التي تجرى في المناطق الحضرية مثل القرى والمدن، وتعتبر من أصعب الحروب التي يمكن أن تشن، فهي معقدة لدرجة ندرتها في التاريخ، ولا يتمكن من إجادتها أحد، إلا بعد خبرة طويلة، تتخللها تضحيات كبيرة لا يتحملها إلا صاحب حق.
وتكمن صعوبة حرب المدن وتعقيداتها في كونها تخاض في عقر دار الحكومات المراد إسقاطها أو فرض الإرادة عليها، وقريباً من مقرات أجهزتها الأمنية وعيونها، ولذلك حتمت هذه الحرب وجود قيادتين لتنظيماتها (قيادة سياسية وأخرى عسكرية)، كما فرضت طبيعة هذه الحرب على محاربيها أن يكونوا قلة، ولكن على مستوى عالٍ من التدريب والمهارة، كما يجب أن تتسم بالدقة العالية والسرية التامة؛ لدرجة عدم إطلاع القيادات السياسية على بعض الأسرار عن توقيت المهمات وأهدافها.
وكذلك حتمت طبيعة حرب المدن على محاربيها عدم وجود معسكرات لهم أو مقرات، أو حتى مخازن أسلحة، فحركة محاربيها تتم عبر غطاء الأبنية أو المؤسسات، كما أن تدريبات عناصرها، تتم إما خارج البلاد، أو في داخل مقرات سرية تحت الأرض، أما السلاح فيأتي قبل تنفيذ العملية العسكرية مباشرة، إما من خارج البلاد، وإما بواسطة ورشات سرية.

أساليب التكتيك العسكري المستخدمة في الحروب:

يقصد بالتكتيك العسكري تنظيم القوات العسكرية وتقنيات استخدام الأسلحة أو الوحدات العسكرية في مواجهتها مع العدو في المعركة، وتنعكس التغيرات الزمانية والمكانية والتقنية على التغيرات في التكتيكات العسكرية، ومن أشهر أساليب التكتيك المستخدمة:

1 ـ الاستنـزاف:
هو مصطلح ذو بعد استراتيجي، يقصد به إضعاف العدو ودفعه إلى الانهيار عبر إحداث خسائر بشرية وعسكرية فادحة، وعادة تكون الجهة المنتصرة في المواجهة هي التي تمتلك أكبر عدد من المصادر والاحتياطات.
فحرب الاستنزاف تمثل محاولة لطحن العدو من خلال الأعداد المتفوقة، وهذا الأمر يخالف المبادئ العادية للحروب، فالانتصارات الحاسمة تتحقق عبر المناورات، وتركيز القوة، والمفاجأة، وغير ذلك.
من ناحية أخرى، يلاحظ أيضاً أن الجانب الذي يدرك بأنه المتضرر الأكبر في حروب المناورة، يبحث عن حرب الاستنزاف لكي يهزم تفوق خصمه، وإذا كان كلا الجانبين متقاربين في القوة، فإن نتيجة حرب الاستنزاف تكون غالباً انتصاراً باهظ الثمن.
علماً أن طرق الاستنزاف لا تتم عادة، إلا بعد الوصول إلى قناعة بأن الطرق الأخرى فاشلة أو غير ممكنة عملياً.

2 ـ الخنادق:
هي شكل من أشكال الحرب التي يأخذ المقاتلون فيها مواقع محصنة بخطوط قتال جامدة، في خنادق ممتدة وطويلة، حيث تكون القوات مؤمنة من الأسلحة النارية الخفيفة المعادية ومحمية من قذائف المدفعية.
إن استخدام الخنادق يؤدي إلى إزهاق أرواح الكثير من مقاتلي الخصم عند هجومهم على الخنادق المحصنة، حيث يعتمد الهجوم على ركض المقاتل بنفسه للوصول إلى خنادق خصمه ثم اقتحامها وإخلائها من المتحصنين بها مع محاولة تجنب الألغام والرصاص والقنص والمدفعية، كما يجب على الطرف المدافع أن يتوقع هجوماً برياً ضخماً أو قصفاً مدفعياً أو هجوماً بالغازات السامة في أية لحظة.

3 ـ الحصار:
يقصد بالحصـار من الناحية العسكرية الاستراتيجية إقامة تحشيد على سواحل البلد المراد محاصرته بالسفن الحربية، والطائرات، لمنع البلد من تلقي السلع التي يحتاج إليها لشن الحرب، ويُمكن أن يكون الحصار بإحاطة مدينة بهدف الاستيلاء عليها أو استسلامها، ويُمكن للجيوش التي تملك قوات كافية أن تستخدم الحصار لتمنع خصومها من الحصول على الأسلحة والذخيرة والأطعمة من البلدان المجاورة.

4 ـ التطويق:
يرمز التطويق كمصطلح عسكري إلى فصل هدف أو وحدة عسكرية عن باقي القوات الصديقة لها، وحصارها من الجهات كافة من قِبل القوات المعادية، وهو وضع بالغ الخطورة بالنسبة للقوات المُحاصرة. فعلى الجانب الاستراتيجي لا تستطيع تلك القوات تلقّي الدعم أو التعزيزات، في حين يصبح موقفها التكتيكي أكثر حرجاً لاحتمال تعرضها للهجوم من مختلف الجهات، كما أنها لا تمتلك القدرة على الانسحاب وعليه تصبح أمام خيارين فقط: إما القتال حتى تُباد بأكملها أو الاستسلام للقوات المعادية.
ومن الضروري عدم تطويق الجيش بأكمله بل إعطاء مساحة لتلك القوات المُحاصرة للهروب وذلك لعدة عوامل نفسية، أهمها إيمان تلك القوات المُحاصرة بمصيرها المحتوم، ومن ثمّ استماتتها في القتال والدفاع عن نفسها مما يُكبّد القوات المُهاجمة خسائر في غنى عنها.
ويمكن اعتبار الكماشة المزدوجة إحدى أساليب التطويق الرئيسة، إذ تقوم على مهاجمة أجنحة الجيش أثناء المعركة، فيما تتولى القوات المتحركة سواء أكانت مشاة خفيفة أم دبابات أم ناقلات جنود مدرّعة مهمة اقتحام الصفوف باستخدام سرعتها الفائقة وقدرتها القتالية، وبالتالي تتمركز وراء الخطوط الخلفية للعدو لتغلق الحلقة حول القوات المعادية التي تصبح محاصرة من الجهات كافة.

5 ـ الأرض المحروقة:
هي استراتيجية عسكرية تعتمد على إحراق أي شيء قد يستفيد منه الخصم عند التقدم أو التراجع في منطقة ما، وفي البداية كان المصطلح يشير إلى إحراق المحاصيل الفلاحية لعدم استعمالها من طرف الخصم كمؤونة، ليشمل الآن إحراق المنتوجات الغذائية وتدمير البنى التحتية مثل المأوى والنقل والاتصالات والموارد الصناعية، وقد يتبّع الجيش هذه السياسة في أرض الخصم أو في أرضه، ويمكن للمفهوم أن يتداخل مع تدمير موارد الخصم بشكل عقابي، وهو ما يحدث كاستراتيجية بحتة لأسباب سياسية بدلاً من الاستراتيجية التنفيذية.

6 ـ حرب العصابات:
تعتبر حرب العصابات واحدة من أشهر التكتيكات الحربية المستخدمة في الوقت الحالي، وهي حرب غير تقليدية بين مجموعات قتالية يجمعها هدف واحد من جهة وجيش نظامي من جهة أخرى، حيث تتكون هذه العصابات من وحدات قتالية صغيرة نسبياً مدعمة بتسليح أقل عدداً ونوعية من تسليح الجيوش، وتتبع أسلوب المباغتة في القتال ضد الجيوش العسكرية التقليدية في ظروف يتم اختيارها بصورة غير ملائمة للجيش النظامي، إذ يتفادى مقاتلو حروب العصابات الالتحام في معركة مواجهة مع الجيوش التقليدية لعدم تكافؤ الفرص، فيتم اللجوء إلى عدة معارك صغيرة ذات أهداف استراتيجية يحددون هم مكانها وزمانها لتحقيق تأثير موجع للخصم.

وتتركز أغلب أهداف مقاتلي حروب العصابات في الاستطلاع والرصد والتجسس لتحركات الجيش الخصم لصالح عملياتهم، تخريب خطوط اتصال الجيش الخصم، تحقيق أكبر الخسائر في خطوط تموينه، توجيه ضربات سريعة وحاسمة في قوات الدعم اللوجستي، ضرب بعض النقاط الاستراتيجية التي يملكها الجيش الخصم، تنفيذ عمليات الاغتيال والخطف، ثم شن حرب نفسية ضد قوات الخصم عن طريق بث الشائعات التي من شأنها إضعاف الثقة بين أفراد قوات الخصم.

معرفة خطط العصابات الإرهابية المسلحة وتحركاتها:

تقاوم العصابات الإرهابية المسلحة ﺑﺸﺮﺍﺳﺔ ﻣﺤﺎﻭﻻﺕ الجيش لتحرير المدن التي تحتلها تلك العصابات، فعلى الرغم من ﺃﻥ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ العسكرية تكون مستعدة بشكل كامل ﺇﻻ ﺃﻧﻬﺎ قد تعاني من معوقات في ﺗﻜﺘﻴﻜﺎﺕ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﻤﺄﻫﻮﻟﺔ ﺑﺎﻟﺴﻜﺎﻥ، وبخاصة في البيئات الحاضنة للإرهاب، حيث يغلق المدنيون أحياناً ﺟﻤﻴﻊ نوافذ ﻭﺃﺑﻮﺍﺏ ﺍﻟﻄﻮﺍﺑﻖ ﺍﻟﺴﻔﻠﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺎﻧﻲ، ﻣﻤﺎ يتعذر ﻣﻌﻪ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺒﺎﻧﻲ، ﺑﻴﻨﻤﺎ يتمركز الإرهابيون ﻓﻲ ﺍﻟﻄﻮﺍﺑﻖ ﺍﻟﻌﻠﻮﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺎﻧﻲ لمنع مقاتلي الجيش ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺤﺎﻭﻟﻮﻥ ﺗﺴﻠﻖ ﺍﻟﺠﺪﺭﺍﻥ ﺃﻭ ﺍﻗﺘﺤﺎﻡ ﺍﻟﻤﺒﺎﻧﻲ ﺑﺎﻟﻘﻮﺓ.
ويقوم مقاتلو العصابات الإرهابية المسلحة بتقسيم أنفسهم ﺇﻟﻰ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎﺕ صغيرة، ﻭﺗﻨﻘﺴﻢ ﻛﻞ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺎﺕ ﺑﺪﻭﺭﻫﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎﺕ ﻓﺮﻋﻴﺔ أصغر، وبذلك ﺍﻟﺘﻘﺴﻴﻢ ﺗﻘﻞ ﺍﻟﺨﺴﺎﺋﺮ ﻓﻲ ﺻﻔﻮفهم في ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺭﻣﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺪﻓﻌﻴﺔ ﻋﻠﻴﻬﺎ.
كما تمضي العصابات الإرهابية المسلحة شهوراً ﻓﻲ ﺗﺠﻬﻴﺰ ﺍﻟﻤﺪن ﻭﺇﻧﺸﺎﺀ ﻋﺪﺩ ﻻ ﺑﺄﺱ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻊ ﻟﺸﻦ ﺍﻟﻜﻤﺎﺋﻦ، وﻟﻬﻢ ﺧﻄوط ﺩﻓﺎﻉ ﻳﺤﺘﻞ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﺍﻷﻗﻞ ﻣﻬﺎﺭﺓ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻨﻬﻤﺎ. وتتمركز ﺍﻟﻘﻨﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺳﻄﻮﺡ ﺍﻟﻤﺒﺎﻧﻲ ﻭﺍﻟﻄﻮﺍﺑﻖ ﺍﻟﻌﻠﻮﻳﺔ ﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﻃﺮﻕ ﺍﻻﻗﺘﺮﺍﺏ ﺍﻟﺒﻌﻴﺪﺓ ﺍﻟﻤﺆﺩﻳﺔ ﺇﻟﻰ ﺗﻘﺎﻃﻌﺎﺕ ﻣﺤﺪﺩﺓ، ويحاولون ﺇﺟﺒﺎﺭ بعض العصابات العسكرية المقاتلة ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﺮﻭﺝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﻮﺍﺭﻉ، ﻛﻤﺎ أﻥ ﺍﻟﻘﻨﺎﺻﺔ ﻳﺘﻤﺮﻛﺰﻭﻥ ﻓﻲ ﺧﻨﺎﺩﻕ ﻭﻣﺨﺎﺑﺊ تحت ﺍﻷﺭﺽ ﺗﺴﺘﺨﺪﻡ ﻛﻤﻮﺍﻗﻊ ﻟﺸﻦ ﺍﻟﻜﻤﺎﺋﻦ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ يجعل قوات الجيش ﺗﺠﺪ ﺻﻌﻮﺑﺔ ﺑﺎﻟﻐﺔ ﻓﻲ ﺗﻤﻴﻴﺰ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﺘﻘﺘﻴﻞ.
ﻛﻤﺎ تمضي العصابات الإرهابية المسلحة ﻭﻗﺘﺎً ﻃﻮﻳﻼً ﻓﻲ ﺣﻔﺮ ﺍﻟﺨﻨﺎﺩﻕ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، ﺣﻴﺚ يشترك ﻓﻲ ﺣﻔﺮﻫﺎ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ﺍﻟﻤﺨﺘﺒﺌوﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﻮﺍﺑﻖ ﺍﻟﺴﻔﻠﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺎﻧﻲ بالإضافة إلى المخطوفين المحتجزين لديهم، وتستخدم العصابات الإرهابية المسلحة ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﻨﺎﺩﻕ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻨﻘﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﺯﻝ، ﻛﻤﺎ تستخدمها ﻛﻤﻮﺍﻗﻊ ﻟﺮﻣﺎﻳﺔ ﺍﻟﻘﻨﺎﺻﺔ؛ ﻓﺒﻴﻨﻤﺎ تركز قوات الاقتحام ﻋﻠﻰ ﺳﻄﻮﺡ ﺍﻟﻤﺒﺎﻧﻲ ﻭﺍﻟﻨﻮﺍﻓﺬ، ﻓﺈﻥ العصابات الإرهابية المسلحة يمكن إن تطلق ﺍﻟﻨﻴﺮﺍﻥ ﻣﻦ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺨﻨﺎﺩﻕ.
كما أن العصابات الإرهابية المسلحة تستخدم ﺷﺒﻜﺎﺕ ﻣﻴﺎﻩ ﺍﻟﺼﺮﻑ ﺍﻟﺼﺤﻲ ﻟﻠﺘﻨﻘﻞ في ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﺮﻙ لاﺳﺘﺮﺩﺍﺩ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻨﺴﺤﺐ ﻣﻨﻬﺎ الجيش. ﻭﻗﺪ ﺃﻓﺎﺩﺕ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﻳﺮ ﺃﻥ العصابات الإرهابية المسلحة تستخدم الأسلحة المحرمة دولياً، عدا عن تجهيز ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﺒﺎﻧﻲ ﺑﺎﻟﻤﺘﻔﺠﺮﺍﺕ.

المبادئ الاستراتيجية التي اعتمدها الجيش العربي السوري في مواجهة العصابات الإرهابية المسلحة:

اعتمدت العصابات الإرهابية المسلحة في سورية على جانب من الشعب الذي شكَّل بيئة حاضنة لها في أكثر من محافظة، وقد استطاعت أن تسيطر على عقول وعواطف هذه البيئة الحاضنة الشعبية من خلال العقيدة الطائفية (الوهابية ـ الإخوانية) التي تحملها مما أتاح لها التأمين والنماء محاولةً في كل مرة حسم الحرب لصالحها، وقد اعتمدت في حربها ضد الجيش العربي السوري على العمل من خلال تنظيمات عقائدية دينية (الإخوان المسلمين- جيش الإسلام- جبهة النصرة- داعش)، ومحاولة الحرص على التأييد الشعبي في البيئات الحاضنة، والعمل على الفوز بالتأييد الدولي المناسب من خلال داعميها الإقليميين (تركيا والسعودية وقطر و”إسرائيل”)، والدوليين (أمريكا وأوروبا).
ولكن الجيش العربي السوري اعتمد في مواجهة تلك العصابات الإرهابية بعض المبادئ الاستراتيجية أهمها ﺍﻟﻌﻤﻞ بعقيدة قتالية، فأساس نجاح ﺣﺮﺏ المدن ﻫﻮ القدرة على ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﺤﺮﺏ وﺗﺠﻨﺐ السعي لسرعة ﺍﻟﺤﺴﻢ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ، وﺗﺠﻨﺐ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻛﺴﺐ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺑﺎﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ ﺍﻟﺒﺤﺘﺔ، ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻷﺳﻠﻮﺏ ﻓﻀﻼً عن ﺃﻧﻪ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﻃﺎﻗﺔ ﺭﺟﺎﻝ معدودين مختصين بمهمة حرب المدن، فإنه ﻻ يتفق مع ﻃﺒﻴﻌﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺮﺏ، ﻓﺤﺮﺏ المدن ﻫﻲ ﺣﺮﺏ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﻘﻮﺓ، وﺣﺮﺏ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺍﻟﻌﻘﺎﺋﺪﻱ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ الفكر التكفيري، ﺃﻱ ﺃﻧﻬﺎ ﺣﺮﺏ ﺍﻷﺿﻌﻒ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻷﻗﻮﻯ ﻣﺎﺩﻳﺎً وتسليحاً، ﻭﻻ ﺳﺒﻴﻞ ﻣﻊ هذا ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﺗﺠﻨﺒﻨﺎ ﺍﻟﺤﺴﻢ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ السريع ﻭﺍﺳﺘﺒﺪﻟﻨﺎﻩ بالهدوء والتروي والدقة.
ﻭﻟﺘﺠﻨﺐ ﺍﻟﺤﺴﻢ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ السريع يعمد ﺭﺟﺎﻝ القوات الخاصة المنوطة بهم هذه المهام ﺇﻟﻰ ﺇﻃﺎﻟﺔ ﺃﻣﺪ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺑﺄﻱ ﺛﻤﻦ، ﻭﻟﻮ ﺃﺩﻯ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺮﺍﺟﻊ ﺍﻟﻤﻜﺎﻧﻲ، ﺇﺫ ﻻ ﻳﻬﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺮﺍﺟﻊ ﺍﻟﻤﻜﺎﻧﻲ ﻣﺎ ﺩﺍﻣﺖ ﺍﻟﺮﻗﻌﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺗﺰﺩﺍﺩ ﻳﻮﻣﺎً ﺑﻌﺪ آخر.
وهذا يتطلب من قواتنا ألا تفقد صبرها ﻭﺗستعجل ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ، وأن تعمل ﻣﺪﺍﻭﻣﺔ ﺍﻟﻀﻐﻂ ﻋﻠﻰ العصابات الإرهابية المسلحة ﺣﺘﻰ ﻻ تجد ﻣﻔﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﺑﻤﻄﺎﻟﺐ الدولة.
كما اعتمد الجيش العربي السوري مبدأ المرحلية، وهو تقسيم المعركة من الناحية الاستراتيجية إلى ثلاث مراحل: المرحلة الدفاعية البحتة، ومرحلة التوازن، ومرحلة الحسم السياسي.
وكانت القيادة العسكرية في كل معركة حريصة على التأييد الشعبي إذ لا يمكن لحرب المدن أن تقوم ضد إرادة شعبية، أو حتى في ظل لامبالاة شعبية، فالتأييد الشعبي هو الحليف الطبيعي للجيش العربي السوري، ولهذا أصرت القيادة السورية على ضرورة الحصول على المساندة الشعبية حتى تنجح المهام العسكرية في القضاء على العصابات الإرهابية المسلحة حتى لو طال أمد تحرير المناطق التي تسيطر عليها.
كما كان الجيش العربي السوري حريصاً على الفوز بالتأييد الدولي المناسب، وبخاصة الروسي والصيني والإيراني، بالإضافة لتأييد دول مجموعة البريكس والدول الأخرى الصديقة، فالتأييد الدولي المناسب يتيح لها التمتع بعمق سياسي أرحب، كما يتيح لها التطلع إلى مستقبل أفضل، لأن الجيش العربي السوري يحارب تنظيمات مسلحة غير منظمة ومتعددة الولاءات، وهذه التنظيمات لابد أن تستجيب لمطالب الدولة إذا ما أحسنتن القيادة العسكرية الضغط عليها مباشرة في الميدان أو بواسطة الدول الأخرى الداعمة لها.
وللحصول على التأييد الدولي قامت سورية بكشف عمالة الوسائل الخبيثة التي اعتمدتها المعارضات السورية العميلة كإنشائهم حكومة مؤقتة أو مجلس ائتلاف، أو فتح مكاتب سياسية في الدول المختلفة، فضلاً عن استدرار العطف والتأييد في المحافل الدولية المتعددة تحت دعوات حقوق الإنسان وما شابه.

الإعداد القتالي لحرب المدن:

تحتاج حرب المدن إلى إعداد من نوع خاص، يرجع ذلك إلى أن نقطة البدء في حرب المدن هي مجموعة من المقاتلين المؤمنين بعقيدة قتالية وطنية، والذين لا يملكون من أسباب القوة إلا فيض هذا المبدأ على ذواتهم فقط، لهذا يجب البدء من الصفر للإعداد لحرب المدن، حيث يفترض إعداد التشكيلات المسلحة، وتهيئة المناخ السكاني والطبوغرافي للعمل، فضلاً عن توفير الحد الأدنى اللازم من العتاد والمؤن والأسلحة والذخيرة، ويمكن إيضاح ذلك كالآتي:
1. إعداد التشكيلات المسلحة: ويمر إعداد هذه التشكيلات بعدة مراحل، هي التجنيد، والانتقاء، والتوزيع، والتدريب.
2. تهيئة المناخ السكاني: ويقصد بتهيئة المناخ السكاني تعويد القطاع العريض من السكان المحليين على التعاطف مع رجال الجيش، سواء بأدنى درجات التعاطف وهي عدم الإبلاغ عنهم للتنظيمات الإرهابية، أو بأعلى هذه الدرجات وهي تموينهم وإخفاؤهم وتضليل العصابات الإرهابية عنهم.
ويتم تعويد السكان على هذا التعاطف بالعمل السياسي النشط، وبالحرص التام على السلوك المثالي في التعامل معهم وبإنزال العقاب الصارم بالخونة منهم، وهذا يتطلب عملاً أمنياً دقيقاً بهدف جلب معلومات دقيقة عن العصابات الإرهابية المسلحة وأماكن تواجدها وذخيرتها ونواياها وخططها… إلخ.
3. الإعداد الطبوغرافي: حيث لا يعتمد رجال الجيش كثيراً في هذا المجال على الخرائط أو أساليب الاستطلاع والمساحة، وإنما يعتمدون على استكفاء بعض الرجال الذين يحفظون الطرق والدروب والمسافات عن ظهر قلب، كما يعتمدون في تقدير المسافات قبل وأثناء الاشتباكات على أسلوب التقدير بالنظر.
4. توفير القدر الأدنى اللازم للإعاشة والقتال: وفي هذا المجال يعتمد رجال الجيش على وسائل عدة، أهمها تخزين بعض المؤن والمعدات والأسلحة في مخازن صغيرة لا يعرفها إلا نفر قليل، ومسلحة بالإخفاء والتمويه اللازمين، فضلاً عن تهيئتها لحماية المخزون من التلف والفساد، وينتهج رجال الجيش أسلوب التقتير التام في الاستهلاك من هذا المخزون، خصوصاً في المراحل الأولية، إذ لا شك أن وقتاً سيمر قبل أن تعمل القنوات المحلية والخارجية على تعويضهم بالمؤن والعتاد والسلاح.

ميزات التكتيكات العسكرية في حرب المدن:

حرب المدن هي حرب مختلفة تماماً في قوانينها ومبادئها وكيفية الإعداد لها، فهي تعتمد على الكر والفر، وعلى استراتيجية الضرب والانسحاب، فالهدف التكتيكي منها هو المقاومة لا تحقيق النصر السريع.
في حرب المدن ليس هناك أية أهمية لفقدان الأرض أو المدينة أو القرية أو احتلالها من قبل العصابات الإرهابية المسلحة لأنها مؤقتة، بل بالعكس قد يكون تكتيكاً لسحب العصابات الإرهابية المسلحة إلى مقتلها، لتكون مصيدة وكميناً لاستنزافها رويداً رويداً.
تتبع العصابات الإرهابية المسلحة أسلوب التخفي بالاندساس والاختلاط بالسكان المحليين بسرية تامة، وهم يعتمدون خطط تحرك سرية وقواعد انطلاق فرعية وتبادلية فضلاً عن الرئيسية. لذلك تعتبر المفاجأة والسرعة والحسم أموراً مهمة في تكتيك حرب المدن، ومن الضروري أن يتسلح رجال الجيش العربي السوري المشاركون في هذا النوع من الحروب في سبيل تحقيق هدفهم السابق بالصبر التام، وألا يقبلوا مطلقاً أي اقتراحات تنبع من فقدان الصبر أو تعجِّل الحسم العسكري.

ومن أهم التكتيكات القتالية التي استخدمها الجيش العربي السوري في مواجهة العصابات الإرهابية:
1 ـ الكمين:
يستخدم الكمين ـ كتكتيك قتالي ـ بكثرة من قبل القوات الخاصة في الجيش العربي السوري، وذلك بغرض الحصول على أسرى أو وثائق أو أسلحة.
ولا يختلف الكمين سواء لدى القوات الخاصة أم لدى التشكيلات المقاتلة في الجيش العربي السوري من حيث أسسه الفنية، إلا أن الكمين عند القوات الخاصة المختصة بحرب المدن ينفرد بميزات معينة أهمها: الاعتماد على الدعم المحلي للسكان في الإخفاء والتمويه والانسحاب وتكديس الأسلحة والمعدات المطلوبة، وكذا تعويض الإمكانيات المادية المطلوبة بالروح المعنوية العالية والذكاء المحلي.
ويقصد بالكمين، الاختفاء في موقع جيد ينتظر تقدم العصابات الإرهابية المسلحة تحت سيطرته، حيث تقتحمه قوات الكمين بغرض إبادة العصابات الإرهابية المسلحة أو الحصول منها على أسرى أو وثائق أو أسلحة أو معدات. ولنجاح الكمين بهذا المعنى، تعمد قواتنا الخاصة إلى تقسيم الكمين إلى ثلاث مجموعات: هي مجموعة الرصد، ومجموعة الاقتحام، ومجموعة الوقاية وستر الانسحاب.

2 ـ الإغارة:
في الوقت الي يعتمد فيه الكمين على الانتظار والترقب في موقع جيد، فإن الإغارة تعني التقدم المدروس إلى هدف مختار بعناية، ففي الإغارة تتقدم قوات الجيش المهاجمة مراعية الاختفاء التام على طريق تقدمها نحو الهدف المختار من قبل، ثم تقوم هذه القوة العسكرية باقتحام هذا الهدف بالأسلوب الذي يناسب المعلومات عنه.
وبالطبع فإن الهدف العام لكل إغارة هو إزعاج العصابات الإرهابية المسلحة وإرهاقها والقضاء عليها، إلا أنه لكل إغارة أهدافاً خاصة أخرى قد تكون الحصول على الأسرى أو الوثائق أو الأسلحة أو المؤن أو المعدات أو حتى مجرد تدمير التنظيمات الإرهابية المسلحة والقضاء عليها نهائياً. وتحتاج الإغارة إلى اختبار توقيت مدروس ومناسب لتنفيذ الإغارة.
ولابد من التنويه إلى ضرورة العمل السري والدقيق في كل من الكمين والإغارة لتنجح المهمة.

العوامل السلبية والإيجابية للأعمال القتالية ضمن المدن:

أولاً ـ العوامل السلبية:
هي التي تسبب أو تضع العقبات أمام الجيش المهاجم للعصابات الإرهابية المسلحة, وتؤثر على زخم الهجوم وتعطل أو تشوش مبدأ الحركية لديه، وأبرز هذه العوامل ما يلي:
1. صعوبة الرصد على الرغم من أهميته للقوات العسكرية القائمة بالاختراق من أجل كشف واستطلاع التراتيبات القتالية للعصابات الإرهابية ومواقع أسلحتها واحتياطياتها، وتعذر تصحيح رمايات المدفعية العادية والصاروخية الصديقة، وتأخر اكتشاف نوايا الإرهابيين الحقيقية.
2. نجم عن العقبة الأولى تعذر تحقيق الرمايات من وسائط القدرة النيرانية الصديقة بالإضافة إلى وجود عوائق أو جدران مبنية أو تحصينات تعيق تنفيذ الرمايات الدقيقة بإحكام وإتقان، وتحمي طواقم السدنة في الأسلحة النارية المختلفة من تلك الرمايات المعادية، وتعطيهم الوقت لاتخاذ التدابير والمناورات اللازمة، علماً أن المدن تعتبر محصنة بطبيعتها.
3. تعطيل تحرك عربات الجيش، وخصوصاً المدرعة منها والميكانيكية ومنصات أسلحة الـ م/د، م/ط. والآليات الهندسية وآليات النقل والإسعاف.
4. صعوبة تحقيق التعاون على المستويات التكتيكية كافة، مما يسبب تعطيلاً وتأخيراً في إيقاعات الهجوم.
5. صعوبة عمل الطيران الصديق في تأمين التفوق الجوي، مما يعرقل أعمال الطيران في دعم مجموعات الجيش العربي السوري المهاجمة، وتامين المظلة الجوية عند انشغالها في الأعمال القتالية.
6. ضيق المساحات والأبعاد اللازمة لتحقيق المناورات وتأمين سير الهجوم والنجاح في تنفيذ المهام القتالية المسندة.
7. تحتاج حرب المدن إلى استخدام أسلحة الهاون بكثرة، وكذلك القذائف المنفلقة لقدرتها على السقوط في الأماكن الضيقة.

ثانياً ـ العوامل الإيجابية:
هي النقاط الإيجابية التي يستفيد منها الجيش العربي السوري المدافع عن مدينة ما, وتشكل بيئة صالحة من الوجهة الجغرافية أو الطبوغرافية لعمل وحدات حرب المدن بقصد إعاقة هجوم العصابات الإرهابية، وإنشاء مخططات تكشف نواياها وأعمالها اللاحقة، وتفويت الفرصة عليها لجني الأرباح السياسة أو الاستراتيجية ومنعها من تحقيق أهدافها القتالية.
وأبرز هذه العوامل:
1. الاستفادة من الحدائق والساحات العامة في المدن لإقامة مرابض نظامية من الوجهة الهندسية، للدبابات والمدفعية وأسلحة الدفاع الجوي وقواعد إطلاق الصواريخ التكتيكية والعملية من مختلف نماذجها وأغراضها وأنواعها.
2. تؤمن الأنفاق مواقف آمنة للعربات القتالية وآليات الخدمة المتنوعة كالخدمة اللوجستية الإدارية والفنية، ومراكز لإقامة مراكز الخدمة الطبية والمستودعات من ذخائر ومحروقات وأطعمة وقطع التبديل، ومراكز الصيانة الفنية للأسلحة والعربات.
3. الاستفادة من الجدران والبيوت والأنفاق والملاجئ الحصينة لتامين الحماية الذاتية لعناصر وأفراد القوات المدافعة عن المدينة، بالإضافة إلى حماية السكان المحايدين العزل من الضربات النارية المعادية.
4. يجب وضع الحواجز الهندسية وكذلك الركام والآليات المحطمة في الشوارع والأزقة والساحات المحتمل أن تسلكها العصابات الإرهابية المهاجمة.
5. يجب زرع الألغام والعبوات الناسفة ونصب الأشراك في محاور تقدم الإرهابيين وتضييق الخناق عند تسرب الإرهابيين منها إلى عمق المدينة أو المناطق الآهلة بالسكان، وحماية السكان المدنيين.
6. فتح الثغرات والكوات والممرات بين الأبنية لتأمين حرية تنقل المدافعين والسكان وتأمين حرية المناورات للوحدات والقوات الصديقة.

المهارات الفردية التي يجب أن يتمتع بها المقاتل العربي السوري للقتال في المدن:

إن نجاح القتال في المدن يتوقف بشكل رئيس على التنظيم الجيد واستخدام عنصر الإسناد بشكل فعال ولا يمكن استخدام الإسناد بشكل ملائم إلا بعد أن يتقن المقاتل ما يلي:
1. أن يكون المقاتل متقناً ومدرباً على القتال في المناطق المبنية.
2. أن يكون لدى المقاتل المعرفة الكافية في التحرك داخل المناطق المبنية.
3. أن يكون المقاتل مدرباً على كيفية تطهير المناطق المبنية.
4. أن يكون لدى المقاتل القدرة والمعرفة على كيفية استخدام القنابل اليدوية.
5. أن يكون المقاتل ذا مهارة وخبرة في اختيار مواقع الرماية لأي سلاح يستخدمه.
6. أن يتدرب المقاتل تدريباً جيداً على كيفية الدفاع ضد الرماية المعادية.

كيفية التحرك في داخل المدن:

لتقليل التعرض لنيران القناصات المعادية في أثناء التحرك داخل المناطق المبنية على المقاتل أن يقوم بما يلي:
1. استخدام الإخفاء والساتر.
2. تجنب المرور في الأماكن المفتوحة (شوارع ـ ساحات)، وإذا أجبر على ذلك فعليه التحرك بسرعة لتجنب نيران العدو.
3. اختيار الموقع الذي يوفر له الساتر قبل التحرك من موقع لآخر.
4. إخفاء التحركات باستخدام (الدخان ـ المباني ـ الأغصان المتشابكة).
5. التحرك بسرعة من مكان إلى آخر وبحذر شديد.
6. عند التحرك من موقع إلى آخر بالغ الصعوبة لابد من استخدام النيران لتغطية تحركه.

طرق التحرك والمراقبة في حرب المدن:

1. اجتياز الجدران: يجب على المقاتل أن يقوم باستطلاع الجانب الآخر الذي سوف ينتقل إليه ومن ثم يقفز بسرعة مع خفض جسمه والتصاقه فوق الحاجز لكي لا يكون هدفاً سهلاً لنيران العدو.
2. المراقبة من زاوية (ركن المبنى): تعتبر الزاوية أو الأركان مكان خطر ويجب على المقاتل أن يقوم باستطلاع المنطقة وتفتيشها قبل أن يتحرك، ويجب على المقاتل أن لا يظهر سلاحه من خلف الزاوية حتى لا يكشف عن موقعه، وعندما يريد أن يراقب أو يستطلع من الزاوية عليه أن يمتد على الأرض وسلاحه بجانبه، وأن يكون رأسه على مستوى الأرض بدرجة تكفي للمراقبة من حول الزاوية.
3. التحرك خلف النوافذ: إن النوافذ تشكل خطراً في أثناء القتال داخل المباني وذلك من خلال مرور المقاتل من أمامها أو إظهار رأسه منها لأنه بذلك يصبح هدفاً سهلاً للعدو. لذلك فإن الطريقة الصحيحة للمرور من أمام النافذة هو خفض المقاتل لجسمه بمستوى أقل من النافذة دون أن يكون له ظهور من فتحة النافذة، وأن يكون ملتصقاً بالجدران لتجنب خطر نيران العدو.
4. التحرك خلف نوافذ الطوابق الأرضية والتي تكون منخفضة على مستوى القدم: حيث يجب على المقاتل ملاحظة هذه النوافذ وعدم الجري أو المشي بالقرب منها لأن هذه النوافذ تشكل هدفاً جيداً للعدو من داخل المبنى وتكون مراقبة باستمرار من العدو، وللتغلب على صعوبة نوافذ الطوابق الأرضية يجب أن يظل المقاتل قريباً من جدار المبنى ويقفز بسرعة ماراً بالنافذة من دون أن يعرّض ساقيه لخطر نيران العدو.
5. استخدم مداخل الأبواب: يجب عدم استخدام مداخل الأبواب كمداخل أو مخارج حيث تكون مراقبة ومغطاة بنيران العدو، وإذا استخدم المقاتل مدخل أحد الأبواب كمخرج فيجب أن يكون التحرك من خلاله بسرعة مع إبقاء جسمه منخفضاً بقدر المستطاع، كما يجب عليه قبل أن يتحرك من موقعه أن يختار الموقع الآخر مع استخدام النيران للحماية.
6. التحرك بمحاذات المبنى: أحياناً لا يمكن استخدام المباني من الداخل كطريق للتقدم لذا فإن الأفراد والوحدات الصغيرة تتحرك خارج المباني، ولهذا يجب استخدام الدخان ونيران الحماية (الإسناد) بشكل مكثف لإخفاء التحرك، ولكي يتحرك المقاتل بشكل صحيح خارج المبنى يجب أن يلتصق بجانب المبنى مع خفض جسمه وأن يكون تحركه بسرعة وبهذا يكون من الصعب على العدو أن يصيبه بنيرانه.
7. التحرك داخل المباني: عند التحرك داخل المبنى خلال عملية الهجوم يجب على المقاتل تجنب الالتصاق بالأبواب والشبابيك، وتجنب الظهور كهدف كبير وواضح للعدو، والتقدم بسرعة وبمحاذاة الحائط للخروج من الأروقة.
8. طريقة عبور المناطق المكشوفة: إذا أراد المقاتل عبور منطقة مكشوفة فلا يجب أن يعبرها بخط مستقيم لتجنب نيران العدو، ويجب عليه تحديد واستطلاع الطريق الذي سوف يسلكه من نقطة إلي أخرى قبل أن يبدأ التحرك، واختيار الموقع الآخر الذي يوفر له أفضل الإخفاء والساتر، واستخدام الدخان لإخفاء تحركه، وإذا كانت المسافة بين الموقع والآخر بعيدة فليحاول أن يقطعها على شكل قفزات، ويتقدم تحت تغطية نارية.

أهم الخبرات المستفادة من خلال خوض الجيش العربي السوري لحرب المدن:

  1. ضرورة حشد أكبر عدد ممكن من القوات البرية وقوات حفظ النظام لمواجهة العصابات الإرهابية المتمركزة في المدن.
  2. ضرورة انتشار ﻭﺣﺪﺍﺕ ﺍلاستطلاع ﻓﻲ ﺿﻮﺍﺣﻲ المدينة، ثم إحكام ﺗﻄﻮﻳﻘﻬﺎ، وكي لا ﺗﺘﻌﺮﺽ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ العسكرية ﻟﻬﺠﻤﺎﺕ ﻣﻔﺎﺟﺌﺔ في ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺩﺧﻮﻟﻬﺎ ﻟﻠﻤﺪﻳﻨﺔ يجب ﻧﺸﺮ ﻭﺣﺪﺍﺕ ﺧﺎﺻﺔ للاستطلاع، ﻭأن يتخذ ﺍﻟﻘﻨّﺎﺻﺔ ﻣﻮﺍﻗﻌﻬﻢ ﻟﻀﺮﺏ ﺍﻷﻫﺪﺍﻑ ﻭﺭﺻﺪ ﺗﺤﺮﻛﺎﺕ العصابات الإرهابية في ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، ﻭيمكن ﻃﻠﺐ ﻧﻴﺮﺍﻥ الإﺳﻨﺎﺩ ﺑﺎﻟﻤﺪﻓﻌﻴﺔ ﺿﺪ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻤﺸﺘﺒﻪ بها.
  3. استخدام ﺗﻜﺘﻴﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﻭﺭﺓ ﺑﺎﻟﻨﻴﺮﺍﻥ ﻟﺘﺪﻣﻴﺮ ﻣﻮﺍﻗﻊ العصابات الإرهابية ﺑﺎﻟﻘﺼﻒ ﺍﻟﺠﻮﻱ ﻭﻧﻴﺮﺍﻥ ﺍﻟﻤﺪﻓﻌﻴﺔ، وهو ما يسمى باستراتيجية ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻋﻦ ﺑﻌﺪ ﺃﻭ ﻋﺪﻡ ﺍﻻﻟﺘﺤﺎﻡ ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ بعد إطلاق ﺗﺤﺬﻳﺮﺍﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ بإخلاء ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻟﺘﻘﻠﻴﻞ ﺍﻟﺨﺴﺎﺋﺮ ﻓﻲ ﺻﻔﻮﻑ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﻴﻦ.
  4. إن الهدف من إشراك ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﺠﻮﻳﺔ هو ﻘﺼﻒ ﻣﻮﺍﻗﻊ ﺗﻤﺮﻛﺰ العصابات الإرهابية ﻭﺃﺑﺮﺍﺝ ﺍﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﻭﻣﺮﺍﻓﻖ الاتصالات ﻗﺼﻔﺎً ﻛﺜﻴﻔﺎً ﻓﻲ ﺃﻣﺎﻛﻦ ﻣﺘﻔﺮﻗﺔ ﻣﻦ المناطق الخاضعة لسيطرة الإرهابيين، ﺑﻬﺪﻑ ﻋﺰلهم ﻭﻗﻄﻊ الإمدادات ﻋﻨﻬﻢ.
  5. ضرورة العمل المكثف لوحدات الهندسة لتجنب الوقوع في كمائن حقول الألغام والعبوات المفخخة المنتشرة على طول الطريق الموصل للمدينة.
  6. التعتيم الإعلامي في أثناء القيام بالعمليات أمر مهم جداً في نجاح العملية القتالية في حروب المدن.
  7. بذل الجهود الكاملة لتأمين الاتصالات بين القوات المقاتلة، خاصة باستخدام أسلوب التشفير لإحباط عماليات التجسس والتنصت التي تقوم بها غرف العمليات الأمريكية والإسرائيلية والتركية الداعمة للتنظيمات الإرهابية، وإعطاء ﺃﻭﻟﻮﻳﺔ ﻟﺘﻌﻄﻴﻞ ﻣﺤﻄﺎﺕ ﺗﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﻬﻮﺍﺗﻒ ﺍﻟﺨﻠﻮﻳﺔ، ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻬﻮﺍﺗﻒ ﺗﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﻥ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺃﻓﻀﻞ ﻣﻦ الاتصالات ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺬﺑﺬﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﻌﺪﻟﺔ.
  8. إتقان لعبة ﺍﻟﻤﻨﺎﻭﺭﺓ ﺑﺎﻟﻨﻴﺮﺍﻥ لما لها من ﺩﻭﺭ ﺑﺎﺭﺯ ﻓﻲ ﺗﻘﺪُّﻡ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ العسكرية المقاتلة في حرب المدن، وقد استفدنا من ﺍﻟﻨﺠﺎﺡ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﻘﻘﺘﻪ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﺮﻭﺳﻴﺔ ﻓﻲ تشرين الثاني 1999 فيما يتعلق ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻤﺪﻓﻌﻴﺔ، ﺣﻴﺚ قامت ﻣﺎ ﻳﻠﻲ:
    · ﻛﻞ ﺳﺮﻳﺔ ﺑﻨﺎﺩﻕ ﻣﻨﻘﻮﻟﺔ بالآليات ﺃﻭ ﻣﻨﻘﻮﻟﺔ ﺟﻮﺍً ﺗﺘﻠﻘﻰ الإسناد ﻣﻦ ﺑﻄﺎﺭﻳﺔ ﻣﺪﻓﻌﻴﺔ ﺃﻭ ﻫﺎﻭﻥ ﺗﺤﺖ ﻗﻴﺎﺩﺗﻬﺎ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ.
    · ﺍﺳﺘﺨﺪاﻡ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ اللامركزية ﻋﻠﻰ ﺃﻫﺪﺍﻑ ﺿﻤﻦ ﻗﻄﺎﻋﺎﺕ، ﺑﺪﻻً ﻣﻦ الطريقة ﺍﻟﻤﺄﻟﻮﻓﺔ ﺑﺎﻟﺮﻣﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰﻳﺔ ﻟﻠﻤﺪﻓﻌﻴﺔ، حيث ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ ﺗﺘﻢ ﺿﺪ ﻃﺮﻕ ﺍﻗﺘﺮﺍﺏ ﺑﻌﻴﺪﺓ ﻣﻦ ﻣﺴﺎﻓﺔ ﺁﻣﻨﺔ، ﻭﻗﺪ ﺗﻜﻔﻠﺖ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﺕ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻜﺘﻴﺒﺔ ﻓﺄﻋﻠﻰ ﺑﻘﻄﺎﻋﺎﺕ ﻣﺴؤﻮﻟﻴﺎﺗﻬﺎ ﺟﻴﺪﺍً ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻌﻤﻠﻴﺎﺕ الاستطلاع ﻭﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ، ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﻘﺎﺩﺓ ﻳﺘﻮﻟﻮﻥ ﻣﺴؤﻮﻟﻴﺔ ﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﻄﺎﻋﺎﺕ. ﻭﻣﻜﻨﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ اللامركزية ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ ﺍﻷﻧﺴﺎﻕ ﺍﻷﺩﻧﻰ ﻣﻦ ﺍﻷﺧﺬ ﺑﺰﻣﺎﻡ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩرﺓ ﻭﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻤﺪﻓﻌﻴﺔ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﻓﻌﺎﻟﺔ. ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﺔ ﺳﺎﺑﻘﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ ﻫﻲ ﺗﻤﺮﻳﺮ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﻭﺣﺪﺍﺕ الاستطلاع ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﺓ ﺍﻷﻋﻠﻰ، ﺍﻟﺘﻲ تعيّن ﺑﺪﻭﺭﻫﺎ ﺍﻷﻫﺪﺍﻑ ﺇﻟﻰ ﺃﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﻬﺎﻭﻥ ﻭﺑﺬﻟﻚ ﺗﺘﺪﻓﻖ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻳﺎﺕ ﺍﻷﺩﻧﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺴﻠﺴﻞ ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﻱ، ﻭﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ الاستخدام ﺍﻟﻌﻘﻴﻢ ﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ الاستطلاع ﻳﺘﻴﺢ ﻭﻗﺘﺎً ﻛﺎﻓﻴﺎً ﻟﻠﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﻌﺎﺩﻳﺔ ﻛﻲ ﺗﻐﻴّﺮ ﻣﻮﺍﻗﻌﻬﺎ ﻗﺒﻞ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﻣﻬﻤﺔ ﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ.
  9. ليس الهدف من الخطة العسكرية هو ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ مباشرة، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻣﺤﺎﺻﺮﺗﻬﺎ، فالهدف ﻫﻮ ﺗﺪﻣﻴﺮ المجاميع الإرهابية ﻋﻦ ﺑﻌﺪ ﺑﺎﻟﻄﺎﺋﺮﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤﺪﻓﻌﻴﺔ، أما ﺘﻘﺪﻡ ﺍﻟﺪﺑﺎﺑﺎﺕ فيتم لإسناد ﻗﻮﺓ ﺍﻟﻬﺠﻮﻡ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ ﺑﺎﻟﻨﻴﺮﺍﻥ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ، وهكذا يتم إحكام ﺗﻄﻮﻳق اﻠﻤﺪﻳﻨﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺎﺭﺝ ومنع الإرهابيين ﻣﻦ الانسحاب، ثم الاستعداد بشكل ﺟﻴﺪ لدخول المدينة.
  10. ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺑﺎﻟﻐﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻤﺪﻥ، ﻓﻘﺪ استخدم الجيش العربي السوري ﺍﻟﻤﻨﺸﻮﺭﺍﺕ ﻹﻗﻨﺎﻉ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﻴﻦ ﺑﻤﻐﺎﺩﺭﺓ الأحياء التي توجد فيها العصابات الإرهابية، ﻛﻤﺎ ﺍﺳﺘﺨﺪﻣﺖ ﻣﻜﺒﺮﺍﺕ ﺍﻟﺼﻮﺕ لإعطاء فرصة أخيرة لمن يحمل السلاح وإقناعه بالاستسلام.

ويمكن ختاماً القول:

لقد أثبتت تجربتنا في حرب المدن في مواجهة التنظيمات الإرهابية ﺃﻧﻪ ﻻ يمكن تحقيق ﺍﻟﻨﺠﺎﺡ ﻓﻲ ﻗﺘﺎﻝ ﺍﻟﻤﺪﻥ من ﺩﻭﻥ ﺭﻏﺒﺔ ﺍﻟﺠﻨﺪﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻭﻣﻘﺪﺭﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻐﻠّﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻀﻐﻂ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﺍﻟﻤﺼﺎﺣﺐ ﻟﻠﻤﻮﺍﻗﻒ المعقدة ﻓﻲ ﻗﺘﺎﻝ ﺍﻟﻤﺪﻥ، وبخاصة فإن ﺍﻟﻨﺠﺎﺡ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﻳﻌﺘﺒﺮ الشرط الأساسي ﻟﻔﺮﺽ الاستقرار ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ، وانطلاقاً من قول القائد الخالد المؤسس حافظ الأسد: “إننا نضع نصب أعيننا أن معركتنا طويلة وقاسية، ولكننا نثق بقدرتنا على خوضها حتى النهاية المظفرة، لأننا أصحاب حق، ولأننا نملك إرادة القتال والتصميم على النصر”، فإنه يتحتم علينا الاستعداد الدائم للتعامل مع أشد المواقف تعقيداً في التعاطي مع التنظيمات الإرهابية وداعميها حتى تطهير الأرض السورية من رجسهم.

المصادر والمراجع:

· أصول التدريب التكتيكي، هيئة التدريب، دمشق، 2005م.
· دراسة حول كيفية مواجهة التهديد الداخلي والاستنتاجات التي تخدم قواتنا المسلحة، هيئة العمليات، دمشق، 2012م.
· الدليل في التمويه التكتيكي، هيئة العمليات، دمشق، 2004م.
· الأعمال القتالية في مناطق الإرهاب المسلح، هيئة التدريب، دمشق، 2012م.
· كتاب (حرب المستضعفين)، تأليف روبرت تابر، تعريب محمود سيد الرصاص، مراجعة المقدم هيثم الأيوبي.
· كتاب (حرب العصابات المقاومة بديلاً عن الحرب)، تأليف جون روبرت، تعريب إيهاب كمال محمد، دار الحرية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006م.
· مقال (حرب المدن وتأثيرها على فن الحرب)، موقع الدفاع العربي، منشور في 11 آب 2012م.
· موقع ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، https://ar.m.wikipedia.org.

ابن تيمية.. مظلوم!!!!

ahmad

ابن تيمية.. مظلوم!!!!
بقلم الدكتور: أحمد أديب أحمد
===============

هل قرأ أحدٌ الكتب الصادرة في فقه الأزمة لمؤلفين لهم باع طويل في المناصب الدينية؟
اطلعت على بعض الكتب لأستشفَّ ما يفيدنا لنتفقَّه في هذه الأزمة فنجد الحلول، لكن لم أجد فائدةً تُرجى من هذه الكتب، إلا أنَّني أحسستُ من خلالها أنَّ الإسلام فقط مكوَّنٌ من السُّنَّة والشِّيعة المتصارعين، وأن في سورية أهل الذمة (المسيحية)، أمَّا العلوية والإسماعيلية والدروز فلا اعتراف بهم ولا ذكرَ لهم في هذه الكتب!!
فهل حقًّا نحن في نظرِ مؤلفي هذه الكتب لا علاقة لنا بالإسلام!؟
وهل نحن أقليات مرفوضة باعتبارهم رفضوا مصطلح “الأقليات” لأنَّ الإسلام “سنة وشيعة” يشهدون بأن “لا إله إلا الله”؟
وهل يظنون حقاً أننا كعلويين لا نشهد بأن “لا إله إلا الله”؟
ومَن هو المقصود بحديثهم أن هذا العصر شَهد ما يُسمّى بنشأة الفِرق التي ظَهرت على سطح العقيدة الإسلامية الراسخة الواحدة، كما تَظهر الثآليل المنتشرة على جسم الإنسان السوي”!! وهل علاجُ الثآليل في الطب إلا الكي؟؟؟

ذكرٌ خجولٌ لا رأي لمؤلفيها به كي لا يتحملوا المسؤولية، إنما هي روايات تصفنا بسكان جبل العلويين، وليس العلويين مع أننا لسنا أقلية حسب ما يزعمون، ومن هذه الروايات نذكر طلاب كلية الشريعة من سكان جبل العلويّين الذين أُرسل بهم لتَعَلُّم الدّين، باعتبار أن مشكلتنا في الجبل هي الجهلُ!!! وذات يومٍ بعد انتهاءِ محاضرةٍ للدكتور تَبِعتْه إحدى الطالبات قائلةً: أودّ أن أسألك سؤالاً يا دكتور، هل صحيح أننا نحن لسنا مسلمين؟ وإذا بالطالبة قد بدت عليها آثار البكاء فقال لها: ومن قال لك ذلك، ألستِ تشهدين ألا إله إلا الله؟ قالت: بلى، وأصلّي أيضاً. فقال لها: ادعي لي يا ابنتي فأنت خيرٌ منِّي….!!
هل كانت هذه الطالبة لتقول هذا لولا أن رفاقها ورفيقاتها في كلية الشريعة “وهم أساتذة ديانة ودكاترة في الشريعة مستقبلاً” يصفونها بهذا الوصف نظراً لما يحملونه من إرث تكفيري وقح لم تستطع المناهج الدينية لا في المدارس ولا في كلية الشريعة أن تؤدبه وتقوِّمه؟

وفي مجاملة واضحة أثناء حديثهم عن الشيعة يُقسِمون أنه لو أن علياً كرم الله وجهه اتخذ يوم السقيفة مَوقفاً مستقلاً، أو اتخذ يوم استخلاف أبي بكر لعمر مَوقفاً مستقلاً، أو يَوم الشورى التي بُويع على أعقابها عثمان مَوقفاً مستقلاً، إذن لَتركوا كُل نَهج واتبعوا نهج علي! ولكنهم نظروا فوجدوا هذا الإمام الجليل اندمج في فِكره وسُلوكه مع الكلمة الجامعة مع النهج العام، فكان لابد أن يقودهم الحب إلى الاقتداء به وإلى سلوك النهج الذي سلكه….!!

هذه المجاملة الواضحة نظراً للوضع السياسي لم تُنتج تغييراً جذرياً في المناهج الدراسية الدينية التي اكتفت بصفحتين عن الإمام علي كرم الله وجهه، وامتلأت بما لا يقبله العقل ولا الدين من الأحاديث النبوية المحرفة والتفسيرات الغريبة، علماً أن ذكر الأئمة المعصومين عليهم السلام مُغيَّب تماماً عن هذه المناهج، وكأن المجتمع السوري يجب أن يُصبغ بلون واحد شاء أم أبى!!

لكنَّ المفاجئ أن يبرؤوا في كتبهم الحديثة “شيخ الإسلام ابن تيمية!!!!” من الفتاوى المنسوبة إليه، حين يزعمون أن هذه الفتاوى التكفيرية التي أعلنها محمد بن عبد الوهاب لم يَنسِبْها إلى دليلٍ من القرآن أو السُّنَّة أو الإجماع، ولا صِحَّةَ لنِسبتها لابن تيمية ولتلميذِه ابن القيّم بل على العكس من ذلك إن ابن تيمية يحذر في كل فتاواه من التكفير، والكثيرُ مما قاله محمد بن عبد الوهاب ابتداعاً واختلاقاً يُنسَبُ إلى ابنِ تيمية مع أن ابنَ تيمية يقول العكسَ تماماً فهذا مما ظُلِمَ به ابنُ تيمية!!!
مع أنَّ القارئ لكتب السنة والشيعة تاريخياً سيجدها متوافقة حول تكفير كثير من الفرق الإسلامية واختلاق الأكاذيب حولها، وكثير منها يستشهد بفتاوى ابن تيمية التكفيرية، وخاصة بحق الفرقة العلوية النصيرية!!

في الختام:
نحن دولة وطنية علمانية ومنفتحة ومتعاونة كما يُفترض، لكن التمثيل الديني مراوغ وملتف ومغطَّى بغطاء الوحدة الوطنية، لأن من أسس التكفير: الإقصاء والإغفال وعدم الاعتراف بنا إذ لا يحق لنا أن نكون كأي مكون من مكونات المجتمع السوري!!
فهل رأى أحدٌ شيخاً علوياً على قناة نور الشام أو الفضائية السورية يتكلم في الدين، وله برنامج ديني؟ أم أن الأمر حكر على بعض شيوخ الفتاوى التي تتحول أحياناً إلى مسخرة بالأسئلة والأجوبة المقابلة؟

أقول: لا أمل بتصحيح خارطة الطريق إلى نهاية الأزمة.. ويبدو أن الجميع يتعلم فقه الأزمة لتركيزها واستثمارها، ولا أحد يتعلم فقه حل الأزمة.. الذي أجده بعيداً جداً.. فعلى المدى المنظور لا حل للأزمة طالما يعشعش هذا الفكر الإقصائي في المؤسسات الدينية.. خاصة أن البعض سيتهمنا بعدم فهم الأحداث وعدم الوعي، بل وبالفتنة إذا تم اعتزازنا بانتمائنا لنهجنا العلوي كعلويين، أو باعتزاز الدرزي بدرزيته والإسماعيلي بإسماعيليته من مبدأ المواطنة وحق الاعتقاد.. وإنني أجد أن الفتنة لا تقتصر على الدعوة لقتل الآخر كما تفعل داعش وجبهة النصرة.. بل على الدعوة لإقصائه وإبعاده وإخفائه ودمجه بالجسد الأكبر من جهة.. وكذلك بضعف المقصيِّين والـمُبعَدين من جهة أخرى..
وكلٌّ من المفترين والمنافقين والضعفاء لا يمكن أن يبنوا وطناً أبداً.. فليتعلم الجميع الصدق مع نفسه قبل تمثيل الصدق على الناس.

ودمتم ودام الوطن بألف خير…

ماذا فعلت النخبة المثقفة في وطني؟

ahmad

ماذا فعلت النخبة المثقفة في وطني؟
بقلم الدكتور: أحمد أديب أحمد
================

في بداية الأزمة كنت المُبادر بتوصيف الإخوان المجرمين والوهابيين والبراءة منهم ولعنهم على الإعلام وفي المقالات وفي كل المجالس والمراكز الثقافية، وكان بعض الجهلاء ممن يعتبرون أنفسهم نخبة المثقفين ورجال الدين والسياسة يأتون فيقولون لي: لا تقل هذا فقد ينزعج “السُّنة”!!! فأقول لهم: وما دخل “السُّنة” بالإخوان المسلمين والوهابيين؟ “السنة” عبارة عن مذاهب إسلامية “شافعية وحنفية وحنبلية ومالكية”، أما الإخوان المسلمون والوهابيون فهم أحزاب شيطانية صهيونية.

نفس هذه النخبة المتثيقفة كانت تأخذ عليَّ دائماً أنني أقول: “سورية الأسد”، مع أنني شرحت كثيراً أن لفظ “الأسد” رمز للكرامة والعز، لكنهم يفهمون الأمر ربطاً بشخص الرئيس مع أن هذا الأمر فخر لنا، ولكن لضعف انتمائهم ووطنيتهم وقلة وفائهم يرفضون العبارة، لأنهم كانوا قبل الأزمة من أكثر المصفقين والمطبلين في الاحتفالات والمتسولين على أبواب المسؤولين، وانكفؤوا حين ظنوا أن النظام سيسقط وفق تعبير أعدائنا، ولكنهم مع الانتخابات الرئاسية وعودة القوة للدولة عادوا لتصفيقهم وتطبيلهم لأن كل شيء يعود لأصله.

وعندما كانت المقالات واللقاءات الإعلامية التي أجريتها ناقدة للفساد المستشري في مؤسسات الدولة والمجتمع بشكل كبير، وكنت لاذعاً قاسياً على الفاسدين، كانوا يقولون لي: ليس الآن وقت الحديث عن الفساد فنحن في أزمة!!! وأما من اعترف منهم فيقول لي: نحن نتابعك ومعجبون بك لكننا لا نستطيع أن نظهر إعجابنا بكلامك لأن للجدران آذان، ولا نستطيع أن نضع إعجاباً بمقالاتك خوفاً على أنفسنا من الأمن الفيسبوكي المراقب لتحركاتنا!! نحن بغنى عن القضاء على مستقبلنا!!

واليوم مع تطاول المنتفعين المستثمرين للفتنة كان من واجبي أن أوضح الطريق وأواجه الفتنة وأحمي أبناء وطني من الانجرار إلى تحزبات دينية طارئة على بلدنا تخدم أجندات خارجية، ففي سورية يوجد أصلاً (سنة وشيعة وعلويون ودروز وإسماعيليون ومسيحيون ومرشديون) عشنا وعملنا سوياً وتآلفنا وتكاتفنا وحاربنا وما زلنا نحارب سوياً، لكن التشيع حالة طارئة غير أصيلة على المجتمع العلوي، كما الفكر الإخونجي والوهابي حالة طارئة على المجتمع السني.

في ظل انتشار الفتنة المنكَرة كان لابد للنخبة من أن تردَّ وتقود الوعي باتجاه المكان الصحيح، لكن عندما تسعى النخبة المثقفة إلى الصمت بسبب لا انتمائها، فلا بارك الله في ثقافتها غير الأصيلة، لأن هذا الصمت كان وبالاً على شبابنا الذين استغرقوا ثلاث سنوات ليفهموا خطورة مشروع الإخوان والوهابية، وكان مَن ذهب في طريقهم قد ذهب، وخسرت سورية آلافاً من شبابها بسبب جهلهم بالحقيقة!! عدا عن الخسارة الأكبر للشباب المؤيد الذي ضاع بين الأحزاب الجديدة والأفكار الثأرية من مدرسة القائد الأسد وحزب البعث والعروبة وقضية الصراع!!

وأتساءل: هل نفعتنا أمسياتكم الشعرية واحتفالاتكم الوطنية وخطاباتكم الخشبية؟ أم أتاحت لكم أن تضحكوا علينا وتسرقوا أموال الوطن وتنافقوا على قيادتنا الشريفة؟

وعندما تسعى النخبة المجتمعية إلى البحث عن مصالحها الشخصية فتنافق وتجامل بغية المال والمناصب فالواجب أن يكون العزلُ جزاءها، وهذا ما تمثل بتمسيح الجوخ للفاسدين والمخربين وأصحاب المشاريع التضليلية والتجمعات الاحتيالية باسم الوفاق الوطني ودعم الشهداء ووو!! واليوم نجدهم في مجلس الشعب والحكومة ومواقع المسؤولية، وهم المسؤولون عن غرق السفينة السورية رويداً رويداً.

وعندما تسعى النخبة الدينية إلى تسييس الدين والنفاق ربطاً بالتحالفات السياسية فهؤلاء ليسوا برجال دين بل رجال دنيا، فلا الإمام علي رضي بفساد معاوية، ولا الإمام الحسين رضي بانتهاكات يزيد، ولا سلمان الفارسي ولا أبي الذر الغفاري ولا محمد بن أبي بكر رضوا بالفساد الذي بدأ ينهش في جسد الأمة، ولم يسكتوا عن الحق بحجة أنهم لا يريدون شق الصفوف، فالفساد الفكري والديني والأخلاقي هو الذي يشق الصفوف، أما محاربة الفساد فهي ترأب الصدع وتحمي أهل اليقين.

هذه النماذج القميئة من النخب السورية زرعت الكذب والنفاق والتدليس والتجهيل، فماذا حصدنا بعدها إلا عدم الانتماء والجهل والتقوقع والأحقاد الداخلية التي لا تخرج بالفعل لكنها تؤذي بالقوة.

لهذا وجدت أنه من واجبي أن أكون صادقاً مع نفسي وديني ووطني، وألا أخجل من لعن الواهبيين والإخوان المجرمين، وألا أخجل من اعتزازي بانتمائي لسورية الأسد، وألا أتوانى عن فضح مشاريع الفتنة ومروجيها، حتى لو طالتني اتهامات الجهلاء بأنني أشعل الفتنة، فهذا لا يهمني لأنني أقتدي بقول رسول الله “ص”: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”، وبقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه: “وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم”، وبقول القائد الخالد حافظ الأسد: “لا أريد لأحد أن يسكت عن الخطأ، ولا أن يتستر عن العيوب والنواقص”.

أما عبارات “ليس وقتها الآن، ليس مكانها على الفيسبوك، كونوا محضر خير، علينا أن نتوحد ونحب بعضنا، كونوا لنا زيناً….” فليست هي في مكانها ولا في وقتها لعدة أسباب:

الأول: عندما يبدأ الهجوم علينا لابد أن ندافع عن أنفسنا فوراً، وألا نؤجل لأن أي تأجيل يعني موتنا، وبعد الموت لا نستطيع أن ندافع عن أنفسنا.

الثاني: محضر الخير لا يوجد فيه اعتداء على أحد، فلماذا لم يكن المفتنون أصلاً محضر خير؟ فهذا الكلام موجه لهم لا لنا.

الثالث: نتوحد على كلمة الحق وليس على أي شي، وإلا لكانت الوحدة العربية قد قامت منذ عقود حتى لو برعاية صهيونية، لذلك قال تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا”، فلم يقل: واعتصموا جميعاً، بل أكد أن الاعتصام لا يكون إلا بحبل الله.

الرابع: إن مفهوم المحبة مفهوم عظيم ليس كما يفهمه المتذبذبون، لأن الحب في الله والبغض في الله، وكما يقول الإمام علي كرم الله وجهه: “لا يجتمع حبنا وحب عدونا في جوف إنسان”.

الخامس: قول الإمام الصادق: “كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً، أيحب أحدكم أن يمشي في السوق عرياناً”!! وأتساءل: هل تعرفون ما هو العري وما هو الزين وما هو الشين؟ هل كان الأئمة المعصومون يهتمون “بالبريستيج” أمام الأقوام الأخرى وهم الناطقون بالحق؟
العريان هو المفضوح لأنه عارٍ من كل مكارم الأخلاق والمعارف وكل ما يمثل نهج أهل البيت فلا هو محق ولا هو مواصل ولا هو محب ولا هو شجاع ولا هو صادق، والمؤمن يأبى أن يكون إلا محقاً ومحباً إخوانه ومواصلاً لهم وشجاعاً وصادقاً، وهذا هو الذي يزينه لا يشينه، فمن دعا إلى توحيد مع كلمة باطل، أو محبة لمن يعادون الحق، أو مجاملة لمن يخالفه لغاية دنيوية، فهذا يشينه، ويجعله شيناً على الأئمة لأنهم لم يتصفوا بالنفاق، أما من كان داعياً للحق آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر محباً للمؤمنين ومبغضاً للمنافقين لا يخشى في الله لومة لائم فهذا تزيَّن بتعاليم أهل البيت وطبَّقها بحذافيرها، ولنا في ذلك أمثلة من شهداء الحق كالإمام الحسين وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وصعصعة بن صوحان ورشيد الهجري وكثير غيرهم.

السادس: إن أتتك المعركة على الفيسبوك وفي الإعلام فأين يكون الدفاع؟ في المجالس المغلقة؟ في البيوت؟ في القلوب؟ أم في نفس أرض المعركة؟
ينفثون الفتنة على صفحات الفيسبوك وفي المواقع الإلكترونية وعلى الفضائيات، ويقرؤها الجميع، فإن لم يجد القارئ رداً في نفس المكان سيظن أن ما نشر حقيقة ويتبناه لقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه: “حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق”.

وإنني أوجه لومي الشديد إلى وزارة الأوقاف التي تقصي من تشاء وتدني من تشاء، وغايتها إسراف الأموال لبناء الجوامع وترميم ما كان منها مقراً للإرهاب والموت الأسود، كما أوجه لومي الشديد مصحوباً بالتقريع لقناة “نور الشام” التي أسسها السيد الرئيس في بداية الأزمة لتكون منبراً للسوريين، فتقوقعت وتزمتت وتكتلت على بعضها، ومنعت عرض البرنامج العربي الإسلامي “ثائر وشهيد” لأنه يخص الإمام الحسين “ع”، ولم توافق إدارتها المتحيزة على منح الفرصة لنا بأن يكون لنا برنامج ديني إسلامي خاص بنا كوننا من نسيج المجتمع السوري كما يتحفوننا دوماً في لقاءاتهم الخلابة وكلماتهم المعسولة التي لا تتجاوز ألسنتهم المسمومة للأسف.

وأقترح بأن يصدر قرار جريء بإلزام وزارة الأوقاف الأغنى أن تخصص من مواردها راتباً لعائلة كل مقاتل عسكري أو شهيد أو مصاب أو مخطوف في الجيش والأمن والشرطة يساوي راتبه الذي يتقاضاه من وزارتي الدفاع والداخلية لتحسين وضعه المعاشي.. ولتكون مشاركة في الدفاع عن الوطن بشكل فعلي.. وليس بالكلام وببناء بيوت الشيطان.. فلو كانت بيوت الله لما تحولت إلى مقرات للشياطين.. لكن بيوت الله هي قلوب المؤمنين العاملين المخلصين التي تسعه حقاً.

أدعو في الختام للصدق مع النفس ومع الناس، لقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ”.

حكومات الأزمة.. والأزمات الخانقة

ahmad

حكومات الأزمة.. والأزمات الخانقة

بقلم الدكتور: أحمد أديب أحمد

================

لا أدري إلى متى ستبقى حكومات الأزمة تتلاعب بالمواطن الذي وصل صبره إلى النفاد بسبب سياسات التجويع والقهر المقصود.. وكأن حكومات الأزمة رفعت سيف الجلاد لتجلد من تبقى في هذا البلد جزاءً على صموده!!؟

فالأزمات التي نعيشها توقف عجلة الحياة، وكأنهم يريدون موت الحياة في سورية.. التي تعني الحياة.

فأزمات غلاء الأسعار وفقدان المواد وانقطاع الكهرباء والمياه والزحمة الخانقة على المازوت والبنزين إن توفر، وفقدان الغاز أو غلاؤه… إلخ، بات لها آثارها الأكثر من سلبية على حياة السوريين، الذين لا يقنعهم أن السبب هو الحرب فقط، بقدر ما باتت القناعة أن السبب هو الفساد والتهريب وتجارة الأزمة والنهب والسرقة لثروات البلد، والتي تشرف عليها وتشرعنها حكومات الأزمة المتلاحقة.

يقال: ألا يشعرون بالشعب؟؟

كيف يشعرون بالشعب وهم في قصورهم الفارهة لا تنقطع عنهم الكهرباء ولا المياه.. وسياراتهم بإمرتهم وإمرة زوجاتهم وأبنائهم لا ينقطع عنهم البنزين، ولا يشعرون بحر الصيف ولا برد الشتاء، لأن سبل الرفاهية دائماً متوفرة!!؟

أما الناس العاديون فصاروا يحلمون بعودة التقنين الكهربائي (3-3)، وعودة التقنين المائي (يوم بيوم). فالحياة أصبحت ضيقة الحال، والخسائر تتزايد سواء كان على مستوى الأسرة فيما يتعلق بالأطعمة الي تتلف في الثلاجات، أو الأمراض التي قد تصيب أفراد الأسرة فيحملون همَّ المعاينة الطبية وشراء الدواء الذي زاد سعره أضعافاً ومضاعفةً وصار حلماً للمواطن الفقير.

ويدَّعون في اجتماعاتهم وتصريحاتهم أنهم يشعرون بالمواطن ويطالبون ويقدِّمون الوعود.. والنتيجة لا نتيجة.. ولا شيء يتغير والحجة جاهزة.. وهي الأزمة!؟

وكل مسؤول منهم يغط في نوم عميق، وتفوح منه رائحة اللامبالاة، حتى تحولت البلاد إلى ظلام وعطالة.

كم من مرة طالبنا فيها بنقل محطات الكهرباء من المناطق الساخنة إلى المناطق الآمنة كي تسلم من تخريب المسلحين إلا أن آذان الطين والعجين لا تسمع!!

وكيف تسمع والفرصة سانحة للنهب والسرقة، فكلما خرب الإرهابيون محطة فإن هذا يعني فاتورة مضاعفة لإصلاح التخريب، أي نهب وسرقة لخزينة الدولة!! وكذلك الأمر بالنسبة لضرب خطوط الغاز والفيول الذي يفتح مجالاً لسرقته وتهريبه للمسلحين.

مع العلم أن حكومات الأزمة تعاقب بافتعالِ أزمات الكهرباء والماء والغاز والمازوت والبنزين المناطقَ الآمنة والمستقرِّةَ، بينما في المناطق التي يسيطر عليها الإرهاب فالكهرباء والماء (24/24)، وصهاريج المازوت والبنزين المهرَّب بالعشرات، فهم يكافَؤون على جرائمهم وعدوانهم، ونحن نحاسب على وطنيتنا وصمودنا!!

أقول لمن بقي عنده ضميرٌ ينبض: لا كهرباء لا ماء لا وقود يعني لا زراعة لا صناعة لا دراسة ولا إنتاج.

ويأتي مَن يقول: إنها حكومات أزمة.. ألا إنها هي الأزمة بذاتها ولكن لا تشعرون.