أرشيف الوسم: الخصيبي

السؤال الثامن والثمانون حول التجسيم والتحديد

images

السُّؤال الثَّامنُ والثَّمانون: كيفَ نَرُدُّ على الذين يَزعمونَ أنَّ كلَّ ما يقومُ به العلويُّونَ هو تَكييفُ الحقائقِ الإسلاميَّةِ مع التَّجسيمِ والتَّحديدِ؟

الجوابُ الثَّامنُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:
إنَّ كلَّ الحملاتِ التي طالَتْ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ الخصيبيَّ من قبلِ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ كانَ سببُها التَّوحيدُ الحقيقيُّ الذي ارتكزَتْ عليهِ عقيدَتُنا الحَقَّةُ، وردودُ سادَتِنا العظماءِ كسيِّدِنا أبي شعيب محمَّد بن نُصَير وسيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ (ع) على أهلِ التَّجسيمِ والتَّشبيهِ والتَّعطيلِ والإنكارِ، فما كانَ من أولئكَ المشبِّهين والمعطِّلين إلاَّ اتِّهامَنا بما ليسَ فينا.
فالسُّنَّةُ والشِّيعةُ لا يبحثونُ ولا يُمحِّصونَ في كُتُبِ سادَتِهم، وينسبونَ لنا التَّجسيمَ دونَ تدقيقٍ في أنَّ التَّجسيمَ والتَّحديدَ لذاتِ اللهِ في كتبِهم قائمٌ، وسأعرضُ ما جاءَ فيها وما هي الرُّدودُ العلميَّةُ عليها.
لا تخلو كتبُ ما يُطلَقُ عليه لقبُ (شيخ الإسلام ابن تيميَّة) من تجسيمِ الإلهِ عزَّ شأنُهُ، فمِن ذلك قولُهُ الـمَشبوهُ: (إنَّ اللهَ يجلسُ على العرشِ، وقد أخلى مكانًا يَقعدُ فيه معهُ رسولُ اللهِ!!)، وقولُهُ المشبوهُ في كتابِ (مجموعِ الفتاوى): (إنَّ محمَّدًا يُجلِسُهُ ربُّهُ على العرشِ معهُ!!)، وقولُهُ المشبوهُ في نفسِ الكتابِ: (إذا جلسَ اللهُ على الكرسيِّ سُمِعَ له أطيطٌ كأطيطِ الرَّحلِ الجديدِ!!)، وكأنَّ اللهَ ملكٌ جالسٌ على السَّريرِ في مكانٍ مرتفعٍ ينظرُ إلى العالمِ تحتَهُ!! وكأنَّه جسمٌ كبيرٌ لَهُ ثقلٌ على العرشِ وهو يَئِطُّ كما يَئِطُّ الرَّحلُ حينما يجلسُ عليه الإنسانُ الثَّقيلُ!! مؤكِّدًا هذه الفكرةَ في كتابِهِ (تلبِيس الجهمية) بقولِهِ المشبوهِ: (إنَّ اللهَ على العرشِ والملائكةُ حَمَلَةُ العرشِ تَشعُرُ بثِقَلِ الجَبَّارِ!!)، وهو يستندُ في مقولتِهِ المشبوهةِ إلى حديثٍ منسوبٍ زورًا لرسولِ اللهِ (ص) وردَ في سُنَنِ أبي داود وغيرها.
وتابعَ تلميذُهُ ابنُ القيِّمِ الجوزيَّة على مسلَكِه المنحرفِ بقولهِ المشبوه في كتاب (بدائع الفوائد): (إن اللهَ يُجْلِسُ رسولَهُ معهُ على العرشِ.. ولا تُنكِرُوا أنَّهُ قاعدٌ ولا تُنكِرُوا أنه يُقعِدُهُ!!)، كما وردَ في كتابِ (طبقاتِ الحنابلةِ): (واللهُ عزَّ وَجَلَّ على العرشِ والكرسيّ موضِعُ قدميهِ).
ويؤكِّدُ ابنُ تيميَّةَ على تجسيمِ إلهِهِ بقولِهِ المشبوه: (إنَّ النَّبيَّ يذكرُ أنَّهُ رأى ربَّهُ في صورةِ شابٍّ مُوفرٍ رِجلاهُ في خضرٍ علَيه نَعْلانِ مِن ذهب على وجْهِهِ فِراشٌ مِن ذهَب) في إشارةٍ إلى يزيد بن معاوية، لأنَّ مغازلاتِهِ ومحاباتِهِ للفرقةِ اليزيديَّةِ المغاليةِ بيزيد وعدي بن مسافر تؤكِّدُ ذلكَ في مقدِّمةِ كتابهِ (الوصيَّة الكبرى).
وحتَّى يُثبِتَ ابنُ تيميَّةَ شُبهةَ التَّجسيمِ زعمَ قائلاً: (ليسَ في كتابِ اللهِ ولا سنَّةِ رسولِهِ ولا قولِ أحدٍ من سلفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها أنَّه ليسَ بجسمٍ وأنَّ صفاتِهِ ليست أجسامًا وأعراضًا!!)، وزعمَ أنَّ آياتِ التَّنزيهِ كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) وقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا): (لا تدلُّ على نفي الصِّفاتِ بوجهٍ من الوجوهِ ولا على نفي ما يُسمِّيهِ أهلُ الاصطلاحِ جِسمًا بوجهٍ من الوجوهِ!!).
ولا غرابةَ في أنَّ الشِّيعةَ لا تخلو كتبَهم من التَّجسيم أيضًا، فها هو مَن لُقِّبَ (حجَّةَ الاسلامِ ميرزا محمَّد تقي) يقول: (إنَّ اللهَ تعالى يَزورُ الحسينَ ويُصافِحُهُ ويقعدُ معهُ على سرير!!)، ويقولُ في موضعٍ آخر: (يَزورُهم الرَّبُّ تعالى ويُصافِحُهم ويَقعدونَ معه على سريرٍ واحدٍ لاتِّحادِ حكمِ العبوديَّةِ مع حكمِ الربوبيَّةِ!!).
كما وردَ عن الملقَّبِ (صدر المتألِّهينَ محمَّد بن إبراهيم صدرِ الدِّين الشِّيرازي) قوله المشبوهَ في تفسيرِ القرآن الكريم: (النَّارُ لا تزالُ متألِّمَةً لِمَا فيها من النَّقصِ وعدمِ الامتلاءِ حتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ قَدَمَهُ فيها، وهي إحدى تينكَ القدمَين المَذكورَتَين في الكرسيِّ!!)، يوافِقُهُ الطباطبائي في (تفسيرِ الميزان) بقولِهِ: (إنَّ اللهَ وضعَ القدمَ على النَّارِ)، مستندينَ إلى حديثٍ منسوبٍ زورًا لرسولِ اللهِ (ص) في دَرَرِ السيوطي.
إنَّ شُبهةَ التَّجسيمِ التي وقعَ فيها أهلُ الغلوِّ هؤلاء قد حذَّرَ منها الإمامُ الصَّادقُ (ع) بقوله: (إنَّ الغُلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، ومن هنا انطلقَ سيِّدنا الخصيبيُّ في مواجهةِ شُبهَةِ التَّجسيمِ حينَ أكَّدَ على تَجريدِ اللهِ تعالى عن التَّجسيم والعِلَلِ بقوله: (وَلا تَجَسَّمَ في جِسمٍ أحاطَ بِهِ… جَلَّ المُهَيمِنُ عَن تَحديدِ ذي حددِ)، فمَن زَعَمَ أنَّ اللهَ حَلَّ بِجِسمٍ فقد حَدَّهُ وَبَعَّضَهُ، وَمَن زَعَمَ أنَّه بذاتِهِ ماهيَّةٌ أو جسمٌ أو جسدٌ فقد شَبَّهَهُ بخلقهِ، كما قال تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، بدليلِ قولِ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا تقعُ الأوهامُ لهُ على صفَةٍ، ولا تعقدُ القُلوبُ منهُ على كيفيَّةٍ، ولا تنالُهُ التَّجزئةُ والتَّبعيض).
فالتَّجلِّي في نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ يعني أنَّ الوجودَ مبنيٌّ على المعرفةِ المشهودةِ للحقِّ، لأنَّ معرفةَ الآياتِ البيِّناتِ بدايةُ طريقِ العبادةِ لقولِ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (أوَّلُ الدِّينِ معرفَتُهُ)، لكنَّ هذا لا يعني التَّجسيمَ، لأنَّ التَّجسيمَ يقتضي الحلولَ والجنسَ، واللهُ تعالى لا جسمَ له لِتَتركَّبَ عنه الأجسامُ المُمكِنَةُ لقول أمير المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لطيفٌ لا بِتَجَسُّمٍ، موجودٌ لا بَعدَ عَدَمٍ)، كما أنَّهُ تعالى لا يمكنُ أن يكونَ جسمًا لقول الإمام الصَّادق (ع): (إنَّ الجسمَ مَحدودٌ مُتَنَاهٍ، وهو مُجَسِّمُ الأجسامِ).

إنَّ المُجسِّمَ ابن تيميَّةَ لم يكنْ لِيَحْتَمِلَ أحاديثَ أهلِ العصمةِ (ع) في إفرادِ الباري تعالى عن التَّجسيمِ، فسقطَ وأسقطَ مَن تَبِعَهُ من السُّنَّةِ بالتَّحديدِ والتَّشبيهِ حينَ جعلَ اللهَ خاضعًا للحدِّ المكانيِّ بقولِهِ المشبوهِ: (الباري سبحانَهُ وتعالى فوقَ العالمِ فوقيَّةً حقيقيَّةً وليست فوقيَّةَ الرُّتبةِ!!)، ولم يختلفْ هذا عن اشتباهِ الشيعةِ في كتاب (الأصول الستة عشر) حيث تداوَلوا روايةً مزوَّرةً تقولُ: (إنَّ اللهَ ينزلُ في يومِ عرفةَ في أوَّلِ الزَّوالِ إلى الأرضِ على جَمَلٍ أفرَقٍ يُصَالُ بِفَخديهِ أهلَ عرفاتَ يمينًا وشمالاً!!)، فهذه الأقوالُ فيها تحديدٌ للهِ تعالى وإيقاعٌ له تحت الحدِّ والتَّشبيهِ، وهذا واقعٌ في مزاعمِ ابن تيميَّةَ في كتابه (موافقة صريح المعقول) بقولِهِ: (واللهُ تعالى له حَدٌّ لا يَعلمُهُ أحدٌ غيرُهُ ولا يجوزُ لأحدٍ أن يتوهَّمَ لِحَدِّهِ غايةً في نفسِهِ ولكنْ يُؤمِنْ بالحَدِّ ويُكِلْ عِلمَ ذلكَ إلى اللهِ!!)، وقوله في كتابه (التَّأسيس في ردِّ أساسِ التَّقديس): (قُلتُم: ليسَ هو بجسمٍ ولا جوهرٍ، ولا متحيَّزٍ، ولا في جهةٍ، ولا يشار إليه بِحِسٍّ، ولا يتميَّزُ منه شيءٌ من شيءٍ، وعبَّرتُم عن ذلكَ بأنَّهُ تَعَالى ليسَ بِمُنقَسِمٍ ولا مُركَّبٍ، وأنَّه لا حدَّ له ولا غايةَ، تريدونَ بذلكَ أنَّه يَمتنِعُ عليهِ أن يكونَ لَهُ حَدٌّ وقَدْرٌ, أو يكونَ له قَدْرٌ لا يَتَناهَى… فكيفَ سَاغَ هذا النَّفي بلا كتابٍ ولا سُنَّةٍ!!).
وقد حذَّرَ سيِّدنا الخصيبيُّ (ع) من شركِ التَّحديدِ حين قال: (وَلا هُوَ الشَّيءُ مَحدودًا يُحَدُّ وَلا… لا شَيءَ كانَ فَيُنفى نَفيَ ذي جَحدِ)، مستندًا لقولِ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا يُشملُ بِحَدٍّ، ولا يُحسبٌ بِعَدٍّ، وإنما تَحُدُّ الأدواتُ أنفُسَها، وتشيرُ الآلاتُ إلى نظائرِها)، وقوله: (لا يُدرِكُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، ولا ينالُهُ غوصُ الفِطَنِ، الذي ليس له حدٌّ محدودٌ، ولا نعتٌ موجودٌ، ولا وقتٌ معدودٌ، ولا أجَلٌ ممدودٌ، فمن وَصَفَ اللهَ سبحانه فقد قَرَنَهُ، ومَن قَرَنَهُ فقد ثَنَّاهُ، ومَن ثَنَّاهُ فقد جَزَّأهُ)، ولو كانَ محدودًا لكانَ جسمًا ولا يجوزُ أن يكونَ الباري جسمًا وإلاَّ كانَ شبيهًا بالخلقِ وهذا مُحالٌ.
والخلاصةُ أنَّ مَن ذكرَ ذاتَ اللهِ بالتَّحديدِ فقد مَرَقَ من الدِّينِ، لأنَّ اللهَ تعالى لا يَليقُ بِهِ شيءٌ من المعقولاتِ ولا المحسوساتِ، لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إنَّ اللهَ لا يُشبِهُ شَيئًا ولا يُشبِهُهُ شَيءٌ)، فهو إذنْ معروفٌ قبلَ الحدودِ، لا حَدَّ لِذَاتِهِ ولا شيءَ أكبرُ منهُ فَيَستُرُهُ، ولا شبيهَ له ولا نظيرَ ولا ضدَّ ولا نِدَّ، وهذا هو ميزانُ التَّوحيدِ الخصيبيِّ الذي ثَقُلَ على الـمُجَسِّمينَ الـمُتلبِّسينَ بلباسِ الإسلامِ، فَحَاولوا التَّمويهَ على أنفسِهم ورَميَنا بالتُّهمةِ، ولكنَّهم لن يَنالوا مُرادَهم لأنَّ كلامَ الحقِّ المُنيرَ لا تُطفِئُهُ ظلمةُ الظَّالمينَ مهما جارَ الزَّمانُ، لقوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

التوحيد الخالص

hesham

التوحيد الخالص

الباحث الديني: هشام أحمد صقر

———————–

 

لمَّا رأى النَّاسُ موقعَ العلماءِ شبهَ فارغٍ، ألقَوا بأنفسِهم بين أيدي مَن نَصَّبَ نفسَهُ لَهُ، وإنْ لم يَكُنْ من أهلِهِ، فَضَلُّوا طريقَهم وَصَاروا يَجرُونَ وراءَ كلِّ صارخٍ، وسلَّمُوا أمورَ دينِهم للجاهلينَ، وصارَ جمهورُ النَّاسِ ألعوبةً بأيدي اللاَّعبين، فاتَّسَعَ نطاقُ الكذبِ على اللهِ ورسولِهِ، وتلاطَمَت أمواجُ الافتراءِ، وتصدَّرَ المنابرَ قومٌ لا أمانةَ لهم ولا دينَ يَردَعُهم ولا عَهدَ لهم بالصِّدقِ، فَحَدَّثُوا النَّاسَ بالأكاذيبِ، ونَمَّقُوا وزَوَّرُوا، وَوَضَعوا الأحاديثَ كيفما شاءَتْ رَغباتُهم، إرضاءً لباطلٍ لا يَرعى للصِّدقِ حُرمةً، ولا يَرَى للدِّينِ قيمةً، فَدَرَجَ بعضُ النَّاسِ على ذلكَ وتَلَقَّوا تلكَ العناوين بلا تَمحيصٍ ولا تَتَبُّعٍ، فَوَقَع عليهم قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ).

فاللهُ لا يقبلُ عملَ أيِّ عاملٍ بدونِ التَّوحيدِ الخالصِ، فالتَّوحيدُ مَقصَدُ كافَّةِ الأنبياءِ والرُّسلِ، ولهذا قالَ رسولُ اللهِ (ص): (الشِّركُ في أمَّتِي أخفَى من دَبيبِ النَّملةِ السَّوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على المِسحِ الأسوَدِ)، ولمَّا كانَ الشِّركُ بهذا الخَفَاءِ فالتَّوحيدُ أخفى وأخفى، إذْ ليسَ الشِّركُ فقط هو اتِّخاذُ الأصنامِ آلهةً دونَ اللهِ، وإنَّما الشِّركُ الخَفِيُّ هو ذاكَ الشِّركُ الذي يَتَّخِذُ فيه الـمُشَبِّهُ السِّماتِ والحدودَ والماهيَّاتِ والأفعالَ حقيقةً للذَّاتِ المقدَّسَةِ، وهذا الشِّركُ الخفيُّ الذي لا يَنفعُ معه عَمَلٌ لقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

فاتِّخاذُ الأندادِ آلهةً دونَ اللهِ هو الشِّركُ الخفيُّ، سواءَ كانت هذهِ الأندادُ سِمَاتٍ أو حدودًا أو تخاطيطَ أو رسومًا أو أفعالاً، فالشِّركُ هو اتِّخاذُ سِمَةٍ ثابتةٍ متأصِّلَةٍ وجعلُها جوهرًا للذَّاتِ المقدَّسَةِ، قبلَ الخلقِ أو بَعدَهُ، بل الحقُّ هو أنَّ هذهِ السِّماتِ والأفعالَ والماهيَّاتِ تقعُ على الخلقِ لا على ذاتِ الخالقِ المقدَّسَةِ، لذلك يجبُ أن نتوجَّهَ للهِ حنفاءَ غيرَ مشركينَ، أي أن نَنفيَ عنه سبحانَهُ الشِّركَ بالسِّماتِ والأفعالِ والماهيَّاتِ، فالتَّوحيدُ الخالصُ يكونُ بإفرادِ الذَّاتِ المقدَّسةِ عن هذهِ السِّماتِ والماهيَّاتِ والأفعالِ الوجوديَّةِ العقليَّةِ والحسِّيَّةِ، فحقيقةُ التَّوحيدِ إفرادُ الذَّاتِ المقدَّسَةِ بالأحديَّةِ، وتَخَلُّصِهِ مِن سِمَتِهِ وَحَدِّهِ ونَعتِهِ وفِعلِهِ، وأنَّها سماتٌ وحدودٌ وماهيَّاتٌ وجوديَّةٌ مُقتَرِنَةٌ بوجودِهِ المُعايَنِ من ناحيةِ خَلقِهِ فقط، وأمَّا من حَيثُهُ سبحانَهُ فلا حقيقةَ لها.

فالوجودُ ثلاثةٌ، مُمْتَنِعٌ وَمُمكِنٌ وَوَاجِبُ الوجودِ، فالمُمتَنِعُ هو ما لا يَجوزُ، فلا يَجوزُ أن تكونَ موجودًا قبلَ وجودِ روحِكَ، كذلكَ لا يمكنُ أن تكونَ السِّماتُ والماهيَّاتُ والأفعالُ موجودةً قبلَ الخلقِ. والوجودُ الممكنُ أن تأتي بعدَ روحِكَ، كذلك تأتي السِّماتُ والماهيَّاتُ والأفعالُ لِتَدُلَّ على وجودِ وتجلِّي الذَّاتِ المقدَّسَةِ، وليسَتِ السِّمَةُ أو الفعلُ الدَّالُّ على الذَّاتِ المقدَّسَةِ هو الذَّاتُ المقدَّسَةُ، بل هي أدِلَّةٌ وجوديَّةٌ ولطائفُ عقليَّةٌ أبداها الحقُّ الجوهريُّ لُطفًا بعبادِهِ للهدايةِ والاسترشادِ إليه.

فالعبادةُ تكونُ بحقيقةِ المعرفةِ لا بالتَّوهُّمِ، لأنَّ التَّوهُّمَ لِمَن يَعبدونَ مواقعَ السِّماتِ والماهيَّاتِ، وهم الذين زَعَمُوا بِظَنِّهم أنَّ الماهيَّاتِ- التي هي أصلاً عَرَضٌ للوجودِ- والسِّماتِ الوجوديَّةَ حقيقةٌ لذاتِهِ المقدَّسَةِ.

أمَّا نحن الذين نَصَرَنا اللهُ بِقُدرَتِهِ وتَفضَّلَ علينا بمعرفتِهِ وكرَّمَنا بتوحيدِهِ وَجَعَلنا من أهلِ التَّوحيدِ العلويِّ الخصيبيِّ فَدَلالَتُنا لا تكونُ إلاَّ لِمُعايَنٍ موجودٍ، وَعِبَادَتُنا لا تكون إلاَّ لِذَاتِهِ المقدَّسَةِ الـمُنفردَةِ عن سِمَاتِ وماهيَّاتِ وأفعالِ الوجودِ. ولا نَعبدُ سماتِهِ ولا بيوتَهُ ولا أفعالَهُ ولا حدودَهُ ولا نُشرِكُ به شيئًا، إذ لا تَصحُّ العبادَةُ للسِّماتِ ولا للماهيَّاتِ وإلاَّ تَعدَّدَتِ الآلهَةُ وعَمَّ الشِّركُ والإشراكُ.

وهذا ما ابتلَى اللهُ بهِ عبادَهُ في قوله: (إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)؛ فالنَّهرُ مثالٌ على وجودِ الحقِّ الجوهريِّ الذي يُبدِي السِّماتِ والحدودَ المحسوسةَ والأفعالَ المعقولةَ، (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي)؛ أي مَنِ اعتقدَ بكاملِ الاعتقادِ أنَّ الذَّاتَ المقدَّسةَ هي سِمَاتٌ وحدودٌ وماهيَّاتٌ وأفعالٌ فليسَ مِن أهلِ التَّوحيدِ، (وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)؛ أي مَن أثبتَ السِّماتِ والحدودَ والأفعالَ لدلالةٍ وجوديَّةٍ فقط لإبطالِ التَّعطيلِ (كغُرفَةٍ) ولم يعتقدْ أنَّها حقيقةٌ للذَّاتِ المقدَّسَةِ، بل أفرَدَها عنها لإبطالِ التَّشبيهِ (لم يَطْعَمْهُ) كانَ من أهلِ التَّوحيدِ الخالصِ.

فَذَاتُ واجبِ الوجودِ المقدَّسةُ يجبُ ألاَّ تكونَ جسمًا ولا رسمًا ولا نعتًا ولا سمةً ولا ماهيَّةً ولا فعلاً ولا عَرَضًا ولا جوهرًا، فالوجودُ بأسرِهِ جواهرُ وأعراضٌ ما خَلا الذَّاتَ المقدَّسَةَ، تَعَالى مَن ليسَ بِجَوهرٍ يَقبَلُ الأضَّدادَ فَيَتَغَيَّرَ، ولا بِعَرَضٍ فَيَسبِقَ وجودَهُ الجوهر.

الفيلسوف العلوي أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني

hesham

الفيلسوف العلوي أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني
الباحث الديني: هشام أحمد صقر

ولد الفيلسوفُ العلويُّ العظيمُ أبو سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني في مدينة طبرية سنة 358 هـ- 969 م، وإليها نِسبَتُه، والتقى الفيلسوفُ بالعالمِ العلويِّ العظيمِ أبي الحسين محمَّد بن علي الجِلِّي، ثم رحل إلى حلب سنة 376 هـ، ثم انتقل إلى اللاَّذقية والتفَّ حولَهُ مَن فيها من العلويِّين، واستمرَّ في دَعوتِهِ وإرشادِهِ وجهادِهِ العلويِّ حتَّى وفاته في اللاَّذقية عام 426 هـ- 1035 م، ودُفِنَ فيها.
أبو سعيد الميمون بن القاسم الطبراني عَلَمٌ من أعلام الفرقة العلويَّةِ النُّصيريَّة الخصيبيَّة، قادَ الفرقةَ العلويَّةَ بعد أستاذِهِ العالمِ محمَّد بن علي الجلِّيِّ بعد منتصفِ القرنِ الرَّابعِ للهجرةِ وأوائلِ القرنِ الخامسِ، جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، وكان مؤدَّبًا بآدابِ الإسلامِ مُمتَثِلًا لأوامرِ اللهِ ورسولِهِ وآلِ بيتِهِ الطَّاهرين، ومنتهيًا عن نواهيهم باعترافِ العلماءِ والفقهاءِ والسَّادةِ الثِّقاةِ القائمينَ على التَّنظيمِ مِمَّن جَاؤوا بعدَهُ وكان لهم دورٌ جهاديٌّ أو فقهيٌّ أو عقائديٌّ حتَّى لُقِبَّ بالشَّيخِ المجاهدِ، وكذلك لُقِّبَ بالفَقيهِ.
اعتمدَ فلسَفَتَهُ كلُّ فلاسفةِ وعلماءِ النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ حتى عَصرِنا هذا، كيفَ لا!؟ وهوَ العالمُ المجاهدُ الذي جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، المؤدَّبُ المنهيُّ عن محارمِ اللهِ، الذي واجَهَ المنحرفينَ الذين عَرفَوا الحقَّ وأنكروهُ، فقد قَمَعَ المشركينَ ونكَّسَ رأي المنافقين، واعترفَ بفضلِهِ مَن كانَ في عصرِهِ وبعدَهُ من المؤمنين، وله في التَّوحيدِ والعلمِ رتبةٌ لا يُنكِرُها إلاَّ مَن كان من حزبِ المنافقين والمارقين.
لقد كان السَّيِّدُ أبو سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني ولا زال فيلسوفًا عارفًا، ومتكلِّمًا عالمًا، زاهدًا في الدنيا، صادقًا في الرِّواية، دأبُه تحصيلُ العلومِ الدينيَّةِ ونشرُ المعارفِ الربَّانيَّةِ، وهذا جهادٌ كبيرٌ وفضلٌ عظيمٌ له منذ أيَّامه حتَّى أيَّامنا هذه استحقَّ من خلالِهِ أن يكونَ خليفةً لأهل العصمةِ.
ففلسفتُهُ في التَّوحيدِ تشهدُ أنَّهُ عالمٌ عظيمٌ، وفقيهٌ كاملٌ، وحكيمٌ بارعٌ لبسَ من الصِّفاتِ الحسنَةِ أكملَها، ومن الفضائلِ العليا أعلاها، وبلغَ من التَّقوى عِزَّها، ومن الفضيلةِ مَجدَها، ومن العبادةِ قَلبَها، عرفَ الحقَّ وجاهدَ لإعلاءِ كلمتهِ، وردَّ حجَّةَ المُبطِلين المشبِّهينَ والمنكرين المعطِّلينَ في كلِّ زمان ومكان، حيث واجه أهلَ التَّعطيلِ في زمنه وردَّ عليهم مُبطِلًا دَعواهم فيما ذهبوا إليه واستوجبوا الانقسامَ والانفصالَ في أواخرِ حياتِهِ، فهوَ العارفُ بأسرارِ التَّأويلِ، المُطهَّرِ من رجسِ الأباطيل، المُتَرفِّعِ عن العقائدِ الباطلةِ المموَّهةِ بالتَّشبيهِ والتَّعطيلِ، فَمَن وقفَ على مضمونِ كلامهِ وعرفَ مكنونَ مُرامهِ، فازَ بالسَّهمِ المُعَلَّى، وبلغَ المقصدَ الأعلى.
وهناك الكثيرُ من الشَّهاداتِ التي أوردَها المؤرِّخونَ بحقِّهِ، ولكنَّنا نكتفي بالشَّهادةِ الكبرى، وهي تلكَ العلومُ والمعارفُ اللَّدنيَّة التي تركَها مسطورةً في مقالاتِهِ واحتجاجاتهِ، ولسنا نقبلُ شهادةً من أحدٍ بعد شهادةِ العالِمِ أبي الحسين محمد بن علي الجلِّيِّ حين قالَ في وصيَّتِهِ: (وصيَّتي إليكَ يا أخي، أسعدكَ اللهُ سعادةَ أهلَ الصَّفاءِ، ولا عَدَلَ بنا عن الحقِّ الذي ما فيه خفاء… واعلمْ أيُّها الأخُ المباركُ السَّعيدُ الموفَّقُ الرَّشيدِ…) إلى نهايةِ الوصيَّةِ البالغةِ ثبَّتنا اللهُ على ما فيها من معاني التَّوحيدِ ومباني الآدابِ. فالعالِمُ الجلِّيُّ صاحبُ الاستحقاقِ بالتَّأييدِ الإلهيِّ والتَّسديدِ الرَّبَّانيِّ لأنَّهُ كانَ من أفقهِ طلاَّبِ السَّيِّدِ الخصيبيِّ (ع).
وقد نالَ الفيلسوفُ الطَّبرانيُّ الحظوةَ الرَّفيعةَ عند العالمِ الجِلِّيِّ، وعايشَ الأحداثَ الجِسَامَ التي ألمَّتْ بالأمَّةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ في القرنِ الرابعِ والعقدَين الأوَّلَين من القرنِ الخامسِ الهجريِّ حيث كثرت الصِّراعاتُ المذهبيَّةُ بين أبناءِ الدِّين الإسلاميِّ.
وانطلاقًا من هذا الخُلُقِ النَّبيلِ والأدبِ الرَّفيعِ، ومن قوله تعالى: (وعبادُ الرَّحمنِ الذي يمشونَ على الأرضِ هونًا وإذا خاطبهم الجاهلونَ قالوا سلاما)، فإنَّ التُّهمةَ الموجَّهَةَ للسَّيِّدِ أبي سعيد على أنَّهُ حاخامٌ جاءَ لتخريبِ الإسلامِ كما زعمَ المغرضونَ، لَهِيَ أقلُّ شأنًا من الرَّدِّ عليها والوقوفِ عندها، وهذه تهمةٌ تُعبِّرُ عن أصولِ ومعدنِ مَن أطلَقَها من المُتشيِّعينَ الجُدُدِ لَعَنَهم اللهُ، فقد تعرَّضَ السَّيِّدُ الميمون سرورُ بن القاسم الطَّبرانيِّ الهمذانيِّ لأشرسِ حملةِ تشويهٍ في هذهِ الأيامِ من قبلِ المنحرفينَ المتشيِّعينَ الجدُدِ المأجورين الذين تنتشرُ كتبُهم في الأسواقِ وعلى مواقعِ الإنترنيت المدسوسةِ التي تدَّعي العلويَّةَ ولا علاقةَ لنا بها لا هي ولا مَن يكتبُ بها، ومن هؤلاءِ المنحرفينَ الجدد: (فضل خاسكة وعبد الكريم جامع ومحمد علي إسبر) وغيرهم مِن الذين يجبُ التَّحذير منهم كيلا يظنَّ القارئُ أنَّهم علويُّون يمثِّلون العلويَّةَ الحقَّةَ.
ويجبُ علينا أنْ نصحِّحَ المسار امتثالًا لأوامرِ مولانا أمير المؤمنينِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (وأْمُرْ بالمعروف تكنْ من أهلهِ، وأنكرِ المنكرَ بيدكَ ولسانكَ، وباينْ مَنْ فَعَلهُ بجُهدِكَ)، وقوله: (أيُّها المؤمنونَ إنَّهُ من رأى عدوانًا يُعمَلُ بهِ، ومنكرًا يُدعى إليه فأنكَرَهُ بقلبهِ فقدْ سلمَ وبرئَ، ومَنْ أنكرهُ بلسانهِ فقد ًاجِرَ وهو أفضلُ من صاحبهِ، ومن أنكرهُ بالسَّيفِ لتكونَ كلمةَ اللهِ هي العليا وكلمة الظَّالمينَ هي السُّفلى فذلكَ الذي أصابَ سبيلَ الهدى وقامَ على الطَّريقِ ونوَّرَ في قلبهِ اليقين)، ورأفةً بالمُقصِّرينَ من أبناءِ هذه الفرقةِ لقولِهِ: (المسلمُ مرآةُ أخيه فإذا رأيتم من أخيكم هفوةً فلا تكونوا عليه إلبًا وأرشدوهُ وانصحوا له وترفَّقوا به)، فقد زاغتْ أبصارُهم وخدعتهم ضلالةُ أولئكَ الأفَّاكينَ الذين لا يقبلونَ العلمَ الإلهيَّ.
فادِّعاؤهم أنَّ السَّيِّدَ الطَّبرانيَّ يروي رواياتٍ إسرائيليَّةٍ لتثبيتِ تهمةِ أنَّهُ حاخامٌ هو ادِّعاءٌ كاذبٌ، وسيكتشفُ ذلكَ من يقفُ على ما وردَ في الأثرِ عن السَّيِّد أبي سعيدِ بقولِهِ: (ذمَّ اللهُ اليهودَ في القرآنِ في مائةٍ وثمانين موضعًا، والنَّصارى في ثمانين موضعًا….. فهذه الأفعالُ ونظائرها ممَّا يوجبُ ذمَّهُم، لأنَّها أسبابُ البعدِ عن اللهِ وعن طريقِ الحقِّ)، وقوله: (لا تجوزُ إمامةُ المسيحيُّ ولا الإسرائيليُّ بمسلمٍ ولو كان عالمًا لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا).
واللاَّفتُ للنَّظرِ أنَّ السيد الطبرانيَ كانَ يعلمُ أنَّ هناكَ من سيحيكُ هذه الأكاذيبَ الملفَّقَةَ، فدافعَ عن نفسهِ بقولِهِ: (وقلَّما يخلُصُ مؤلِّفُ كتابٍ من حسودٌ يحسدهُ، وباحثٍ عن خطيئةٍ يرصدُهُ، لأنَّ أهلَ الحسدِ يكتمونَ المحاسنَ ويبدونَ المساوئ جهرًا، وبهِ نستعيذُ ممَّن حسدَ ونستعين على من رصدَ، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعمَ المولى ونعمَ النَّصير).
إنَّ السَّببَ في هذه الحملةِ هي الإحراجُ الذي سبَّبه لهم هذا المجاهدُ العظيم بتوحيدهِ الذي ينحدرُ عن الأئمَّةِ المعصومين (ع)، وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ التي تُشكِّلُ صفعةً قاتلةً لِمَن يحاولونَ عَلَنًا التَّشكيكَ في هذهِ العقيدةِ، وسأدرِجُ من أقوالِ السيدِ الطبراني والعالم الجلي، وهما من أساطينِ العلومِ، ما فيه غذاءٌ للقلوبِ الصَّافيةِ وبلاءٌ للنُّفوسِ المريضةِ بداءِ الجهالةِ لقولِهِ تعالى: (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ).
فالسيدُ الطَّبراني من أكبرِ الدَّاعينَ إلى الإسلامِ دعوةَ حقٍّ، لقوله تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ)، حيث يقول السيدُ الطَّبراني: (إنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ دَعَوا إلى دينِ الإسلامِ… وَقَدْ شَهِدَ القرآنُ المجيدُ بأنَّ الأنبياءَ والمرسلينَ كانوا مسلمينَ، وأن المؤمنينَ الذين كانوا في زمنِ نوح وإبراهيم ويعقوب ولوط وموسى وسليمان وعيسى مسلمون… وَصَحَّ وَثَبَتَ أنَّ الإسلامَ هو الإقرارُ… والإيمانَ هو التَّصديقُ بهِ بحقيقةِ المعرفةِ، وإنِ اختَلَفَتِ الشَّرائعُ في التَّحريمِ والتَّحليلِ، ففي الحقيقةِ غيرُ مختلفةٍ لأنَّ الأنبياءَ أشاروا إلى ربٍّ واحدٍ، ليسَ بينهم في عبادةِ ربِّهم اختلافٌ ولا فرقٌ).
والأنبياءُ عندَ السيدِ الطَّبراني معصومونَ عصمةً كاملةً مطلقةً تكوينيَّةً عن كلِّ ما وردَ بالذَّمِّ والوعدِ والوعيدِ والزَّجرِ والتهديدِ في القرآنِ الكريمِ، كقوله تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، فالمخاطبةُ بالمعصيةِ، والأكلِ من الشجرةِ، والمخالفةِ والهبوطِ من الجنَّةِ ببني البشر لائقةٌ، وعليهم عائدةٌ، وهم المعنيُّونَ بها، وما هذا التأويلُ إلاَّ ممَّا تعلَّمَهُ من السيد الخصيبي (ع) الذي وردَ عنهُ في الأثرِ أنَّ مَن عَقِلَ عن مَولاهُ، وَعَرَفَ حقيقةَ التَّنزيلِ والتأويلِ لم يَنسُبْ هذه الآياتِ ونظائرَها إلى الأنبياءِ.
وكيفَ لا يكونُ النبيُّ معصومًا عصمةً كاملةً مطلقةً تكوينيَّةً وقد قال تعالى له: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، فهو الدَّاعي بالسِّرِّ والجهرِ إلى توحيدِهِ، وهو الشَّاهدُ والنَّذيرُ لقولِهِ تعالى: (هذا نَذيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى) أرادَ به أنَّهُ هو الـمُنذِرُ الأولُ والآخِرُ.
والمتمعِّنُ في توحيدِ السيد الطَّبراني والعالمِ الجلِّي يلحَظُ أنَّهما نَهَلا علومَهُما من الحضرةِ العلويَّةِ والنَّبعِ المحمَّديِّ والسَّلسالِ الإماميِّ، وفي أقوالِهِما أكبرُ الإثباتِ على أنَّهما كانا على نهجِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام، والرسول وآلِهِ البَرَرَةِ (ع)، فقد توجَّهَا بالعبادةِ إلى الإلهِ الأحدِ الفردِ الصَّمد سماءً وأرضًا لقوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وقد وردَ في الأثرِ عن السيد الطَّبراني قوله: (إنَّ الـمُلكَ لا يجوزُ أن يَملِكَهُ وَيُدبِّرَهُ إلا واحدٌ، ولو جازَ أن يكونا اثنينِ أحدُهما في السَّماءِ والآخرُ في الأرضِ لَفَسَدَ الـمُلكُ وَبَطُلَتِ الحكمةُ)، ولذلكَ قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)، وهذهِ الآياتُ كما قال السيد الطَّبراني: (تشيرُ إلى أنَّ الإيمانَ لا يكونُ إلا بإشراقِ نورٍ إلهيٍّ يفيضُ على الأكوانِ، فَتُقَادُ منه النُّفوسُ الصافيةُ المستعدَّةُ لقبولِ قولِ المنادي الذي هو الدَّاعي من مكانٍ قريبٍ، فَيُشرِقُ عنه التَّصديقُ الخالصُ من الارتياب).
وهذا كمالُ الإيمانِ واتِّباعُ البيانِ في الفقهِ العلويِّ، فمِن صفةِ الحكيمِ أن لا يَعبُدَ إلا موجودًا، لأنَّ مَن غابَ فلا يُعاين، يُوشِكُ أن لا يكونَ شيئًا، وقد أكَّدَ السيد الطَّبراني أنَّ اللهَ لو لم يَدعُ إلى نفسِهِ لما صحَّ الوجودُ ولا أقامَ الحجَّةَ على الخلقِ، وإنَّما كانَ ذلكَ ليُؤخَذَ بآدابِهِ وآثارِهِ، ولكنَّهُ عزَّ وجلَّ امتحنَ العالمَ ليؤمنَ به مَن يؤمنُ، ويكفرَ به مَن يكفرُ.
وهذا الإثباتُ والإقرارُ هو جوهرُ المعرفةِ التي اعتقدَ بها العالمُ الجلِّيُّ، وما هذا الاعتقادُ إلا اتِّباعٌ ويقينٌ بمقالةِ المعصومين، فهذه المعرفةُ وهذا التوحيدُ لا يكونان إلاَّ عندَ الاولياءِ البالغينَ المعرفةَ لذلكَ وردَ عن السيد الطَّبراني أنَّ الحقَّ سبحانَهُ وعظُمَ شأنُهُ، أوجدَ خَلقَهُ نفسَهُ، وَدَلَّهُمْ على ذاتِهِ، فَنَاجاهُمْ خطابًا واضحًا، وَنُطقًا بيِّنًا، وَعِيَانًا وَوُجُودًا، فَدَعاهُم إلى ربوبيَّتِهِ والإقرارِ بوحدانيَّتِهِ، فأقرَّ مَن أقرَّ باختيارِهِ، وأنكرَ مَن أنكرَ باختيارِهِ.
وهذا إن دلَّ على شيءٍ، فإنَّهُ يدلُّ على عقيدةٍ صحيحةٍ وإيمانٍ عظيمٍ لا يصلُهُ إلا مَن ثَبتَ على الصِّراطِ المستقيم، وهذا التَّوحيدُ له شروطٌ معرفيَّةٌ يجبُ فهمُها، تتلخَّصُ في قولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (مَن وَصَفَهُ فقد شبَّهَهُ، وَمَن لم يَصِفْهُ فقد نَفَى وجودَهُ)، لأنَّهُ سبحانَهُ وتعالى (جلَّتْ ذاتُهُ وعَلَتْ، وعنِ الصِّفاتِ امتَنَعَتْ) وهذا هو الحقُّ الذي أوضحَهُ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام بقوله في إحدى خطبِ نَهج البلاغة: (مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، ومَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ)، وقوله في خطبةٍ أخرى: (مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، ولا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، ولا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، ولا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وتَوَهَّمَهُ).
والتَّشبيهُ هنا يقتضي الشِّركَ لقول الإمامِ الرَّضا (ع): (مَن شبَّهَ اللهَ تعالى بخلقِهِ فهو مشركٌ)، وهذا ما كانَ واضحًا في قولِهِ (ع): (إنَّما وقعَ الشَّبهُ في الأجناسِ، وليسَ هو من جنسِهم)، فقيل له: أَوَ يخلقُ خلقًا يستترُ به فيتكلَّم منه؟- إشارةً إلى قولِ الحلوليِّينَ- فأجاب (ع): (هذا ما لا يمكنُ أن يحوِّلَ نفسَهُ عن هيئَتِهِ)، ولكنَّهُ سبحانَهُ أتاهم من حيثُ يعرفون.
فاللهُ تعالى كما قال السيد الطَّبراني: (كان قبل الوقتِ لا منعوتًا ولا موصوفًا ولا مُسَمًّى… كانَ ولا مكانَ يُقصَدُ منهُ إليهِ، ولا نعتَ موجود، ولا وقتَ محدود، ولا أجَلَ ممدود)، وحينَ سُئلَ الإمامُ الرِّضا (ع): هل خلا المسمِّي من اسم وقتًا ما؟ أجاب: (أجل قبلَ الوقتِ كانَ ليسَ بمحسوسٍ ولا مدروكٍ ولا يُدرِكُهُ العقلُ ولا يَخطرُ على الفكرِ)، واللهُ لا يقعُ عليه اسمٌ ولا صفةٌ ولا حدٌّ، لذلك قال أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام شعرًا:
كيفيَّةُ المرءِ ليسَ المرءُ يدركُها… فكيفَ كيفيَّةُ الجبَّارِ في القدمِ
العجزُ عن دركِ الدَّرَّاكِ إدراكُ… والبحثُ في سرِّ ذاتِ اللهِ إشراكُ
وهو معنى قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، فليسَ يُدرِكُهُ الخَلقُ إدراكَ إحاطةٍ، ولكنَّهُ يدركُ أبصارَ الخلائقِ جميعًا من غيرِ فَواتِ شيءٍ منها، ولا يَغرُبُ عليهِ كَونُها، لأنَّهُ مُكوِّنُها ومكوِّنُ كَيانِها, ومكوِّنُ المكانِ لها.
وهنا نفهم معنى قول السيد الطَّبراني: (فتقدَّسَ مَن هو دليلُ الأدلَّةِ على وجودِهِ، وهادي الهداةِ إلى توحيدِهِ، تاهَ مَن زعمَ أنَّهُ بغيرِهِ عرفَهُ، وضلَّ مَن بصفاتِ نفسِهِ وصَفَهُ، جلَّ مَنِ القدرةُ صِفَتُهُ والمشيئةُ فطرَتُهُ، عزَّ عن المساواةِ لخلقِهِ وبريَّتِهِ) ، ولذلك كان السيد الطَّبراني يحذِّرُ من الخطأ في التَّوحيدِ عندما أوردَ قول الإمام الصادق (ع): (مَن زعمَ أنَّ ما رآهُ بعضًا فقد بعَّضَ اللهَ)، إذ (به تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بها يُوصَفُ، وبه يُعرفُ العقلُ لا بالعقلِ يُعرَف) كما قال أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام، فالتَّوهُّمُ لا يجري على الإلهِ لقولِ الإمام الصادق (ع): (كلُّ ما توهَّمتَ وخطرَ في بالك شيءٌ فالأزلُ أعلى منه).

ومن هنا يمكن القول: إذا كانَ علم الحقائق من أعظمِ أمَّهاتِ الإيمانِ وأصولهِ، فإنَّ أشرفَ تحقيقٍ في هذا المرام ما جاءَ في فلسفةِ الفيلسوفِ العلويِّ العظيمِ أبي سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني، ففلسفته قرَّةُ عيونِ الكرامِ، ومعدنُ الجواهرِ في رياضِ الجنانِ، ونهجُ البيانِ لتفهُّمِ معاني القرآنِ، والكلامُ الواضحُ والدَّليلُ اللاَّئحُ في الحقِّ والبرهانِ، والسِّرُّ المصونُ على مرِّ الزَّمانِ، إذ هي رواياتُ العالم الجلِّيِّ عن السَّيِّدِ الخصيبيِّ (ع)، وهي قواعدٌ يقتدي بها العالمُ ويستضيءُ بنورها الإمامُ الحاكمُ، ولا يقفُ عليها جاهلٌ ولا ظالمٌ، لأنَّها بحاجةٍ إلى فهم المعاني، والغوصِ في حقيقةِ المباني، لكثرةِ ما فيها من الجواهرِ النَّفيسةِ والأسرارِ العويصةِ، فصريرُ أقلامِ العلماءِ يخرقُ الحجبَ، وينتهي إلى ما بين يدي اللهِ.
وقد كانَ قولُ الحقِّ واجبًا أدَّاهُ السيد الطبراني بكلِّ أمانةٍ، امتثالًا لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (وما أخذ اللهُ عهدًا على الجُهُّالِ أنْ يتعلَّموا إلاَّ وأخذَ على العلماءِ سبعينَ عهدًا أنْ يُعلِّموا)، فالعالمُ هو الدَّاعي للحقِّ لقولهِ تعالى: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به)، ولكنَّ النَّاسَ في أيامنا ابتعدوا عن هذا القانونِ الخصيبيِّ الرَّفيعِ، وهمَّشوا وجودَهُ، فضاعت الحقائقُ النَّاظمةُ للعلاقاتِ الدينيَّةِ وتفكَّكَ البنيانُ المرصوصُ.
ولو أنَّهم انتهجوا نهجه والتزموا ما فيه من التَّعاليمِ لما كانَ الوضعُ قد آلَ لِمَا هو عليه الآنَ من الانحرافِ والابتعادِ عن الدِّينِ والزُّهدِ فيهِ، ولمَا وجدَ المغرضونَ المرتدُّونَ الفرصةَ سانحةً ليفسدوا في الدِّين كما قال تعالى: (والذين ينقضونَ عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقهِ ويقطعونَ ما أمرَ اللهُ بهِ أنْ يوصلَ ويُفسدونَ في الأرضِ أولئك لهم اللَّعنةُ ولهم سوءُ الدَّارِ).

السؤال الواحد الثمانون حول حركة رجال القائم في سورية

images

السُّؤال الحادي والثمانون: هل من توضيحٍ حولَ حركةِ رجالِ القائمِ الـمَزعومة في سورية؟ مَن هو مؤسِّسها؟ وما هي معتقداتُها وأهدافُها؟

الجوابُ الحادي والثمانون بإذنِ اللهِ:

بَعْدَ البَحثِ والتَّمحيصِ والاستدلالِ والاستعلامِ كانت نتيجةُ ما اكتشفْتُ من مؤامرةٍ خبيثةٍ ضِدَّ نهجِنا العلويِّ مؤلمةً وجارحةً، إذْ لا أحدَ على دِرَايَةٍ بما يُحَاكُ لهذا النَّهجِ على يدِ مجموعةٍ يَزعمونَ لأنفسِهم التَّميُّزَ عن النَّاسِ، وهدفُهُم سَحْقُ وتدميرُ نَهجِنا المعصومِ بعقائدِهِ ورموزِهِ ومرجعيَّاتِهِ وكلِّ مقدَّساتِهِ، زاعمينَ أنَّ كلَّ سادَتِنا العلماءِ على خطأ، وهم وحدَهُم على صَوَابٍ!!

لذا وَجَبَ الرَّدُّ والإيضاحُ امتثالاً للنَّصِّ المعصومِ القاضي بوجوبِ الجهادِ والرَّدِّ على بِدَعِ الحائدينَ والمارقينَ والخارجينَ عن الدِّينِ، مستمِدًّا قوَّتِي من إيماني باللهِ وَرَسولِهِ وَثِقَتي بسَلامَةِ طريقِ الجهادِ الصَّعبِ رغمَ وُعُورَتِهِ، وَاضِعًا نَصْبَ عينيَّ قولَ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَىُ لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَة شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ)، والحمدُ للهِ الذي هَدَانا وَمَا كنَّا لِنَهتدي لولا أنْ هَدَانا اللهُ.

لقد نشطَ في العقودِ الأخيرةِ أتباعُ الـمُدَّعي (ديب أحمد ديب) الملقَّبِ (ديب العيسى) وهو من محافظة حمص في سورية، والذي رتَّبهم إلى ثَلاثمائة وثلاثة عشر رجلٍ هم رجالُ القائمِ حسب ادِّعائهم الكاذبِ،!! مع تأكيدِنا أنَّ رجالَ القائمِ المهديِّ المنتَظَرِ الحقيقيِّينَ هم مِنَ الصَّفوةِ الذين يَظهرونَ معه، وليسوا من أهلِ البشرِ المقصِّرينَ الضُّعفاء!!!

إنَّ هذه الفئةَ الضَّالَّةَ الـمُدَّعِيَةَ تَزعُمُ أنَّها مُؤلَّفَةٌ من ثَلاثمائة وثلاثة عشر رجلٍ هم رجالُ القائمِ المهديِّ المنتَظَرِ (ع)، والذين يُعاينونَ ماهيَّةَ الذَّاتِ الإلهيَّةِ المجرَّدَةَ اليومَ عِيَانًا بِعُيونِهِم، وَيَرونَ ربَّهم كَشْفًا بحقيقةِ ذَاتِهِ في كلِّ وقتٍ وكلِّ حينٍ نهارًا وليلًا، وأنَّ هذا الرَّبَّ هو هذا الضِّياءُ النَّهاريُّ الذي يَملأ الكونَ الواسعَ، فهو الذَّاتُ الإلهيَّةُ بحقيقَتها وماهيَّتِها!!

إنَّ الـمُدَّعي (ديب العيسى) هو صاحبُ المناظرةِ المعروفةِ مع رجل الدِّين الشِّيعيِّ (محمد سعيد فضل الله)، وهو لم يكتَفِ فقط بِهَتْكِ الأستارِ في مناظَرَتِهِ، بل تعدَّى ذلك لاختلاقِ بِدْعَتِهِ الجديدةِ التي مرَّ عليها أكثرُ من عشرينَ عامًا تَسرَحُ وتمرَحُ في ظلِّ صمتِ مَشَائخِ الدُّنيا الذينَ عَرفُوهُ وقابَلوهُ ولم يَردُّوا عليه.

وللمُدَّعي (ديب العيسى) مجموعةٌ من الكتبِ المشبوهةِ التي تناول فيها علمَ الأعدادِ بالقياسِ الـمُخالِفِ لعلومِ الأئمَّةِ (ع)، فَعِلمُ الأعدادِ له أسرارُهُ الخفيَّةُ المتعلِّقَةُ بكلامِ اللهِ تعالى، وليس بأيَّةِ عبارةٍ تطرقُ المسامِعَ، وكمثالٍ على ذلكَ القياسِ العدديِّ قياسُهُ بقولِهِ الـمَشبوهِ: (خيرُ الكلامِ ما قَلَّ ودَلَّ. قلَّ= دلَّ= 10 و0+1=1 الله الواحد!!)، وقوله الـمَشبوهِ: (سرُّ الحير وما حوى الحير. حير 8+10+8=26، 6+2=8 حمالة العرش!!)، وقياسُهُ بقوله: (افهَمْ ترشدْ. افهم 18 لفظ الجلالة الله ترشد!!).

وقد تَعلَّقَ القياسُ الفكريُّ لدى المدَّعي (ديب العيسى) برَبطِهِ المشبوهِ بين توحيدِنا العلويِّ الإسلاميِّ من جهةٍ، وشركِ الدِّياناتِ الوثنيَّةِ من جهةٍ أخرى، إضافةً إلى ربطِهِ ما بين نهجِنا وعقيدةِ التَّلمودِ الصهيونيِّ بطريقةٍ مَشبوهةٍ، عدا عن ربط نهجِنا بنظريَّاتِ الغربِ التي تتعلَّقُ بالمادَّةِ حتى لو لم تُثبَتُ صحَّتُها، مُفتَعِلاً كلَّ هذا الرَّبطِ لإبرازِ مهاراتِهِ التَّلبيسيَّةِ في ظاهرِ الأمر، لكنَّ الحقيقةَ هي أنَّهُ حاولُ نَسْفَ أُسُسِ نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ من الدَّاخلِ.

ومن هرطقاتِ المدَّعي (ديب العيسى) في هذا المجالِ هرطَقَتُهُ بقولِهِ: (في جنوبِ حِمصَ قريةُ آبِل تَذكيرًا للبشرِ بالخيرِ هابيلَ وَصِرَاعِهِ مع الشَّرِّ قابيل!!)، وهرطَقَتُهُ بقولِهِ: (إنَّ الملوكَ والرُّؤساءَ نسخةٌ طبقُ الأصلِ عن الآلهةِ الأوَّلينَ وإلى يومِنا هذا يُقَامُ لهم التَّقديسُ والتَّكريم!!)، وهرطَقَتُهُ بقولِهِ: (إنَّ عالمَ السَّماءِ شَعبُ اللهِ الـمُختَارِ كان عنهم شَعبُنا السَّامي الذي كانَ منهُ الأنبياءُ!!)، وهرطَقَتُهُ بقولِهِ: (البرهان: هي رب، والبر الرَّحيمُ هو الحاضرُ الموجودَ!!)، وهرطَقَتُهُ بقولِهِ: (كيفَ يتمُّ لعنُ الظُّلمةِ: بإشعالِ الضَّوءِ؛ النَّار!!).

أمَّا الطَّامَةُ الكبرى في كُتبِ المدَّعي (ديب العيسى) المشبوهةِ فهي تَنَاوُلُه للعلومِ التَّوحيديَّةِ بكلِّ إشهارٍ لشِركِه وإنكارِه دونَ حياءٍ، وذلكَ لأنَّهُ اعتبرَ أنَّ التَّفَقُّهَ في الدِّينِ درجةً سلوكيَّةً لا درجةً معرفيَّةً، وتطاولَ على علمائنا الأجلاَّءِ حينَ قال: (إنَّ السَّادةَ الشُّيوخَ يجبُ احترامُهُم وَتَقديرُهُم لأنَّهم آمَنوا إيمانَ ثِقَةٍ بالتَّجلِّي أنَّه نورُ الحقِّ فَوَجَبَ تَقديسُهم لإقامَتِهِم إقامةَ الشَّريعةِ والصَّلاةَ في الـمَيَاقيتِ وَتَشريعَ الزَّواجِ والواجباتِ، فَإنَّ شُيوخَنا عَبَدُوا الحقَّ بالثِّقةِ فَتَفانَوا بِحُبِّهم وَمُوالاتِهم للحقِّ، فَكَيفَ لو عَرفوهُ وَشَاهَدُوا الأقربَ إليهم من حَبلِ الوريدِ!!)، حيث ادَّعى أنَّ اللهَ هو الوسْعُ السَّماويُّ ضوءُ النَّهارِ في قولِهِ الـمَشبوهِ: (حقيقةُ الوسْعِ السَّماويِّ الذي تراهُ هو اللهُ!!)، مُحْتَجًّا بأنَّ: (النُّورَ الذي تَراهُ من الشَّمس هو عينُ الحقِّ!!).

واعتبرَ أنَّ الغيبَ المنيعَ هو هذا الضِّياءُ الواسعُ الذي نراهُ في النَّهارِ قائلاً أنَّ: (كلُّ إنسانٍ يَعيشُ بِنُورِ اللهِ ولا يَعرِفُهُ إلَّا عارِفُهُ!!)، مُحتَجًّا بقولِهِ الـمَشبوهِ: (إنَّ الغيبَ الذي هو ماهيَّةُ اللهِ هو الضَّوءُ أمامَ العَينِ!!)، مُعتَبِرًا أنَّ البشرَ: (رَأَوا اللهَ ولم يَعرِفوهُ فابتَعَدُوا عن الأقرَبِ إليهم من حَبلِ الوريدِ!!)، مُفَسِّرًا حسبَ بدعَتِهِ: (أنَّ النُّورَ الذي تَظنُّهُ العامَّةُ أنَّهُ من الشَّمسِ حقيقتُهُ ذاتُ اللهِ تَعَالى!!)، ولم يَسبقْهُ إلى هذه البدعةِ المشبوهةِ أحدٌ من أصحابِ البِدَعِ السَّابقينَ.

وأنَّى له أن يُثْبِتَ شُبهَتَهُ الـمُماثِلَةَ لشبهةِ أهلِ التَّعطيلِ أصحابِ الإفكِ والزُّورِ، إذ يزعُمُ المدَّعي (ديب العيسى) أنَّهُ يشيرُ إلى الغيبِ ويشهَدُ له في قولِهِ الـمَشبوهِ: (لِيَصحَّ الوجودُ الـمُتَنَزِّهُ وَتَثْبُتَ شهادَةُ الغَيبِ الذي لا تَلحَقُهُ الصِّفاتُ والنُّعوتُ وإليهِ الإشارَةُ!!)، علمًا أنَّ الإشارةَ والشَّهادةَ لا تكونُ للغيبِ بل للمَشهودِ الموجودِ لقولِهِ تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ).

وهوَ يزعمُ أنَّهُ (يَرَى نورَ الشَّمسِ فَيَشهدُ حقيقةَ اللهِ!!)، ونحنُ نردُّ عليه بأنَّ الشَّهادةَ لا تكونُ إلَّا لتجلِّياتِ الجمالِ والجلالِ، وأيُّ ادِّعاءٍ عدا ذلك باطلٌ، فمَعرِفَةُ الـمُثبِتين تكونُ بمُعاينَةِ تجلِّياتِ الجمالِ والجلالِ، فإذا حَقَّقُوا ما عايَنوهُ من سِمَاتِ الـمُتَجلِّي كُتِبَتْ شَهَادَتُهُم فَشَهِدُوا على الحقيقةِ لا على الـمَجَازِ إثباتًا وَحَقًّا وَيَقينًا، لأنَّ الشُّهادَةَ هي الحضورُ مع الـمُعاينَةِ بالحِسِّ، بينما الغيبُ هو كلُّ ما غَابَ عن الحِسِّ والعَقلِ، ففي الوقتِ الذي يُصبِحُ فيهِ الغَيبُ مُدرَكًا بالعَقلِ أو موصوفًا بالحسِّ فإنَّهُ لا يَعودُ بَعدَها غَيبًا، لذلك فإنَّنا مكلَّفونَ بمعرفةِ تجلِّياتِ الجمالِ والجلالِ فقط لقوله تعالى: (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ)، أمَّا أن يكلِّفَنا الله بإدراكِ الغيبِ فهذا مُحَالٌ لعدمِ قُدرَتِنا على الإحاطةِ بكنهِ الذَّات الإلهيَّةِ. وهذا التَّكليفُ هو التَّكليفُ الحقيقيُّ في قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلَّا مَا آتَاهَا) من معرفةِ تجلِّياتِ الجمالِ والجلالِ، وليس كما ادَّعى (ديب العيسى) أنَّهُ (عرفَ الوسعَ السَّماويَّ المقصودَ بقولِهِ تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلَّا وُسْعَهَا!!)، لأنَّ المعرفةَ تكونُ للتَّجلِّي الـمُعايَنِ بأعيان الموجوداتِ على حسب ما تَقتَضيهِ قابليَةُ كلِّ هيئةٍ لكلِّ موجودٍ.

هذا يعني أنَّ صاحبَ البدعةِ (ديب العيسى) خالفَ كلَّ ما جاءَ عن الأئمَّةِ المعصومينَ وسادَتِنا الثِّقاةِ الذينَ أكَّدوا أنَّ حدودَ المخلوقِ أن يعرفَ تجلِّياتِ الجمالِ والجلالِ ويشهدَ أنَّها غايةُ معرِفَتِهِ، لأنَّه حرَّفَ الحقيقةَ في قوله المشبوهِ: (أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله، هوَ الوسعُ الوجوديُّ الذي يعيشُ فيه الإنسانُ وَيَنظُرُ وَيَسمَعُ فيه فقد صَارَ من أهلِ الأعرافِ!!)، وهذا يعني أنَّه أوقَعَ اللهَ تحت الحدِّ والتَّحديدِ ضمن هذا الكونِ وهذا الغلافِ الجويِّ لكوكبِ الأرضِ، فمَا بالُهُ شيطانُهُ قد غَرَّهُ حين ادَّعى إدراكَ الغيبِ المنيعِ الـمُعبَّرِ عنه بلفظِ (هُوْ) في دعاءِ الإمامِ الحسينِ (ع): (يا مَن لا يعلَمُ ما هُوْ إلَّا هُوْ، ولا كيفَ هُوْ إلَّا هُوْ)، عبارةً صريحةً وواضحةً عن عجزِ كلِّ الموجوداتِ عن معرفةِ كُنهِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ، وهذا يثُبِتُ أنَّ المدَّعي (ديب العيسى) ادِّعى الألوهيَّةِ لنفسِهِ بزعمِهِ علمَ الـ(هُوْ)، فثَبَتَتِ الحجَّةُ عليهِ بأنَّه فاسقٌ.

في نهاية هذا الجوابِ المختصرِ لابدَّ أن نذكرَ أنَّ هذه الجماعة المنحرفةَ تعتمدُ في علومِها وفقهِها على مؤلَّفاتٍ مشبوهَةٍ أحاطوها بِهَالةٍ مُزَيَّفَةٍ من القداسةِ، وأضافوا على ذلكَ أنَّها تأتي بعد كلامِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) من حيثُ المرتبةُ، وأنَّهُ لا يجوزُ الطَّعنُ فيها، وأنَّ كلَّ ما فيها صحيحٌ، وهذا من مُسلَّمَاتِ الأمورِ التي لا تَقبلُ المناقشةَ فيها.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

الطرائق الوجودية في الفلسفة العلوية

hesham

الطرائق الوجودية في الفلسفة العلوية

الباحث الديني: هشام أحمد صقر

القُرآنُ هَوَ الدَّليلُ إلى خيرِ سبيلٍ, فيهِ التَّفصيلُ والتَّحصيلُ, دليلُ المَعرِفَةِ لِمَن عَرف النِّسبةَ الوجودَيَّةَ, خاصَّةً في هَذا الزَّمانِ الذي كَثُرَت فيهِ الآراءُ والأهواءُ, فالنَّاسُ مُختَلِفو النَّزعاتِ مُتَبايِنُو الأغراضِ, لذا وَجَبَ علينا إزالَةُ الأباطِيلِ وإبعادُ الأضاليلِ مِن خِلالِ الامتِثالِ لِقولِ رسُولِ اللهِ (ص): (أفضلُ العِبادَةِ معرفتُهُ) فما علاقَةُ العِبادَةِ بمعرفةِ النِّسبةِ الوُجودِيَّةِ؟
إنَّ الإيمانَ بحضورِ النِّسبةِ الوُجودِيَّةِ هو الأصلُ في التَّحَقُّقِ لأنها ميزانُ الوجودِ, فَمُطلَقُ الوجودِ لَهُ حَدٌّ وجوبيٌّ ممنوعٌ وحَدٌّ وجوبيٌّ كَشْفِيٌ مُعبَّرٌ عنه بطَرائق وجوديَّةٍ مُتَعَدِّدةٍ تَقتَصِرُ على مماثلةِ أكوانِ الخَلائِقِ ونَظَراتِهِم لِهُ, حيث أنَّ الخلقَ يَصِفُ ويُسَمِّي عالمَ الحقيقةِ هذا بِمَرَاتِبَ مُتَنَوِّعَةٍ عائِدَةٍ للخَلقِ, لأنَّ عالمَ الحقيقةِ بِجَوهَرِهِ لا رَسمَ لَه ولا خَبَرَ عَنهُ, ولا هو أسماءٌ ولا صِفاتٌ ولا أفعالٌ، بل هوَ واجِبُ التَّنزيهِ بَعدَ إثباتِ وُجودِهِ لأنَّنَا غيرُ مُكَلَّفينَ مِنَ الله ِتَعالى بِمَعرِفَةِ جَوهَرِ واجِبِ الوُجودِ لأنَّ ذلكَ مُستَحيلٌ, ولا يَعلَمُ هَذا الكُنْهَ رسُولٌ ولا نَبِيٌّ ولا وَلِيٌّ ولا أحدٌ مِنَ المَوجوداتِ, لِقَولِ أميرِ المُؤمنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (مَن تَفَكَّرَ في الذَّاتِ فقد ألحدَ وتَزَندَقَ).
وَمَن يَنظُرُ إلى وجودِ المقاماتِ الكلِّيَّةِ السَّماويَّةِ والأرضيَّةِ مِن حيثُ تَحديدُها وتَعيينُهَا فهوَ ناظِرٌ إلى الأسماءِ والصِّفاتِ والأفعَالِ المُتَعَدِّدَةِ، لأنَّ تَعَدُّدَ المَقاماتِ راجِعٌ إلى تَعَدُّدِ صِفَاتِ عالمِ الحقيقةِ لا إلى جَوهَرِ واجِبِ الوُجودِ لِقَولِهِ تَعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا), ولِقولِ الإمامِ الصّادقِ (ص): (إنَّ الله َتَجَلَّى في الكَلامِ والكِتابِ ولكِنَّكُم لا تَفقَهونَ), فَكَيفَ تَجَلَّى اللهُ في الكَلام؟
إنَّ الكَلامَ هُوَ قيمةٌ تَوَاصُلِيَّةٌ بينَ الشُّعوبِ جميعًا لِقَولِهِ تَعَالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) فالحُرُوفُ تَنطِقُ بالتَّوحيدِ إثباتًا وتَنزِيهًا وتَنفي التَّشبيهَ والتَّعطيلَ, لأنَّ الحُروفَ فيهَا دلالاتٌ على الوَحدانِيَّةِ والانفِرادِ وقِيامِ الحَقِّ بالاستِغناءِ عَمَّا سَوَّاهُ مِن أسماءٍ وصفاتٍ وأفعالٍ لا كَمَا زَعَمَ المُشَبِّهونَ بِفَهمِهِم الخَاطِئ، حيثُ زَعَمُوا أن الحَقَّ الجوهريَّ جِسمٌ وشيءٌ بِجَوهَرِهِ, فَوَقَعُوا بالشِّركِ والتَّجسيمِ والقِياسِ ونَسوا قولَ أميرِ المُؤمنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (لا تَقيسوا بِالدِّينِ فَإنَّ أمرَ اللهِ لا يُقاسُ).
أمَّا أهلُ الإيمانِ الحَقيقِيِّ فيَعتَقِدونَ أنَّ الحَقَّ الجوهريَّ لَيسَ بداخِلٍ تحتَ الحُروفِ دُخولَ تشبيهٍ وحُلولٍ لأِنَّها آلَةٌ لِلنّطقِ وَالدَّلالَةِ؛ أي آلةٌ لِلوُجودِ وَالاستِدلالِ فَقَط, وَأنَّ الحَقَّ الجوهريَّ لَيسَ خارِجًا عَنِ الحُروفِ خُروجَ تَعطيلٍ وَإلحادٍ, وَهذا الاعتِقادُ الإيمانِيُّ مُستَنِدٌ لِقَولِ أميرِ المُؤمِنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (لَيسَ في الأشياءِ بِوالِجٍ وَلا عَنها بِخارِجٍ), فالحُروفُ وَالأعدادُ إذَنْ مُختَلِفَةٌ وَمُتَبايِنَةٌ كَمِثالِ الأسماءِ الحُسنى الَّتي يُسَمَّى بِها الحقُّ الجوهريُّ لُطفًا وَإيناسًا بِخَلقِهِ في قَولِهِ تَعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوه بِهَا), حيثُ لَم يَقُلِ: (اللهُ الأسماءَ الحُسنى)، كما قالَ: (ادعوهُ) وَلَم يَقُلْ: (اعبُدوهُ أوِ اعلَموهُ).
وَقَد سُمِّيَ سيِّدنا المَسيحُ (ع) الكَلِمَةُ لِقَولِهِ تَعالى: (إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) فَاللهُ تَعالى كانَت أولى وَدائِعِهِ لِسَيِّدِنا عيسى (ع) التَّكوينُ, وَلَم يَستَودِعْهُ الغَيبَ، لِقَولِهِ تَعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)، وَقَولِ أميرِ المُؤمِنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (أشهَدُ أنَّ مَن ساواكَ بِشَيءٍ مِن خَلقِكَ فَقَد عَدَلَ بِكَ، وَالعادِلُ بِكَ كافِرٌ), فَالكَلِمَةُ مُؤَلَّفَةٌ مِن عِدَّةِ حُروفٍ مُتَنَوِّعَةٍ مُشتَقَّةٍ وَهِيَ إشارةٌ لحَقيقَةِ سيِّدنا المَسيحِ (ع) وهو النِّسبةُ الحقيقيَّةُ الجامعةُ، وَلَيسَت حَقيقَةً للآبِ سبحانَهُ، لأِنَّ الآبَ مُجَرَّدٌ بِذاتِهِ عَنِ الاشتِقاقِ وَالتَّحديدِ وَالتَّشبيهِ.
وقد سُئِلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): فَلَم يَزَلْ مُتَكَلِّمًا؟ فقال (ع): (الكلامُ صفةٌ مُحدَثَةٌ وكانَ اللهُ ولا مُتَكَلِّمًا)؛ أي: هل الحقُّ الجوهريُّ قبلَ الخَلقِ صفةٌ وبعدَ الخلقِ صفةٌ؟ فنقول: تَنَزَّهَ في ذاتِهِ قبلَ الخلقِ عن الصِّفَةِ لأنَّ الصِّفاتِ هي نِسَبٌ مضافةٌ وليست جوهرًا للحقِّ الجوهريِّ، وأمَّا قولُهُ: (كانَ اللهُ ولا مُتَكَلِّمًا)؛ أي: كانَ اللهُ بلا صفةٍ، ثم وُصِفَ لِتَتمَّ معرفةُ وجودِهِ وليَستَدِلَّ الخلقُ عليهِ.