أرشيف الوسم: الإمام الحسين

السؤال السابع والثمانون حول علاقة حزن يعقوب ببكاء الشيعة

images

السُّؤال السَّابعُ والثَّمانون: إنَّ الشِّيعة يحتجُّونَ أنَّ بكاءَهم على الحسينِ (ع) اقتداءٌ ببكاءِ يعقوبَ (ع) على يوسفَ (ع)، فهل مِن رابطٍ بينهما؟

 

الجوابُ السَّابعُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

هذا من الخلطِ والقياسِ الذي وقعَ بهِ الشِّيعةُ لتبريرِ وتغطيةِ تقصيرِهم بحقِّ الإمامِ الحسينِ (ع)، فلا يجوزُ اختلاقُ حوادثَ لم يردْ ذِكرُها في القرآنِ الكريمِ بشكلٍ صريحٍ، فهل وردَ في القرآنِ الكريمِ أنَّ سيِّدنا يعقوبَ (ع) بكى على مولانا يوسف (ع)؟

إنَّ الآياتِ التي وردَتْ في هذا الموضوع حينَ أتَوا بخبرِ الذِّئبِ هي ردُّ سيِّدنا يعقوب (ع) بقوله تعالى: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)، فلم يكنْ فِعلُهُ بكاءً بل صبرًا ورضى بقضاءِ اللهِ وأمرِهِ سبحانه.

وما كانَ اللهُ ليتركَ نبيَّهُ عرضَةً للبكاءِ والنَّحيبِ، لأنَّ النَّبيَّ يوحي إليهِ اللهُ بما لا يعلمُهُ مَن هو أدنى منه درجةً، ومن سياقِ آياتِ القرآنِ الكريمِ نجدُ أنَّ سيِّدنا يعقوبَ (ع) كانَ يعلمُ بوجودِ مولانا يوسفَ (ع)، وهذه هي التي عبَرَ عنها القرآنُ الكريمُ بأنَّها الحاجةُ في نفسِ يعقوب، ولكنَّهُ كانَ ينتظرُ الأمرَ الإلهيَّ بلقائِهِ، ولذلكَ جاءَ قوله تعالى: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ) فهذه كانت وصيَّتُهُ لهم، وفيها الكثيرُ من الإشاراتِ التَّوحيديَّةِ الدَّالةِ على أنَّ الآياتِ والسِّماتِ والتَّجلِّياتِ لو تعدَّدَتْ وتنوَّعتْ فإنَّ المَقْصَدَ هو الحقُّ تعالى، لذلك قال تعالى: (وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)، وهذه دعوةٌ نبويَّةٌ للتَّوحيدِ العلويِّ المتمثِّلِ بإثباتِ الـمَشاهِدِ أوَّلاً، وإفراد ذاتِ الحقِّ عن السِّماتِ الـمَشهودَةِ ثانيًا لأنَّها عائدةٌ إلى الشَّاهدينَ، وذاتُ الحقِّ أجلُّ وأعلى مما تَشهَدُهُ الأبصارُ والبصائرُ لقوله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)، وقولِ رسولِ اللهِ (ص): (كلُّ ما خطرَ ببالكَ فاللهُ غيرُهُ).

وتحقَّقتْ نبوءةُ سيِّدنا يعقوب (ع) وهي الحاجةُ الـمَقضِيَّةُ في قوله تعالى: (وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)، فاللهُ عزَّ وجلَّ قَضَى حاجةَ سيِّدنا يعقوبَ (ع) أي أظهرَ صدقَ نبوءَتِهِ بوجودِ مولانا يوسفَ (ع) من خلالِ هذا الأمرِ بالدُّخولِ من أبوابٍ متفرِّقةٍ في قوله تعالى: (وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، فلو أنَّهم دخلوا معًا لَمَا حصلَ هذا الأمر، ولكنَّ دخولَ سيِّدنا بنيامين (ع) من بابٍ لوحدِهِ كانَ سببًا لإيواءِ مولانا يوسفَ (ع) له وإخبارِهِ عن نفسِهِ، وهنا قُضِيَتْ حاجةُ سيِّدنا يعقوبُ (ع) وتحقَّقتْ نبوءَتُهُ، وهذا أكبرُ دليلِ على معرفتِهِ التي أوحاها اللهُ إليهِ، فلماذا البكاءُ الذي تصوِّرُهُ الشِّيعةُ نحيبًا على فقدِ مولانا يوسفَ (ع) حتَّى يصلَ إلى الاعتراضِ على أمرِ اللهِ سبحانَهُ معاذَ الله؟

حتَّى أنَّ الآيةَ التي يحتجُّونَ بها لم تَذْكُرِ البكاءَ إنَّما هي قوله تعالى: (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، فأسَفُ سيِّدنا يعقوب (ع) هوَ استكانةٌ وإظهارٌ لخضوعِهِ لأمرِ اللهِ وعجزِهِ مع أنَّهُ يعلمُ بالوحي أمرَ وجودِ مولانا يوسفَ (ع)، بدليلِ قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، إلاَّ أنَّهُ مأمورٌ بالصَّمتِ الممثولِ ببياضِ العينينِ وهذا دلالةٌ على ارتقائهِ لأنَّ في بياضِهِما إشارة إلى اكتمالِ معرفتِهِ بربِّهِ، فلمَّا عرفَ ربَّهُ كَتَمَ أسرارَ الحزنِ الذي أظهرَهُ؛ أي كتمَ أمرَهُ تقيَّةً وهو قوله: (فَهُوَ كَظِيمٌ) أي مُتَّقٍ، إلى أنْ يشاءَ اللهُ فيُظهِرَ أمرَهُ، وإظهارُ الأمرِ كان في قوله تعالى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، وكانت دلالةُ صدقِ نبوءَتِهِ بعودِةِ البصرِ إليهِ في قوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً)، وهو إشهارُ معرفةِ الحقِّ التي كانت مكتومةً فظهرتْ بالأمرِ الإلهي: (فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وقد ذكرنا في إجابةٍ سابقةٍ أنَّ غيابَ مولانا يوسف (ع) عن عَينَي سيِّدنا يعقوبَ (ع) عُبِّرَ عنه بالعمى، أمَّا القميصُ فكانَ مثالَ التَّجلي الذي إذا أُلقِيَ على وَجْهِ سيِّدنا يعقوب (ع) أصبحَ بصيرًا، فالعَمَى والإبصارُ صِفَتَانِ لسيِّدنا يعقوب (ع).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال السادس والثمانون حول عدم البكاء على الحسين

images

السُّؤال السَّادسُ والثَّمانون: هل يبكي العلويُّونَ على الحسينِ كما يَفعَلُ الشِّيعةُ في أيَّامِ عاشوراءَ؟

 

الجوابُ السَّادسُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

حقيقةُ التَّوحيدِ عندَنا كعلويِّينَ هي الإخلاصُ للإمامةِ كَغَايةٍ، والتَّمسُّكُ بالرِّسالةِ كَطَريقةٍ، فعندما نتحدَّثُ عن الإمامةِ، نتحدَّثُ عن مقامٍ غيرِ الرِّسالةِ، نتحدَّثُ عن مقامٍ أعلى منها، ولكنَّ الشِّيعةَ ساوَت الإمامةَ مع الرِّسالةِ فأخطأتْ، والسُّنَّةَ جعلَتِ الإمامةَ أدنى من الرِّسالةِ فأخطأتْ.

والنَّبيُّ يُعلِنُ للخلقِ مقامَ الإمامةِ كما فعلَ سيِّدُنا محمَّد (ص) عندَ إعلانِهِ إمامةَ سيِّدِ الوصيِّينَ وأميرِ المؤمنينَ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في قوله له: (أنتَ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بَعدِي)، وقوله في حديثِ الغديرِ مشهورٌ وكافٍ لتَكتملَ رسالتُهُ، لأنَّهُ (ص) قال: (أنا الـمُنذِرُ وعليُّ الهادي، وبكَ يا عليُّ يَهتَدِي الـمُهتَدونَ مِن بَعدي).

والإمامةُ تتطلَّبُ شروطاً أهمُّها العصمةُ، بدليلِ قوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، هذهِ العصمةُ حقيقةٌ موجودةٌ عند كلِّ الأئمَّةِ (ع)، وقد ورد عن الإمام الجوَّادِ (ع) قوله: (أَمَا عَلِمْتُم أنَّ أهلَ هذا البيتِ لَيسُوا خَلْقًا من هذا الخَلْقِ، أَمَا عَلِمْتُم أنَّ رسولَ اللهِ بَايَعَ الحسنَ والحسينَ وَهُما صَبيَّانِ).

كما وردَ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاس أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ (ص) يقولُ عن نفسِهِ وعن الحسنِ والحسينِ والتِّسعَةِ من بَعدِ الحسينِ أنَّهم (مُطَهَّرونَ مَعصومونَ)، فَحَقَّتِ الإمامةُ للحسنِ والحسينِ (ع) كما صَحَّت لِمَن أتَى بَعدَهُما من الأئمَّةِ حيثُ قالَ أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لهما: (أنتُما سَيِّدَا شبابِ أهلِ الجنَّةِ، إمامانِ معصومانِ حَفِظَكُما اللهُ ولعنةُ اللهِ على مَن عَادَاكُما).

والسؤالُ الذي نطَرَحَهُ هنا: كيف تمَّ عند الشِّيعةِ الربطُ بين ضعف وعجز الأئمَّةِ وعِصمَتِهم؟

لقد أخطأت الشِّيعةُ عندما اعتقدَتْ أنَّ الإمامَ يمكنُ أن يُحِسَّ بما يُحِسُّ به البشـرُ، وَيُعاني ما يُعانيهِ البشـرُ، ويَتألَّمُ لِمَا يَتألَّمُ منه البشـرُ، فَوَصلَتْ إلى نَتيجةِ أنَّ للأئمَّةِ خصائصُ جسميَّةٌ بشـريَّةٌ، وأنَّ الأئمَّةَ يعيشونَ نقاطَ الضَّعفِ البشـريِّ!! وأنَّ هناكَ نقصًا تكوينيًّا في الشَّخصيَّةِ الإماميَّة!!

إنَّ الإمامَ هو كلُّ مَن ائتَمَّ به القوم واقتَدوا بقولِهِ وفعلِهِ، فهو يعني المثالَ والقدوةَ والمقصودَ، وهكذا نرى كعلويينَ الإمامَ الحسينَ (ع) قائدًا مُجسِّدًا لكلِّ القِيَمِ الخيِّرَةِ والأخلاقِ السَّاميةِ، ممثِّلاً للحقِّ ضِدَّ الباطلِ، وللعدالةِ ضدَّ الظُّلمِ، وللهدايةِ ضدَّ الضَّلالةِ، وللتَّوحيدِ ضدَّ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ.

ونحنُ لا نغالي به كما فعلَتِ الشِّيعةُ، فالشِّيعةُ غالَتْ بالإمامِ الحسين (ع) كم غالَتِ النَّصارى بسيِّدنا المسيح (ع) عندما أفرطوا بتسليمِهمْ له ورفعوهُ إلى درجةٍ عظيمةٍ، ثمَّ ناقَضوا أنفسَهم وفرَّطوا به، واللهُ تعالى يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً)، ولهذا قالَ سيِّدنا المسيح (ع): (ملعونٌ كلُّ مَن مَاتَ مُعَلَّقًا على خَشَبَةٍ)، لنفي أن يكونَ هو المصلوبُ. فنحنُ لا نبكي على الإمامِ الحسينَ (ع) لأنَّ اللهَ- بمعتَقَدِنا العلويِّ- رَفَعَهُ إليهِ كما رفعَ عيسى (ع) إليهِ بالحجَّةِ الواضحةِ البيِّنةِ، ولكنَّ الشِّيعةَ اقتدوا بالمنكرينَ لِرَفعِ عيسى (ع) إلى اللهِ، ولم يَقبلوا برفعِ الحسينِ (ع) إليهِ، ولهذا يبكونَ عليهِ ويلطمونَ أنفسَهم في عاشوراء.

وهذا يعني أنَّ فكرَنا العلويَّ اقتضَى أن نرتقي في التماسِ الدُّروسِ من الأئمَّةِ (ع)، ومنهم الإمامُ الحسينُ (ع) الذي تميَّزَتْ خطبُهُ بالدَّعوةِ إلى عبادةِ اللهِ حقَّ عِبَادَتِهِ، هذهِ العبادةُ تتطلَّبُ صِحَّةً في العقيدةِ التَّوحيديَّةِ، وهو الأمرُ الذي أكَّدَ عليهِ الإمامُ الحسين (ع) مِرارًا وتكرارًا، فقد كان لَهُ دورٌ بارزٌ في محاربةِ أصحابِ العقيدةِ الـمُشبِّهَةِ الـمُشركَةِ، والذين سُمُّوا بالمارقينَ، فقال (ع): (أيَّها النَّاسُ اتَّقُوا المارِقَةَ الذين يُشبِّهونَ اللهَ بأنفُسِهم، يُضَاهِئُونَ قولَ الذين كَفَرُوا من أهلِ الكتابِ، بل هُوَ اللهُ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

وتابعَ الإمامُ الحسين (ع) على نهجِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في توحيدِ الباري، إذ أثبتَ وجودَ اللهِ لِخَلقِهِ في قوله: (هوَ في الأشياءِ كائِنٌ لا كَينونَةَ مَحظورٍ بها عَليهِ، ومن الأشياءِ بائنٌ لا بينونةَ غائبٍ عنها)، وأقامَ ميزانَ الحقِّ في قوله: (احتَجَبَ عن العقولِ كما احتَجَبَ عن الأبصارِ، وَعَمَّنْ في السَّماءِ احتجابَهُ عمَّنْ في الأرضِ) لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ). ثمَّ أَفْرَدَ ذاتَ الباري عَزَّ عِزُّهُ عن الصِّفاتِ المحسوسةِ في قوله (ع): (لا يُوصَفُ بِشَيءٍ من صِفاتِ الخَلائقِ)، وعن الأفعالِ المعقولةِ في قوله: (ما يُتَصَوَّرُ في الأوهامِ فهو خِلافُهُ)، لأنَّ جميعَ ما أوجدَهُ من أسماء وصفاتٍ وأفعالٍ في الخَلْقِ إنَّما هي مِن صُنْعِهِ جَلَّ وَعَلا وليسَتْ سَابقةً لَهُ، دليلُ ذلكَ في قوله (ع): (بِهِ تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بها يُوصَفُ، وبِهِ تُعقَلُ الـمَعَارِفُ لا بها يُعقَلُ).

فَمَن كانَ يرى الإمامَ الحسينَ (ع) وفق هذهِ الرُّؤيةِ الجليلةِ لا يبكيهِ ولا يفرِّطُ به ولا يُخفِّضُ مقامَهُ، بل على العكس، يَحمدُ ربَّهُ دائمًا على هذا الانتماءِ العلويِّ الحسينيِّ الشَّريفِ، ويعملُ جاهدًا ليحافظَ على نفسِهِ من عَبَثِ البدعِ وعشوائيَّةِ الشُّبهاتِ وفَوضى الانحرافِ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخمسون عن النص على الأئمَّة

images

السُّؤالُ الخمسون: ما هي الأدلَّةُ على النَّصِّ على الأئمَّةِ؟ ولماذا كان الأئمَّةُ من نسلِ الإمامِ الحسينِ (ع) لا الحسن (ع)؟

 

الجوابُ الخمسون بإذنِ الله:

هناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ النَّهجِ العلويِّ والمذاهبِ السُّنيَّةِ والشِّيعيَّةِ من حيث اتِّباعُ الإمامِ، فالنَّهجُ العلويُّ يأتمُّ بإمامٍ مولَّى من قبلِ اللهِ ورسولِهِ، فَمَنْ لم يُولِّهِ اللهُ ورسولُهُ لا يقومُ مقامَ الإمامِ عندنا، ولهذا كان آخر الأئمَّةِ عندنا الحسنُ الآخرُ العسكريُّ (ع)، والقائمُ المنتظرُ الذي سيعودُ ليظهرَ من جديدٍ، ولا نعتقدُ بوجودِ إمامٍ من البشرِ القائمينَ على هذهِ الأرضِ، كما تفعلُ الشِّيعةُ والسُّنَّةُ بتوليتِهم أئمَّةً من البشرِ يقومونَ مقامَ الأنبياءِ والأئمَّةِ المعصومين (ع)، وكأنَّ سيِّدنا المسيح (ع) حاضرٌ يخاطبُهم: (قد أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ! يَا مُرَاؤُونَ! حَسَناً تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هَذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا، وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ).

فمعرفةُ الإمامِ الحقِّ أمرٌ واجبٌ للمؤمنِ العارفِ، لأنَّ الجهلَ بهِ جاهليَّةٌ بحدِّ ذاتِها، والدَّليلُ على ذلك أنَّ الإمام جعفر الصادق (ع) سئلَ عن قول رسول الله (ص): (مَن ماتَ لا يعرفُ إمامَ زمانِهِ ماتَ ميتةً جاهليَّةً)؟ فقال (ع): نعم. قيلَ: جاهليَّةُ جهلاءٍ أو جاهليَّةُ مَن لا يعرفُ إمامَهُ؟ فقال (ع): (جاهليَّةُ كفرٍ ونفاقٍ وضلالٍ).

هذه الجاهليَّةُ بدأتْ تظهرُ جليَّةً منذ الإنكارِ الذي حصلَ لولايةِ أمير المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بعد بيعةِ الغدير وبعدَ غيبةِ رسولِ اللهِ (ص) والمتمثِّلَةِ بمؤامرةِ سقيفةِ بني ساعدة، ثمَّ امتدَّتْ هذه الجاهليَّةُ بعداءِ معاوية بن أبي سفيان (لع) لأمير المؤمنين وللإمامِ الحسنِ المجتبى (ع)، وعداءِ يزيد بن معاوية (لع) للإمام الحسينِ وزين العابدين (ع).

لكن بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسينِ (ع) تفرَّعَت عن هذهِ الجاهليَّةِ جاهليَّةُ مَن أنكروا إمامةَ الإمامِ علي زينِ العابدين (ع) واتَّجهوا لتأميمِ غيرِهِ، متجاهلينَ قول الإمام جعفر الصادق (ع): (نحن قومٌ فرضَ اللهُ طاعَتَنا، وأنتم تأتمُّون بمَن لا يَعذُرُ النَّاسَ بجهالَتِهِ)، ودرجَتْ سنَّةُ مخالفةِ الأمرِ الإلهيِّ للإمامةِ واستبدالُهُ بالرأي والإجماعِ والقياسِ والاجتهادِ!! رغمَ أنَّ النَّصَّ كانَ ثابتًا في ذلكَ، فهناكَ أمورٌ لا يمكنُ للمخلوقينَ أن يتدخَّلوا بها، لأنَّها أمرٌ إلهيٌّ وهو القائلُ: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).

فحتى لا تختلطَ الأمورُ على أمَّةِ محمَّدٍ (ص) ويكثرَ المُدَّعون جاءَ النَّصُّ الصَّريحُ بتسميةِ الأئمَّةِ إمامًا بعدَ إمامٍ، وهذا يحمي أتباعَ آل محمَّد (ع) من الخلطِ الذي كان قد ينالُ منهم لو ضاعوا بعدَ الحسنينِ، لأنَّهم حينها سينقسمونَ إلى أتباعِ الحسنِ (ع) وأتباعِ الحسينِ (ع)، بينما ما جرى من ترتيبٍ إلهيٍّ حافظَ على أولويَّةِ الاتِّباعِ للإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهه بدليلِ قولِ الإمامِ محمد الباقر (ع): (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ نصَّبَ عليًّا عَلَمًا بينهُ وبينَ خلقِهِ، فمَنْ عرفَهُ كان مؤمنًا ومن أنكرَهُ كانَ كافرًا ومن جهلَهُ كان ضالاًّ ومن نَصَّبَ معه شيئًا كان مشركًا).

ومن بعدِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ جرتِ الإمامةُ في الإمامِ الحسنِ (ع)، ثمَّ الإمامِ الحسينِ (ع)، ثمَّ التسعةِ من بعدِهِ بدءًا من الإمام زين العابدين (ع) حيثُ وردَ عن الإمام محمد الباقرِ (ع) أنَّه قال: (لما حضرَ الحسينَ ما حضرَهُ، دفعَ وصيَّتَهُ إلى ابنتِهِ فاطمةَ ظاهرةً في كتابٍ مُدرَجٍ، فلمَّا أن كان من أمرِ الحسينِ ما كانَ، دفعَتْ ذلكَ إلى عليِّ بن الحسينِ).

وكلُّ الأحاديثِ التي تحدَّثت عن الأئمَّةِ الإثني عشر (ع) أكَّدت أنَّهم من سلالةِ الإمامِ الحسين (ع) لا من سلالةِ الإمامِ الحسن (ع)، وليسَ الأمرُ تفاضلاً بينهما لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ)، والذي فسَّرَهُ الإمامُ الصَّادقُ (ع) بقوله: (قوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ؛ الحسن والحسين، وقوله: وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ؛ إمامًا تأتمُّونَ به).

ومَن يتساءلُ في قرارةِ نفسِهِ عن الدَّليلِ على النَّصِّ على تسميةِ الأئمَّةِ إمامًا بعدَ إمامٍ نوردُ ما وردَ عن الإمامِ محمد الباقر (ع) أنَّهُ قال لسيِّدنا جابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر أخبرني عن اللَّوحِ الذي رأيتَهُ في يد أمِّي فاطمة (ع) بنتِ رسولِ اللهِ (ص) وما أخبرَتْكَ به أنَّه في ذلكَ اللَّوحِ مكتوبٌ؟ فقال جابر: أشهدُ باللهِ أنِّي دخلتُ على فاطمة (ع) في حياةِ رسولِ الله (ص) فهنَّأتُها بولادةِ الحسين (ع) ورأيتُ في يديها لوحًا أخضرَ، ظننتُ أنَّه من زمرُّدٍ ورأيتُ فيه كتابًا أبيضًا يشبهُ لونَ الشَّمسِ، فقلتُ لها: بأبي وأمي يا ابنةَ رسولِ اللهِ (ص) ما هذا اللَّوحُ؟ فقالت: هذا لوحٌ أهداهُ اللهُ إلى رسولِ اللهِ (ص) فيه اسمُهُ واسمُ عليٍّ واسمُ ابنيَّ واسمُ الأوصياءِ من وِلدي، وأعطانيهِ أبي ليبشِّرَني بذلك. قال جابر: فأعطَتْنِيهِ أمُّكَ فاطمةُ (ع) فقرأتُهُ واستنسختُهُ. فقال له الإمام الباقر (ع): فهل لك يا جابرُ أن تعرضَهُ عليَّ؟ قال: نعم. فمشى معه (ع) إلى منزلِ جابر فأخرجَ صحيفةً من ورقٍ، فقال (ع): يا جابرُ انظرْ في كتابِكَ لأقرأَ أنا عليكَ. فنظرَ جابرُ في نسختِهِ فقرأهُ الإمام الباقر (ع) فما خالفَ حرفٌ حرفًا، فقال جابر: فأشهدُ باللهِ أنِّي هكذا رأيتُهُ في اللَّوحِ مكتوبًا.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ثورة الإمام الحسين في النهج العلوي

ahmad

ثورة الإمام الحسين في النهج العلوي

بقلم الباحث العلوي: د. أحمد أديب أحمد

===========

إن الحكم الفيصل هو معرفة الأئمة ومنهم الإمام الحسين (ع)، وفصل الحكم في معرفتهم هو العصمةُ المرتبطةُ بالأحكامِ الحقيقيةِ للأئمَّةِ.

فللأئمَّةِ- ومنهم الإمام الحسين (ع)- مقامٌ محمودٌ ودرجةٌ ساميةٌ تكوينيَّةٌ. وإنَّ لهم مقامًا لا يبلغُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ حيث قال جبرائيل (ع) كما وردَ في رواياتِ المعراجِ: (لو دَنَوتُ أُنمُلَةً لاحتَرَقْتُ)، وكذلك ورد عن الأئمَّةِ (ع) القول: (إنَّ لنا مع اللهِ حالاتٍ لا يبلغُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ).

فلا شُبهَةَ في ولايَتِهم لِكَونِهِم الواسطةُ في الإيجادِ والسَّببُ في الخلقِ، وهم سَفينةُ النجاةِ ذات المدلولِ العظيمِ على عصمتهم.

وإنَّ تنزيهَنا للأئمةِ والأنبياء والرسل (ع) عن الخطأ والنسـيانِ والضعفِ والعجزِ هو الذي دعا الخصومَ من الخَلْقِ المنكوسِ إلى اتهامِنا بالغلوِّ!! فإذا كان الخصومُ يجيزونَ الضعف والعجز للأئمَّةِ والصلبَ للأنبياء والرسل فنحنُ لا نجيزُ ذلكَ، لأنَّ ذلكَ يتنافى مع العقلِ والدِّينِ، بل نحن نستندُ لقوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ)، وقول الإمام الصادق (ع) حين سـئلَ: الإمامُ يموتُ؟ فقالَ (ع): (المؤمنُ لا يموتُ، والإيمانُ لا يموتُ، فكيفَ يموتُ الإمامُ؟!!)، وفي هذا القولِ ردٌّ كافٍ على مَن خالفَ مبدأ الحقِّ.

لذلك كان الإمام الحسين (ع) يمثل بالنسبة لنهجنا العلوي القائد الرسالي الشرعي المجسِّد لكل القيم الخيرة والأخلاق السامية، فهو صاحب رسالة لا صاحب ملك، وعلى هذا فإن ثورته التي تُوِّجَت بالارتقاء في عاشوراء هي ثورة أخلاق تعليمية عقائدية توحيدية محقة لنا لا ثورة حكم وسلطة.

فعندما نتحدث عن ثورة الإمام الحسين (ع) نتحدث عن ثورة للحق ضد الباطل، وثورة للعدالة ضد الظلم، وثورة للهداية ضد الضلالة، وثورة للتوحيد ضد التشبيه والتعطيل.

فقد واجه الإمام الحسين (ع) المخطّط الباطل المنحرف في الحياة الإسلامية، ورفض الإرهاب المتبع من قبل كلّ القوى الباطلة، ورفض إغداق الأمـوال من القوى الباطلة من أجل شراء الضمائر والذِّمم، وقد تمّ فعلاً شراء بعض الوعّاظ والمحدِّثين الّذين كان لهم دور مفضوح في العمالة لمعاوية وافتراء الأحاديث الكاذبة ونسبتها إلى الرسول (ص) للنيل من الإمام عليّ وأهل بيته (ع)، كما تمّ شراء ضمائر الوجوه الاجتماعية والعشائرية، ولهذا مثلٌ اليوم في سورية (كشراء القرضاوي وأمثاله من الإخوان المسلمين والوهابيين، وكذلك شيعة لندن كالغزي وأمثاله).

كما رفض الإمام الحسين (ع) المضايقة الاقتصادية وأسلوب التجويع من القوى الباطلة للذين يوالوه، وقد كتب يزيد إلى ولاته في جميع الأمصار: (مَن تبيَّنتُم أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه).

كما رفض الإمام الحسين (ع) عمل هذه القوى الباطلة على تمزيق أواصر الأمة الإسلامية بإثارتهم الروح القبليّة والعنصرية، ولهذا مثل في سورية والمنطقة اليوم كمحاولة إثارة الطائفية والعشائرية.

وقد أوضح الإمام الحسين (ع) رفضه لبيعة اللعين يزيد، وبالمقابل بيّن الإمام الحسين (ع) مواصفات القائد الّذي تجب له البيعة في رسالته، ومَن كان بهذه الصفات يرتقي عن مستوى الشهادة الجسمانية، ويرتفع إلى مستوى الحياة الروحانية الأبدية، خالداً منزَّهاً بفكره ومعصوماً بنهجه ومرتفعاً بعظمته إلى أعلى عليِّين.