أرشيف الوسم: التقمص

العلويون بين التقية والعرفان الفلسفي

ahmad

العلويون بين التقية والعرفان الفلسفي

  • تحقيق: هيثم مزاحم

 

اللاذقيّة – قليلة هي المصادر الموثوقة التي تتحدّث عن المذهب العلويّ، وذلك لأنّ المعادين لهم يتّهمونهم بالباطنيّة والغلوّ، ويعدّونهم فرقة كافرة تدّعي الإسلام تقيّة لكنّها تبطّن الكفر، وهو ما يعتبره العلويّون افتراءات، بينما يحاول العلويّون والشيعة المؤيّدون لهم تصويرهم كشيعة إثني عشريّة يؤمنون بمذهب أهل بيت النبيّ، وهو أمر لا يعبّر في شكل كامل عن حقيقة العلويّين كفرقة مستقلّة تنتهج الطريق العرفانيّ والفلسفيّ والتأويل الباطنيّ للقرآن، ولا تكتفي بالتفسير الظاهريّ له.
قبل نحو شهر، نشرت وثيقة نسبت إلى مجموعة علويّة تميّزت بجرأة في الموضوع الدينيّ أكثر من جرأتها السياسيّة، إذ دعت إلى إنهاء التقيّة وشدّدت على استقلال العلويّة كإسلام ثالث، هو الإسلام العرفانيّ، واعتبرت أنّهم ليسوا من الإسلام السنّي النقليّ، الذي يعتمد على أحاديث النبي، ولا من الإسلام الشيعيّ الذي يعتمد على العقل في تفسير النصوص الدينية، مؤكّدة على التمايز عن الشيعة في المعتقدات والطقوس.

يقول الباحث الدينيّ العلويّ السوريّ أحمد أديب أحمد، في حديث خاصّ إلى “المونيتور”: “نهجنا العلويّ يتميّز عن المذاهب الأخرى بمفهوم العبادة التي تركّز على المعرفة والدراية، لا على التشريع والرواية، فنحن ندرك أنّ العبادة لا تتحقّق إلّا باقترانها بمعرفة الله”.

كما رفضت الوثيقة حديث الفرقة الناجية الذي يقول “تفترق أمّتي على ثلاثٍ وسبعين ملّة، كلّهم في النّار إلا ملّةٌ واحدة”، إذ تدعي كل فرقة أنها الناجية، فتحتكر النجاة وتكفّر الفرق الأخرى. بينما تؤكد الوثيقة أن إيمان العلويّين بفكرة وجود الأخيار في كلّ الأديان والمذاهب. لكنّ أحمد يقول إنّ “لا أحداً يمكنه رفض فكرة الفرقة الناجية في حديث رسول الله، لكنّ الإيمان والنجاة وفق نهجنا لا يرتبطان بالانتماء الطائفيّ في شكل ضيّق، بل بالولاء الخالص، لذلك نقرّ بوجود رجال اختصّهم الله لإعلاء كلمته في أيّ مكان”.

ينتسب العلويّون إلى الإمام علي بن أبي طالب (599-661م)، ابن عم النبيّ محمّد وصهره، والخليفة الراشديّ الرابع. وقد عرفوا سابقاً بالنصيريّة نسبة إلى محمّد بن نصير (توفّي في عام 873م)، ويقولون إنّه أحد أصحاب الإمامين الهادي والعسكريّ، وإنّه “باب” الإمام المهديّ، بينما ينفي الشيعة ادّعاءهم.

نشأ المذهب العلويّ في العراق، ثمّ انتقل إلى حلب في سوريا في ظلّ حكم سيف الدولة الحمدانيّ الذي كان علويّاً ساعد على انتشار دعوة العلويّين، حيث كان يتبع أحد كبار علمائهم الحسين بن حمدان الخصيبي (874-961م)، مؤسّس طريقة ممارسة الإيمان العلويّ.

تعرّض العلويّون للاضطهاد على أيدي الدول الأمويّة والعبّاسيّة والمملوكيّة والعثمانيّة، التي نفّذت مجازر ضدّهم بعد احتلالها بلاد الشام في عام 1516م، ممّا جعلهم يفرّون إلى جبال اللاذقيّة بعد مجزرة حلب الكبرى حيث قتل الآلاف منهم.

وأعطت فتاوى الشيخ تقي الدين ابن تيمية (1263 –1328) التي كفّرت الشيعة والعلويّين والدروز والاسماعيليّين، المبرّر الدينيّ للسلطات المملوكيّة والعثمانيّة لتكفير العلويّين وقتلهم.

ترك هذا الاضطهاد بصماته على المجتمع العلويّ، فلجأ العلويّون إلى التقيّة في الممارسة الدينيّة وإلى الأفكار القوميّة واليساريّة والعلمانيّة في العمل السياسيّ والحزبيّ.

تقول الوثيقة المذكورة إنّ “الباطنيّة العلويّة ليست منهاج إيمان سريّ”، بل هي إيمان بالسرّ الإلهيّ، هي طريقة لإدراك حقيقة الأسرار المعجزيّة للخلق، وليس لإخفاء الاعتقاد الدينيّ. يرفض أحمد الدعوة لإنهاء التقيّة لأنّ الإمام علي قال: “صن دينك وعلمك الذي أودعناك، ولا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، واستعمل التقيّة في دينك، وإيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك”. ويوضح أنّ السريّة “لا تعني إخفاء تعاليمنا عن الآخرين، بل تخصّ علوماً لاهوتيّة وأسراراً معرفيّة يبلغها خصوصاً الذين نذروا نفوسهم لله، ففتح عليهم وأمدّهم بمعارف باطنيّة فحفظوها من الوقوع في أيدي المارقين فيحرّفوها”.

يأخذ المسلمون على العلويّين أنّهم يؤلّهون الإمام عليّ، وهو اتّهام ينفيه العلويّون.

يقول أحمد إنّ الإمام عليّ هو الوصيّ وإنّ محمّداً هو النبيّ، والوصل بينهما لا يمكن لأحد أن يحدّده لقول رسول الله: “أنا من علي وعليّ منّي”، لكن الفصل يتمثّل في قوله: “ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي”.

يقول باحث علويّ مقيم في اللاذقية، طلب عدم الكشف عن اسمه لحساسية الموضوع لـ”المونيتور”، إنّه ليس هناك تأليه للإمام عليّ، وإنّ بعض العامّة العلويّين قد غالى في عليّ نتيجة الفهم الخطأ. ويضيف أنّ النظرة إلى محمّد وعليّ أبعد من النظرة التقليديّة، فهما تجلٍّ للخالق وجميع الرسل هم شخص واحد يظهر في أوقات مختلفة. فالرسالات ينابيع عدّة من مصدر واحد هو الله. ويكشف عن حصول بعض الخلافات بين العلويّين حول أمور فلسفيّة، ثمّ صار تقارب أكثر مع الشيعة الإثني عشريّة مع الشيخ سليمان الأحمد، مشيراً إلى بعض المشتركات مع الشيعة في العقائد الأساسيّة) التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، ويوم الحساب)، وبعض الاختلافات نتيجة البعد الفلسفيّ والصوفيّ لدى العلويّين.

يرفض أحمد فكرة أنّ الأنبياء هم شخص واحد ويقول: “الأنبياء في نهجنا ليسوا أشخاصاً بشريّين، بل هم أنوار الله”.

يؤمن العلويّون بتنزيه الله بكلّيته وتجلّياته، ويقول أحمد إنّ رؤية العلويّين لله تعبّر عنها آية النور القرآنية ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ..﴾، ورؤيتهم للتوحيد تعبّر عنها سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

قالت الوثيقة إنّ العلويّين يؤمنون بتفسير باطنيّ لنصوص القرآن وليس بنصوص موازية له، مقرّة بأنّ العلويّين استقوا من باقي الأديان التوحيديّة (اليهوديّة والمسيحيّة)، وأنّ ذلك مصدر اكتمال وغنى لها. ويوضح أحمد ذلك بأنّ “للقرآن وجوهاً ظاهرة وباطنة نأخذ بها جميعاً”.

وعن الاستقاء من الديانات الأخرى، يقول أحمد إنّها “محاولة لتشويه نهجنا العلويّ واتّهامنا بإدخال الإسرائيليّات إلى معتقدنا وهذا محض افتراء، لكنّنا نؤمن بكلام موسى وعيسى وسليمان وداوود وكلّ الأنبياء، ونستشهد بأقوالهم ونلتزم بتعاليمهم، كالتزامنا بكلام الرسول وأهل بيته”.

يأخذ المسلمون على العلويّين إيمانهم بالتقمّص الذي يعتبرونه مخالفاً للإسلام. لكنّ أحمد يوضح أنّ “التقمّص لا يعني انتقالاً عشوائيّاً للنفس بين جسد وآخر من دون ترتيب، بل هو حقيقة دينيّة وعلميّة لدينا الكثير من الأدلّة عليها، وهذا لا يتنافى مع مبدأ الجزاء يوم القيامة ولا ينفي وجود الجنّة والنار، لأنّ العدل الإلهيّ يقتضي أنّ لا أحد منّا يستطيع أن يحقّق ذاته الكاملة، وأن يصفّي نفسه من شوائبها، في حياة واحدة، فبعد الوفاة تجزّى كلّ نفس بما قدّمت، وعند قيام الساعة، تكون الجنّة مأوى للمؤمنين، والنار مثوى للكافرين”.

خلاصة القول، مهما كانت عقيدة العلويين ومهما كانت خلافاتهم العقائدية مع السنة والشيعة، ينبغي احترام هذه الاختلافات وقبول العلويين كمسلمين كما يعتبرون أنفسهم، حتى لو كانت لهم رؤيتهم الخاصة للإسلام وتأويلهم الخاص للقرآن.

 

المصدر: موقع المونيتور الأمريكي

حوار شامل حول عقائد العلويين في سورية

ahmad

حوار شامل حول عقائد العلويين في سورية

=========

 

“خاص” – “حوارات نت” – اللاذقية — خلالَ الأزمةِ السُّوريَّةِ برزَ الحديثُ بشكلٍ كبيرٍ عن العلويِّينَ ومعتقدَاتِهم وَصَدَرَتْ فَتَاوى بحقِّهم تَدعو إلى تكفيرِهم وإخراجِهم من الدِّينِ، وبالتالي قتلَهم وذبحَهم في ظلِّ غيابِ العلويِّينَ إعلاميًّا أو تَغييبِهم قصدًا. وقد أجرى مراسلُ (حوارات نت) في اللاذقيَّةِ حوارًا مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ الدكتور أحمد أديب أحمد حولَ عقائدِ العلويِّينَ وَتَمايُزِهم عن المذاهبِ الأخرى وحولَ الافتراءاتِ والتُّهمِ التي تُوَجَّهُ ضدَّهم.

والدُّكتور أحمد كاتبٌ ومحاضرٌ وباحثٌ سوريٌّ من مواليدِ عام 1979 يعملُ مدرِّسًا في كليَّةِ الاقتصادِ في جامعةِ تشرين في سوريَّة، باختصاصِ الإحصاءِ والبرمجةِ- اقتصاد قياسي. له العديدُ من الكتبِ والمؤلَّفاتِ والأبحاثِ المنشورةِ وقيدِ الإنجازِ في المجالاتِ الدِّينيَّةِ والأدبيَّةِ والاقتصاديَّةِ والعلومِ الإنسانيَّةِ وفي مجالاتٍ أخرى، منها: (نورُ الهدايةِ لأهلِ الولايةِ)، (نبضٌ لصفصافِ الفضاءِ)، (نهرُ العسلِ)، (مناجاةٌ مع قائدِ الأمَّةِ)، (الاقتصادُ السِّياحيُّ). والآتي نصُّ الحوارِ:

 

حوارات نت: هناكَ بين العلويِّين مَن يَدعو إلى إنهاءِ السِّرِّيَّةِ والتَّقيَّةِ في المذهبِ العلويِّ هل تَرَى إمكانيَّة ذلك؟

د. أحمد: الحديثُ الدِّينيُّ لا يمكنُ أن يُؤخَذَ بالرَّأي والقياسِ بل يجبُ أن يَعتَمِدَ على النَّصِّ القرآنيِّ والنَّبويِّ والإماميِّ، وَمِن هنا نؤكِّدُ على وجوبِ تعريفِ التَّقيَّةِ انطلاقًا من قولِ رسولِ اللهِ (ص): (إنَّا معاشرَ الأنبياءِ أُمِرْنا أن نُكَلِّمَ النَّاسَ بِقَدْرِ عُقُولِهم)، كما نؤكِّدُ على وجوبِ المحافظةِ على التَّقيَّةِ وعدمِ التَّفكيرِ بإنهائِها مُطلقًا لأنَّها أمرٌ منصوصٌ عليهِ في قولِ أميرِ المؤمنينَ الإمام علي كرَّم اللهُ وجهَهُ: (صُنْ دينَكَ وَعِلمَكَ الذي أَوْدَعناكَ، ولا تُبْدِ عُلُومَنا لِمَن يُقابِلُها بالعِنَادِ، واستعملِ التَّقيَّةَ وإيَّاكَ ثمَّ إيَّاكَ أن تَترُكَ التَّقيَّةَ التي أمرتُكَ)، لذا فإنَّنا لا نحلُّ عَقْدًا للَّهِ قبلَ أن يحلَّهُ عاقِدُهُ، لكنْ بالمقابلِ يجبُ التَّأكيدُ على أنَّ التَّقيَّةَ ليست خاصَّةً بالعلويِّينَ إذ تَحَدَّثَ بها رجالاتُ الشِّيعةِ وأئمَّةُ المذاهبِ الأربعةِ، وهي أمرٌ إسلاميٌّ اتَّبَعهُ المسلمونَ في بدايةِ الدَّعوةِ المحمَّديَّةِ قبلَ أن تنتقلَ من السِّرِّ إلى الجَهرِ.

 

حوارات نت: ما هي حقيقةُ القولِ بأنَّ عقيدةَ العلويِّينَ ليسَ الإيمان السِّرِّي ولكنْ الاعتقاد في السِّرِّ الذي يحتوي على ملءِ اللهِ وكلِّيَّتِهِ المطلقةِ؟

د. أحمد: منَ المعروفِ أنَّ كلَّ المذاهبِ لديها تعاليمُ سِرِّيَّةٌ، لكنَّ السِّرِّيَّةَ وفقَ نهجِنا العلويِّ لا تَعني إخفاءَ تعاليمِنا عن الآخرين، بل تَخُصُّ علومًا لاهوتيَّةً يَبلُغُها خاصَّةُ الخاصَّةِ الذين نَذَرُوا نفوسَهم للرَّحمنِ فَفَتَحَ اللهُ عليهم وأَمَدَّهُم بِمَعارِفَ لَدُنيَّةٍ خالصةٍ فَحَفِظُوها من الضَّياعِ ومن أنْ تقعَ بأيدي المارقينَ فَيُفَرِّطُوا بها وَيَحرِفُوها عن مسارِها اقتداءً بقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (لا تَطرَحُوا دُرَرَكُم قُدَّامَ الخنازيرِ لئلَّا تَدوسَها بأرجُلِها)، وهذهِ الأسرارُ لا تتعلَّقُ بطقوسٍ ومعتقداتٍ بل بأسرارٍ معرفيَّةٍ يَرَاها النَّاسُ لكن لا يَعرفونَها كما قالَ الإمامُ جعفر الصَّادق (ع): (سِرُّ اللهِ مَبثوثٌ بين خلقِهِ لا يعرفُهُ أكثَرُهم، ولو أرادَ لَعَرَّفَهُم، فَمَا للهِ سِرٌّ إلا وهو على ألسنِ خَلقِهِ، ولا له حِرْزٌ أكبرُ من جَهلِهم بِهِ).

 

حوارات نت: ما هي رؤيةُ العلويِّينَ عن اللهِ والتَّفسيرِ الصُّوفيِّ أو الباطنيِّ للقرآنِ الكريمِ؟

د. أحمد: حين تسألُ عن رُؤيَتِنا للهِ فلا يمكنني أن أجيبكَ إلاَّ بآيةِ النُّورِ، وحين تسألُ عن توحيدِنا للهِ فالجوابُ في سورةِ الإخلاصِ، ولا نقولُ أنَّ هناكَ تفسيرًا صوفيًّا للقرآنِ، بل نقولُ: إنَّ هناكَ وجوهًا ظاهرةً وباطنةً نأخذُ بها جميعًا لقولِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع): (إنَّ كتابَ اللهِ على أربعةِ وجوهٍ: العبارةُ والإشارةُ واللَّطائفُ والحقائقُ: فالعبارةُ للعَوَامِّ والإشارةُ للخَوَاصِّ واللَّطائفُ للأولياءِ والحقائقُ للأنبياءِ).

 

حوارات نت: هل تعتقدونَ بألوهيَّةِ عليٍّ وما هي مرتَبَتُهُ والفرقُ بينهُ وبين النَّبيِّ؟

د. أحمد: ما جَرَى من اتِّهاماتٍ لنا كان مَدعَاةً لِقَتلِنا، لكنَّنا نلتزمُ قولَ الإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ حين سُئِلَ: هل رأيتَ رَبَّكَ حينَ عَبَدْتَهُ؟ فقال: (ما كنتُ أعبُدُ ربًّا لَمْ أَرَهْ)، فالإمامُ عليٍّ هو الوصيُّ ولا نُقَلِّلُ من شأنِهِ لدرجةٍ دونَ الوصايةِ، كما أنَّ السَّيِّدَ محمَّد هو النَّبيُّ ولا نرفعُ من شأنِهِ لدرجةٍ فوقَ النُّبوَّةِ، فالوصلُ بينهما لا يمكنُ لأحدٍ أن يحدَّهُ لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (أنا مِن عليٍّ وعليٌّ منِّي)، لكنَّ الفَصلَ يتمثَّلُ في قولِ الرَّسولِ (ص): (يا عليُّ، أنتَ منِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى إلاَّ أنَّهُ لا نبيَّ بَعدِي)، وَيَبقَى في نَهجِنا العلويِّ أنَّ الولاءَ للهِ ورسولِهِ لا يَنفَعُ بدونِ الولاءِ لعليٍّ لقولِهِ تعالى في خطبةِ الوداعِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا).

 

حوارات نت: ما هي فكرةُ أنَّ الأنبياءَ لدى العلويِّينَ هم شخصٌ واحدٌ يتجلَّى في كلِّ فترةٍ في نبيٍّ؟

د. أحمد: الأنبياءُ في نهجِنا العلويِّ ليسوا أشخاصًا بشريِّينَ، بل هم أنوارُ اللهِ لقولِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع): (إنَّنا معاشــرَ الأنبياءِ لا نُحمَلُ في البطونِ ولا نَخرجُ من الأرحامِ لأنَّنا نورُ اللهِ الذي لا تَنالُهُ الأدناسُ)، وبالتَّالي فإنَّ مقولةَ أنَّ الأنبياءَ شخصٌ واحدٌ خاطئةٌ، والصَّحيح هو ما وردَ في الآيةِ: (لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ).

 

حوارات نت: هل هناكَ اقتباساتٌ لدى العلويِّين من الدِّياناتِ الأخرى، المسيحيَّةِ واليهوديَّةِ، وما هو تفسيرُ ذلك؟

د. أحمد: فكرةُ الاقتباسِ من الدِّياناتِ الأخرى محاولةٌ لتَشويهِ نهجِنا العلويِّ واتِّهامِنا بإدخالِ الإسرائيليَّاتِ إلى مُعتَقَدِنا وهذا محضُ افتراءٍ، لكنَّنا نؤمنُ بكلامِ موسى وعيسى وسليمان وداؤود وكل الأنبياءِ (ع)، ونستشهدُ بأقوالِهم ونلتزمُ بتعاليمِهم، كالتزامِنا بكلامِ الرَّسولِ وأهلِ بيتِهِ، وهذا الجمعُ لا يتعلَّقُ بمعتقداتِ الأقوامِ الأخرى لأنَّ المعتقداتِ هي صـياغةُ رجالِ الدِّينِ في كلِّ الطَّوائفِ، ونحنُ لا نَتَّبِعُ في نهجِنا العلويِّ مقالاتِ الرِّجالِ بل أقوالَ المعصومينَ لقولِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع): (مَن دَخَلَ في هذا الدِّينِ برأي الرِّجالِ أخرجَهُ منهُ الرِّجالُ كما أدخَلُوهُ فيه، وَمَن دخلَ فيهِ بالكتابِ والسُّنَّةِ زالَتِ الجبالُ قبلَ أن يزولَ).

 

حوارات نت: ما هي عقيدةُ التَّناسخِ أو التَّقمُّصِ لدى العلويِّينَ والتي يَرفضُها السُّنَّةُ والشِّيعةُ؟ وألا يتعارضُ ذلك مع مبدأ الجزاءِ يومَ القيامةِ؟ وهل تؤمنونَ بالجنَّةِ والنَّارِ؟

د. أحمد: نهجُنا العلويُّ لا يُقِرُّ بالتَّناسخِ بين المؤمنينَ بل بالتَّقمُّصِ، والتَّقمُّصُ لا يعني انتقالاً عشوائيًّا للنَّفسِ بين جسدٍ وآخرَ دونَ ترتيبٍ أو انتظامٍ، لأنَّ هذا مرفوضٌ لدينا، فنحنُ نؤمنُ بالتَّقمُّصِ كحقيقةٍ دينيَّةٍ وعلميَّةٍ ولدينا الكثيرُ من الأدلَّةِ والإثباتاتِ على وجودِهِ وقد ذكرْتُ جزءًا منها في كتابي (نور الهداية لأهل الولاية) عِلمًا أن هذا لا يَتَنافَى مع مبدأ الجزاءِ يومَ القيامةِ ولا ينفي وجودَ الجنَّةِ والنَّارِ، لأنَّ العدلَ الإلهيَّ يَقتضي أنَّهُ لا أحدَ مِنَّا يستطيعُ أن يحقِّقَ ذاتَهُ الكاملةَ، أو تبلغَ نفسَهُ الاطمئنانَ إلاَّ عندما يُصَفِّي نفسَهُ مِن شوائِبِها وأخطائِها، وهذا كما نعلمُ لا يكونُ في حياةٍ واحدةٍ، فَبَعْدَ الوفاةِ تُجزَى كلُّ نَفسٍ بما قَدَّمَتْ، وتُسَاقُ حسبَ أعمالِها أثناءَ ارتباطِها بالجسدِ السَّابقِ، فمصيرُ الإنسانِ مَرهونٌ بأعمالِهِ السَّابقةِ، وَبِمَدَى اكتسابِهِ وَتَقَدُّمِهِ في اختباراتِهِ، والكُسَالى على حالِهم مُقَصِّرونَ مُتَبَلِّدونَ، ولا يَصفو المؤمنُ حتَّى لا يَبقَى حقٌّ من حقوقِ اللهِ إلاَّ أقامَهُ وَعَمِلَ به على قدرِ استطاعَتِهِ، ولا بابٌ من أبوابِ الباطلِ إلاَّ رفضَهُ وتجنَّبَهُ، وعندَ قيامِ السَّاعةِ، تكونُ الجنَّةُ هي المأوى للمؤمنينَ، والنَّارُ هي المَثوى للكافرينَ، خالدينَ فيها أبدًا.

 

حوارات نت: هناك مَن يُميِّزُ العلويِّينَ عن الشِّيعةِ والسُّنَّةِ بِكَونِها مَذهَبًا ثالثًا وَعِرفانيًّا وأنَّ مذهَبَهم ليس نمطًا فقهيًّا، فما هو تعليقكَ؟

د. أحمد: نهجُنا العلويُّ يتميَّزُ عن المذاهبِ الأخرى بمفهومِ العبادةِ التي تُرَكِّزُ على المعرفةِ والدِّرايةِ لا على التَّشريعِ والرِّوايةِ، فنحنُ ندركُ أنَّ العبادةَ لا تتحقَّقُ إلا باقترانِها بالمعرفةِ كما قالَ رسولُ اللهِ (ص): (أفضَلُكُم إيمانًا أفضَلُكُم معرفةً)، لكنَّ هذا التَّمايُزَ بينَنا وبينَ غيرِنا لا يعني العداءَ، فنحنُ لا نُعادي أحدًا، بل نَصدُّ الهجومَ والإساءةَ المقترفَةَ بحقِّنا، فعندما تأتي أيادٍ ناشزةٌ وغادرةٌ لتنالَ منَّا عبرَ كتبٍ مَسمومةٍ ومقالاتٍ موهومةٍ، فالحقُّ المشروعُ لنا أن نَرُدَّ ونُبَرِّئَ أنفسَنا من الافتراءاتِ والتُّهم.

 

حوارات نت: يرفضُ بعضُ العلويِّينَ فكرةَ الفرقةِ النَّاجيةِ، ويقولُ: إنَّ العلويِّينَ يؤمنونَ بأنَّ النَّاسَ الطَّيِّبينَ موجودونَ في جميعِ الأديانِ والطَّوائفِ، ما هو تعليقكَ؟

د. أحمد: لا أحدَ يُمكُنُهُ أن يرفضَ فكرةَ الفرقةِ النَّاجيةِ المنصوصِ عليها في حديثِ رسولِ اللهِ المعروفِ، لكنَّنا نفهَمُها في جوهَرِها لا من ناحيَتِها السَّطحيَّةِ، فالإيمانُ والنَّجاةُ وفقَ نَهجِنا العلويِّ لا يرتبطانِ بالانتماءِ الطَّائفيِّ والنَّسَبِ الطِّينيِّ على نحوٍ ضيِّقٍ، بل يرتبطانِ بالولاءِ الخالصِ لذلكَ نُقِرُّ بوجودِ رجالٍ اختصَّهُمُ اللهُ لإعلاءِ كلمَتِهِ في أيِّ مكانٍ وأيَّةِ بقعةٍ، وهم المذكورونَ في قولِهِ تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ).

 

حوارات نت: يتحدَّثُ البعضُ أنَّ المذهبَ ظهرَ في القرنِ العاشرِ ميلادي الرَّابع هجري، وأنَّ تسميةَ العلويِّين حديثةٌ فما هي التَّسميةُ السَّابقةُ وما هو تعليقكَ على التَّسمية؟

د. أحمد: هناك اختلافٌ حول التَّسميةِ المُطلَقَةِ علينا، لكنَّنا كنَّا دائمًا نُدعَى (خواصَّ الخَواصِّ) في عصرِ الأئمَّةِ المعصومينَ الذين فَرَّقُوا النَّاسَ إلى عوامٍّ وخواصٍّ وخواصِّ الخواصِّ، ومنذ أيامِ الإمامِ الحسنِ الآخرِ العسكريِّ (ع) كنَّا نُدعَى بالنُّصيريِّينَ نسبةً إلى سيِّدنا أبي شعيب محمد بن نصير الذي قالَ فيه الإمامُ العسكريُّ (ع): (محمَّدُ بن نصيرَ حُجَّتِي على الخلقِ، خُذُوا كلَّ ما قالَ عنِّي فهو الصَّادقُ عنِّي)، وهذا فخرٌ لنا رغمَ أنَّه تسبَّبَ لنا بالكثيرِ من القتلِ والذَّبحِ بسببِ فتاوى الغزالي وابنِ تيميَّةَ ومحمَّد بن عبدِ الوهابِ والدُّعاةِ العثمانيِّين، لكنَّنا على طريقِ الصَّحابةِ المكرَّمينِ الذين نالُوا الشَّهادةَ عقوبةً لهم على ولائِهم الخالصِ كأبي ذرٍّ الغفاريِّ وعمار بن ياسر وصعصعة بن صوحان ورشيد الهجري… إلخ، أمَّا تسميةُ العلويِّين فأُطلِقَتْ علينا إبَّانَ الاحتلالِ الفرنسيِّ لسوريَّة لأسبابٍ سياسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ، وأيًّا كانتِ التَّسميَةُ فهي لا تُغَيِّرُ من جوهرِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ إطلاقًا.

 

المصدر: حوارات.. موقع يُعنى بتجديد الفكر الديني

 

نور الهداية لأهل الولاية

كتاب

نور الهداية لأهل الولاية

د. أحمد أديب أحمد

مناظرة بين رجل دين علوي واثنين من أسياد الشيعة من إيران في عام ٢٠٠٧م

noor

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

نور الهداية لأهل الولاية