أرشيف الوسم: الشرائع

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

كتاب

لقاءات وحوارات

مع الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

  • تمهيد
  • الصراع.. والضحايا الشباب
  • الشيعة والعلوية
  • تصريح جديد عن ظاهرة المدعوين باسم (العلويون الجدد)
  • حوار شامل حول عقائد العلويين في سورية
  • لسنا فرعًا من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة
  • تفنيد ادعاءات الكاذبين حول ظهور المهدي المنتظر
  • لا فرق بين الجعفرية والنصيرية الخصيبية جوهريًا
  • التنوع المذهبي حالة طبيعية وراقية
  • شهادة الحق أساس النهج العلوي النصيري
  • المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله
  • نحن نمارس الشريعة ونعقل الحقيقة ونفي بالعقود
  • نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم
  • الخمرة عند العلوية النصيرية
  • العبادة لله لا للمدعين الربوبية؟
  • أين المفترين من علومنا التوحيدية ورياضياتنا التجريدية؟
  • لا نعتقد بالثالوث المتعدد ولا بتجسيم الألوهية
  • احذروا المواقع المشبوهة التي تدعي العلوية
  • الاستيعاب الديني والفتنة
  • الغلو هو أن تجعل الأنبياء والرسل والأئمة بشرًا خطائين
  • لا قيمة لجهادك إن كنت مجاهدًا دون أن تكون موحدًا
  • العلوية.. نهج التوحيد وميزان الحق
  • مرجعيتنا لا يمكن أن تكون مرجعية بشرية.. بل معصومة
  • التزامنا أفشل محاولات التزوير لنهجنا (العلوي)
  • أصالة العلويين في دحض شبهات التكفيريين
  • الحاجة إلى ثورة إسلامية على التاريخ الأسود والمعتقدات البالية
  • نحن ضد تربيب الأشخاص البشريين وتعظيمهم إلى درجة العصمة
  • متى يتخلصون من عبادة الأشخاص
  • تليين الحجر أسهل من إقناع الجاهلين
  • التقية الدينية بين المعتقد السري والافتراءات الوهابية
  • زيارة أضرحة الأولياء تعظيم لشعائر دين الله
  • باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر إسلام تايمز
  • دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود
  • لا تغلوا في دينكم
  • الخاتمة

interviews

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

اللوح المحفوظ

كتاب

اللوح المحفوظ

النسخة الكاملة

الباحث: هشام أحمد صقر

img_%d9%a2%d9%a0%d9%a1%d9%a7%d9%a0%d9%a2%d9%a2%d9%a8_%d9%a0%d9%a3%d9%a4%d9%a0%d9%a0%d9%a0

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

اللوح المحفوظ النسخة الكاملة

باحث علوي سوري: لا قيمة لجهادك إن كنتَ مجاهداً دون أن تكون موحداً

ahmad

باحث علوي سوري: لا قيمة لجهادك إن كنتَ مجاهداً دون أن تكون موحداً

=================

باتَ مصطلحُ الجهادِ من أكثرِ المصطلحاتِ رَواجًا في هذه المرحلةِ، وَتَتصارعُ الآراءُ والنَّظريَّاتُ بين مؤيِّدٍ ومعارضٍ لفكرةِ الجهادِ: فَمِنهم مَن يَرَاها فكرةً سلبيَّةً مع أنَّها واجبٌ إسلاميٌّ، ومنهم مَن يَرَاها إيجابيَّةً تحتاجُ للضَّبطِ، وكذلك منهم مَن يَربطُها بالمعركةِ ومنهم مَن يَربطُها بالحياةِ ومنهم من يَربطُها بالمعتَقَدِ.

في سوريَّة قَدَّمَ الكثيرونَ أنفسَهم دفاعًا عن الوطنِ، ومن كلِّ الطَّوائفِ، وكانَ للطَّائفةِ العلويَّةِ نصيبَها من عددِ الشُّهداءِ، لكنَّنا تساءَلنا: هل يقتصرُ مفهومُ الجهادِ عندَ العلويِّين على القتالِ المُسَلَّحِ الدَّائرِ ضِدَّ الإرهابِ؟

 

تَحاوَرْنا في هذا الموضوعِ مع الباحثِ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي قالَ: إنَّ دفاعَنا عن وَطنِنا وَتَمسُّكَنا بمبادِئِنا وتضحياتِنا الغاليةَ هي من أشكالِ الجهادِ الذي نُمارسُهُ قولاً وفعلاً، وهذا الدِّفاعُ ليس فقط لأجلِ سوريَّة، بل لأجلِ الإنسانيَّةِ، ولأجلِ نهجِ الحقِّ الذي يَعُمُّ برحمَتِهِ كلَّ شيءٍ. ولكنْ يَبقَى هذا الجهادُ هو الجهادُ الأصغرُ الذي لا يُغنِي عن الجهادِ الأكبرِ الممثَّلِ بعلمِ الأخلاقِ وتهذيبِ النَّفسِ والتَّوحيدِ، وهو مِن أسمى وأرفعِ العلومِ العلويَّةِ الإسلاميَّةِ لأنَّها تمثّلُ الجهادَ الأكبرَ الذي ذكرَهُ رسولُ اللهُ (ص) بقوله: (مرحبًا بقومٍ قَضَوا الجهادَ الأصغرَ وبقيَ عليهم الجهادُ الأكبرُ)، فقيل: يا رسولَ الله وما الجهادُ الأكبرُ؟ قال (ص): (جهادُ النفسِ)، وهذا الجهادُ يَلتزمُ به المؤمنُ العلويُّ امتثالاً لأمرِ مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اعلَموا أنَّ الجهادَ الأكبرَ جهادُ النفسِ فاشتغلوا بجهادِ أنفسِكُم تسعَدُوا)، فالجهادُ المطلوبُ من المؤمنِ العلويِّ إذن هو إتباعُ العقلِ في مواجهةِ الجهلِ، ولن يَحصلَ للنَّفسِ صفاءٌ واكتمالٌ وارتقاءٌ إلا بالتَّوحيدِ الخالصِ، فتكونَ مستعدَّةً لاستقبالِ الفيوضِ العقليَّةِ، وَتُعاينَ مراتبَ الوجودِ، فتصبحَ حرَّةً من الخوفِ والجبنِ والضَّعفِ، وتتأهَّلَ لتكونَ بتحقيقِها لهذه الكشوفِ آنِسَةً مطمئنَّةً بيقينِها، لقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، فَتَبلُغَ حقيقةَ التوحيدِ والإفرادِ الذي هو الغايةُ القصوى والمنتهى الأسمى للعبادةِ العرفانيَّةِ، وعندها لا تأخذُها في اللهِ لومةُ لائمٍ، فتجاهدُ لإعلاءِ كلمةِ الحقِّ، لقوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، فتهجُرَ الدنيا وزخارِفَها، وَتَسمو إلى العُلا بفناءِ الهوى، فلا يَرَى المؤمنُ العلويُّ الشهيدُ حينَها إلا وجهَ ربِّهِ الذي يؤيِّدُهُ بالكراماتِ الحِسَانِ، وهكذا لا يَقوَى عليه أحدٌ من جنودِ الشيطانِ، لأن جنودَ العقلِ المُنَزَّلونَ سَــيَقونَهُ شــرَّ أولئكَ الفانينَ بجهلِهِم وشـيطنتِهم لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا).

 

وحولَ هذا الارتقاءِ بمفهومِ الجهادِ، تساءَلنا عن علاقةِ بناءِ النَّفسِ بمفهومِ الجهادِ فقال الدكتور أحمد: فكرُنا العلويُّ يعتمدُ على بناءِ النَّفسِ بالقيمِ والأخلاقِ تمثُّلاً بقيمِ وأخلاقِ أهلِ البيت المعصومينَ، لأنَّنا نتمثَّل بهم في قيمِنا وأخلاقِنا وأفكارِنا، ولذلكَ فإنَّ كلَّ مَن انتَمى إليهم بحقٍّ كان رجلاً استثنائيًّا سواءَ في فكرِهِ الرَّاقي أو فيما قَدَّمَهُ للبشريَّةِ أو في قيادتِهِ حين يتولَّى البلادَ وَيُقاتِلُ في مواجهةِ القوى المنحرفةِ، وسيصلُ إلى هذهِ الرِّفعةِ عندما يَلتزمُ بوصيَّةِ مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لأصحابِهِ: (اللهَ اللهَ في الجهادِ للأنفسِ، فهي أعدى العدوِّ لكم. إنَّه تباركَ وتعالى يقول: إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ)، فالمؤمنُ العلويُّ يطمحُ أن يترقَّى في مقاماتِ العبادة ليبلغَ مرتبةَ العارفين. وأوَّلُ درجاتِ العبادة إصلاحُ النفسِ بإتباع أحكامِ الحقِّ، وهذا يحتاجُ إلى رياضاتٍ ومجاهداتٍ مستمرةٍ لينفصلَ المؤمنُ العلويُّ عن العالَمِ الفاني ويتَّصلَ بحضرةِ الباقي.

 

وحول أوَّلِ وأهمِّ ما يبلغُهُ هذا العلويُّ في ارتقائِهِ يتابعُ الدكتور أحمد قائلاً: من أهمِّ الحالاتِ التي يجبُ أن يبلغَها المؤمنُ العلويُّ في جهادِ النَّفسِ هي معرفةُ النَّفسُ، فهذا هو الطَّريقُ إلى معرفةِ الحقِّ تعالى، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ (ص) أنَّه سُئلَ: متى يَعرف الإنسانُ ربَّهُ؟ فقال: (إذا عرفَ نفسَهُ)، كما قال مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (معرفةُ النَّفسِ أعرَفُ المعارفِ) ولولاها لم يكن لمؤمنٍ معرفةُ رَبِّهِ لهذا قال كرَّم اللهُ وجهَهُ: (عَجِبْتُ لمن يجهلُ نفسَهُ كيف يعرفُ ربَّهُ!!). هذا يعني أن الهدفَ المقدَّسَ والمقصودَ الإلهيَّ الذي يتمثّلُ بالعبوديَّةِ حقيقةً، لا يمكنُ الوصولُ إليهِ إلاَّ بتحقيقِ العبادةِ طريقةً، والدَّوامُ على ذلك هو من جهادِ النفسِ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، وشرطُ هذا الوصالِ هو ورودُ المعاني السَّاميةِ والنَّهلُ من العلمِ التَّوحيديِّ لأنَّه ضرورةٌ حتميَّةٌ للمؤمنِ العلويِّ، فهو أصلُ كلِّ خيرٍ لقولِ رسولُ اللهُ (ص): (أفضَلُكم إيمانًا أفضلُكُم معرفةً)، وهذه المعرفةُ التوحيديَّةُ هي الزَّكاةُ الحقيقيَّةُ لنفسِ المؤمنِ العلويِّ لقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)، وسيُؤتى على هذه التَّزكيةِ ثوابًا عظيمًا لقوله تعالى: (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى).

 

وحولَ تَسَاؤلِنا عن علاقةِ جهادِ النَّفــسِ بالعقيدةِ الدِّينيَّةِ التَّوحيديَّةِ، قال الدكتور أحمد: لا قيمةَ لجهادِكَ إن كنتَ مجاهدًا دونَ أن تكون موحِّدًا، فأنتَ إذ تجاهدُ فإنَّكَ تُجاهِدُ دفاعًا عن عقيدةِ التَّوحيدِ التي أمركَ اللهُ أن تُعلِي كلمَتَها، خاليةً من التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، لذلكَ لا يَقبلُ اللهُ جهادَ مجاهدٍ دون أن يكونَ موحِّدًا صافيَ العقيدةِ، وهذا مِن أُسُسِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخَصيبيِّ الذي لا تشوبُهُ شوائبُ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وَيَرتقي من عالمِ الدُّنيا إلى عالمِ الآخرةِ، فأهلُ الدُّنيا يقفونَ عندَ الحدودِ الدُّنيا لمفهومِ جهادِ النَّفسِ، فَيَظنُّونَ أنَّه يتعلَّقُ فقط بتَرويضِها على الطَّاعاتِ ومخالفةِ نوازعِها الشِّريرةِ والأهواءِ البدنيَّةِ، لكنَّ المؤمنينَ العلويِّينَ الذين ارتقَوا في مراتبِ العارفينَ وَعَرفوا حقيقةَ الأنوارِ وَشَهِدُوا الآنَ الدائمَ وأقرُّوا له بالشَّهادةِ العظمى، وَسَلبُوا عن حضرةِ الحقِّ ما رأوهُ من العللِ في عالَمِ الملكوتِ وعالَمِ الجبروتِ، أرادوا تحقيقَ السَّعادةِ وبلوغَ الأرَبِ فَجَاهدوا أنفسَهم عن الوقوع في مهالكِ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وصارَعوها لكيلا تَستبدِلَ رضا الخالقِ برضا المخلوقِ، امتثالاً لقول سيِّدنا المسيح (ع) لأحدِ تلاميذِهِ: (إِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا، لأنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟).

أجرى الحوار: وليد عرفات

 

المصدر: مصر تايمز

باحث ديني علوي: نحن نمارسُ الشريعة ونَعقِلُ الحقيقة ونفي بالعقود

ahmad

باحث ديني علوي:

نحن نمارسُ الشريعة ونَعقِلُ الحقيقة ونفي بالعقود

أجرى الحوار: محمد مظهري

================

أشارَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ أحمد أديب أحمد إلى إنَّ النُّصيريِّينَ يمارسونَ الشَّريعةَ ويعقلونَ الحقيقةَ، منوِّهًا إلى إنَّ إنَّه ليسَ بين الكتبِ السَّماويَّةِ المُنزَلةِ والأنبياءِ والرُّسلِ تفرقةٌ ولا اختلافٌ، لأنَّهم على دينٍ واحدٍ هو علمُ الحقائقِ الذي لا يختلفُ ولا يتغيَّرُ.

أكَّدَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ الدكتور أحمد أديب أحمد في حديثٍ خاصٍّ لوكالة مهر للأنباء بأنَّ الاتِّهاماتِ الموجَّهةَ للعلويَّةِ النُّصيريَّةِ بالغلوِّ والتَّطرُّفِ الفكريِّ، وإهمالِ الظَّاهرِ والتَّمسُّكِ بالباطنِ، عاريةٌ عن الصِّحَّةِ مضيفًا: إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ الخصيبيَّ يقومُ على مبدأ الوسطيَّةِ الموسومِ بالصِّراطِ المستقيمِ في قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

 

وأوضحَ الباحثُ السُّوريُّ أنَّ الوسطيَّةَ أو الصِّراطَ المستقيمَ موقفٌ معتدلٌ بين موقفينِ متطرِّفينِ، وهما الإفراطُ والتَّفريطُ، مستشهدًا بقولِ الإِمَامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (الجَاهِلُ لاَ يُرَى إِلاَّ مُفرِطًا أَو مُفَرِّطًا)، لذلك عَبَّرَتْ عنهما الآيةُ الكريمةُ بالسُّبُلِ المنهيِّ عن اتِّباعِها، كما قالَ مولانا أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اليمينُ والشِّمالُ طريقُ ضلالةٍ، أمَّا الطريقُ الوسطى فهي الجَّادَّةُ)، وهو ما أشارَ إليه أفلاطونُ الحكيم بقولِهِ: (الفضيلةُ وسطٌ بينَ رَذيلَتين)، فالجاهلونَ هم الذين اعتقدُوا بالشَّرائعِ فقط وأنكروا الحقائقَ مطلقًا، وظنُّوا أنَّهم لم يُكلَّفوا إلا بالصُّورِ الشَّرعيَّةِ الظَّاهرةِ، لقوله تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ)، فالاختلافُ يكونُ حسب زعمِ الجاهلين واقعًا من الأنبياءِ، وإليهم عائدٌ.

 

ورأى الدكتور أحمد أنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ يقولونَ للعامَّةِ أقوالاً على سبيلِ مذاهبِهم الظَّاهرةِ، ويوضِّحونَ للخاصَّةِ الحقائقَ المعرفيَّةَ، لذلك نجدُ الأقوالَ المتضادَّةَ والملتبسَةَ المتشابهةَ ضِدَّ الأقوالِ المحكَمَةِ الثَّابتةِ.

مضيفًا بقولِهِ: إلاَّ أَّنَّ ما يُثبِتُ الاعتقادَ بالحقائقِ هو التزامُنا أنَّ كافةَ الأنبياءِ والرُّسلِ لا يدينونَ إلا بدينٍ واحدٍ، ولا يريدونَ من حقائقِ شرائعِهم وفرائضِهم وكافَّةِ أقوالِهم إلاَّ هذه الحقائق، فلو كان المرادُ بالشَّرائعِ ظاهرُها فقط فلماذا اختلَفَت أوامرُها ونواهيها وتحليلُها وتحريمُها.

 

وأشارَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ إلى أنَّ القرآنَ يؤكِّدُ حقيقةَ ما وَصَّى به تعالى الأنبياءَ والرسلَ من علمِ الحقائقِ لا علمِ الشَّرائعِ، لأنَّ علمَ الشَّرائعِ فيه خلافٌ وتفرقةٌ، أمَّا علمُ الحقائقِ فهو الدِّينُ القيِّمُ الثَّابتُ قولاً وفعلاً مستشهدًا بقوله تعالى: (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)، وقوله تعالى: (وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)، وقوله تعالى: (لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ). ومثلُ ذلك ما وردَ في الإنجيلِ عن سيِّدنا المسيح (ع): (يغلطُ مَن يجعلُ اللهَ خاضعًا للشريعةِ كما أنه هو نفسُهُ خاضعٌ لها من حيث هو إنسان).

 

ونوَّهَ الدكتور أحمد أديب أحمد إلى أنَّه ليسَ بين الكتبِ السَّماويَّةِ المنزلةِ والأنبياءِ والرُّسلِ تفرقةٌ ولا اختلافٌ، لأنهم على دينٍ واحدٍ هو علمُ الحقائقِ الذي لا يختلفُ ولا يتغيَّرُ، بل الاختلافُ من جهةِ علومِ الظاهرِ التَّشريعيَّةِ فقط، فالشَّرائعُ الظَّاهرةُ هي المتحوِّلةُ، أي لا اختلافَ بالتَّنزيلِ بل بالتَّأويلِ. وقد حصلَ الاختلافُ في التَّأويلِ عندما انحرفَ أصحابُ علمِ الشَّرائعِ عن الحقائقِ المحكَمَةِ، وتعلَّقوا بالاعتقادِ بالمتشابِهِ، فتناقَضَتْ أقوالُهم، وزاغوا عن الحقِّ، فأزاغَ اللهُ قلوبَهم عدلاً منه تعالى كما أخبرَ عنهم في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)، فالخسرانُ المبينُ لأصحابِ علمِ الشَّرائعِ الذين يتَّبعونَ المتشابهاتِ ويتركونَ المحكماتِ، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ)، فالمتشابهُ كمثالٍ لعلمِ الشَّرائعِ ليس للاعتقادِ والتَّديُّنِ، ودليلُ نفي الاعتقادِ بعلمِ الشرائعِ حقيقةً هو قوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا)، إنَّما الاعتقادُ بالمحكمِ كمثالٍ لعلمِ الحقائقِ في قوله تعالى: (وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا).

 

وعلَّقَ الباحثُ في الشُّؤونِ العلويَّةِ على ما يُقالُ حولَ العلويِّين عن عدمِ إقامةِ الشَّريعةِ الظَّاهرةِ وتمسُّكِهم بالمعتقداتِ الباطنيَّةِ بأنَّ هذا كلامٌ غيرُ دقيقٍ مؤكِّدًا أنَّ العلويِّين النُّصيريِّين يمارسونَ الشَّريعةَ ويعقلونَ الحقيقةَ، لكنَّ البعضَ لم يفهمْ ما هو معنى رفعِ التَّكليفِ، وظَنَّهُ إهمالاً، منوِّهًا أنَّ اللهَ لم يفرضْ على المؤمنينَ العارفينَ التَّكليفَ بالاعتقادِ بالشَّرائعِ الظَّاهرةِ، بل رَفَعَها عنهم تكليفًا لأنَّ التَّكليفَ الظَّاهرَ ليسَ غايةً، وإنَّما هو وسيلةٌ وَدِرعُ وقايةٍ، وبقيتِ الفرائضُ فرائضًا مُلزِمةً لنا، فالحشويَّةُ والمقصِّرةُ يَحملونَ على الاعتقادِ بعلمِ الشَّرائعِ المَحضِ، ويتمسَّكونَ بحرفيَّةِ النَّصِّ ويرفضونَ علمَ الحقائقِ، فهم من الذين وَصَفَهم تعالى بقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) لأنَّ السَّرابَ مَثَلٌ على الاعتقادِ بعلمِ الشرائعِ المحضِ، فظلموا أنفسَهم وكانوا كما قال تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ)، لأنَّ التبديلَ الحاصلَ في علمِ التَّشريعِ خصَّ به الظَّالمين فقط، إذ لم تقل الآيةُ: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ آمنوا)، وهؤلاء هم الذين غَرَّهُمْ علمُ الشَّرائعِ الظَّاهرِ المحضِ.

 

وختمَ الدكتور أحمد قائلاً: لا يجوزُ للعاقلِ اللبيبِ الخبيرِ في نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ أن يجعلَ المثلَ حقيقةً للممثولِ، فالخلافُ ليسَ حولَ الفرائضِ (كالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحجِّ والجهادِ) وغيرها، بل حولَ تأويلِ أصحابِ علمِ الشَّرائعِ الحشويِّينَ والمقصِّرينَ لهذهِ العباداتِ، فالحقُّ ما أتى به الأنبياءُ والرُّسلُ وأهلُ العصمةِ من الحقائقِ التي هي القولُ الثابتُ الذي لا يتبدَّلُ كما أشارَ إليه تعالى بقوله: (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ)، وقد جاء عن سيِّدنا المسيح (ع) قوله: (قولوا لي: أللعلمِ أم العملِ أعطانا اللهُ الشريعةَ؟ الحقَّ أقولُ لكم: إنَّ غايةَ كلِّ علمٍ هي تلكَ الحكمةُ)، فجميعُ الفرائضِ واجبةٌ ولازمةٌ لأهلِ الإيمانِ، لكنَّ معرفةَ الحقائقِ مُفتَرَضةٌ عليهم لأنَّ الأعمالَ لا يَقبَلُها اللهُ جلَّ جلالُهُ إلاَّ مِن أهلِ الإيمانِ المُقرِّينَ بوجودِهِ، وقد تَمَّ تغييبُ أهلِ التَّفويضِ والتَّقصيرِ عنها وكُلِّفوا بالحدودِ الشَّرعيةِ فقط لإنكارِهم، فَمَن تركَ الاعتقادَ بالحقائقِ فقد تَعَدَّى حَدًّا من حدودِ اللهِ، وَضَيَّعَ حقًّا من حقوقِهِ، فالمؤمنُ العلويُّ النصيريُّ الخصيبيُّ العارفُ وَفَى بالعقودِ عندما أكَّدَ اعتقادَهُ بالحقائقِ معرفةً، ورفضَهُ الاكتفاءَ بالشَّرائعِ على سبيلِ التَّديُّنِ جهلاً، لذلك نَجَا بمعرفةِ باريهِ وكان مِن المتَّقين في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

 

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء

باحث ديني علوي: المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله

ahmad

باحث ديني علوي:

المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله

أجرى الحوار: محمد مظهري

================

أشارَ الباحثُ الدِّينيُّ السُّوريُّ الدكتور أحمد أديب أحمد إلى أنَّ ملاحقاتِ العثمانيِّينَ للعلويِّينَ كان لها الدَّورُ الأكبرُ في ابتعادِهم عن المساجدِ والتزامِهِم البيوتَ، في الوقتِ الذي تَغُصُّ فيه مساجدُ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ بالمصلِّينَ، متسائلاً بالنَّظرِ إلى هذهِ الإجراءاتِ: هل يَنبغي أن نعتقدَ بأنَّ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ لا يؤمنونَ بالمساجدِ ولذلكَ لا يَرتادونَها؟

 

وصَرَّحَ الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد لوكالةِ مهر للأنباء أنَّهُ مع الأيَّامِ اختلطَتِ الأمورُ ببعضِها وتحوَّلَتْ المساجدُ إلى مكانٍ للقتلِ والجريمةِ، فالعديدُ من مجازرِ الذَّبحِ والقتلِ والتَّمثيلِ ارتُكبَتْ بحقِّ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ في المساجدِ نفسِها.

 

وأضافَ: وَيُسَجِّلُ التَّاريخُ أفظعَ المجازرِ التي ارتكبَها العثمانيُّون بحقِّنا في حلبَ بعدَ الحربِ التي شُنَّتْ على الدَّولةِ الحمدانيَّةِ في القرنِ السَّادسِ عشر ميلادي، أشهرُها مذبحةُ الجامعِ الكبيرِ في حلبَ على يَدِ الطَّاغيةِ سليم الأول بفتوى الفناءِ لابنِ تيميَّةَ لعنَهُ اللهُ، والتي أودَتْ بحياةِ أربعينَ ألفِ مُصَلٍّ وَرَاحَ ضحيَّتَها آلافُ أطفالٍ ونساءٍ وشيوخٍ في منطقةِ (التِّلَلِ) الواقعةِ غربَ القلعةِ، والتي سُمِّيَتْ كذلكَ بسببِ تِلَلِ الرُّؤوسِ التي حَزَّها أولئكَ الأصوليُّونَ التَّكفيريُّونَ.

 

وتابعَ: اليومَ يتابعُ أعداءُ الدِّينِ الوهابيُّون والإخوانُ المسلمون استخدامَ المساجدِ كمستودعاتٍ للسِّلاحِ ومنصَّاتٍ لإطلاقِ الصَّواريخِ والقنَّاصاتِ وغيرِها، فهل يُعقَلُ أن تكونَ هذهِ المساجدُ هي المساجدُ المقدَّسَةُ التي هي بيوتُ اللهِ حقًّا، والتي يُحاسبُنا البعضُ من عَدَمِ وُرُودِها وهو القائلُ: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ)؟.

وأردفَ: بالطَّبعِ لا، لأنَّ المسجدَ في مفهومِنا العلويِّ النُّصيريِّ حبلٌ متَّصِلٌ بين الأرضِ والسَّماءِ، ومكانٌ للطَّهارةِ، ومنطقةٌ حُرِّمَتْ على الشَّياطينِ وانقطَعَتْ عن الأهواءِ، فَصَارَتْ مَهْدَ الإيمانِ ومنهلَ الصَّفاءِ والإخلاصِ، وهو مدرسةٌ خَصَّهَا اللهُ تعالى باسمِهِ حتَّى صارَ بَيتَهُ، ونحنُ من طلابِ هذهِ المدرسةِ، وقد دَوَّننا اللهُ تعالى من زُمرةِ أبناءِ المسجدِ إذْ سَمَّى اللهُ تعالى الطَّرائقَ والحقائقَ باسمِ المسجدِ، لكنَّه نَهَى عن الإقامةِ بمسجدِ التَّشبيهِ في قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وبيَّنَ لنا أنَّ الإقامةَ بالمسجدِ الحقيقيِّ الذي أُسِّسَ على تَقوى الإثباتِ والإفرادِ في قوله سبحانه: (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).

 

وقالَ الدكتور أحمد: أشهرُ أئمَّةِ المساجدِ من سادَتِنا العظماءِ بعدَ سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ هو أكبرُ وأفقهُ تلامذتِهِ وهو الشَّيخُ الثِّقةُ محمد بن عليٍّ الجِلِّيِّ الذي كان إمامًا لأكبرِ مساجدِ المسلمينَ في حلب، وهناك الكثيرُ من سادَتِنا عبرَ التَّاريخِ كانوا أئمَّةً للمسلمينَ في المساجدِ لا يَتَّسِعُ المجالُ لذكرِهِم هنا.

 

وأضافَ الباحثُ العلويُّ: كيف لا نكونُ من أبناءِ المساجدِ ونحنُ نَمْتَثِلُ كعلويِّينَ جعفريِّينَ نُصيريِّينَ لأمرِ مولانا جعفر الصَّادق (ع): (عَلَيكُمْ بإتيانِ المساجدِ فإنَّها بيوتُ اللهِ في الأرضِ، وَمَن أتَاها مُتَطَهِّرًا طَهَّرَهُ اللهُ من ذنوبِهِ وكَتَبَهُ من زُوَّارِهِ، فأكثِروا فيها من الصَّلاةِ والدُّعاءِ)، لكنَّنا نَحترمُ قدسيَّةَ المسجدِ لأنَّهُ مكانٌ للتَّوحيدِ والعبادةِ لا للمُجونِ والرِّياءِ، لقوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا).

وتابعَ الدكتور أحمد أديب أحمد: إنَّ المسجدَ في المفهومِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ له مقامُ التَّجلِّي، وله عنوانُ عِيَانِ الحقِّ، لكنَّهُ لا يُشيرُ إلى مشهدٍ إلهيٍّ دونَ غيرِهِ من المَشَاهدِ، وإنَّما هو جامعٌ للمَشاهدِ كلِّها لقوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ)، وهذا لا يتحقَّقُ بعبادةِ الهوى وطلبِ اللَّذَّاتِ بل بالاتِّصالِ الرُّوحيِّ مع اللهِ تعالى، فالمسجدُ ليسَ مجرَّدَ بناءٍ يتردَّدُ إليهِ النَّاسُ في أوقاتٍ من النَّهارِ، بل هو المقامُ الذي يُعبِّرُ عن الاتِّصالِ باللهِ سبحانَهُ وتعالى، والتَّوجُّهِ والانقيادِ إليهِ سبحانَهُ، وَمَن كانَ يريدُ أن يحقِّقَ هذا الاتِّصالَ الكاملَ فَعَليهِ أن يتخطَّى الشُّبهاتِ التي وقعَ بها الحائدونَ عن النَّهجِ الحقِّ: أوَّلُها تلكَ التي ظَنَّ أصحابُها أنَّ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ هي الأحكامُ الحقيقيَّةُ المفروضةُ، فتَرَكوا وأنكروا العلومَ الحقيقيَّةَ عندَنا وهَجَروها، والتزَموا اعتقادًا حقيقيًّا أفكارَ وأقوالَ روَّادِ المنخنقةِ والمقصِّرةِ، ويكفي للرَّدِّ عليهم قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (لا تَعْمَلْ بالشَّريعةِ دونَ أن تَعْلَمَ الحقيقةَ فَيَحبِطَ عَمَلُكَ)، وثانيها تلكَ التي ظَنَّ أصحابُها أنَّ علمَ القشورِ واجبٌ اعتقادًا كعلمِ الحقائقِ، فَهُم يساوونَ بينَ القشورِ واللُّبِّ، ويكفي للرَّدِّ عليهم قوله سبحانه: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ)، والكلُّ يعلمُ الفرقَ الكبيرَ بين العذبِ الفراتِ عندنا، والملحِ الأجاجِ عندَ غيرِنا، وثالثُها تلكَ التي ظَنَّ أصحابُها أنَّه يجبُ العملُ بعلمِ القشورِ الذي بَلَّغَهُ الأنبياءُ والرُّسُلُ فقط، ويكفي للرَّدِّ عليهم ما قالَهُ الإمام الصَّادق (ع): (مَن تركَ الحقَّ محكَمًا ابتُلِيَ بعبادةِ الباطلِ متشابهًا).

 

وحولَ سؤالٍ عمَّا إذا كانت هذه الرَّمزيَّةُ للمسجدِ تُبَرِّرُ عدمَ دخولِ المساجدِ المعمورةِ والتزامِها في كلِّ الأوقاتِ قال الباحثُ الدِّينيُّ أحمد لوكالة مهر للأنباء: يقولُ رسولُ اللهِ (ص): (جُعلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا)، فلنفرضْ أنَّنا في صحراءَ قَفرٍ، ولا يوجدُ أيُّ بناءٍ، أفلا نَقضي وقتًا؟ هذا يعني أنَّ الأمرَ لا يتعلَّقُ بالمباهاةِ بزيارةِ مبانٍ شُيِّدَتْ على أنَّها مساجدُ لأنَّ المؤمنَ بحالةِ اعتكافٍ مستمرٍّ، ولابدَّ أن يقومَ بآدابِهِ وَيَصومَ عن تذكُّرِ غيرِ الحقِّ، وإلاَّ يخرجَ من مسجدِ العبوديَّةِ إلاَّ بِقَدْرِ الحاجةِ، فإذا انقضَتْ حاجَتُهُ يعودُ ولا يستأنسُ بغيرِ الحقِّ ولا يتعلَّقُ قلبُهُ بغيرِهِ، حتَّى يصيرَ قلبُهُ مَنزلاً للحقِّ ومَسجدًا للرُّبوبيَّةِ، فَيُثني الحقُّ عليهِ في ذاكَ المسجدِ بالتَّجليَّاتِ، وهذا الثَّناءُ هو صلاةُ الرَّبِّ فيقولُ: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكةِ والرُّوحِ).

 

وحولَ مفهومِ بناءِ المساجدِ عندَ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ خاصَّةً مع انتشارِ ظاهرةِ بنائِها بكثافةٍ أكَّدَ الدكتور أحمد في تصريح لوكالة مهر للأنباء أنَّ بناءَ المسجدِ فيه أجرٌ عظيمٌ وثوابٌ جسيمٌ لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن بَنَى مَسجدًا في الدُّنيا أعطاهُ اللهُ)، فَيَجبُ أن تعيشَ مجتمعاتُنا ثقافةَ بناءِ المساجدِ لأنَّها من مظاهرِ الإسلامِ الحقِّ.

 

وأضافَ: لكنَّ هذا لا يكفي، فالمطلوبُ عمارَتُها، وهذهِ العمارةُ لا تتعلَّقُ بالمادِّيَّاتِ بل بالرُّوحانيَّاتِ، لذلك لا يمكنُ أن تكونَ على يَدِ المشبِّهينَ والمعطِّلينَ مِن الذين انحرَفُوا بعقيدَتِهم عن نهجِ التَّوحيدِ الذي أقرَّهُ أميرُ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لقوله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلاَّ اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)، فعمارةُ المساجدِ لا تكونُ إلاَّ على أيدي مَن انتَهَجَ نهجَ الحقِّ من المؤمنينَ المحمَّديِّينَ العلويِّينَ الذين أثبَتُوا وجودَ الحقِّ في سماواتِهِ وأرضِهِ وَنَزَّهوا ذاتَهُ تعالى عن حَدَّي التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، لأنَّ المشركَ هو الذي زَعَمَ إدراكَ الوجودِ، والمعطِّلَ هو الذي زَعَمَ عدمَ إدراكِ الوجودِ، وكلاهُما يقعُ فيهِ قوله سبحانه: (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء