أرشيف الوسم: الشرائع

السؤال السابع والسبعون عن الفرق بين النبي والرسول

images

السُّؤال السَّابعُ والسَّبعون: هل هناكَ فرقٌ بين النَّبيِّ والرَّسول؟

الجوابُ السَّابعُ والسَّبعون بإذنِ اللهِ:

إنَّنا كعلويِّين نختلفُ في رُؤيَتنا للفرقِ بينَ النَّبيِّ والرَّسولِ عن كلٍّ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ على حَدٍّ سواء، رغمَ أنَّ كلاًّ منَ الأنبياءِ والرُّسلِ مخصوصونِ بالعصمةِ، وقد أُمِرنا باتِّباعِهم في قوله تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ)، وبطاعةِ أمرِهم ونَهيهم لقوله جلَّ جلالُهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، لأنَّ كلاًّ منهم مبعوثٌ بالحقِّ من قِبَلِ اللهِ سبحانَهُ بمهمَّةٍ ورسالةٍ لقوله سبحانَه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ)، ولكنَّ هناكَ فرقًا بينَ المَقامَين أنكرَهُ البعضُ، وقَلَبَهُ البعضُ الآخرُ لاشتِباهِهم وجَهلِهم حيثُ زَعَمُوا (أنَّ الرَّسولَ أجَلُّ من النَّبيِّ، وأنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ وليسَ كلُّ نبيٍّ رسولٌ)!!!

نحنُ نردُّ عليهم من الذِّكرِ الحكيمِ، فلو كانَ الرَّسولُ أجَلُّ من النَّبيِّ لَمَا خَصَّ اللهُ تعالى النَّبيَّ بالصَّلاةِ عليهِ في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، لأنَّ هذه الصَّلاةَ هي تشريفٌ خَصَّهُ اللهُ به لأنَّهُ أقرَبُ الخلقِ إليه وأرفَعُهم منزلةً عندَهُ.

ولو صَحَّ زعمُهم بأنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ لَجَازَ أن يكونَ سيِّدنا جبريلُ (ع) نبيًّا باعتبارِهِ سُمِّيَ رسولاً في قوله جَلَّ من قائلٍ: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً)، ولكنْ لا يجوزُ اعتبارُ جبريلَ (ع) نبيًّا أسوةً بالأنبياءِ الذينَ سُمُّوا رُسُلاً كسيِدنا موسى (ع) في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وسيِّدنا عيسى ومحمَّد (ع) في قوله: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ)، فجازَ لهؤلاءِ الأنبياءِ أن يُسَمَّوا رسلاً أيضًا كما في قوله سبحانه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً).

ولابدَّ من الانتباهِ إلى أنَّهُ قَدَّمَ كلمةَ (رسولاً) على كلمةِ (نبيًّا) في الآيات السَّابقةِ لأنَّ كلمةَ الرَّسولِ دَلَّتْ على أنَّهُ مُبَلِّغٌ للرِّسالةِ، وكلمةَ النَّبيِّ دَلَّت على مقامِ النُّبوَّةِ المُمَيَّزِ عن مقامِ الرِّسالةِ، فهو جَلَّ وعلا قد سمَّى الأنبياءَ رُسُلاً، ولكنَّهُ لم يُسَمِّ كلَّ الرُّسُلِ أنبياء، فَوَجَبَ أن يكونَ القولُ الصَّحيحُ: (إنَّ كلَّ نبيٍّ رسولٌ، ولكنْ ليسَ كلُّ رسولٍ نبيٌّ).

فالأنبياءُ هُم رُسُلٌ كما ذكرنا أعلاهُ، ولكنَّ الرُّسُلَ درجاتٌ مختلفةٌ لقوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)، منهم مَن لم تُحَدَّد درجتُهُ كما في قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ)، وهذه الآية تنفي مزاعمَهم بأنَّ (الرَّسولَ أُوحيَ إليه بديانةٍ وشريعةٍ جديدةٍ)!! وأنَّ (النَّبيَّ بُعِثَ لتقريرِ شَرعِ مَن قبلَهُ مِن الرُّسُلِ)!! لأنَّ اللهَ أخذَ الميثاقَ على الأنبياءِ بالدِّينِ والتَّشريعِ لقوله جلَّ جلالُهُ: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً)، ثمَّ أرسلَ الرُّسُلَ للتَّصديقِ وإحقاقِ الحقِّ لقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ).

ومن الرُّسُلِ جبريلُ الرُّوحُ القُدُسُ في قوله سبحانه: (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)، ومنهم مَن كان مِن الملائكةِ في قوله جلَّ من قائلٍ: (قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ)، وهؤلاء جميعًا ليسوا أنبياء، ولكنَّهم حُجَجٌ ظاهرةٌ على النَّاسِ لقوله سبحانه: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)، والحجَّةُ لا تنقطعُ بدوامِ الدُّنيا لقولِ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اللَّهُمَّ إنَّكَ لا تُخلي الأرضَ مِن حُجَّةٍ لَكَ عَلى خَلقِكَ، ظاهرٌ مَوجودٌ، أو خَافٍ مَغْمُورٌ لِكَي لا تُبطِلَ حُجَّتَكَ)، وقولِ الإمام الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

من خلالِ ما ذُكِرَ يتأكَّدُ لنا أنَّ الرِّسالةَ لم تُختَمْ بختمِ النُّبوَّةِ كما زعمَ ابن تيميَّةَ بقوله المفتون: (خَتمُ النُّبوَّةِ يستلزِمُ ختمَ الرِّسالةِ)، فالنبوَّةُ خُتِمَتْ بسيِّدنا محمَّد (ص) لقوله تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، وقولِهِ (ص) حينَ سُئلَ: هذا الأمرُ بعدَكَ لنا أم لِمَنْ؟ فقال: (الأمرُ بَعدي لِمَن هو مني بمنزلةِ هارونَ من موسى، إلاَّ أنَّه لا نبيَّ بَعدي)، فلا شريعةَ يُدعى إليها بعدَ الشَّريعةِ المحمَّديَّةِ حتَّى ظهورِ القائمِ.

ولكنَّ الرِّسالةَ باقيةٌ أبدَ الدَّهرِ لقوله تعالى: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، وهم الموصوفون بقوله سبحانه: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً)، فَمهمَّتُهم التَّبليغُ لقولهِ : (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، وقولِهِ: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، والبلاغُ المُبينُ هو تبليغُ الولايةِ الحقِّ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) وهذا البلاغُ قائمٌ على الدَّوامِ لا ينقضي حتَّى مجيءِ القائمِ المُنتَظرِ (ع) فَيُحقَّ الحقَّ ويقيمَ الميزانَ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

كتاب

لقاءات وحوارات

مع الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

  • تمهيد
  • الصراع.. والضحايا الشباب
  • الشيعة والعلوية
  • تصريح جديد عن ظاهرة المدعوين باسم (العلويون الجدد)
  • حوار شامل حول عقائد العلويين في سورية
  • لسنا فرعًا من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة
  • تفنيد ادعاءات الكاذبين حول ظهور المهدي المنتظر
  • لا فرق بين الجعفرية والنصيرية الخصيبية جوهريًا
  • التنوع المذهبي حالة طبيعية وراقية
  • شهادة الحق أساس النهج العلوي النصيري
  • المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله
  • نحن نمارس الشريعة ونعقل الحقيقة ونفي بالعقود
  • نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم
  • الخمرة عند العلوية النصيرية
  • العبادة لله لا للمدعين الربوبية؟
  • أين المفترين من علومنا التوحيدية ورياضياتنا التجريدية؟
  • لا نعتقد بالثالوث المتعدد ولا بتجسيم الألوهية
  • احذروا المواقع المشبوهة التي تدعي العلوية
  • الاستيعاب الديني والفتنة
  • الغلو هو أن تجعل الأنبياء والرسل والأئمة بشرًا خطائين
  • لا قيمة لجهادك إن كنت مجاهدًا دون أن تكون موحدًا
  • العلوية.. نهج التوحيد وميزان الحق
  • مرجعيتنا لا يمكن أن تكون مرجعية بشرية.. بل معصومة
  • التزامنا أفشل محاولات التزوير لنهجنا (العلوي)
  • أصالة العلويين في دحض شبهات التكفيريين
  • الحاجة إلى ثورة إسلامية على التاريخ الأسود والمعتقدات البالية
  • نحن ضد تربيب الأشخاص البشريين وتعظيمهم إلى درجة العصمة
  • متى يتخلصون من عبادة الأشخاص
  • تليين الحجر أسهل من إقناع الجاهلين
  • التقية الدينية بين المعتقد السري والافتراءات الوهابية
  • زيارة أضرحة الأولياء تعظيم لشعائر دين الله
  • باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر إسلام تايمز
  • دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود
  • لا تغلوا في دينكم
  • الخاتمة

interviews

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

اللوح المحفوظ

كتاب

اللوح المحفوظ

النسخة الكاملة

الباحث: هشام أحمد صقر

img_%d9%a2%d9%a0%d9%a1%d9%a7%d9%a0%d9%a2%d9%a2%d9%a8_%d9%a0%d9%a3%d9%a4%d9%a0%d9%a0%d9%a0

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

اللوح المحفوظ النسخة الكاملة

باحث علوي سوري: لا قيمة لجهادك إن كنتَ مجاهداً دون أن تكون موحداً

ahmad

باحث علوي سوري: لا قيمة لجهادك إن كنتَ مجاهداً دون أن تكون موحداً

=================

باتَ مصطلحُ الجهادِ من أكثرِ المصطلحاتِ رَواجًا في هذه المرحلةِ، وَتَتصارعُ الآراءُ والنَّظريَّاتُ بين مؤيِّدٍ ومعارضٍ لفكرةِ الجهادِ: فَمِنهم مَن يَرَاها فكرةً سلبيَّةً مع أنَّها واجبٌ إسلاميٌّ، ومنهم مَن يَرَاها إيجابيَّةً تحتاجُ للضَّبطِ، وكذلك منهم مَن يَربطُها بالمعركةِ ومنهم مَن يَربطُها بالحياةِ ومنهم من يَربطُها بالمعتَقَدِ.

في سوريَّة قَدَّمَ الكثيرونَ أنفسَهم دفاعًا عن الوطنِ، ومن كلِّ الطَّوائفِ، وكانَ للطَّائفةِ العلويَّةِ نصيبَها من عددِ الشُّهداءِ، لكنَّنا تساءَلنا: هل يقتصرُ مفهومُ الجهادِ عندَ العلويِّين على القتالِ المُسَلَّحِ الدَّائرِ ضِدَّ الإرهابِ؟

 

تَحاوَرْنا في هذا الموضوعِ مع الباحثِ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي قالَ: إنَّ دفاعَنا عن وَطنِنا وَتَمسُّكَنا بمبادِئِنا وتضحياتِنا الغاليةَ هي من أشكالِ الجهادِ الذي نُمارسُهُ قولاً وفعلاً، وهذا الدِّفاعُ ليس فقط لأجلِ سوريَّة، بل لأجلِ الإنسانيَّةِ، ولأجلِ نهجِ الحقِّ الذي يَعُمُّ برحمَتِهِ كلَّ شيءٍ. ولكنْ يَبقَى هذا الجهادُ هو الجهادُ الأصغرُ الذي لا يُغنِي عن الجهادِ الأكبرِ الممثَّلِ بعلمِ الأخلاقِ وتهذيبِ النَّفسِ والتَّوحيدِ، وهو مِن أسمى وأرفعِ العلومِ العلويَّةِ الإسلاميَّةِ لأنَّها تمثّلُ الجهادَ الأكبرَ الذي ذكرَهُ رسولُ اللهُ (ص) بقوله: (مرحبًا بقومٍ قَضَوا الجهادَ الأصغرَ وبقيَ عليهم الجهادُ الأكبرُ)، فقيل: يا رسولَ الله وما الجهادُ الأكبرُ؟ قال (ص): (جهادُ النفسِ)، وهذا الجهادُ يَلتزمُ به المؤمنُ العلويُّ امتثالاً لأمرِ مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اعلَموا أنَّ الجهادَ الأكبرَ جهادُ النفسِ فاشتغلوا بجهادِ أنفسِكُم تسعَدُوا)، فالجهادُ المطلوبُ من المؤمنِ العلويِّ إذن هو إتباعُ العقلِ في مواجهةِ الجهلِ، ولن يَحصلَ للنَّفسِ صفاءٌ واكتمالٌ وارتقاءٌ إلا بالتَّوحيدِ الخالصِ، فتكونَ مستعدَّةً لاستقبالِ الفيوضِ العقليَّةِ، وَتُعاينَ مراتبَ الوجودِ، فتصبحَ حرَّةً من الخوفِ والجبنِ والضَّعفِ، وتتأهَّلَ لتكونَ بتحقيقِها لهذه الكشوفِ آنِسَةً مطمئنَّةً بيقينِها، لقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، فَتَبلُغَ حقيقةَ التوحيدِ والإفرادِ الذي هو الغايةُ القصوى والمنتهى الأسمى للعبادةِ العرفانيَّةِ، وعندها لا تأخذُها في اللهِ لومةُ لائمٍ، فتجاهدُ لإعلاءِ كلمةِ الحقِّ، لقوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، فتهجُرَ الدنيا وزخارِفَها، وَتَسمو إلى العُلا بفناءِ الهوى، فلا يَرَى المؤمنُ العلويُّ الشهيدُ حينَها إلا وجهَ ربِّهِ الذي يؤيِّدُهُ بالكراماتِ الحِسَانِ، وهكذا لا يَقوَى عليه أحدٌ من جنودِ الشيطانِ، لأن جنودَ العقلِ المُنَزَّلونَ سَــيَقونَهُ شــرَّ أولئكَ الفانينَ بجهلِهِم وشـيطنتِهم لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا).

 

وحولَ هذا الارتقاءِ بمفهومِ الجهادِ، تساءَلنا عن علاقةِ بناءِ النَّفسِ بمفهومِ الجهادِ فقال الدكتور أحمد: فكرُنا العلويُّ يعتمدُ على بناءِ النَّفسِ بالقيمِ والأخلاقِ تمثُّلاً بقيمِ وأخلاقِ أهلِ البيت المعصومينَ، لأنَّنا نتمثَّل بهم في قيمِنا وأخلاقِنا وأفكارِنا، ولذلكَ فإنَّ كلَّ مَن انتَمى إليهم بحقٍّ كان رجلاً استثنائيًّا سواءَ في فكرِهِ الرَّاقي أو فيما قَدَّمَهُ للبشريَّةِ أو في قيادتِهِ حين يتولَّى البلادَ وَيُقاتِلُ في مواجهةِ القوى المنحرفةِ، وسيصلُ إلى هذهِ الرِّفعةِ عندما يَلتزمُ بوصيَّةِ مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لأصحابِهِ: (اللهَ اللهَ في الجهادِ للأنفسِ، فهي أعدى العدوِّ لكم. إنَّه تباركَ وتعالى يقول: إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ)، فالمؤمنُ العلويُّ يطمحُ أن يترقَّى في مقاماتِ العبادة ليبلغَ مرتبةَ العارفين. وأوَّلُ درجاتِ العبادة إصلاحُ النفسِ بإتباع أحكامِ الحقِّ، وهذا يحتاجُ إلى رياضاتٍ ومجاهداتٍ مستمرةٍ لينفصلَ المؤمنُ العلويُّ عن العالَمِ الفاني ويتَّصلَ بحضرةِ الباقي.

 

وحول أوَّلِ وأهمِّ ما يبلغُهُ هذا العلويُّ في ارتقائِهِ يتابعُ الدكتور أحمد قائلاً: من أهمِّ الحالاتِ التي يجبُ أن يبلغَها المؤمنُ العلويُّ في جهادِ النَّفسِ هي معرفةُ النَّفسُ، فهذا هو الطَّريقُ إلى معرفةِ الحقِّ تعالى، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ (ص) أنَّه سُئلَ: متى يَعرف الإنسانُ ربَّهُ؟ فقال: (إذا عرفَ نفسَهُ)، كما قال مولانا أمير المؤمنين علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (معرفةُ النَّفسِ أعرَفُ المعارفِ) ولولاها لم يكن لمؤمنٍ معرفةُ رَبِّهِ لهذا قال كرَّم اللهُ وجهَهُ: (عَجِبْتُ لمن يجهلُ نفسَهُ كيف يعرفُ ربَّهُ!!). هذا يعني أن الهدفَ المقدَّسَ والمقصودَ الإلهيَّ الذي يتمثّلُ بالعبوديَّةِ حقيقةً، لا يمكنُ الوصولُ إليهِ إلاَّ بتحقيقِ العبادةِ طريقةً، والدَّوامُ على ذلك هو من جهادِ النفسِ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، وشرطُ هذا الوصالِ هو ورودُ المعاني السَّاميةِ والنَّهلُ من العلمِ التَّوحيديِّ لأنَّه ضرورةٌ حتميَّةٌ للمؤمنِ العلويِّ، فهو أصلُ كلِّ خيرٍ لقولِ رسولُ اللهُ (ص): (أفضَلُكم إيمانًا أفضلُكُم معرفةً)، وهذه المعرفةُ التوحيديَّةُ هي الزَّكاةُ الحقيقيَّةُ لنفسِ المؤمنِ العلويِّ لقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)، وسيُؤتى على هذه التَّزكيةِ ثوابًا عظيمًا لقوله تعالى: (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى).

 

وحولَ تَسَاؤلِنا عن علاقةِ جهادِ النَّفــسِ بالعقيدةِ الدِّينيَّةِ التَّوحيديَّةِ، قال الدكتور أحمد: لا قيمةَ لجهادِكَ إن كنتَ مجاهدًا دونَ أن تكون موحِّدًا، فأنتَ إذ تجاهدُ فإنَّكَ تُجاهِدُ دفاعًا عن عقيدةِ التَّوحيدِ التي أمركَ اللهُ أن تُعلِي كلمَتَها، خاليةً من التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، لذلكَ لا يَقبلُ اللهُ جهادَ مجاهدٍ دون أن يكونَ موحِّدًا صافيَ العقيدةِ، وهذا مِن أُسُسِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخَصيبيِّ الذي لا تشوبُهُ شوائبُ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وَيَرتقي من عالمِ الدُّنيا إلى عالمِ الآخرةِ، فأهلُ الدُّنيا يقفونَ عندَ الحدودِ الدُّنيا لمفهومِ جهادِ النَّفسِ، فَيَظنُّونَ أنَّه يتعلَّقُ فقط بتَرويضِها على الطَّاعاتِ ومخالفةِ نوازعِها الشِّريرةِ والأهواءِ البدنيَّةِ، لكنَّ المؤمنينَ العلويِّينَ الذين ارتقَوا في مراتبِ العارفينَ وَعَرفوا حقيقةَ الأنوارِ وَشَهِدُوا الآنَ الدائمَ وأقرُّوا له بالشَّهادةِ العظمى، وَسَلبُوا عن حضرةِ الحقِّ ما رأوهُ من العللِ في عالَمِ الملكوتِ وعالَمِ الجبروتِ، أرادوا تحقيقَ السَّعادةِ وبلوغَ الأرَبِ فَجَاهدوا أنفسَهم عن الوقوع في مهالكِ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وصارَعوها لكيلا تَستبدِلَ رضا الخالقِ برضا المخلوقِ، امتثالاً لقول سيِّدنا المسيح (ع) لأحدِ تلاميذِهِ: (إِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا، لأنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟).

أجرى الحوار: وليد عرفات

 

المصدر: مصر تايمز

باحث ديني علوي: نحن نمارسُ الشريعة ونَعقِلُ الحقيقة ونفي بالعقود

ahmad

باحث ديني علوي:

نحن نمارسُ الشريعة ونَعقِلُ الحقيقة ونفي بالعقود

أجرى الحوار: محمد مظهري

================

أشارَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ أحمد أديب أحمد إلى إنَّ النُّصيريِّينَ يمارسونَ الشَّريعةَ ويعقلونَ الحقيقةَ، منوِّهًا إلى إنَّ إنَّه ليسَ بين الكتبِ السَّماويَّةِ المُنزَلةِ والأنبياءِ والرُّسلِ تفرقةٌ ولا اختلافٌ، لأنَّهم على دينٍ واحدٍ هو علمُ الحقائقِ الذي لا يختلفُ ولا يتغيَّرُ.

أكَّدَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ الدكتور أحمد أديب أحمد في حديثٍ خاصٍّ لوكالة مهر للأنباء بأنَّ الاتِّهاماتِ الموجَّهةَ للعلويَّةِ النُّصيريَّةِ بالغلوِّ والتَّطرُّفِ الفكريِّ، وإهمالِ الظَّاهرِ والتَّمسُّكِ بالباطنِ، عاريةٌ عن الصِّحَّةِ مضيفًا: إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ الخصيبيَّ يقومُ على مبدأ الوسطيَّةِ الموسومِ بالصِّراطِ المستقيمِ في قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

 

وأوضحَ الباحثُ السُّوريُّ أنَّ الوسطيَّةَ أو الصِّراطَ المستقيمَ موقفٌ معتدلٌ بين موقفينِ متطرِّفينِ، وهما الإفراطُ والتَّفريطُ، مستشهدًا بقولِ الإِمَامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (الجَاهِلُ لاَ يُرَى إِلاَّ مُفرِطًا أَو مُفَرِّطًا)، لذلك عَبَّرَتْ عنهما الآيةُ الكريمةُ بالسُّبُلِ المنهيِّ عن اتِّباعِها، كما قالَ مولانا أمير المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اليمينُ والشِّمالُ طريقُ ضلالةٍ، أمَّا الطريقُ الوسطى فهي الجَّادَّةُ)، وهو ما أشارَ إليه أفلاطونُ الحكيم بقولِهِ: (الفضيلةُ وسطٌ بينَ رَذيلَتين)، فالجاهلونَ هم الذين اعتقدُوا بالشَّرائعِ فقط وأنكروا الحقائقَ مطلقًا، وظنُّوا أنَّهم لم يُكلَّفوا إلا بالصُّورِ الشَّرعيَّةِ الظَّاهرةِ، لقوله تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ)، فالاختلافُ يكونُ حسب زعمِ الجاهلين واقعًا من الأنبياءِ، وإليهم عائدٌ.

 

ورأى الدكتور أحمد أنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ يقولونَ للعامَّةِ أقوالاً على سبيلِ مذاهبِهم الظَّاهرةِ، ويوضِّحونَ للخاصَّةِ الحقائقَ المعرفيَّةَ، لذلك نجدُ الأقوالَ المتضادَّةَ والملتبسَةَ المتشابهةَ ضِدَّ الأقوالِ المحكَمَةِ الثَّابتةِ.

مضيفًا بقولِهِ: إلاَّ أَّنَّ ما يُثبِتُ الاعتقادَ بالحقائقِ هو التزامُنا أنَّ كافةَ الأنبياءِ والرُّسلِ لا يدينونَ إلا بدينٍ واحدٍ، ولا يريدونَ من حقائقِ شرائعِهم وفرائضِهم وكافَّةِ أقوالِهم إلاَّ هذه الحقائق، فلو كان المرادُ بالشَّرائعِ ظاهرُها فقط فلماذا اختلَفَت أوامرُها ونواهيها وتحليلُها وتحريمُها.

 

وأشارَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ إلى أنَّ القرآنَ يؤكِّدُ حقيقةَ ما وَصَّى به تعالى الأنبياءَ والرسلَ من علمِ الحقائقِ لا علمِ الشَّرائعِ، لأنَّ علمَ الشَّرائعِ فيه خلافٌ وتفرقةٌ، أمَّا علمُ الحقائقِ فهو الدِّينُ القيِّمُ الثَّابتُ قولاً وفعلاً مستشهدًا بقوله تعالى: (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)، وقوله تعالى: (وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)، وقوله تعالى: (لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ). ومثلُ ذلك ما وردَ في الإنجيلِ عن سيِّدنا المسيح (ع): (يغلطُ مَن يجعلُ اللهَ خاضعًا للشريعةِ كما أنه هو نفسُهُ خاضعٌ لها من حيث هو إنسان).

 

ونوَّهَ الدكتور أحمد أديب أحمد إلى أنَّه ليسَ بين الكتبِ السَّماويَّةِ المنزلةِ والأنبياءِ والرُّسلِ تفرقةٌ ولا اختلافٌ، لأنهم على دينٍ واحدٍ هو علمُ الحقائقِ الذي لا يختلفُ ولا يتغيَّرُ، بل الاختلافُ من جهةِ علومِ الظاهرِ التَّشريعيَّةِ فقط، فالشَّرائعُ الظَّاهرةُ هي المتحوِّلةُ، أي لا اختلافَ بالتَّنزيلِ بل بالتَّأويلِ. وقد حصلَ الاختلافُ في التَّأويلِ عندما انحرفَ أصحابُ علمِ الشَّرائعِ عن الحقائقِ المحكَمَةِ، وتعلَّقوا بالاعتقادِ بالمتشابِهِ، فتناقَضَتْ أقوالُهم، وزاغوا عن الحقِّ، فأزاغَ اللهُ قلوبَهم عدلاً منه تعالى كما أخبرَ عنهم في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)، فالخسرانُ المبينُ لأصحابِ علمِ الشَّرائعِ الذين يتَّبعونَ المتشابهاتِ ويتركونَ المحكماتِ، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ)، فالمتشابهُ كمثالٍ لعلمِ الشَّرائعِ ليس للاعتقادِ والتَّديُّنِ، ودليلُ نفي الاعتقادِ بعلمِ الشرائعِ حقيقةً هو قوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا)، إنَّما الاعتقادُ بالمحكمِ كمثالٍ لعلمِ الحقائقِ في قوله تعالى: (وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا).

 

وعلَّقَ الباحثُ في الشُّؤونِ العلويَّةِ على ما يُقالُ حولَ العلويِّين عن عدمِ إقامةِ الشَّريعةِ الظَّاهرةِ وتمسُّكِهم بالمعتقداتِ الباطنيَّةِ بأنَّ هذا كلامٌ غيرُ دقيقٍ مؤكِّدًا أنَّ العلويِّين النُّصيريِّين يمارسونَ الشَّريعةَ ويعقلونَ الحقيقةَ، لكنَّ البعضَ لم يفهمْ ما هو معنى رفعِ التَّكليفِ، وظَنَّهُ إهمالاً، منوِّهًا أنَّ اللهَ لم يفرضْ على المؤمنينَ العارفينَ التَّكليفَ بالاعتقادِ بالشَّرائعِ الظَّاهرةِ، بل رَفَعَها عنهم تكليفًا لأنَّ التَّكليفَ الظَّاهرَ ليسَ غايةً، وإنَّما هو وسيلةٌ وَدِرعُ وقايةٍ، وبقيتِ الفرائضُ فرائضًا مُلزِمةً لنا، فالحشويَّةُ والمقصِّرةُ يَحملونَ على الاعتقادِ بعلمِ الشَّرائعِ المَحضِ، ويتمسَّكونَ بحرفيَّةِ النَّصِّ ويرفضونَ علمَ الحقائقِ، فهم من الذين وَصَفَهم تعالى بقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) لأنَّ السَّرابَ مَثَلٌ على الاعتقادِ بعلمِ الشرائعِ المحضِ، فظلموا أنفسَهم وكانوا كما قال تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ)، لأنَّ التبديلَ الحاصلَ في علمِ التَّشريعِ خصَّ به الظَّالمين فقط، إذ لم تقل الآيةُ: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ آمنوا)، وهؤلاء هم الذين غَرَّهُمْ علمُ الشَّرائعِ الظَّاهرِ المحضِ.

 

وختمَ الدكتور أحمد قائلاً: لا يجوزُ للعاقلِ اللبيبِ الخبيرِ في نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ أن يجعلَ المثلَ حقيقةً للممثولِ، فالخلافُ ليسَ حولَ الفرائضِ (كالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحجِّ والجهادِ) وغيرها، بل حولَ تأويلِ أصحابِ علمِ الشَّرائعِ الحشويِّينَ والمقصِّرينَ لهذهِ العباداتِ، فالحقُّ ما أتى به الأنبياءُ والرُّسلُ وأهلُ العصمةِ من الحقائقِ التي هي القولُ الثابتُ الذي لا يتبدَّلُ كما أشارَ إليه تعالى بقوله: (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ)، وقد جاء عن سيِّدنا المسيح (ع) قوله: (قولوا لي: أللعلمِ أم العملِ أعطانا اللهُ الشريعةَ؟ الحقَّ أقولُ لكم: إنَّ غايةَ كلِّ علمٍ هي تلكَ الحكمةُ)، فجميعُ الفرائضِ واجبةٌ ولازمةٌ لأهلِ الإيمانِ، لكنَّ معرفةَ الحقائقِ مُفتَرَضةٌ عليهم لأنَّ الأعمالَ لا يَقبَلُها اللهُ جلَّ جلالُهُ إلاَّ مِن أهلِ الإيمانِ المُقرِّينَ بوجودِهِ، وقد تَمَّ تغييبُ أهلِ التَّفويضِ والتَّقصيرِ عنها وكُلِّفوا بالحدودِ الشَّرعيةِ فقط لإنكارِهم، فَمَن تركَ الاعتقادَ بالحقائقِ فقد تَعَدَّى حَدًّا من حدودِ اللهِ، وَضَيَّعَ حقًّا من حقوقِهِ، فالمؤمنُ العلويُّ النصيريُّ الخصيبيُّ العارفُ وَفَى بالعقودِ عندما أكَّدَ اعتقادَهُ بالحقائقِ معرفةً، ورفضَهُ الاكتفاءَ بالشَّرائعِ على سبيلِ التَّديُّنِ جهلاً، لذلك نَجَا بمعرفةِ باريهِ وكان مِن المتَّقين في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

 

 

المصدر: وكالة مهر للأنباء