أرشيف الوسم: التوحيد

السؤال الثاني والثلاثون عن المعرفة والإدراك

images

السُّؤال الثَّاني والثَّلاثون: ما هو الفرقُ بين المعرفة والإدراك؟ وهل هما خاصَّانِ بأهلِ الإيمانِ فقط؟

الجوابُ الثَّاني والثَّلاثون بإذن الله:

إنَّ الشَّعرةَ ما بينَ المعرفةِ والإدراكِ هي التي قسمتِ الخلقَ منذُ بدءِ الوجودِ الإنسانيِّ إلى موحِّدٍ ومنكرٍ ومشركٍ باللهِ، فهناكَ فرقٌ شاسعُ بينَ أن تقولَ: عرفتُ اللهَ، وبينَ أن تقولَ: أدركتُ الله!!

فالمعرفةُ للهِ أمرٌ لابدَّ منهُ لكلِّ الخلقِ حتَّى يُثبِتَ وجودَهُ، وهي أمرٌ لابدَّ أن يُعرَضَ على المؤمنِ والكافرِ على السَّواء لتَثبُتَ الحجَّةُ، لذلكَ قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، فلم يخصِّصِ اللهُ رسالةَ نبيِّهِ الأعظمِ لقومٍ دونَ قومٍ، بل كانَت الرِّسالةُ للعالمينَ جميعًا ليعرفوا ربَّهم الذي يدعو إليهِ سيِّدنا محمَّد (ص)، وهو الرَّحمةُ المطلقَةُ التي أتَتْ بهدى الولايةِ لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ)، فالرَّحمةُ صفةُ النَّبيِّ لا صفةُ البشرِ، ومَن تَبِعَهُ كانَ مرحومًا مُفاضًا عليهِ من نعمةِ اللهِ لقوله تعالى: (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، أمَّا مَن أنكرَ هذا الهدى فمصيرُهُ في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ).
هذا يعني أنَّ الأنبياءَ أرسِلوا للنَّاسِ جميعًا ليُعرِّفوهم سبيلَ الهدىَ واليقينِ، فشَهِدوا آياتِ اللهِ إثباتًا لكيلا يحتجُّوا فيقولوا: ما شَهِدنا الآياتِ أفتريدُنا يا محمَّدُ أن نومنَ بما لم نشهدْ!؟ ولذلكَ قال أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (بآياتِهِ احتَجَّ على الخلقِ).
وهذا يعني أنَّ الآياتِ البيِّناتِ قد أثبتَتِ الحجَّةَ بوجودِها ومعرفَتِها فكانت نعمةً للمؤمنينَ المقرِّينَ الذينَ استقرُّوا على هذه المعرفةِ المشهودةِ لقوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا)، وكانت حُجَّةً على الكافرينَ الذينَ أنكروها بعدَ معرفتِهم ليَثبُتَ عليهم الكفرُ لقوله تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ)، وكانت نقمةً على المنافقين الذينَ كتمُوا معرفةَ الهدى عن العالمينَ مجاملةً للباطلِ ورياءً لقوله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، وهم النَّاموسيُّونَ الذينَ خاطبَهم سيِّدنا المسيح (ع) بقولِهِ: (وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ لأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ مِفْتَاحَ الْمَعْرِفَةِ، مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ)، وهم أيضًا الذينَ حاربوا أهلَ البيتِ (ع) بعد غيبةِ رسولِ اللهِ (ص) ليغيِّروا حقيقةَ الإسلامِ، فكتَموا ما عرفوهُ وشهدوهُ من معاجزِ أميرِ المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهه، وأخفَوا وصايا رسولِ الله (ص) في بيعاتِهِ له من بعدِ ما بيَّنها اللهُ تعالى في كتابِهِ وكانَ آخرها بعدَ مبايعتِهِ له في يوم الغدير في حجَّةِ الوداعِ فأنزلَ تعالى قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً).

ما سبقَ يعني أنَّ الوجودَ مبنيٌّ على المعرفةِ المشهودةِ للحقِّ، ولا يمكنُ أن يحاسبَ اللهُ أحدًا إلاَّ بعدَ أن يُشهِدَهُ آياتِهِ بيِّناتٍ لقولِهِ تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ).
أمَّا معرفةُ الآياتِ البيِّناتِ فهي نعمةٌ للمؤمنِ المقرِّ لأنَّها بدايةُ طريقِ العبادةِ لقولِ أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (أوَّلُ الدِّينِ معرفَتُهُ)، وقوله: (لا دينَ إلاَّ بمعرفةٍ ولا معرفةً إلاَّ بتصديقٍ)، فالمعرفةُ عندَ المؤمنِ مرتبطةٌ بالإقرارِ بما عرفَ وَالتَّصديقِ بما شَهِدَ، لكنَّهُ يعلمُ أنَّهُ عاجزٌ تمامَ العجزِ عن إدراكِ صاحبِ الآياتِ البيِّناتِ ومُبدِيها للخلقِ أجمعين لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، وقول أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا تدركُهُ الأبصارُ ولا تحويهُ خواطرُ الأفكارِ ولا تمثِّلُهُ غوامضُ الظُّنَنِ في الأسرارِ)، فيقفُ عندَ مقدارِ استطاعتِهِ لأنَّهُ يعلمُ تمامًا أنَّهُ سيبقى في حدودِ المعرفةِ لا الإدراكِ لقولِ الإمام الحسين (ع): (لا يُقَدِّرُ الواصفونَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ، ولا يَخطُرُ على القلوبِ مَبلَغُ جَبروتِهِ، لأنَّهُ ليسَ لَهُ في الأشياءِ عديلٌ، ولا تُدرِكُهُ العلماءُ بألبابِها).

والخلاصةُ:

إنَّ المعرفةَ شاملةٌ للخلقِ جميعًا (لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)، وأمَّا الإدراكُ فهو خاصٌّ بالمؤمنينَ، وهم لا يدركونَ كُنْهَ ربِّهم لكنَّهم يدركونَ عظمتَهُ بعجزِهم عن إدراكِهِ لقولِ أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (ليسَ اللهَ عَرفَ مَن عَرَّفَ ذاتَهُ، ولا لَهُ وَحَّدَ مَن نَهَّاهُ، ولا بهِ صَدَّقَ مَن مَثَّلَهُ، ولا حقيقتَهُ أصابَ مَن شبَّهَهُ، ولا إيَّاهُ أرادَ مَن توهَّمَهُ، ولا لَهُ وَحَّدَ مَنِ اكْتَنَهَهُ، ولا بِهِ آمنَ مَنْ جعلَ له نهايةً، ولا صمدَهُ مَن أشارَ إليهِ، ولا إيَّاهُ عَنَى مَن حَدَّهُ، ولا لَهُ تَذَلَّلَ مَن بَعَّضَهُ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

العلوية.. نهج التوحيد وميزان الحق

ahmad

العلوية.. نهج التوحيد وميزان الحق
بقلم الباحث العلوي السوري الدكتور: أحمد أديب أحمد
=================

كتبَ الباحثُ السُّوريُّ في الشُّؤونِ الدِّينيَّةِ أحمد أديب أحمد مقالاً لموقع مصر تايمز قال فيه:

 

لابدَّ لكلِّ فعلٍ مِن رَدِّ فعلٍ يماثلُهُ في المكانِ والزَّمانِ والشَّكلِ والهيئةِ، ومع أنَّنا كعلويِّينَ لا نتطرَّقُ للجدالِ في القضايا الدِّينيَّةِ لاحترامِنا لحريَّةِ كلِّ شخصٍ بالتَّوجُّهِ إلى اللهِ الأحدِ، فإنَّ هذا لا يُبرِّرُ لنا أن نغضَّ النَّظرَ عن محاولاتِ التَّشويهِ وقلبِ الحقائقِ لِنَهجِنا العلويِّ المحمديِّ الإسلاميِّ السَّمِحِ، خاصَّةً عندما استخدمَ أصحابُها مواقعَ الإنترنيت، فأوقَعُونا بين خيارين: إمَّا أن نردَّ فيَتَّهِمُنا البعضُ بالتَّحريضِ!! أو أن نسكتَ فينتشرَ الباطلُ ويصبحَ حقيقةً عندَ العامَّةِ إذ لم يواجِهْهُ أهلُ الحقِّ بكلمةِ الحقِّ، ونحن اخترنا أن نَرُدَّ حتَّى لا يستمرَّ المشوِّهونَ بتشويهِ الحقيقةِ لقولِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (حينَ سَكَتَ أهلُ الحقِّ عن الباطلِ، ظَنَّ أهلُ الباطلِ أنَّهم على حَقٍّ).

 

علمًا أنَّ كلَّ محاولاتِ التَّشويهِ لنهجِنا العلويِّ المحمَّديِّ الإسلاميِّ مطبوخةٌ في مطابخِ الموسادِ الإسرائيليِّ وبإشرافِ جهاتٍ متآمرةٍ وهابيَّةٍ وإخوانيَّةٍ وسلفيَّةٍ تريدُ النَّيلَ من نهجِ أميرِ المؤمنينَ والأئمَّةِ المعصومين (ع)، لذلك كان لابدَّ من مواجهةِ التَّضليلِ بالدِّفاعِ والتَّبرُّؤ من هذهِ الافتراءاتِ الكاذبةِ والمزوِّرةِ والمُضَلِّلَةِ، من خلالِ الرَّدِّ الجامعِ والمؤيَّدِ بالأدلَّةِ والبراهينِ مُقتدينَ بقوله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، وهو ما نعتبرُهُ واجبًا دينيًّا لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (إذا ظهرَتِ البِدَعُ في الأرضِ فَلْيُظْهِرِ العالمُ عِلمَهُ، فإنْ لم يَفعَلْ فَعَليهِ لعنةُ اللهِ)، ونحنُ نمتلكُ من سلاحِ العلمِ ما يَكفي لِدَحْضِ الشُّبُهاتِ، وهي نعمةٌ من اللهِ سُبحانَهُ علينا.

 

وَسَنردُّ دَومًا اقتداءً بقولِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (رُدُّوا الحَجَرَ من حيثُ جاءَ، فإنَّ الشَّرَّ لا يَدفَعُهُ إلاَّ الشَّرُّ)، فَشَرُّ المؤمنِ خيرٌ يَدفَعُ به شَرَّ المنافقِ لِيُبطِلَ ظُلمَهُ المُتمثِّلَ بالشِّركِ لقوله تعالى: (إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، والشِّرْكُ لم يعد متمثِّلاً بشكلِهِ الظَّاهرِ كما كان أيَّامَ عبادةِ الأصنامِ والأوثانِ، بل تحوَّلَ إلى شركٍ خَفِيٍّ حَذَّرَ منهُ الرَّسولُ الأكرمُ (ص) بقوله: (الشِّركُ في أمَّتِي أخفَى من دبيبِ النَّملةِ السَّوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على المِسْحِ الأسوَدِ)، وهذا الشِّركُ الخفيُّ سَبَبُهُ اعتناقُ المُنخَنِقَةِ والحشويَّةِ والمقصِّرَةُ لِمَذهَبَي القياسِ والاجتهادِ بالرَّأي اللَّذين حذَّرَ منهما الإمامُ الصَّادقُ (ع) حين قال: (خُصلتانِ مُهلكتان: أن تفتيَ النَّاسَ برأيكَ، أو تُدينَ بما لا تَعلَم).

 

خِتامًا أقولُ باختصار:

نحنُ براءٌ من الافتراءاتِ الكاذبةِ، والأقاويلِ المزوَّرَةِ، وممَّنْ يتحدَّثُ باسمِ العلويِّينَ زُورًا ولا يمتُّ لهم بِصِلَةٍ، ونحنُ براءٌ من كلِّ شخصٍ يلبسُ الدِّينَ نِفاقًا ويَعتلي المنابرَ رياءً ويُضلِّلُ النَّاسَ بآراءٍ مشبِّهَةٍ ومعطِّلةٍ مخالفًا نهجَ التَّوحيدِ العلويِّ وميزانَ الحقِّ النُّصيريِّ الخَصيبيِّ المواجِهِ للقياسِ الحشويِّ والاجتهادِ التَّقصيريِّ لأنَّ القياسَ طريقٌ للانعكاسِ، وقد حذَّرَ سيِّدُنا أبو شعيب محمَّد بن نُصَير منهُ فقالَ: (الحذرُ كلُّ الحذرِ من علمِ القياسِ لأنَّه يُوجِبُ الانعكاسَ).

 

ثبَّتَنا اللهُ على المنهاجِ الشُّعيبيِّ القويمِ والرَّأي الخَصيبيِّ الحكيمِ والصِّراطِ العلويِّ المستقيمِ ودينِ الإسلامِ الحقِّ الجامعِ دونَ نفاقٍ ولا انحرافٍ ولا ارتدادٍ لقوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ).

 

 

المصدر: مصر تايمز

نور الهداية لأهل الولاية

كتاب

نور الهداية لأهل الولاية

د. أحمد أديب أحمد

مناظرة بين رجل دين علوي واثنين من أسياد الشيعة من إيران في عام ٢٠٠٧م

noor

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

نور الهداية لأهل الولاية