أرشيف الوسم: التقية العلوية

السؤال السادس والتسعون حول شرح مقاصد الخضر

images

السُّؤالُ السَّادسُ والتِّسعونَ: قد أجبتَ عن رحلةِ موسى مع الخضر، لكنَّكَ لم تشرحْ مقاصدَ ما قامَ به الخضر، فما هي الغايةُ من ذلكَ كلِّهِ؟

 

الجوابُ السَّادسُ والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:

أولاً- خرقُ السَّفينة:

قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) أي أنَّ سيِّدنا الخضر (ع) كسرَ ناحيةً من السَّفينةِ كأنَّهُ يريدُ إغراقَها بمَن فيها، فقَالَ له سيِّدنا موسى (ع) مستنكرًا: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً)، وكان سيِّدنا موسى (ع) هنا يدلُّ تعليمًا لنا على الإنسانِ الذي لا يَحتملُ ما يَرى أمامَهُ من عذابٍ وقهرٍ يجري على النَّاسِ فيتساءَلُ ويتذمَّرُ ويتَّهمُ اللهَ في عدالَتِهِ متسائلاً: (لماذا يفعلُ الرَّبُّ هذا بالنَّاسِ!؟)، إذ لا يتقبَّلُ فكرُهُ البشريُّ هذا القضاءَ الإلهيَّ فيُنكرُهُ على اللهِ كما أظهرَ سيِّدنا موسى (ع) أنَّهُ استنكرَ- في ظاهرِ الأمرِ- فِعلَ الخرقِ على سيِّدنا الخضر (ع)!!

هنا كانَ جوابُ سيِّدنا الخضر (ع): (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)؛ يشيرُ إلى أنَّهُ يعلمُ من العلمِ ما لا يعلمُهُ سيِّدنا موسى (ع)، وهنا نتذكَّرُ قولَه تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ).

وكان ردُّ سيِّدنا موسى (ع): (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) تذلُّلاً منه وتواضُعًا لسيِّدنا الخضر (ع)، وتعليمًا لنا على احترامِ العالِمِ وحُسنِ التَّسليمِ والقَبولِ.

وكانَ تأويلُ ذلكَ في قوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً)؛ ومعناهُ أنَّ ملكًا غاصبًا كان يأخذُ السُّفنَ من البحرِ غصبًا فخرقَ سيِّدنا الخضرُ (ع) السَّفينةَ حفاظًا على أصحابِها المساكينِ مِن أن يُهلِكَهم الملكُ الغاصبُ فيَرَى السَّفينةَ مخروقةً فيتركَها، وليس عند سيِّدنا موسى (ع) عِلمُ ذلكَ.

وفي هذا إشارةٌ إلى التَّقيَّةِ التي أظهرَها الأئمَّةُ (ع) تسكيتًا للجهلةِ وأهلِ العمى حينَ كانوا يستنكرونَ اعتقادَ خاصَّةِ الخاصَّةِ، فيأتونَ للشَّكوى إلى الأئمَّةِ (ع)، فيُجيبُهم الأئمَّةُ بما يتحمَّلونَهُ اقتداءً بقولِ الرَّسولِ (ص): (إنَّا معاشرَ الأنبياءِ أُمِرْنا أن نُكَلِّمَ النَّاسَ بِقَدْرِ عُقُولِهم).

وهنا يَظهرُ للملكِ الغاصبِ عيبُ السَّفينةِ التي تحملُ النَّاسَ المساكين الذين أنِسوا بمعرفةِ اللهِ فَسَكَنُوا إلى رحمةِ اللهِ وَنَجَّاهُم من ظلمِ الملكِ الغاصبِ الذي أوصلَهُ عَمَاهُ وطغيانُهُ إلى مرحلةِ الشِّركِ الموسومِ بالظُّلمِ في قوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

ولِتَتحقَّقَ هذه السَّكينةُ كانَ لابدَّ من التَّقيَّةِ بخرقِ السَّفينةِ فيَنظر إليها الملكُ الغاصبُ فيرى فيها عَيبًا فيتجنَّبها، كما تتجنَّبُ النَّاصِبَةُ الإيمانَ بعلومِ الحقائقِ العلويَّةِ؛ وهي سفينةُ الولايةِ التي مَن ركبَ معرفَتَها نَجا، ومَن تخلَّفَ عنها غرقَ وهلكَ وهوى، لأنَّها بالنِّسبةِ إليهم مَخروقةٌ مُعابَةٌ، كما كانوا يَرونَ النَّقصَ والعجزَ والخطأ والنِّسيانَ لدى الأوصياءِ والأئمَّةِ والأنبياءِ (ع) فيُثبتونَهُ عليهم حقيقةً، وما هو إلاَّ علَّةٌ في عيونِهم ونقصٌ وعجزٌ ووهنٌ في إدراكِهم، حتَّى وصلوا بسببِ ضلالِهم وكفرِهم وشكِّهم إلى تعظيمِ الفحشاءِ والمنكرِ وإشراكهم بالذِّكرِ الحكيمِ في قوله تعالى: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)، وتفضيلِهم عليهِ في قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).

وهذا الملكُ الغاصبُ سيظنُّ أنَّ أهلَ السَّفينةِ غارقونَ لا محالةَ بسفينَتِهم التي يَراها مخروقةً فَيَتركها، كما يظنُّ النَّواصبُ أنَّ أهلَ الحقِّ هالِكونَ بعقيدَتِهم التي يظنُّونَ فيها غلوًّا فيتجنَّبونَها، والحقيقةُ أنَّ نجاةَ أهلِ الحقِّ بتوحيدِهم الخالصِ كنجاةِ أهلِ السَّفينةِ، وليس في عقيدَتِهم شائبةٌ إلاَّ على سبيلِ الخرقِ لحمايةِ المؤمنينَ وتضليلِ الكافرينَ لقول تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).

 

ثانيًا- قتلُ الغلام:

أمَّا بالنِّسبةِ للغلامِ المقتولِ في قوله تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً)، فسيِّدنا موسى (ع) جاءَ بشريعةٍ تحرِّمُ قتلَ النَّفسِ حينَ كان من وصاياهُ العشرة: (لا تقتُلْ)، ولم يكنْ يعلمُ أنَّ لذلكَ الغلامِ جناية، ولا رآهُ قد قتلَ أحدًا حتَّى يستوجبَ القتلَ، فرأى هذا الفعلَ مُنكَرًا لأنَّهُ لا يجوزُ قتلُ النَّفسِ إلاَّ بالنَّفسِ في قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).

هنا قال له سيِّدنا الخضر (ع): (أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً)، فقال سيِّدنا موسى (ع) تعليمًا على الحياءِ من العالمِ واعترافًا بمنزلَتِهِ واعتذارًا له: (إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً).

وكانَ تأويلُ ذلكَ في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً، فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً)، وقد يقولُ قائلٌ: إنَّ هذا الغلامُ لم يَقتُلْ فَقُتِلَ، وهذا مخالفٌ للقرآنِ الكريمِ، وهو قاصرٌ وهذا يعني أنَّها جريمةٌ يُحاسبُ عليها القانون!!!

هنا نقول: إنَّ تحريمَ القتلِ كان تحريمًا لقتلِ المؤمنِ لا الكافرِ بدليلِ قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا)، وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً)، ولكنَّ هذا الغلامَ كان مطبوعًا بالكفرِ.

كما أنَّ فعلَ القتلِ هنا مجازيٌّ مثلُ قولِهِ تعالى: (فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) فالقتلُ هنا تطهيرٌ للنَّفسِ.

من هذا المنطلقِ فإنَّ قتلَ الغلامِ هو لَعنَتُهُ وإبعادُهُ من رحمةِ اللهِ التي هي معرفةُ الحقِّ، وذلكَ لأنَّهُ ليسَ من أهلِها منذُ البَدءِ، ومَن لم يكنُ من أهلِها لن يكونَ مهما مرَّتِ العصورُ، ولو أنَّه عرفَها بحقيقةِ المعرفةِ لَكَانَ سيَطغى ويتجبَّرُ ويسبِّبُ الأذى للمؤمنينَ الذينَ يعيشُ معهم، فهو كالمندسِّينَ الذينَ أرادَ اللهُ أن يكونوا بيننا اليومَ، لكنَّهُ أظهرَ عليهم علاماتٍ ذميمةً تكشفُ جواهرَهم الخبيثةَ لنحذَرَ إدخالَهم إلى بيتِنا، ونُبعِدَهم عن العبثِ بمَعرفتنا وحُرُماتِنا.

وهكذا كانَ من حكمةِ سيِّدنا الخضرِ (ع) أنْ أَبعدَهُ عن المعرفةِ لأنَّهُ ليسَ من أهلِها، كما حدثَ في قصَّةِ سيِّدنا نوح (ع) في قوله تعالى: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، ومثلُها اللَّعنةُ التي حصلَتْ على جعفر الكذَّابِ الذي لم يُقتَلْ جَسدًا، إنَّما قُتِلَ لعنةً تحذيرًا منه على لسانِ الأئمَّةِ (ع) كيلا يصدِّقَهُ النَّاسُ حين سَيدَّعي لنفسِهِ الإمامةَ فيَطغى على أهلِ الإيمانِ والولايةِ، فكانَ مقتولاً أي مقطوعَ السَّبيلِ إلى بلوغِ مآرِبِهِ.

 

ثالثًا- بناءُ الجدارِ:

أمَّا بالنِّسبةِ للجدارِ في قوله تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا)، فقال سيِّدنا موسى (ع) في نفسِهِ: عالِمٌ يطلبُ الصَّدقةَ وهو يقدرُ أن يحوِّلَ الجبلَ ذهبًا لِمَا عندَهُ من العلمِ والمقامِ!! ولا يقبلونَ منه ولا يُعطونَهُ شيئًا.. مُستعجبًا من ذلكَ!!

وهذا في حقيقةِ الأمرِ لا يختلفُ عن دعوةِ أمير المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لأصحابِهِ للقتالِ في قوله: (أَلا وإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً ونَهَاراً وسِرّاً وإِعْلاناً وقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلا ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ وتَخَاذَلْتُمْ)، وخذلانِ النَّاسِ له، وتوبيخِهِ إيَّاهُم بقوله: (فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ والْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ واللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ. يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ ولا رِجَالَ!)، علمًا أنَّهُ ما كانَ بحاجَتِهم لأنَّهُ كانَ يستطيعُ أن يقهرَ الباطلَ وينصرَ الحقَّ دونَ قتالٍ، وقد أشيرَ لهذا في أكثرِ من روايةٍ، ولكن تعليمًا للمؤمنينَ على أصولِ الجهادِ في سبيلِ الحقِّ، والدَّليلُ ما وردَ عن سيِّدنا المسيحِ (ع): (جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي، عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي، مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي، مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ)، فهل هذا الجوعُ والعطشُ والعري والمرضُ حادثٌ بسيِّدنا المسيح (ع)!! أم هو واقعٌ فينا ومردودٌ إلينا!؟

ثمَّ قال تعالى: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ)، وهنا ازدادَ عَجَبُ سيِّدنا موسى (ع)، فكيفَ طلبَ سيِّدنا الخضر (ع) طعامًا من أهلِ القريةِ فَبَخِلوا عليهِ ولم يَطعَموهُ، وأبَوا أن يُضَيِّفوهُ، ثمَّ أقامَ لهم الجدارَ من غير أجرٍ، وقال سيِّدنا موسى (ع): (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) مقابلَ بُخلِهم فقال سيِّدنا الخضر (ع): (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)، وهذا القولُ وأمثالُهُ تأديبٌ وتعليمٌ لنا أنْ نُسَلِّمَ للعالِمِ في كلِّ ما يأتي به من العلومِ والأفعالِ والأحكامِ، إنْ وافقَ الأفهامَ الضَّعيفةَ أو لم يوافِقْها، لأنَّ الكليمَ (ع) لم يكنْ مُعترضًا أو مُخالفًا في الحقيقةِ، إنَّما على سبيلِ التَّعليمِ والتَّأديبِ، لأنَّ ذلكَ فينا واقعٌ وإلينا راجعٌ.

وكان التَّأويلُ في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ)، فأهلُ القريةِ ظالمونَ، وهذا الغلامان صالحانِ من أهلِ المدينةِ، ولو أنَّ أهلَ القريةِ قد اكتشفوا هذا الكنزَ لسَرقوهُ وتهتَّكوا به وحَرَموا منهُ المؤمنينَ، ولَكانَ قد سادَ الظُّلمُ الدُّنيا وما فيها، لأنَّ هذا الكنزَ لم يكنُ كنزًا نقديًّا بل معرفيًّا بدليلِ ما وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) عندما سئل عن هذا الكنزِ فقالَ: (أَمَا أنَّهُ ما كانَ ذهبًا ولا فضَّةً، وإنَّما كان أربعَ كلماتٍ: لا إلهَ إلاَّ أنا، مَن أيقَنَ بالموتِ لم يَضحَكْ سِنُّهُ، وَمَن أيقَنَ بالحسابِ لم يَفرَحْ قلبُهُ، وَمَن أيقَنَ بالقَدَرِ لم يَخْشَ إلاَّ اللهَ).

فكانَ الجدارُ الـمُقامُ بمثابةِ الحِصنِ الحَصينِ على الجوهرِ النَّفيسِ والكنزِ الثَّمينِ الـمُختَبِئِ تحتَهُ، والذي سيحصلُ عليهِ بَنوهُ من أهلِ المدينةِ حينَ يبلغونَ أشُدَّهم ويستحقُّونَ اقتناءَهُ.

ولابدَّ من إقامةِ الجدارِ ليقفَ عليهِ الأشرارُ، فيظنُّونَ أنَّ هذا الجدارَ هو الغايةُ التي أقامَها الوليُّ بصحبةِ النَّبيِّ، فيتمسَّكونَ بهِ اعتقادًا على أنَّهُ الحقيقةُ العُظمى، كما نجدُ المقصِّرَةَ يمارسونَ شعائرَ الحجِّ دونَ أن يفقَهوا معاني القِبلَةِ والقُبلةِ والتَّوجُّهِ، ويتعلَّقونَ بقبورِ الأئمَّةِ (ع) دونَ تنزيهِهم عن الحالاتِ البشريَّةِ التي لا تليقُ بحضرَتِهم النّورانيَّةِ.

ولابدَّ من التَّنويهِ على عدمِ الخلطِ بين القريةِ والمدينةِ ها هنا، فأهلُ القريةِ ظالمونَ، وكثيرًا ما وُصِفَتِ القريةُ بالظُّلمِ والكفرِ والعتوِّ، والغلامانِ المؤمنانِ لم يكونا منها بل من المدينةِ المحمودةِ، حتى أنَّه لا يُقالُ: (قريةٌ فاضلةٌ) بل (مدينةٌ فاضلةٌ) لذلك فإنَّه لا خلطَ ولا مزجَ بينهما، كما أنَّ الرَّسول (ص) أطلقَها على نفسِهِ بقوله: (أنا مَدينةُ العلمِ)، وقد كانَ اللهُ يرسلُ دائمًا أنبياءَهُ مِن المدينةِ لإنذارِ أهلِ القُرَى كما في قوله تعالى في سورة يس: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ)، ومَن جاءَ كان مِن المدينةِ في قوله في نفس السورة: (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ).

أمَّا أهلُ الحقِّ العلويِّ فإنَّهم بالغونَ بمعرفتِهم أنَّ وراءَ هذه الجدرانِ التي نُصِبَتْ على أعينِ أهلِ القريةِ كنزًا ثمينًا من العلومِ والمعارفِ كما قالَ الإمام علي زين العابدين (ع): (إنِّي لأكْتُمُ مِنَ عِلمي جَواهِرَهُ… كَي لا يَرَى العِلمَ ذُو جَهلٍ فَيفتَنِنَا).

والوليُّ حينَ يقيمُ الجدارَ لا يطلبُ عليهِ أجرًا، تعليمًا لنا على أنَّ إقامةَ التَّقيَّةِ الدِّينيَّةِ ليسَ لها أجرٌ ولا ثوابٌ بل هي واجبةٌ لقولِ الإمامِ الرِّضا (ع): (التَّقيَّةُ في دارِ التَّقيَّةِ واجبَةٌ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

التَّقيَّة الدينية بين المعتقَد السري والافتراءاتِ الوهابيَّة

ahmad

التَّقيَّة الدينية بين المعتقَد السري والافتراءاتِ الوهابيَّة
الباحث العلوي السُّوري الدكتور أحمد أديب أحمد
=============

كتبَ الباحثُ السُّوريُّ في الشُّؤونِ الدِّينيَّةِ أحمد أديب أحمد مقالاً لموقع مصر تايمز قال فيه:

 

يخطئُ كثيرًا مَن يظنُّ أنَّنا كعلويِّينَ نمارسُ التقيَّةَ لإخفاءِ معتقداتِنا السِّرِّيَّةِ التي أشاعَها أعداؤنا واتَّهمونا بها، من خلالِ ما نشروهُ على صفحاتِ الإنترنيت وفي الأسواقِ تحتَ مسمَّى (مخطوطاتٍ علويَّةٍ باطنيَّةٍ) أو معتقداتٍ خاصَّةٍ اتَّهمونا بها زورًا كزعمِهم أنَّنا نعبدُ البشرَ ولا نؤمنُ بالنَّبيِّ محمَّد (ص) وأنَّنا نحلِّلُ شربَ الخمورِ والسُّكرَ والعربدةَ والزِّنا وتناسخَ الأرواحِ و…..إلخ، فكلُّ ما نسبوهُ إلينا من الشُّبهاتِ والانحرافاتِ العقائديَّةِ كانت غايتُهُ أن يغطُّوا على انحرافاتِهم العقائديَّةِ التي أسَّست لها أهواؤهم الشيطانيَّةِ.

تلكَ الافتراءاتُ بدأتْ تنالُ منَّا كعلويِّينَ بعدَ انتشارِ كتبِ التَّكفيرِ البعيدةِ عن سُنَّةِ رسولِ اللهِ محمَّد (ص) وعن نهجِ أهلِ البيتِ (ع)، لأنَّ السَّنَّةَ النّبويَّةَ والنَّهجَ الإماميَّ لم يدعُوَا إلى تَكفيرِ أحدٍ، ولا إلى الافتراءِ عليهِ، ولا اتِّهامِهِ بما ليسَ فيه، عدا عن التَّحريضِ على قتلهِ وذبحِهِ وسبيِ أعراضِهِ واسترقاقِ أبنائِهِ!! فأيَّةُ ثقافةٍ تكفيريَّةٍ تلكَ التي حملَها أعداؤنا من أتباعِ ابنِ تيميَّةَ وأبي حامد الغزالي والشَّهرستاني وابن حزم الأندلسي وغيرهم، وأيَّةُ دعواتٍ للإخراج من الدِّين والقتلِ مارسوها ضـدَّنا، ونحن كنَّا وما زلنا على ســنَّةِ الرَّســولِ محمد (ص) وعلى نهجِ الإمام علي كرَّم اللهُ وجهَهُ لا نحيدُ عنه قيدَ أنملةٍ مهما جارَ الزَّمنُ علينا.

 

والسؤال الذي يطرحُ نفسه: لماذا كلُّ هذا الحقدِ والافتراءِ على العلويَّةِ النُّصيريَّةِ، وهل هناكَ مبرِّراتٌ لقتلِهِم وذبحهِم والجهادِ ضِدَّهم، وهل عاشوا هذا الخوفَ قبل ذلك؟

إنَّ الحقدَ الوهابيَّ على العلويَّةِ النُّصيريَّةِ كانَ بسببِ الصِّراعِ بين الالتزامِ العلويِّ النُّصيريِّ بسُنَّةِ نبيِّ الإسلامِ (ص)، والانحرافِ الوهابيِّ الشَّيطانيِّ وراءَ الكافرِ الزِّنديقِ محمد بن عبد الوهاب لعنه الله، وسأذكرَ بعضًا منها للإيضاح:

1- الوهابيُّونَ يشبِّهونَ اللهَ بالبشرِ والمخلوقاتِ، والدَّليلُ شبهةُ ابن باز في كتابِه (تنبيهاتٌ في الرَّدِّ على مَن تأوَّلَ الصِّفات): (نفيُ الجسميَّةِ والجوارحِ والأعضاءِ عن اللهِ من الكلامِ المذمومِ!!)، وشبهةُ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في كتابه (فتح المجيد): (اللهُ جالسٌ على الكرسيِّ)، لكنَّ ردَّنا عليهم أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى لا يمكنُ أن يجلسَ على عرشٍ أو كرسيٍّ لأنَّ هذا من صفاتِ البشرِ المخلوقين لا من صفاتِ اللهِ الذي ليسَ بجسمٍ ولا له جوارحُ ولا أعضاء، والدَّليلُ قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

2- الوهابيُّونَ يجعلونَ اللهَ سبحانَهُ وتعالى خاضعًا للمكانِ، والدَّليلُ شبهةُ ابن باز في مجلَّةِ الحجِّ عام 1415 هـ: (اللهُ فوقَ العرشِ بذاتِهِ)، لكنَّ ردَّنا عليهم أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى لا يمكنُ أن يحدَّهُ المكانُ لأنَّهُ منزَّهٌ عن المكانِ، والدَّليلُ قولُ رسولِ اللهِ (ص): (كانَ اللهُ ولم يكنْ شيءٌ غيرُهُ).

3- الوهابيُّونَ يُوقعونَ الباري تحتَ الأمكنةِ والجهاتِ، والدَّليلُ شبهةُ ابن عثيمين في كتاب (فتاوى العقيدة): (اللهُ في جهةٍ فوقَ العرشِ بذاتِهِ)، لكنَّ ردَّنا عليهم أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى منزَّهٌ عن الأمكنةِ وعن الجهاتِ بدليلِ قولِ الرَّسولِ الأكرمِ (ص): (اللهمَّ أنتَ الظَّاهرُ فليسَ فوقكَ شيءٌ، وأنتَ الباطنُ فليسَ دونكَ شيءٌ).

 

ولا يخفى على أحدٍ كيف لاحقَ مشركو قريش أصحابَ الرَّسولِ (ص) أثناءَ الدَّعوةِ سِرًّا، وكيفَ تابعَ أحفادُهم من بني أميَّةَ ملاحقةَ الأئمَّةِ وأصحابَهم (ع)، وكيفَ أمعَنوا في قَتلِهم وَصَلبِهم وَذَبحِهم، فمنهم أبو ذرٍّ الغفاريُّ الذي ما أظلَّتِ الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ أصدقَ ذي لهجةٍ منه فنُفِيَ إلى الرَّبدةِ وسُحِلَ جسدُهُ في الصَّحراءِ واستشهدَ، ومنهم زيدُ بن صوحانَ الذي استشهدَ يومَ الجملِ، ومنهم عمَّارُ ابن ياسرَ وخزيمةُ بن ثابتَ الأنصاريُّ اللَّذين استشهدا في صفِّينَ، ومنهم حجرُ بن عدي الذي قتلَهُ معاويةُ بن أبي سفيانَ أصلُ الخرابِ في التَّاريخِ الإسلاميِّ، ومنهم أصحابُ الإمامِ الحســينِ (ع) في كربلاءَ، ومنهم أصحابُ الأئمَّةِ (ع) الذين قتلهُمْ بنو أميَّةَ وبنو العبَّاس، وهذا الدَّمُ لا يتوقَّفُ أبدَ الدَّهرِ حتَّى يأتي القائمُ المنتظَرُ (ع) لِيُعيدَ الحقوقَ لأصحابِها.

واستمرَّ الاضطِّهادُ المريرُ لأبناءِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ على مَدَى قرونٍ طويلةٍ بدافعٍ من العداءِ الدِّينيِّ، فلابدَّ أن نَمُرَّ على بعضِ الحقباتِ التَّاريخيَّةِ التي تَمَّ ذكرُها في كتبِ التَّاريخِ، وأبرزُ تلكَ الحقباتِ تلكَ الحقبةُ التي شَعْشَعَتْ فيها أنوارُ الدَّولةِ الحمدانيَّةِ بقيادةِ القائدِ المؤمنِ العلويِّ سيفِ الدَّولةِ الحمدانيِّ الذي كانَ أحدَ طلَّابَ العلمِ في مدرسةِ سيِّدنا الحسين بن حمدان الخَصيبيِّ، وكانَ تجمُّعُ أبناءِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ متركِّزًا آنذاكَ في حلبَ ومناطقِها، لكنْ منذُ ذلكَ الحينِ قامَتْ سلسلةُ المذابحِ بحقِّنا، حيث شنَّ آلُ زنكي أوَّلَ حملةٍ ضدَّ أجدادِنا في حلبَ ما أسفرَ عنها سفكُ الكثيرِ من الدِّماءِ البريئةِ، ثمَّ جاءَ بعدَهُ صلاحُ الدِّينِ الأيوبيُّ وبعضُ الأيُّوبيِّينَ من بَعدِهِ حاملينَ كلَّ حقدِهم وشنُّوا حملةً أشدَّ وأعنفَ من سابقَتِها، وامتدَّتْ جذورُها بدءًا من القرنِ السَّادسِ للهجرةِ حتَّى القرنِ العاشرِ للهجرةِ حيث جاءَ الطَّاغيةُ سليمُ الأوَّلُ بمجزرةٍ راحَ ضحيَّتَها أكثرُ من أربعةٍ وأربعينَ ألفًا من علويِّي الأناضولِ وعشراتُ الآلافِ من علويِّي حلبَ، وكان ممَّنْ أيَّدَهُ على هذهِ الجريمةِ النَّكراءِ الدَّاعيةُ نوح الحنفيُّ الذي أفتى بأنَّنا خارجونَ عن الدِّينِ ويجبُ قتلُنا، فأُبيدَ بهذه الفتوى من مؤمني حلب العلويِّينَ أكثرُ من أربعينَ ألفٍ، ونُهِبَت أموالُهم وتمَّ تهجيرُ الباقينَ، وفي شهرِ رمضانَ من العامِ 1212 هـ، حدثَتْ مجزرةٌ رهيبةٌ مفجعةٌ بإيعازٍ من الأتراكِ العثمانيِّينَ، حيث عَظُمَتِ الفتنةُ في حلبَ فالتجأَ ساداتُ العلويِّينَ إلى جامعِ (الأطروش) وحُوصِرُوا فيه ومُنعوا من الماءِ، حتَّى فُتحَتْ أبوابُ الجامعِ فَفَتَكَ البكجريَّةُ بهم ذبحًا وبقرُوا بطونَهم وطرحوهم في الآبارِ وهم أحياءُ، ثم هَجَمُوا على أحيائِهم في حلب فقضَوا على السُّكانِ قضاءً تامًّا إلاَّ الأطفال، فسُمِّيَ الحيُّ باسمِهم: (حارةُ الصِّغار)، ممَّا اضطرَّ أجدادَنا للتَّكتُّمِ بعدَ ذلكَ والتَّستُّرِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ حتَّى انقرضُوا تقريبًا في حلبَ وتَسَنَّنَ معظمُهم، وبقيَ منهم عدَّةُ بيوتٍ يَقذفُهم النَّاسُ بأنَّهم رافضةٌ، ومنهم مَن لم يزلْ محافظًا على مذهبِ أهلِ البيتِ لا يصـرِّحُ إلا لِمَنْ يَثِقُ به. وقد شـــملَتْ هذه المجازرُ المذكورةُ ما لا يَعلَمُ عددُهُ من أجدادِنا إلاَّ الله، ممَّا أدَّى إلى لجوئِهم إلى إخوانِهم المنعزلينَ لنفسِ السَّببِ في أقاصي الأريافِ وفي رؤوسِ الجبالِ وسفوحِها السُّوريَّةِ الغربيَّةِ، وكانت للجميعِ عاداتُهم الفطريَّةُ مشوبةً بالخوفِ والذُّعرِ من عادياتِ الزَّمنِ، ومنبثقةً في ماهيَّتِها عن الطَّبيعةِ الصَّافيةِ، وعن التَّعاليمِ الرُّوحيَّةِ السَّماويَّةِ.

ومع ذلك فنحنُ نلتزمُ بالنَّصِّ المأثورِ عن أهلِ العصمةِ بمعزلٍ عن الأخذِ بعينِ الاعتبارِ خصوصيَّات الزَّمانِ والمكانِ، لأنَّ التَّقيَّةَ الدِّينيَّةَ مفروضةٌ على المؤمنينَ لأنَّها دينُ اللهِ، فالمسألةُ لا تتعلَّقُ بظروفٍ معيَّنةٍ ضاغطةٍ فقط، بل القضيَّةُ قضيَّةُ منطلقٍ دينيٍّ سماويٍّ يجبُ القبولُ بهِ، وليسَ منطلقًا حلَّ في فترةٍ معيَّنةٍ فقط، والتقيَّةُ من الواجباتِ الإيمانيَّةِ التي لا يجوزُ التَّهاونُ بها، فهي دينُ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى، المتمثِّلِةُ بقول الإمام الصادق (ع): (التَّقية دينُ الله).

لكنْ لابدَّ من التَّنبيهِ إلى أنَّ التَّقيَّةَ الدِّينيَّةَ لا تعني أنَّنا نكتمُ معتقداتٍ وكتبًا سِرِّيَّةً كما يروِّجُ البعضُ!! لأنَّنا نقرُّ أنَّ اللهَ أتى بسرِّهِ عمومًا لا خصوصًا، ولكنْ بعدَ جحودِهِ ونكرانِهِ أمرَ بكتمانِ السِّرِّ ولم يأمرْ بكتمانِ المُعتَقَدِ والانتماءِ للإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ, وهو الحاكمُ العادلُ لا يَدَعُ لمخلوقٍ حجَّةً عليهِ, ليَهدِيَ مَن يَهتدي عن بيِّنَةٍ، ويُضِلَّ من يَضُلُّ عن بيِّنةٍ، وهو معنى قول الإمام الصَّادِقِ (ع): (سِرُّ اللهِ مَبثوثٌ بَينَ خَلقِهِ لا يَعرِفُهُ أكثَرُهُم)، وهذا أمرٌ أرادَهُ اللهُ تعالى وأمرَنا به، وهذا الكتمانُ أمرٌ قامَ به الأئمَّةُ وأصحابُهم (ع) قبل أن يأمرُونا به، فقد وردَ عن أميرِ المؤمنين عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ أنَّه قالَ لأحَدِ خواصِّهِ: (إنَّ للهِ رجالاً أودَعَهُم أسرارًا خفيَّةً ومَنَعَهم من إشاعَتِها)، لأنَّ للهِ أسرارًا لا يجوزُ أن تذاعَ لقولِ الإمام الصادق (ع) في وصيَّتِهِ للمعلَّى بن خُنيس: (يا مُعَلَّى إنَّ المذيعَ لأمرِنا كالجاحدِ لَهُ). فالإيمانُ ليسَ فقط في قبولِ المعتقدِ.. بل في صيانةِ السِّرِّ الإلهيِّ لقولِ سيِّدنا المسيحِ (ع) الذي أوصانا بحفظِ الحقيقَةِ: (لاَ تُلقوا بِدُرَرِكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ لِئَلَّا تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ).

هذا يعني أنَّ السِّرَّ الحقيقيَّ ليس ذلكَ الذي نشروهُ على صفحاتِ الإنترنيت وفي الأسواقِ، فكلُّ هذا بعيدٌ عنَّا لأنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ في التَّوحيدِ وإقامةِ الشَّرعِ المحمَّديِّ واضحٌ للعِيانِ، لكنَّ السِّرَّ هو في فهمِ الأسرارِ العظيمةِ التي تحويها الآياتُ والأحاديث وتشيرُ إليها إشارةً وتحقيقًا، فلا يستطيعُ فهمَها إلا مَن رحمَهم الله، في أيَّةِ طائفةٍ كانوا، لأنَّ جنودَ اللهِ ودُعاتُهُ وأخيارُهُ هم صفوةُ الصَّفوةِ من البشريَّةِ سواءَ كانوا موجودينَ بين العلويَّةِ أو السُّنَّةِ أو الشِّيعةِ أو المسيحيَّةِ أو العلمانيَّةِ، وآثارُهم تتكَّلمُ عنهم، وليسوا بحاجةٍ إلى شهادةِ الأدنى لأنَّ شهادةَ الأعلى هي التي اختارَتهم ليكونوا حجَّةً على العالَمين.

 

المصدر: مصر تايمز

العلويون بين التقية والعرفان الفلسفي

ahmad

العلويون بين التقية والعرفان الفلسفي

  • تحقيق: هيثم مزاحم

 

اللاذقيّة – قليلة هي المصادر الموثوقة التي تتحدّث عن المذهب العلويّ، وذلك لأنّ المعادين لهم يتّهمونهم بالباطنيّة والغلوّ، ويعدّونهم فرقة كافرة تدّعي الإسلام تقيّة لكنّها تبطّن الكفر، وهو ما يعتبره العلويّون افتراءات، بينما يحاول العلويّون والشيعة المؤيّدون لهم تصويرهم كشيعة إثني عشريّة يؤمنون بمذهب أهل بيت النبيّ، وهو أمر لا يعبّر في شكل كامل عن حقيقة العلويّين كفرقة مستقلّة تنتهج الطريق العرفانيّ والفلسفيّ والتأويل الباطنيّ للقرآن، ولا تكتفي بالتفسير الظاهريّ له.
قبل نحو شهر، نشرت وثيقة نسبت إلى مجموعة علويّة تميّزت بجرأة في الموضوع الدينيّ أكثر من جرأتها السياسيّة، إذ دعت إلى إنهاء التقيّة وشدّدت على استقلال العلويّة كإسلام ثالث، هو الإسلام العرفانيّ، واعتبرت أنّهم ليسوا من الإسلام السنّي النقليّ، الذي يعتمد على أحاديث النبي، ولا من الإسلام الشيعيّ الذي يعتمد على العقل في تفسير النصوص الدينية، مؤكّدة على التمايز عن الشيعة في المعتقدات والطقوس.

يقول الباحث الدينيّ العلويّ السوريّ أحمد أديب أحمد، في حديث خاصّ إلى “المونيتور”: “نهجنا العلويّ يتميّز عن المذاهب الأخرى بمفهوم العبادة التي تركّز على المعرفة والدراية، لا على التشريع والرواية، فنحن ندرك أنّ العبادة لا تتحقّق إلّا باقترانها بمعرفة الله”.

كما رفضت الوثيقة حديث الفرقة الناجية الذي يقول “تفترق أمّتي على ثلاثٍ وسبعين ملّة، كلّهم في النّار إلا ملّةٌ واحدة”، إذ تدعي كل فرقة أنها الناجية، فتحتكر النجاة وتكفّر الفرق الأخرى. بينما تؤكد الوثيقة أن إيمان العلويّين بفكرة وجود الأخيار في كلّ الأديان والمذاهب. لكنّ أحمد يقول إنّ “لا أحداً يمكنه رفض فكرة الفرقة الناجية في حديث رسول الله، لكنّ الإيمان والنجاة وفق نهجنا لا يرتبطان بالانتماء الطائفيّ في شكل ضيّق، بل بالولاء الخالص، لذلك نقرّ بوجود رجال اختصّهم الله لإعلاء كلمته في أيّ مكان”.

ينتسب العلويّون إلى الإمام علي بن أبي طالب (599-661م)، ابن عم النبيّ محمّد وصهره، والخليفة الراشديّ الرابع. وقد عرفوا سابقاً بالنصيريّة نسبة إلى محمّد بن نصير (توفّي في عام 873م)، ويقولون إنّه أحد أصحاب الإمامين الهادي والعسكريّ، وإنّه “باب” الإمام المهديّ، بينما ينفي الشيعة ادّعاءهم.

نشأ المذهب العلويّ في العراق، ثمّ انتقل إلى حلب في سوريا في ظلّ حكم سيف الدولة الحمدانيّ الذي كان علويّاً ساعد على انتشار دعوة العلويّين، حيث كان يتبع أحد كبار علمائهم الحسين بن حمدان الخصيبي (874-961م)، مؤسّس طريقة ممارسة الإيمان العلويّ.

تعرّض العلويّون للاضطهاد على أيدي الدول الأمويّة والعبّاسيّة والمملوكيّة والعثمانيّة، التي نفّذت مجازر ضدّهم بعد احتلالها بلاد الشام في عام 1516م، ممّا جعلهم يفرّون إلى جبال اللاذقيّة بعد مجزرة حلب الكبرى حيث قتل الآلاف منهم.

وأعطت فتاوى الشيخ تقي الدين ابن تيمية (1263 –1328) التي كفّرت الشيعة والعلويّين والدروز والاسماعيليّين، المبرّر الدينيّ للسلطات المملوكيّة والعثمانيّة لتكفير العلويّين وقتلهم.

ترك هذا الاضطهاد بصماته على المجتمع العلويّ، فلجأ العلويّون إلى التقيّة في الممارسة الدينيّة وإلى الأفكار القوميّة واليساريّة والعلمانيّة في العمل السياسيّ والحزبيّ.

تقول الوثيقة المذكورة إنّ “الباطنيّة العلويّة ليست منهاج إيمان سريّ”، بل هي إيمان بالسرّ الإلهيّ، هي طريقة لإدراك حقيقة الأسرار المعجزيّة للخلق، وليس لإخفاء الاعتقاد الدينيّ. يرفض أحمد الدعوة لإنهاء التقيّة لأنّ الإمام علي قال: “صن دينك وعلمك الذي أودعناك، ولا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، واستعمل التقيّة في دينك، وإيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك”. ويوضح أنّ السريّة “لا تعني إخفاء تعاليمنا عن الآخرين، بل تخصّ علوماً لاهوتيّة وأسراراً معرفيّة يبلغها خصوصاً الذين نذروا نفوسهم لله، ففتح عليهم وأمدّهم بمعارف باطنيّة فحفظوها من الوقوع في أيدي المارقين فيحرّفوها”.

يأخذ المسلمون على العلويّين أنّهم يؤلّهون الإمام عليّ، وهو اتّهام ينفيه العلويّون.

يقول أحمد إنّ الإمام عليّ هو الوصيّ وإنّ محمّداً هو النبيّ، والوصل بينهما لا يمكن لأحد أن يحدّده لقول رسول الله: “أنا من علي وعليّ منّي”، لكن الفصل يتمثّل في قوله: “ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي”.

يقول باحث علويّ مقيم في اللاذقية، طلب عدم الكشف عن اسمه لحساسية الموضوع لـ”المونيتور”، إنّه ليس هناك تأليه للإمام عليّ، وإنّ بعض العامّة العلويّين قد غالى في عليّ نتيجة الفهم الخطأ. ويضيف أنّ النظرة إلى محمّد وعليّ أبعد من النظرة التقليديّة، فهما تجلٍّ للخالق وجميع الرسل هم شخص واحد يظهر في أوقات مختلفة. فالرسالات ينابيع عدّة من مصدر واحد هو الله. ويكشف عن حصول بعض الخلافات بين العلويّين حول أمور فلسفيّة، ثمّ صار تقارب أكثر مع الشيعة الإثني عشريّة مع الشيخ سليمان الأحمد، مشيراً إلى بعض المشتركات مع الشيعة في العقائد الأساسيّة) التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، ويوم الحساب)، وبعض الاختلافات نتيجة البعد الفلسفيّ والصوفيّ لدى العلويّين.

يرفض أحمد فكرة أنّ الأنبياء هم شخص واحد ويقول: “الأنبياء في نهجنا ليسوا أشخاصاً بشريّين، بل هم أنوار الله”.

يؤمن العلويّون بتنزيه الله بكلّيته وتجلّياته، ويقول أحمد إنّ رؤية العلويّين لله تعبّر عنها آية النور القرآنية ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ..﴾، ورؤيتهم للتوحيد تعبّر عنها سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

قالت الوثيقة إنّ العلويّين يؤمنون بتفسير باطنيّ لنصوص القرآن وليس بنصوص موازية له، مقرّة بأنّ العلويّين استقوا من باقي الأديان التوحيديّة (اليهوديّة والمسيحيّة)، وأنّ ذلك مصدر اكتمال وغنى لها. ويوضح أحمد ذلك بأنّ “للقرآن وجوهاً ظاهرة وباطنة نأخذ بها جميعاً”.

وعن الاستقاء من الديانات الأخرى، يقول أحمد إنّها “محاولة لتشويه نهجنا العلويّ واتّهامنا بإدخال الإسرائيليّات إلى معتقدنا وهذا محض افتراء، لكنّنا نؤمن بكلام موسى وعيسى وسليمان وداوود وكلّ الأنبياء، ونستشهد بأقوالهم ونلتزم بتعاليمهم، كالتزامنا بكلام الرسول وأهل بيته”.

يأخذ المسلمون على العلويّين إيمانهم بالتقمّص الذي يعتبرونه مخالفاً للإسلام. لكنّ أحمد يوضح أنّ “التقمّص لا يعني انتقالاً عشوائيّاً للنفس بين جسد وآخر من دون ترتيب، بل هو حقيقة دينيّة وعلميّة لدينا الكثير من الأدلّة عليها، وهذا لا يتنافى مع مبدأ الجزاء يوم القيامة ولا ينفي وجود الجنّة والنار، لأنّ العدل الإلهيّ يقتضي أنّ لا أحد منّا يستطيع أن يحقّق ذاته الكاملة، وأن يصفّي نفسه من شوائبها، في حياة واحدة، فبعد الوفاة تجزّى كلّ نفس بما قدّمت، وعند قيام الساعة، تكون الجنّة مأوى للمؤمنين، والنار مثوى للكافرين”.

خلاصة القول، مهما كانت عقيدة العلويين ومهما كانت خلافاتهم العقائدية مع السنة والشيعة، ينبغي احترام هذه الاختلافات وقبول العلويين كمسلمين كما يعتبرون أنفسهم، حتى لو كانت لهم رؤيتهم الخاصة للإسلام وتأويلهم الخاص للقرآن.

 

المصدر: موقع المونيتور الأمريكي