أرشيف الوسم: الإمام الحسين

السؤال العاشر بعد المئة حول تحطيم جناحي النملة الشيعية

images

السُّؤالُ العاشرُ بعدَ المئةِ: هل قرأتَ كتابَ (جناحا النَّملةِ) للكاتبِ الشِّيعي (عبد الله الجعفري) الذي يتهجَّمُ فيهِ على سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ (ع)؟ وكيفَ نردُّ عليه؟

الجوابُ العاشرُ بعدَ المئةِ بإذن اللهِ:
ما زالَ دأبُ مشائخِ الفِرَقِ الأخرى هو النَّيلُ من فِرقَتِنا العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الخصيبيَّةِ التي لم يُنصِفْها التَّاريخُ ولن يُنصِفَها طالَما هناكَ إجماعٌ من مشائخِ الفِرَقِ الأخرى على تكفيرِها!!
أطَلَّ علينا في الآونةِ الأخيرةِ أحدُ مشائخِ الشِّيعةِ المِهذارِ (عبد اللهِ الجَعفري)، ليحاولَ النَّيلَ منَّا بكتابٍ مسمومٍ أسماهُ (جناحا النَّملة) فيهِ من التَّخبُّطِ والغباءِ الفكريِّ ما يكفي للتَّعبيرِ عن الحقدِ الشِّيعيِّ الدَّفينِ تجاهَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الخصيبيَّةِ التي لم تحملْ يومًا لواءَ العداءِ والتَّكفيرِ لأحدٍ.
لكنَّنا اليومَ مُلزَمونَ بالدِّفاعِ عن نَهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ لأنَّ هذا هو الجهادُ الذي أُمِرنا به في رَدِّ كيدِ الكائدينَ وحقدِ الحاقدينَ وإيضاحِ صورةِ الحقِّ لأهلِ اليقينِ، وإعلاءِ كلمتِهِ تعالى شاءَ مَن شاءَ وأبى مَن أبى.

لقد كتبتُ كثيرًا في هذا الإطارِ، ولكنَّني سأفنِّدُ افتراءاتِ هذا الكاتبِ المِهذار علينا علَّها تُبيِّنُ مدى الحقدِ الذي يحملُهُ لنا أولئكَ في صدورِهم دونَ أيِّ مُبرِّرٍ، حيثُ يتَّهمنا هذا المِهذار بما وقعَ به بنفسِهِ عندما يقولُ مُستَهزِئًا: (أنا على ثقةٍ من علمٍ وتجربةٍ أنَّ هؤلاء النُّصيريَّةِ لا يهتمُّونَ بالشَّواهدِ الصَّريحةِ لأنَّهم رَضِعوا حليبَ التَّأويلِ الفوضويِّ من اليَناعِ!! وهم يُوافقونَ على وصفِ القرآنِ بالإفكِ والأساطير!! ويزوِّرونَ الوقائعَ ويقلبونَ الحقائقَ ويحرِّفونَ الكلامَ!! ويزعمونَ أنَّ ما جرى في عهدِ الرَّسولِ والإمامِ تراجيديا وحبكةٌ تمثيليَّةٌ!! وهم يزعمونَ أنَّ النَّبيَّ مسحورٌ)!!
مَن الذي يُؤَوِّلُ بشكلٍ فوضويِّ وبدونِ شواهدَ صريحةٍ: أنتَ أم نحنُ أيُّها المأبونُ المأفونُ؟
انظرْ إلى روايتكم الـمَحبوكةِ تَمثيليًّا في كتابكم (الأصول السِّتَّةَ عشر): (إنَّ اللهَ ينزلُ في يومِ عرفةَ في أوَّلِ الزَّوالِ إلى الأرضِ على جَمَلٍ أفرَقٍ يُصَالُ بِفَخديهِ أهلَ عرفاتَ يمينًا وشمالاً!!)، وهي غيضٌ من فيَضِ افتراءاتِكم وأساطيرِكُم واشتباهاتِكم. وسأعرضُ ردًّا على كتابِكَ السَّقطِ بعضَ شَواهِدِنا الصَّريحةِ التي تُحَطِّمُ جناحَي النَّملةِ الشِّيعيَّةِ التي اخْتَلَقْتَها في مَزَاعِمِكَ الخبيثةِ الكاذبةِ:

1- يقولُ في معرضِ حديثِهِ مُستهزئًا بها: (هل يجوزُ التَّعاملُ مع التَّوحيدِ على أنَّهُ أوجُهٌ؟ وكلُّ مؤمنٍ يستطيعُ أن يختارَ الوجهَ الذي يُناسِبُ عقلَهُ)!!؟
إنَّهُ يحاولُ أن يُوهِمَ القارئَ أنَّنا لا نعتمدُ على كتابِ اللهِ ولا كلامِ أهلِ العصمةِ!! وأنَّ كلاًّ منَّا يفهمُ التَّوحيدَ كما يحلو له ويناسبُ عقلَهُ!! فما هذا الغباءُ في طَرحِ التُّهمةِ وكأنَّهُ يعيشُ في قفصِ حقدِهِ الأرعَنِ. ألم يسمعْ هذا المخبولُ أنَّ هناكَ وجوهًا عامَّةً وخاصَّةً نأخذُ بها جميعًا لقولِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع): (إنَّ كتابَ اللهِ على أربعةِ وجوهٍ: العبارةُ والإشارةُ واللَّطائفُ والحقائقُ: فالعبارةُ للعَوَامِّ والإشارةُ للخَوَاصِّ واللَّطائفُ للأولياءِ والحقائقُ للأنبياءِ).

2- يقولُ في كتابِهِ مُتَّهِمًا إيَّانا: (هناكَ عليٌّ ظاهرٌ هو علي بن أبي طالب بصفاتِهِ الجسميَّةِ المعروفةِ، وهناكَ عليٌّ باطنٌ هو اللهُ تعالى، وأنَّ عليًّا الظَّاهرَ مجرَّدُ إمامٍ واللهُ هو عليُّ الباطنُ)!!؟
ما هذا الإسفافُ الذي يَتَقَوَّلُهُ هذا المِهذار؟ يخجلُ الأولادُ الصِّغارُ أن يُفكِّروا بهذهِ الطَّريقةِ، ولا يوجدُ علويٌّ نُصيريٌّ خصيبيٌّ على وجهِ الأرضِ يقولُ هذه العباراتِ أو يعتقدُ بها أو يقسمُ ذاتَ اللهِ إلى قسمَينِ (إمامٍ وإلهٍ!!).
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
نحن ندحضُ افتراءَ هؤلاءِ المفترينَ بقولِ رسولِ اللهِ (ص): (كنتُ أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ، يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النورُ ويقدِّسُهُ قبل أن يخلقَ اللهُ آدمَ بألفِ عامٍ)، فالذَّاتُ الإلهيَّةُ لا يكمنُ بداخلِها شيءٌ ولا يخرجُ منها شيءٌ، وهذا التَّبعيضُ لا نؤمنُ به إطلاقًا امتثالاً لقولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (ليسَ في الأشياءِ بوالجٍ ولا عنها بخارجٍ) نفيًا للحلولِ والتَّبعيضِ.
فهناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ إجلالِ وتعظيمِ أميرِ المؤمنينَ الإمام علي (م) لِمَا يمتلكُهُ في وجودِهِ من الصِّفاتِ الكماليَّةِ، وبين تجسيدِ الألوهيَّةِ في جسمٍ بشريٍّ كما يلصقونَ بنا زورًا!! فمَن ذا الذي يقدر أن يبلغُ شأنَ أميرِ المؤمنين الإمام علي (م) وهو الذي قال فيه رسولُ اللهِ (ص): (عليٌّ بابُ علمي، ومبيِّنٌ لأمَّتي ما أُرسِلتُ به من بعدي، حبُّهُ إيمانٌ وبغضُهُ نفاقٌ)، كما قال له (ص): (أنت الصِّدِّيقُ الأكبرُ، وأنتَ الفاروقُ الأعظمُ الذي يفرِّقُ بين الحقِّ والباطلِ)، أفَبَعدَ هذا شكٌّ في المقامِ الرَّفيعِ لأمير المؤمنين الإمام علي (م)!؟
لكن أن نُتَّهمَ بتجسيدِ الألوهيَّةِ في جسمٍ عليٍّ البَشَريَّ فهذا منافٍ للتَّوحيدِ لأنَّنا في نهجِنا العلويِّ لَسنا معطِّلينَ نَنفي وجودَ الإلهِ، ولا مجسِّمينَ نجسِّدُ الإلهَ في جسمٍ، بل موحِّدينَ يَقينًا لقولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (مَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ وَرَجِعَ بنفي فذلكَ معطِّلٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بصورةٍ فذلك مُجسِّمٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بحيرةٍ فذلكَ مُوحِّدٌ).

3- يحاولُ هذا المِهذار أن يَنسُبَ لنا أنَّنا نسعى للتَّرويجِ لوجودِ غلوٌّ محمودٍ، لِنُبَرِّرَ- حسبَ زعمِهِ- غلوَّنا بالإمامِ عليِّ (م) ناسبًا زورًا لسيِّدنا الخصيبيِّ (ع) أنَّهُ قال: (هناكَ غلوٌّ محمودٌ ومذمومٌ)!! وهو يبرِّرُ هذا بأنَّهُ لا يمكنُ تصوُّرُ وجودُ غرورٍ محمودٍ وظلمٍ محمودٍ وفاحشةٍ محمودةٍ وعقوقٍ محمودٍ وسُحتٍ محمودٍ وشركٍ محمود!!
يبدو أنَّ حقدَهُ لم يُنقِذْهُ من الغرقِ في أوهامٍ اختلَقَها لِيَرُدَّ عليها، فهل من عاقلٍ علويٍّ نُصيريٍّ خصيبيٍّ يعتقدُ بوجودِ فاحشةٍ محمودةٍ أو عقوقٍ محمودٍ أو سُحتٍ محمودٍ أو شركٍ محمودٍ حتَّى يكونَ هناكَ غلوٌّ محمودٌ!!؟
إنَّ هذا المِهذار يحاولُ أن يُبرِّرَ الغلوَّ المحمودَ بتفسيرِهِ الواهي لقولِ مولانا الإمامِ علي (م): (هَلَكَ فيَّ رجلان: مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ) ليقولَ في تفسيرِهِ السَّخيفِ: (الغلوُّ المحمودُ هو المبالَغَةُ في حبِّ أميرِ المؤمنينَ، والمذمومُ بمعنى التأليهِ)!!
ويتَّضِحُ غلوُّ الشِّيعةِ في الإمامِ علي (م) من خلال قولِ المِهذار عبد الله الجعفري نفسِهِ: (إنَّ الإمامَ علي له قَدْرٌ، وهذا القدرُ هو حدودُ البشريَّةِ من ولادةٍ ونموٍّ وزيادةٍ ونُقصانٍ ومرضٍ وشهوةٍ وحاجةٍ للغذاءِ وحاجةٍ لإطراحِ الفَضَلاتِ ثمَّ الموتِ أخيرًا!! كلُّ هذا عَرَضَ للإمامِ حقيقةً كما يعرضُ لنا تمامًا)!!
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
كم هو غَريبٌ أن نُتَّهمَ كعلويِّينَ نُصيريِّينَ بالغُلُوِّ لإقرارِنا بما جاءَ في كتابِ اللهِ من عصمةٍ مطلقةٍ تكوينيَّةٍ للأنبياءِ والرُّسلِ، في الوقتِ الذي يَتَسابقُ فيه كثيرٌ من علماءِ الشِّيعةِ لتطبيقِ مفاهيمِ الغلوِّ الحقيقيِّ في معتقداتِهم بقصدَ حَصرَ الإمام عليٍّ (م) بالحدودِ البشريَّةِ القاصِرَةِ الضَّعيفةِ. فَمِنْ مَصَاديقِ الغلوِّ أن يجعلوا الأنبياءَ والرُّسُلَ والأئمَّةَ والبشرَ شركاءَ للهِ في كلِّ شيءٍ ثم يُفرِّطوا بهم إلى درجةِ البشريَّةِ المساويةِ لنا، وكأنَّ اللهَ تعالى حَلَّ فيهم أو اتَّحَدَ بهم لِحِينٍ ثم أعادَهم إلى بشريَّتِهم بازدواجيَّةٍ فكريَّةٍ وانفصامٍ اعتقاديٍّ غريبٍ، وهذا ما لا يمكن أن يَتَفَوَّهَ به المسلمُ العلويُّ النُّصيريُّ قطُّ..
كلُّ هذا الانحرافِ والغلوِّ الذي اتَّصفَ به كثيرٌ من أصحابِ هذه المغالاةِ جعلَهم يُمَوِّهُونَ أنفسَهم بالافتراءِ علينا وَمُحارَبَتِنا في الماضي والحاضر، لأنَّنا رَفَضْنا أن نُسايرَهم أو نُسَاوِمَهم على عقيدةِ الإسلامِ الحقَّةِ وَعِصْمَةِ الأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسُلِ (ع) فقط دونَ غيرهم.
نحنُ- كعلويِّينَ نُصيريِّينَ- لا يُمكننا أن نُقيِّمَ الإمامَ علي (م) من هذه المناظيرِ التي تسلبُهُ حقَّهُ، لأنَّنا نعتمدُ على النَّصِّ الذي كرَّمَهُ وأعطاهُ المقامَ الذي يجبُ أن نعرفَهُ فيه، فهو الوليُّ في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ). وهو الإمام المُبينُ في قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقولِهِ: (إنَّ عليًّا الإمام الذي أحصى اللهُ تباركَ وتعالى فيهِ علمَ كلِّ شيءٍ). وهو الكتابُ في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقولِهِ: (الكتابُ أميرُ المؤمنينَ لا شَكَّ فيهِ هدًى للمتَّقين). وهو بابُ مدينةِ العلمِ التي لا يُؤتى إليها إلاَّ من البابِ في قولِ رسولِ اللهِ (ص): (أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها). وهو ميزانُ الحقِّ الذي حدَّدُ رسولُ اللهِ (ص) بقوله: (عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ يَدورُ مَعَهُ حيثُما دارَ). وهو الذي كانَ محمَّدٌ (ص) الأقربَ إليهِ بقوله (ص): (أنا من عليٍّ وعليٌّ منِّي، وعليٌّ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بَعدي). ومع ذلكَ فلا يَســتوي مع الرَّســولِ (ص) في درجةٍ واحدةٍ أو مقامٍ واحدٍ، فـمقامُـهُ من محمَّد (ص) كمقامِ شمعون الصَّفا (م) من المسيح (ع) الذي قال له: (أنتَ الصَّخرةُ وعليكَ أَبني كَنيستي). ومَن كان بهذه الصِّفاتِ الاستثنائيَّةِ لا يمكنُ أن يكونَ مساويًا لبقيَّةِ البشرِ بل هو نورٌ لقول رسول اللهِ (ص) المُسنَدِ لسلمان الفارسي (ع) الذي قال: (سمعتُ حبيبي محمَّد يقول: كنت أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النُّورُ ويقدِّسُهُ قبلَ أن يخلقَ آدمَ بأربعةَ عشرَ ألف عامٍ، فلمَّا خلقَ آدمَ أودَعَ ذلكَ النُّورَ في صُلبِهِ، فلم يزلْ أنا وعلي في شيءٍ واحدٍ حتى افترقنا في صلبِ عبدِ المطَّلبِ، ففيَّ النُّبوَّةُ وفي عليٍّ الإمامةُ).

4- يستنكرُ علينا هذا المِهذار قولَنا بعصمةِ الأنبياءِ التَّكوينيَّةِ مُحتجًّا بقولهِ تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) قائلاً: (إنَّ هذا القولَ صريحٌ في المعصيةِ والغوايةِ الـمُستَتبَعَةِ عنها!! وإنَّ يوسفَ ليس إلاَّ رجلاً في دمِهِ هرمونُ الذُّكورَةِ كما هو شأنُ سائرِ الرِّجالِ!!)، فيا وَيحَهُ ما أقذّرَ تفكيرَهُ.
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
إنَّ نبيَّنا آدمَ الجليلَ المعصومَ (ع) لا يخطئُ ولا يعصي ربَّهُ وهو الذي سجدَتْ له الملائكةُ سجودَ طاعةٍ لأنَّهُ أعلى منها قَدْرًا ورتبةً، وهو المذكور في قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، وقوله: (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ). أمَّا آدمُ العاصي الذَّميمُ (لع) فهو الذي عَصَى رَبَّهُ وتَجبَّرَ وتكبَّرَ واتَّبعَ الشَّيطانَ، وهو المذكورُ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).
أمَّا فيما يتعلَّقُ بمولانا الوصيِّ يوسف (م) فاللهُ تعالى رَفَعَهُ عمَّا يقولُ الـمُغالونَ الـمُسقِطونَ لقَدْرِهِ إلى بشريَّتِهم الجسمانيَّةِ فقال تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، ولم يقلْ: رجولةً وفحولةً!! والدليل على رفعَتِهِ وولايَتِهِ التَّكوينيَّةِ قولُ نسوَةِ مصر: (حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) ليأتي هذا المِهذارُ فيزعمَ بجهلِهِ أنَّهُ رجلٌ كسائرِ الرِّجالِ!!

5- يَتوهُ هذا المِهذار في معرضِ كتابِهِ فيقعُ في شَرِّ أفكارِهِ عندما يتساءَلُ أيُّهما أسبَقُ في الوجودِ؟ فيُجيبُ نفسَهُ بقولِهِ الـمَفتونِ: (البشريَّةُ قبلَ النُّورانيَّةِ والجسدُ قبلَ الرُّوحِ!!)، مُؤَوِّلاً حسبَ رأيهِ السَّخيفِ قوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)!!
ما هذا الغباءُ الـمُستَفحِلُ في نفسِهِ الخبيثةِ؟
كيفَ يقولُ أنَّ البشريَّةَ قبلَ النُّورانيَّةِ واللهُ تعالى قد أكَّدَ وجودَ النُّورانيَّةِ- وهي عالمُ الملائكةِ- قبلَ البشرِيَّةِ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ)؟ ألم يقرأ قولَ رسولِ اللهِ (ص): (أوَّلُ ما خُلِقَ نُورِي، ثم فُتقَتْ منهُ أنوارُ أهلِ بيتي، فلم نَزَلْ نتردَّدُ في النُّورِ حتَّى وصَلْنا حجابَ العظمةِ في ثمانينَ ألفِ سنةٍ، ثم خلقَ الظِّلالَ من أنوارِنا)؟ أَلَمْ يقرأَ أنَّ رسولَ اللهِ (ص) كانَ قبلَ أن يخلقَ اللهُ آدمَ (ع) بدليلِ قوله (ص): (كنتُ أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ، يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النورُ ويقدِّسُهُ قبل أن يخلقَ اللهُ آدمَ بألفِ عامٍ)؟
وكيفَ يزعمُ أنَّ الجسدَ قبلَ الرُّوحِ وقد أوضحَ تعالى أنَّ الرُّوحَ أسبقُ في قوله: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، وقوله سبحانه في سورة مريم: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)؟ ألم يقرأ قولَ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (خَلَقَ اللهُ الرُّوحَ بلا بَدَنٍ)؟ هل يُدرِكُ هذا الـمُشرِكُ الرُّوحَ كما يُدرِكُ الجسدَ مخالفًا قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)؟

6- يفتري علينا هذا المِهذار حينَ يقول: (إنَّ هؤلاء النُّصيريَّةِ يُشبهونَ الوهَّابيَّةَ في معتقداتِهم)!!
سنثبتُ بالشَّواهدِ والأدلَّةِ ما يُثبِتُ التقاءَ الشِّيعةِ مع الوهابيَّةِ في عددٍ من النَّقاطِ:
إنَّ تَجسيمَ الإلهِ عندَ ابن تيميَّة في أقوالِهِ الـمَشبوهَةِ: (إنَّ اللهَ يجلسُ على العرشِ، وقد أخلى مكانًا يَقعدُ فيه معهُ رسولُ اللهِ… إنَّ محمَّدًا يُجلِسُهُ ربُّهُ على العرشِ معهُ… إذا جلسَ اللهُ على الكرسيِّ سُمِعَ له أطيطٌ كأطيطِ الرَّحلِ الجديدِ!!)، وعندَ تلميذِهِ ابنِ القيِّمِ الجوزيَّة في قولِهِ الـمَشبوهِ: (إن اللهَ يُجْلِسُ رسولَهُ معهُ على العرشِ.. ولا تُنكِرُوا أنَّهُ قاعدٌ ولا تُنكِرُوا أنه يُقعِدُهُ!!)، يتوافقُ مع تَجسيمِ الإلهِ عندَ الشِّيعةِ في كُتُبِهم المأثورةِ، كأقوالِ ميرزا محمَّد تقي الـمَشبوهِ: (إنَّ اللهَ تعالى يَزورُ الحسينَ ويُصافِحُهُ ويقعدُ معهُ على سريرٍ… يَزورُهم الرَّبُّ تعالى ويُصافِحُهم ويَقعدونَ معه على سريرٍ واحدٍ لاتِّحَادِ حُكْمِ العبوديَّةِ مع حُكْمِ الرُّبوبيَّةِ!!)، وقولِ صدرِ الدِّين الشِّيرازي الـمَشبوهِ: (النَّارُ لا تزالُ متألِّمَةً لِمَا فيها من النَّقصِ وعدمِ الامتلاءِ حتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ قَدَمَهُ فيها، وهي إحدى تينكَ القدمَين المَذكورَتَين في الكرسيِّ!!)، وقولِ الطباطبائي الـمَشبوهِ: (إنَّ اللهَ وَضَعَ القدمَ على النَّارِ!!).
نحنُ نردُّ عليهم بقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) الصَّريحِ بقوله: (إنَّ الغُلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، وبقولِ سيِّدنا الخصيبيِّ (ع) في مواجهةِ شُبهَةِ التَّجسيمِ: (وَلا تَجَسَّمَ في جِسمٍ أحاطَ بِهِ… جَلَّ المُهَيمِنُ عَن تَحديدِ ذي حَدَدِ)، فاللهُ تعالى لا يمكنُ أن يكونَ جسمًا لقول الإمام الصَّادق (ع): (إنَّ الجسمَ مَحدودٌ مُتَنَاهٍ، وهو مُجَسِّمُ الأجسامِ).
إلاَّ أنَّ الخلافَ الوحيدَ بين الوهابيَّةِ والشِّيعةِ هو على الرَّبِّ الذي يتوجَّهونَ إليهِ بالعبادةِ، فابنُ تيميَّةَ ومَن تَبِعَهُ من الوهَّابيَّةِ كانوا على مذهبِ الفرقةِ اليزيديَّةِ الـمُغالِيَةِ برَبِّهم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (لع) الذي أشارَ إليه ابنُ تيميَّةَ بقولِهِ المَشبوهِ: (إنَّ النَّبيَّ يذكرُ أنَّهُ رأى ربَّهُ في صورةِ شابٍّ مُوفرٍ رِجلاهُ في خضرٍ علَيه نَعْلانِ مِن ذهب على وجْهِهِ فِراشٌ مِن ذهَب).
في الوقتِ الذي خالَفَهم دُعاةُ المذهبِ الشِّيعيِّ الذينَ زَعَموا أنَّ الإمامَ الحسينَ (ع) يملكُ طَبيعَتِينِ: الأولى نورانيَّةٌ قبلَ الخلقِ عندما يَرفعونَه إلى مقامِ صاحبِ الملكوتِ الأعلى، والثَّانيةُ بشريَّةٌ بعدَ الخلقِ عندما يُخضِعونَهُ لطبيعةٍ بشـــريَّةٍ ضعيفةٍ تجعلُهُ واقعًا تحتَ الذَّبحِ كما أوقعَ النَّصــارى سيِّدنا المسيحَ (ع) تحتَ الصَّلبِ، وهذا طعنٌ بِعِصـمَتِهما، وعليهم وَقَعَ قولُ رسولِ اللهِ (ص): (ما عَرَفَ اللهَ مَن شبَّهَهُ بالخَلقِ، ولا وحَّدَهُ مَن نَسَبَ إليهِ ذنوبَ العبادِ).
ولذلكَ فإنَّنا- كعلويِّينَ نُصيريِّينَ خصيبيِّينَ- عندما نقولُ: (لَسنا فرعًا من الشِّيعةِ) لا نقصدُ أنَّنا غيرُ موالينَ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) كما يُحَوِّرُ كلامَنا بعضُ المِهذارينَ والـمُقَصِّرينَ، بل نقصدُ أنَّنا لسنا على المذهبِ الشِّيعيِّ الـمُبتَدَعِ، وقد فرَّق سيِّدُنا الخَصيبيُّ (ع) بيننا وبينهم فقال: (فَلَشَتَّانَ بينَ مَن عَرَفَ الحَقَّ.. ومَن كانَ جَاهِلاً بالأمورِ)، فالجاهلونَ بالأمورِ هُم الشِّيعةُ الـمُقَصِّرَةُ الذين ذكرَهُم بقوله: (وَبَاكٍ يَبكِي على رَبِّهِ.. لَسْتُ بحَمْدِ اللهِ مِن حِزْبهِ.. يَبكِي على الـمَقتولِ في كَرْبَلا.. لا خَفَّفَ الرَّحْمَنُ عن كَربِهِ.. مُعتَذِرًا من سُوءِ أفعَالِهِ.. وَعُذرُهُ أعظمُ من ذَنبِهِ).

وبالنتيجةِ: هل يكونُ المِهذار عبد الله الجعفري إلاَّ كأسلافِهِ من أمثالِ القمِّيِّ والطُّوسيِّ والكشِّيِّ والحلِّيِّ والشَّهرستاني والأشعريِّ والنَّجاشيِّ والطبريِّ والنُّوبختيِّ وابن الغضائريِّ والمفيدِ وأقرانِهَ اليومَ من أمثالِ عبد الحليمِ الغِزِّيِّ وياسر الحبيب وكمالِ الحيدريِّ وياسر العودة وعلي الكوراني العامليِّ وأحمد فوزي الـمٌلقَّبِ بالإمامي أسألُ اللهَ أن يُبرِّئنا منكم إلى يومِ القيامةِ والدِّينِ.

وفي الختامِ لا يَسَعُني إلاَّ القولُ:
عندما ينظرُ الجاهلُ إلى جوهرةٍ يستخفُّ بها لأنَّ عقلَهُ لا يحملُها، ويبدأ بانتقادِ إشعاعِها لأنَّهُ لا يستطيعُ أن يُقَدِّرَهُ فيزعمُ أنَّهُ يُحرِقُ العَينَينِ.

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السادس بعد المئة حول الحشوية والمقصرة

images

السُّؤالُ السَّادسُ بعدَ المِئَةِ: هل مِنَ الـمُمكِنِ تَوضيحُ معنى كلٍّ مِن: الحشويَّةِ والمُقَصِّرَةِ؟

الجوابُ السَّادسُ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
(الحَشَوِيُّ) في اللُّغةِ هو الذي يُكثِرُ الحشوَ في كلامِهِ، فالحَشو من الكلامِ هو الكلامُ الزَّائدُ الذي لا فائدةَ منه ولا فَضْلَ فيهِ.
و(الحشويَّةُ) في اللغةِ هُمْ طَائفةٌ تَمَسَّكوا بالظَّواهرِ وذَهَبُوا إلى التَّجسيمِ وغيرِهِ.
أمَّا في الاصطلاحِ نقول: إنَّ (الحَشَوِيَّةُ) هُم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ الذينَ حَشَوا أفكارَهم بعلمِ الظَّاهرِ الشَّرعيِّ المَحْضِ، وقد وردَ في تفسيراتِ الإمامِ الصَّادق (ع) أنَّ مَن أقَامَ الظَّواهِرَ مُعتَقِدًا ومُتَدَيِّنًا بها وأهمَلَ الحقائقَ جاهلاً بها فهو حَشَوِيٌّ، ومَنْ أهمَلَ الظَّواهِرَ خارِقًا للتَّقيَّةِ حتَّى لو أقامَ الحقائقَ اعتقادًا فهو مُتَّهَمٌ بالإلحادِ بِنَظَرِ الجَهلَةِ والعامَّةِ، وأمَّا مَنِ استَعْمَلَ الظَّواهِرَ تقيَّةً وعَرَفَ الحقائقَ اعتقادًا فهو مؤمنٌ حَقًّا.
أمَّا بالنسبةِ لمعنى (الـمُقَصِّرَةُ)، فإنَّهُ يُقال: قَصَّرَ عن الأمرِ: أي تَرَكَهُ وهو لا يَقدِرُ عليهِ، ويُقال: قَصَّرَ في الأمرِ: أي تهاونَ فيه.
فكلمةُ (الـمُقَصِّرَةِ) في اللغةِ تعني الـمُتَهاوِنُون، وهؤلاءِ يَميلُونَ إلى ظَوَاهِرِ الأمورِ لِكَثافَتِهم وقساوَةِ قُلوبِهم، فَهُم يَعدِلُونَ إلى ظَوَاهِرِ الأمورِ ويَتَجَنَّبونَ بَوَاطِنَها لأنَّ أفهامَهُم وعُقولَهم لا تُطيقُ البَوَاطِنَ ولا تَصْطَبِرُ عليها، إذْ إنَّ رَونَقَ الظَّواهرِ يَدعو الأسماعَ إليهِ، وعُمْقَ البَوَاطِنِ يَحُثُّ الأفهامَ إليه، والنَّاسُ كُلُّهُم سَامعونَ، وليسَ فيهم مِن الفَهْمِ إلاَّ قليلٌ، فكُلُّ ذي سَمعٍ إلى رَونَقِ الظَّواهرِ يَميلُ، وكلُّ ذي فَهمٍ إلى عَميقِ البَوَاطِنِ يَسيرُ، واللهُ تَعَالى يقولُ مُنَبِّهًا لأهلِ العقولِ ومُؤَيِّدًا لِذَوي الألبابِ وأهلِ التَّحصيلِ في قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
أمَّا في الاصطلاحِ فإنَّ كلمةَ (الـمُقَصِّرَةُ) تَدُلُّ على الشِّيعةِ الذينَ وَالَوا أهلَ البيتِ لكنَّهم قَصَّروا في معرفتِهم وتَهاوَنوا فيها، وتَرَكوا الارتقاءَ في هذه المعرفةِ، فأسقَطوا عنهم العصمةَ التَّكوينيَّةَ الخاصَّةَ بهم، لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) لسيِّدنا المفضَّل بن عمر (ع) كما وردَ في كتابِ الهدايةِ الكبرى: (الـمُقَصِّرَةُ هُمُ الذين هَدَاهُمُ اللهُ إلى فَضْلِ عِلْمِنا وأَفْضَى إليهم سِرَّنَا فَشَكُّوا فِينا وأنكَرُوا فَضْلَنا وقالوا: لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيُعطِيَهُم سُلطانَهُ وَمَعرِفَتَهُ).
أمَّا (الـمُرتَفِعَةُ) فَهُم غلاةُ الشِّيعةِ الذينَ ارتفَعوا عن التَّقصيرِ وزَعَمُوا أنَّ الإمامَ الحسين (ع) هو الخالقُ، وليسَ بينَهُ وبينَ اللهِ واسطَةٌ ولا فاصلَةٌ ولا رسولٌ، وأنَّ عِلْمَ النَّبيِّ (ص) من اللهِ وَحيٌ على يَدِ جبرائيلَ (ع)، أمَّا الإمامُ الحسين (ع) فَيَعلَمُ ذلكَ كلَّهُ بلا وَحيٍ ولا وَاسطَةٍ لأنَّ قلبَ الإمامِ وَكْرٌ لإرادةِ اللهِ، فَمَا شاءَ اللهُ شاءَ الإمامُ بغيرِ أَمرٍ ولا وَحي ولا خِطابٍ، وقد أشارَ إليهم الإمامُ الصَّادقُ (ع) لسيِّدنا المفضَّل بن عمر (ع) كما وردَ في كتابِ الهدايةِ الكبرى: (أمَّا الـمُرتَفِعَةُ فَهُم الذين يَرتَفِعُونَ بِمَحَبَّتِنا وَوِلايَتِنا أهلَ البيتِ ويُظهِرُونَنا بغَيرِ الحقيقةِ، وليسَ هُم مِنَّا في شَيءٍ، أولئكَ يُعَذَّبونَ بعَذَابِ الأمَمِ الطَّاغِيَةِ حتَّى لا يَبقَى نوعٌ من العذابِ إلاَّ عُذِّبُوا بِهِ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السابع والثمانون حول علاقة حزن يعقوب ببكاء الشيعة

images

السُّؤال السَّابعُ والثَّمانون: إنَّ الشِّيعة يحتجُّونَ أنَّ بكاءَهم على الحسينِ (ع) اقتداءٌ ببكاءِ يعقوبَ (ع) على يوسفَ (ع)، فهل مِن رابطٍ بينهما؟

 

الجوابُ السَّابعُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

هذا من الخلطِ والقياسِ الذي وقعَ بهِ الشِّيعةُ لتبريرِ وتغطيةِ تقصيرِهم بحقِّ الإمامِ الحسينِ (ع)، فلا يجوزُ اختلاقُ حوادثَ لم يردْ ذِكرُها في القرآنِ الكريمِ بشكلٍ صريحٍ، فهل وردَ في القرآنِ الكريمِ أنَّ سيِّدنا يعقوبَ (ع) بكى على مولانا يوسف (ع)؟

إنَّ الآياتِ التي وردَتْ في هذا الموضوع حينَ أتَوا بخبرِ الذِّئبِ هي ردُّ سيِّدنا يعقوب (ع) بقوله تعالى: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)، فلم يكنْ فِعلُهُ بكاءً بل صبرًا ورضى بقضاءِ اللهِ وأمرِهِ سبحانه.

وما كانَ اللهُ ليتركَ نبيَّهُ عرضَةً للبكاءِ والنَّحيبِ، لأنَّ النَّبيَّ يوحي إليهِ اللهُ بما لا يعلمُهُ مَن هو أدنى منه درجةً، ومن سياقِ آياتِ القرآنِ الكريمِ نجدُ أنَّ سيِّدنا يعقوبَ (ع) كانَ يعلمُ بوجودِ مولانا يوسفَ (ع)، وهذه هي التي عبَرَ عنها القرآنُ الكريمُ بأنَّها الحاجةُ في نفسِ يعقوب، ولكنَّهُ كانَ ينتظرُ الأمرَ الإلهيَّ بلقائِهِ، ولذلكَ جاءَ قوله تعالى: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ) فهذه كانت وصيَّتُهُ لهم، وفيها الكثيرُ من الإشاراتِ التَّوحيديَّةِ الدَّالةِ على أنَّ الآياتِ والسِّماتِ والتَّجلِّياتِ لو تعدَّدَتْ وتنوَّعتْ فإنَّ المَقْصَدَ هو الحقُّ تعالى، لذلك قال تعالى: (وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)، وهذه دعوةٌ نبويَّةٌ للتَّوحيدِ العلويِّ المتمثِّلِ بإثباتِ الـمَشاهِدِ أوَّلاً، وإفراد ذاتِ الحقِّ عن السِّماتِ الـمَشهودَةِ ثانيًا لأنَّها عائدةٌ إلى الشَّاهدينَ، وذاتُ الحقِّ أجلُّ وأعلى مما تَشهَدُهُ الأبصارُ والبصائرُ لقوله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)، وقولِ رسولِ اللهِ (ص): (كلُّ ما خطرَ ببالكَ فاللهُ غيرُهُ).

وتحقَّقتْ نبوءةُ سيِّدنا يعقوب (ع) وهي الحاجةُ الـمَقضِيَّةُ في قوله تعالى: (وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)، فاللهُ عزَّ وجلَّ قَضَى حاجةَ سيِّدنا يعقوبَ (ع) أي أظهرَ صدقَ نبوءَتِهِ بوجودِ مولانا يوسفَ (ع) من خلالِ هذا الأمرِ بالدُّخولِ من أبوابٍ متفرِّقةٍ في قوله تعالى: (وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، فلو أنَّهم دخلوا معًا لَمَا حصلَ هذا الأمر، ولكنَّ دخولَ سيِّدنا بنيامين (ع) من بابٍ لوحدِهِ كانَ سببًا لإيواءِ مولانا يوسفَ (ع) له وإخبارِهِ عن نفسِهِ، وهنا قُضِيَتْ حاجةُ سيِّدنا يعقوبُ (ع) وتحقَّقتْ نبوءَتُهُ، وهذا أكبرُ دليلِ على معرفتِهِ التي أوحاها اللهُ إليهِ، فلماذا البكاءُ الذي تصوِّرُهُ الشِّيعةُ نحيبًا على فقدِ مولانا يوسفَ (ع) حتَّى يصلَ إلى الاعتراضِ على أمرِ اللهِ سبحانَهُ معاذَ الله؟

حتَّى أنَّ الآيةَ التي يحتجُّونَ بها لم تَذْكُرِ البكاءَ إنَّما هي قوله تعالى: (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، فأسَفُ سيِّدنا يعقوب (ع) هوَ استكانةٌ وإظهارٌ لخضوعِهِ لأمرِ اللهِ وعجزِهِ مع أنَّهُ يعلمُ بالوحي أمرَ وجودِ مولانا يوسفَ (ع)، بدليلِ قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، إلاَّ أنَّهُ مأمورٌ بالصَّمتِ الممثولِ ببياضِ العينينِ وهذا دلالةٌ على ارتقائهِ لأنَّ في بياضِهِما إشارة إلى اكتمالِ معرفتِهِ بربِّهِ، فلمَّا عرفَ ربَّهُ كَتَمَ أسرارَ الحزنِ الذي أظهرَهُ؛ أي كتمَ أمرَهُ تقيَّةً وهو قوله: (فَهُوَ كَظِيمٌ) أي مُتَّقٍ، إلى أنْ يشاءَ اللهُ فيُظهِرَ أمرَهُ، وإظهارُ الأمرِ كان في قوله تعالى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، وكانت دلالةُ صدقِ نبوءَتِهِ بعودِةِ البصرِ إليهِ في قوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً)، وهو إشهارُ معرفةِ الحقِّ التي كانت مكتومةً فظهرتْ بالأمرِ الإلهي: (فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وقد ذكرنا في إجابةٍ سابقةٍ أنَّ غيابَ مولانا يوسف (ع) عن عَينَي سيِّدنا يعقوبَ (ع) عُبِّرَ عنه بالعمى، أمَّا القميصُ فكانَ مثالَ التَّجلي الذي إذا أُلقِيَ على وَجْهِ سيِّدنا يعقوب (ع) أصبحَ بصيرًا، فالعَمَى والإبصارُ صِفَتَانِ لسيِّدنا يعقوب (ع).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال السادس والثمانون حول عدم البكاء على الحسين

images

السُّؤال السَّادسُ والثَّمانون: هل يبكي العلويُّونَ على الحسينِ كما يَفعَلُ الشِّيعةُ في أيَّامِ عاشوراءَ؟

 

الجوابُ السَّادسُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

حقيقةُ التَّوحيدِ عندَنا كعلويِّينَ هي الإخلاصُ للإمامةِ كَغَايةٍ، والتَّمسُّكُ بالرِّسالةِ كَطَريقةٍ، فعندما نتحدَّثُ عن الإمامةِ، نتحدَّثُ عن مقامٍ غيرِ الرِّسالةِ، نتحدَّثُ عن مقامٍ أعلى منها، ولكنَّ الشِّيعةَ ساوَت الإمامةَ مع الرِّسالةِ فأخطأتْ، والسُّنَّةَ جعلَتِ الإمامةَ أدنى من الرِّسالةِ فأخطأتْ.

والنَّبيُّ يُعلِنُ للخلقِ مقامَ الإمامةِ كما فعلَ سيِّدُنا محمَّد (ص) عندَ إعلانِهِ إمامةَ سيِّدِ الوصيِّينَ وأميرِ المؤمنينَ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في قوله له: (أنتَ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بَعدِي)، وقوله في حديثِ الغديرِ مشهورٌ وكافٍ لتَكتملَ رسالتُهُ، لأنَّهُ (ص) قال: (أنا الـمُنذِرُ وعليُّ الهادي، وبكَ يا عليُّ يَهتَدِي الـمُهتَدونَ مِن بَعدي).

والإمامةُ تتطلَّبُ شروطاً أهمُّها العصمةُ، بدليلِ قوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، هذهِ العصمةُ حقيقةٌ موجودةٌ عند كلِّ الأئمَّةِ (ع)، وقد ورد عن الإمام الجوَّادِ (ع) قوله: (أَمَا عَلِمْتُم أنَّ أهلَ هذا البيتِ لَيسُوا خَلْقًا من هذا الخَلْقِ، أَمَا عَلِمْتُم أنَّ رسولَ اللهِ بَايَعَ الحسنَ والحسينَ وَهُما صَبيَّانِ).

كما وردَ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاس أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ (ص) يقولُ عن نفسِهِ وعن الحسنِ والحسينِ والتِّسعَةِ من بَعدِ الحسينِ أنَّهم (مُطَهَّرونَ مَعصومونَ)، فَحَقَّتِ الإمامةُ للحسنِ والحسينِ (ع) كما صَحَّت لِمَن أتَى بَعدَهُما من الأئمَّةِ حيثُ قالَ أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لهما: (أنتُما سَيِّدَا شبابِ أهلِ الجنَّةِ، إمامانِ معصومانِ حَفِظَكُما اللهُ ولعنةُ اللهِ على مَن عَادَاكُما).

والسؤالُ الذي نطَرَحَهُ هنا: كيف تمَّ عند الشِّيعةِ الربطُ بين ضعف وعجز الأئمَّةِ وعِصمَتِهم؟

لقد أخطأت الشِّيعةُ عندما اعتقدَتْ أنَّ الإمامَ يمكنُ أن يُحِسَّ بما يُحِسُّ به البشـرُ، وَيُعاني ما يُعانيهِ البشـرُ، ويَتألَّمُ لِمَا يَتألَّمُ منه البشـرُ، فَوَصلَتْ إلى نَتيجةِ أنَّ للأئمَّةِ خصائصُ جسميَّةٌ بشـريَّةٌ، وأنَّ الأئمَّةَ يعيشونَ نقاطَ الضَّعفِ البشـريِّ!! وأنَّ هناكَ نقصًا تكوينيًّا في الشَّخصيَّةِ الإماميَّة!!

إنَّ الإمامَ هو كلُّ مَن ائتَمَّ به القوم واقتَدوا بقولِهِ وفعلِهِ، فهو يعني المثالَ والقدوةَ والمقصودَ، وهكذا نرى كعلويينَ الإمامَ الحسينَ (ع) قائدًا مُجسِّدًا لكلِّ القِيَمِ الخيِّرَةِ والأخلاقِ السَّاميةِ، ممثِّلاً للحقِّ ضِدَّ الباطلِ، وللعدالةِ ضدَّ الظُّلمِ، وللهدايةِ ضدَّ الضَّلالةِ، وللتَّوحيدِ ضدَّ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ.

ونحنُ لا نغالي به كما فعلَتِ الشِّيعةُ، فالشِّيعةُ غالَتْ بالإمامِ الحسين (ع) كم غالَتِ النَّصارى بسيِّدنا المسيح (ع) عندما أفرطوا بتسليمِهمْ له ورفعوهُ إلى درجةٍ عظيمةٍ، ثمَّ ناقَضوا أنفسَهم وفرَّطوا به، واللهُ تعالى يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً)، ولهذا قالَ سيِّدنا المسيح (ع): (ملعونٌ كلُّ مَن مَاتَ مُعَلَّقًا على خَشَبَةٍ)، لنفي أن يكونَ هو المصلوبُ. فنحنُ لا نبكي على الإمامِ الحسينَ (ع) لأنَّ اللهَ- بمعتَقَدِنا العلويِّ- رَفَعَهُ إليهِ كما رفعَ عيسى (ع) إليهِ بالحجَّةِ الواضحةِ البيِّنةِ، ولكنَّ الشِّيعةَ اقتدوا بالمنكرينَ لِرَفعِ عيسى (ع) إلى اللهِ، ولم يَقبلوا برفعِ الحسينِ (ع) إليهِ، ولهذا يبكونَ عليهِ ويلطمونَ أنفسَهم في عاشوراء.

وهذا يعني أنَّ فكرَنا العلويَّ اقتضَى أن نرتقي في التماسِ الدُّروسِ من الأئمَّةِ (ع)، ومنهم الإمامُ الحسينُ (ع) الذي تميَّزَتْ خطبُهُ بالدَّعوةِ إلى عبادةِ اللهِ حقَّ عِبَادَتِهِ، هذهِ العبادةُ تتطلَّبُ صِحَّةً في العقيدةِ التَّوحيديَّةِ، وهو الأمرُ الذي أكَّدَ عليهِ الإمامُ الحسين (ع) مِرارًا وتكرارًا، فقد كان لَهُ دورٌ بارزٌ في محاربةِ أصحابِ العقيدةِ الـمُشبِّهَةِ الـمُشركَةِ، والذين سُمُّوا بالمارقينَ، فقال (ع): (أيَّها النَّاسُ اتَّقُوا المارِقَةَ الذين يُشبِّهونَ اللهَ بأنفُسِهم، يُضَاهِئُونَ قولَ الذين كَفَرُوا من أهلِ الكتابِ، بل هُوَ اللهُ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

وتابعَ الإمامُ الحسين (ع) على نهجِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في توحيدِ الباري، إذ أثبتَ وجودَ اللهِ لِخَلقِهِ في قوله: (هوَ في الأشياءِ كائِنٌ لا كَينونَةَ مَحظورٍ بها عَليهِ، ومن الأشياءِ بائنٌ لا بينونةَ غائبٍ عنها)، وأقامَ ميزانَ الحقِّ في قوله: (احتَجَبَ عن العقولِ كما احتَجَبَ عن الأبصارِ، وَعَمَّنْ في السَّماءِ احتجابَهُ عمَّنْ في الأرضِ) لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ). ثمَّ أَفْرَدَ ذاتَ الباري عَزَّ عِزُّهُ عن الصِّفاتِ المحسوسةِ في قوله (ع): (لا يُوصَفُ بِشَيءٍ من صِفاتِ الخَلائقِ)، وعن الأفعالِ المعقولةِ في قوله: (ما يُتَصَوَّرُ في الأوهامِ فهو خِلافُهُ)، لأنَّ جميعَ ما أوجدَهُ من أسماء وصفاتٍ وأفعالٍ في الخَلْقِ إنَّما هي مِن صُنْعِهِ جَلَّ وَعَلا وليسَتْ سَابقةً لَهُ، دليلُ ذلكَ في قوله (ع): (بِهِ تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بها يُوصَفُ، وبِهِ تُعقَلُ الـمَعَارِفُ لا بها يُعقَلُ).

فَمَن كانَ يرى الإمامَ الحسينَ (ع) وفق هذهِ الرُّؤيةِ الجليلةِ لا يبكيهِ ولا يفرِّطُ به ولا يُخفِّضُ مقامَهُ، بل على العكس، يَحمدُ ربَّهُ دائمًا على هذا الانتماءِ العلويِّ الحسينيِّ الشَّريفِ، ويعملُ جاهدًا ليحافظَ على نفسِهِ من عَبَثِ البدعِ وعشوائيَّةِ الشُّبهاتِ وفَوضى الانحرافِ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخمسون عن النص على الأئمَّة

images

السُّؤالُ الخمسون: ما هي الأدلَّةُ على النَّصِّ على الأئمَّةِ؟ ولماذا كان الأئمَّةُ من نسلِ الإمامِ الحسينِ (ع) لا الحسن (ع)؟

 

الجوابُ الخمسون بإذنِ الله:

هناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ النَّهجِ العلويِّ والمذاهبِ السُّنيَّةِ والشِّيعيَّةِ من حيث اتِّباعُ الإمامِ، فالنَّهجُ العلويُّ يأتمُّ بإمامٍ مولَّى من قبلِ اللهِ ورسولِهِ، فَمَنْ لم يُولِّهِ اللهُ ورسولُهُ لا يقومُ مقامَ الإمامِ عندنا، ولهذا كان آخر الأئمَّةِ عندنا الحسنُ الآخرُ العسكريُّ (ع)، والقائمُ المنتظرُ الذي سيعودُ ليظهرَ من جديدٍ، ولا نعتقدُ بوجودِ إمامٍ من البشرِ القائمينَ على هذهِ الأرضِ، كما تفعلُ الشِّيعةُ والسُّنَّةُ بتوليتِهم أئمَّةً من البشرِ يقومونَ مقامَ الأنبياءِ والأئمَّةِ المعصومين (ع)، وكأنَّ سيِّدنا المسيح (ع) حاضرٌ يخاطبُهم: (قد أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ! يَا مُرَاؤُونَ! حَسَناً تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هَذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا، وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ).

فمعرفةُ الإمامِ الحقِّ أمرٌ واجبٌ للمؤمنِ العارفِ، لأنَّ الجهلَ بهِ جاهليَّةٌ بحدِّ ذاتِها، والدَّليلُ على ذلك أنَّ الإمام جعفر الصادق (ع) سئلَ عن قول رسول الله (ص): (مَن ماتَ لا يعرفُ إمامَ زمانِهِ ماتَ ميتةً جاهليَّةً)؟ فقال (ع): نعم. قيلَ: جاهليَّةُ جهلاءٍ أو جاهليَّةُ مَن لا يعرفُ إمامَهُ؟ فقال (ع): (جاهليَّةُ كفرٍ ونفاقٍ وضلالٍ).

هذه الجاهليَّةُ بدأتْ تظهرُ جليَّةً منذ الإنكارِ الذي حصلَ لولايةِ أمير المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بعد بيعةِ الغدير وبعدَ غيبةِ رسولِ اللهِ (ص) والمتمثِّلَةِ بمؤامرةِ سقيفةِ بني ساعدة، ثمَّ امتدَّتْ هذه الجاهليَّةُ بعداءِ معاوية بن أبي سفيان (لع) لأمير المؤمنين وللإمامِ الحسنِ المجتبى (ع)، وعداءِ يزيد بن معاوية (لع) للإمام الحسينِ وزين العابدين (ع).

لكن بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسينِ (ع) تفرَّعَت عن هذهِ الجاهليَّةِ جاهليَّةُ مَن أنكروا إمامةَ الإمامِ علي زينِ العابدين (ع) واتَّجهوا لتأميمِ غيرِهِ، متجاهلينَ قول الإمام جعفر الصادق (ع): (نحن قومٌ فرضَ اللهُ طاعَتَنا، وأنتم تأتمُّون بمَن لا يَعذُرُ النَّاسَ بجهالَتِهِ)، ودرجَتْ سنَّةُ مخالفةِ الأمرِ الإلهيِّ للإمامةِ واستبدالُهُ بالرأي والإجماعِ والقياسِ والاجتهادِ!! رغمَ أنَّ النَّصَّ كانَ ثابتًا في ذلكَ، فهناكَ أمورٌ لا يمكنُ للمخلوقينَ أن يتدخَّلوا بها، لأنَّها أمرٌ إلهيٌّ وهو القائلُ: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).

فحتى لا تختلطَ الأمورُ على أمَّةِ محمَّدٍ (ص) ويكثرَ المُدَّعون جاءَ النَّصُّ الصَّريحُ بتسميةِ الأئمَّةِ إمامًا بعدَ إمامٍ، وهذا يحمي أتباعَ آل محمَّد (ع) من الخلطِ الذي كان قد ينالُ منهم لو ضاعوا بعدَ الحسنينِ، لأنَّهم حينها سينقسمونَ إلى أتباعِ الحسنِ (ع) وأتباعِ الحسينِ (ع)، بينما ما جرى من ترتيبٍ إلهيٍّ حافظَ على أولويَّةِ الاتِّباعِ للإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهه بدليلِ قولِ الإمامِ محمد الباقر (ع): (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ نصَّبَ عليًّا عَلَمًا بينهُ وبينَ خلقِهِ، فمَنْ عرفَهُ كان مؤمنًا ومن أنكرَهُ كانَ كافرًا ومن جهلَهُ كان ضالاًّ ومن نَصَّبَ معه شيئًا كان مشركًا).

ومن بعدِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ جرتِ الإمامةُ في الإمامِ الحسنِ (ع)، ثمَّ الإمامِ الحسينِ (ع)، ثمَّ التسعةِ من بعدِهِ بدءًا من الإمام زين العابدين (ع) حيثُ وردَ عن الإمام محمد الباقرِ (ع) أنَّه قال: (لما حضرَ الحسينَ ما حضرَهُ، دفعَ وصيَّتَهُ إلى ابنتِهِ فاطمةَ ظاهرةً في كتابٍ مُدرَجٍ، فلمَّا أن كان من أمرِ الحسينِ ما كانَ، دفعَتْ ذلكَ إلى عليِّ بن الحسينِ).

وكلُّ الأحاديثِ التي تحدَّثت عن الأئمَّةِ الإثني عشر (ع) أكَّدت أنَّهم من سلالةِ الإمامِ الحسين (ع) لا من سلالةِ الإمامِ الحسن (ع)، وليسَ الأمرُ تفاضلاً بينهما لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ)، والذي فسَّرَهُ الإمامُ الصَّادقُ (ع) بقوله: (قوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ؛ الحسن والحسين، وقوله: وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ؛ إمامًا تأتمُّونَ به).

ومَن يتساءلُ في قرارةِ نفسِهِ عن الدَّليلِ على النَّصِّ على تسميةِ الأئمَّةِ إمامًا بعدَ إمامٍ نوردُ ما وردَ عن الإمامِ محمد الباقر (ع) أنَّهُ قال لسيِّدنا جابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر أخبرني عن اللَّوحِ الذي رأيتَهُ في يد أمِّي فاطمة (ع) بنتِ رسولِ اللهِ (ص) وما أخبرَتْكَ به أنَّه في ذلكَ اللَّوحِ مكتوبٌ؟ فقال جابر: أشهدُ باللهِ أنِّي دخلتُ على فاطمة (ع) في حياةِ رسولِ الله (ص) فهنَّأتُها بولادةِ الحسين (ع) ورأيتُ في يديها لوحًا أخضرَ، ظننتُ أنَّه من زمرُّدٍ ورأيتُ فيه كتابًا أبيضًا يشبهُ لونَ الشَّمسِ، فقلتُ لها: بأبي وأمي يا ابنةَ رسولِ اللهِ (ص) ما هذا اللَّوحُ؟ فقالت: هذا لوحٌ أهداهُ اللهُ إلى رسولِ اللهِ (ص) فيه اسمُهُ واسمُ عليٍّ واسمُ ابنيَّ واسمُ الأوصياءِ من وِلدي، وأعطانيهِ أبي ليبشِّرَني بذلك. قال جابر: فأعطَتْنِيهِ أمُّكَ فاطمةُ (ع) فقرأتُهُ واستنسختُهُ. فقال له الإمام الباقر (ع): فهل لك يا جابرُ أن تعرضَهُ عليَّ؟ قال: نعم. فمشى معه (ع) إلى منزلِ جابر فأخرجَ صحيفةً من ورقٍ، فقال (ع): يا جابرُ انظرْ في كتابِكَ لأقرأَ أنا عليكَ. فنظرَ جابرُ في نسختِهِ فقرأهُ الإمام الباقر (ع) فما خالفَ حرفٌ حرفًا، فقال جابر: فأشهدُ باللهِ أنِّي هكذا رأيتُهُ في اللَّوحِ مكتوبًا.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد