أرشيف الوسم: العصمة

السؤال الثالث والسبعون حول أذية الأنبياء

images

السُّؤال الثَّالثُ والسَّبعون: كيف يمكن أن نفسِّرَ تعرُّضَ الأنبياءِ لأذَى أقوامِهم وهم مَعصومون؟

 

الجوابُ الثَّالثُ والسَّبعون بإذنِ الله:

إن أحدَ أهمِّ اختلافاتِنا العقائديَّةِ مع السُّنَّةِ والشِّيعةِ هو مفهومُ العصمةِ، والدَّرجةُ الرَّفيعةُ التي نصلُ إليها بعيدًا عن بَخْسِ الأنبياءِ حقَّهم في العصمةِ التَّكوينيَّةِ. وجوابًا على هذا السُّؤالِ سأوردُ بعضَ الأمثلةِ:

في قصَّةِ سيِّدنا موسى الكليمِ (ع)، وردَ أنَّ سيِّدنا موسى (ع) كانَ شديدَ الحَياءِ حتَّى لا يَكادَ يُرَى من جِلدِهِ شيءٌ، فَتَكلَّمَ بعضُ المُغرضين من بني إسرائيلَ في حقِّهِ بالبُهتانِ، وفَسَّرُوا حَيَاءَهُ أنَّهُ استِتَارٌ عن مَرَضٍ فيه (بَرَصٍ أو آفةٍ)، فَظَلَّ يَحتَمِلُ الأذى وهو صابرٌ يَدعوهم كما وردَ في الآيةِ: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ).

وقد كان بنو إسرائيلَ شعبًا قُسَاةَ القلوبِ لا يؤمنونَ إلاَّ بما يُعَاينونَ، فَهُم قَومٌ مَادِّيُّونَ يُثبِتونَ أنَّ اللهَ تَعالى أوجَدَ الأشياءَ من شَيءٍ، فَلَولا أنَّهُ شَيءٌ لَمَا استَطاعَ إيجادَ الأشياءِ أبَدًا!!

كيفَ لا وهم الذين رَأَوا الآياتِ العظمى من الحَيَّةِ والبَياضِ وانفلاقِ البحرِ لهم ثمَّ ابْتُلُوا باتِّخاذِهم العجلَ لقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاء مُّبِينٌ)!! ولم يَأخذوا بأمرِ اللهِ بل وَصَلَتْ قَسوَتُهم أن عَلَّقُوا إيمانَهم باللهِ على شرطِ أن يَرَوهُ جَهرَةً فأخَذْتُهُم الصَّاعقةُ وهم يَنظرونَ!

ولم يكتفوا بأذيَّةِ سيِّدنا موسى (ع) بل تابعوا أذيَّتَهم لسيِّدنا المسيح (ع) الذي وبَّخَهم قائلاً: (إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ).

ولكنَّ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا)، إن دَلَّ فإنَّما يَدُلُّ على أنَّ اللهَ تعالى يَعصِمُ أنبياءَهُ وَيُبَرِّئُهُم ممَّا يَفتريهِ عليهم السُّفهاءُ.

 

ولا نَنسى كيفَ أعطى سبحانَهُ القدوةَ للبشريَّةِ في صبرِ سيِّدنا أيُّوب (ع) في قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ).

كما كان بلاءُ سيِّدنا يعقوب (ع) أسوةً وعبرةً للصَّابرينَ بعدَما فَقَدَ أحبَّ أبنائِهِ واحدًا تِلوَ الآخرِ، فَصَبَرَ ولم يَيْأَسْ من رَوحِ اللهِ، ولم يَقُلْ إلاَّ ما يُرضي اللهَ، بل زَادَ تَضَرُّعُهُ إلى رَبِّهِ ورجاءُهُ إيَّاهُ كما وردَ في الآيةِ: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وقد أظهرَ سيِّدُنا يعقوب (ع) العَمَى لِشِدَّةِ بكائِهِ على فراقِهِ لمولانا يوسف (ع) في قوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ثم أظهرَ الإبصارَ حينَ أرسلَ له مولانا يوسف (ع) قميصَهُ لقوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا).

فاختفاءُ مولانا يوسف (ع) عن ناظرِ سيِّدنا يعقوب (ع) عُبِّرَ عنه بالعَمَى، أمَّا القميصُ فكانَ مثالَ التَّجلي الذي إذا أُلقِيَ على وَجْهِ سيِّدنا يعقوب (ع) أصبحَ مُبصِرًا، فالعَمَى والإبصارُ صِفَتَانِ لسيِّدنا يعقوب (ع)، أمَّا المُسَبِّبُ لهذا العَمَى والإبصارِ فهو مولانا يوسف (ع).

ومِثلُ هذا البلاءِ لنبيِّ اللهِ يعقوب (ع) بمشيئةِ اللهِ ليسَ ذنبًا أو عقوبةً أو انتقاصًا، بل عِبرَةٌ وآيةٌ للمتوسِّمينَ لقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ).

 

ونذكرُ في قصَّةِ سيِّدنا يونس (ع) قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فهل يَعصي سيِّدنا يونس (ع) أمرَ رَبِّهِ؟ وكيفَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ القادرَ على كلِّ شيءٍ لن يَقدرَ عليهِ؟

إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يؤكِّدُ أنَّ سيِّدنا يونسَ (ع) لم يُغاضِبْ رَبَّهُ، إذْ لم يَقُلْ تَعَالى أنَّه ذَهَبَ مُغاضِبًا رَبَّهُ، فَمَن زادَ هذهِ الزِّيادةَ كانَ يكذبُ على اللهِ ويزيدُ في القرآنِ ما ليسَ منهُ، وهذا ما لا يَجوزُ لأنَّه غَاضَبَ قومَهُ، وإنَّ سيِّدنا يونس (ع) لم يَقصدْ بذلكَ إلاَّ رِضَى اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذا هو المعنى الصَّحيح، والذي يَتَّضِحُ جَلِيًّا بِفَهمِ قوله تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) حيث جاءَ رجلٌ فسألَ ابنَ عبَّاس: كيفَ يَظُنُّ نبيُّ اللهِ يونسَ أنَّ اللهَ لن يَقدِرَ عليه؟ فقالَ ابنُ عباس: ليسَ هذا، ألمْ تقرأ قولَ اللهِ تعالى: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)، وهذا يعني أنَّ كلمةَ (نَقدِرَ عليه) لا تُشيرُ إلى معنى الاستطاعةِ، وإنَّما تُشيرُ إلى مَعنى التَّضييقِ، فسيِّدنا يونس (ع) لَمَّا دَعَا قَومَهُ للتَّوحيدِ ونَفَروا منهُ وأذوهُ، تَرَكَهم غَضَبًا للهِ ولم يظنَّ أنَّ اللهَ يحاسِبُهُ ويُضَيِّقُ عليهِ، وقد نَبَّهَ رسولُ اللهِ (ص) إلى هذا الأمرِ وحَذَّرَ مِن أن يُسِيءَ إنسانٌ الظَّنَّ بنبيِّ اللهِ يونسَ (ع) فقالَ (ص): (‏لا يَقولَنَّ أحدُكُم أنَّني خيرٌ من ‏يونسَ)، وهذا من تعظيمِ رسولِ اللهِ (ص) لشأنِ الأنبياءِ ودفاعِهِ عنهم.

وقد تَضَرَّعَ (ع) إلى رَبِّهِ مُنيبًا فقال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فاستجابَ لَهُ رَبُّهُ تعالى وجَعَلَ دُعاءَهُ هذا مأثورًا لِرَفعِ الكَربِ إلى يومِ القيامةِ.

كلُّ هذهِ المواقفِ تُعتَبرُ بَيِّنَةً على براءةِ الأنبياءِ (ع) وَجَاهِهِم وسَلامَتِهِم، لا نَيْلاً من عِصمَتِهِم، عليهم جميعًا الصَّلاةُ والسَّلام.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثاني والسبعون حول آدم الذي سجدت له الملائكة

images

السُّؤال الثَّاني والسَّبعون: هل كانَ آدمُ الذي سَجَدَتْ له الملائكةُ هو أبو البشر؟

 

الجواب الثَّاني والسَّبعون بإذن الله:

ما يَهمُّنا في قصَّةِ سيِّدنا آدم (ع) تلكَ المعاني العظيمةَ التي أرادَ اللهُ الإشارةَ إلى توحيدِهِ من خلالِها، إذْ قالَ تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ).

لقد تمَّ الخلقُ ثمَّ تمَّ التَّصويرُ، ومن ثمَّ أُمِرَ الملائكةُ بالسُّجودِ، فَلِمَنْ يَرمزُ اللهُ بآدمَ؟ أهو بَشَرٌ أم نَبِيٌّ؟ أم هو رمزٌ آخرُ أَجَلُّ وأعلى؟ هل كانَ آدمُ قبلَ الخلقِ موجودًا أم بَعْدَهُ؟ هل كانَ قبلَ الملائكةِ؟

إذا دقَّقنا في آياتِ القرآنِ الكريم التي رَوَتْ قصَّةِ البَدءِ، نلاحظُ أنه لا يوجدُ ترتيبٌ زمنيٌّ بين سيِّدنا آدم (ع) والملائكةِ، فدائمًا تبدأُ الآياتُ بقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، ولكنَّ الآياتِ التي تناولتِ التَّرتيبَ الزَّمنيَّ للخلقِ لم تَذكر اسمَ آدمَ صَراحةٌ، حيث قال تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ)، وقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، ولم ُيذكر هنا الاسمَ الصريحَ لسيِّدنا آدم (ع)، فلماذا كانَ ذلك؟

لاحظوا أنَّ إبليسَ لعنَهُ اللهُ كانَ دائمًا مع الملائكةِ، ولم يكنْ منهم، ولكنَّه كانَ معهم لِيَتَحقَّقَ وجودُ الضِّدَّين: الخيرُ والشَّرُّ، الطَّيِّبُ والخبيثُ، المؤمنُ والكافرُ، المُوحِّدُ والمُشرِكُ….

ولا يمكنُ أن يوجدَ الشَّرُّ من الخيرِ، ولكنَّه يوجدُ معه لِيَتَبيَّنَ الخيرُ من الشَّرِّ، ولا يمكنُ أن يكونَ المشركُ من المُوَحِّدينَ، بل مَعَهُم، أي أنَّهُ يُوجَدُ ليُعرَفَ الموحِّدُ من المشركِ، والمُحِقُّ من المُبطِلِ، وأساسُ هذه المعرفةِ وهذا التَّمييزِ كانَ وجود سيِّدنا آدم (ع)، وسيِّدُنا آدم (ع) مَثَلُ الحَقِّ الذي أُمِرَ الجميعُ بطاعتِهِ، وبما أنَّ الحقَّ ليسَ له بدايةٌ ولا نهاية، فسيِّدُنا آدم (ع) لم يُذكَرْ له بَدءٌ ولا خَلقٌ، فكانَ القولُ الإلهيُّ يوحي دائمًا بأنَّه موجودٌ، لم يُحدِّدْ زمنَ وجودِهِ، أو متَى كانَ وجودُهُ، أو أينَ كانَ وجودُهُ، في السَّماءِ أم في الأرضِ، بل اكتفى بالإشارةِ إلى الأمرِ الإلهيِّ بالسُّجودِ.

 

أخي السَّائل:

سيِّدُنا آدم (ع) لا يدخلُ في النَّصِّ القرآنيِّ في عدادِ المخلوقاتِ، وهنا قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، فالخلقُ من جهةِ الخالقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالنَّفسِ، أي بجوهرِ المخلوقِ، سواءَ كانَ بشرًا أو ملاكًا، أمَّا التَّصويرُ فهو من جهةِ المخلوقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالجسمِ، أي بالأعراضِ والأسماءِ والصِّفاتِ، فهل جسمُ الإنسانِ موجودٌ قبلَ نفسِهِ أم العكسُ؟ وهل هيكلُ الملاكِ موجودٌ قبلَ جوهرِهِ أم العكسُ؟ فالنَّفسُ قبلَ الجسمِ، والجوهرُ قبلَ العَرَضِ، لذلكَ كانَ الخلقُ قبلَ التَّصويرِ.

ثم قالَ: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ). لماذا لم يقلْ: (ثم قلنا لكم) كَتَتابُعٍ لِسِيَاقِ الكلامِ؟ لو قال ذلكَ لَكَانَتِ الآيةُ: (ثُمَّ قُلْنَا لكم اسْجُدُواْ لآدَمَ فسجدتم إلا إبليس) وهذا غيرُ واردٍ، لأنَّ المُخَاطَبَ من بدايةِ الآيةِ كانَ كافَّةَ الخَلقِ، من مؤمنٍ وكافرٍ، وسعيدٍ وشقيٍّ، وطيِّبٍ وخبيثٍ، ولكنْ: ليسَ كلُّ مَن يَسمعِ الأمرَ يُسارِعُ إلى الطَّاعةِ، فالطَّاعةُ محصورةٌ بالملائكةِ، وهم من عِدَادِ المُخاطَبين، وليسوا جميعَ المُخاطَبينَ، فَهُم مَن أقرَّ بالطَّاعةِ والعبادةِ.

وكانَ الأمرُ: (اسجدوا) ولم يكن: (اعبدوا)، وكان الجوابُ: (فسجدوا)، والسُّجودُ هنا سجودُ تكريمٍ وطاعةٍ لا سجودُ عبادةٍ، فلو كانَ آدمُ هنا بشرًا فهل يجوزُ سجودُ الأنوارِ للجسدِ المصنوعِ من الطِّينِ؟ هل يسجدُ النُّورُ للطِّينِ؟ هل يسجدُ الملائكةُ للبشرِ؟ لا.

إذن: سيِّدُنا آدم (ع) أجلُّ من البشرِ ومن الملائكةِ، وتَجِبُ له الطَّاعةُ والتَّكريمُ، لا العبادةُ، فلو جازَتْ له العبادةُ لَكُنَّا قد أشرَكنا آدمَ باللهِ، معاذَ اللهِ، لكنَّ العبادةَ للهِ الذي أظهرَ سيِّدنا آدم (ع) من دونِ سابقِ مَثيلٍ له، أظهرهُ من دونِ أبٍ ولا أمٍّ لِيَدُلَّ على أنَّه القادرُ أن يقولَ للشَّيءِ: (كُنْ فَيَكُون). فسيِّدُنا آدم (ع) هنا إذن ليس مخلوقًا، لكنَّهُ المَثَلُ الذي قَصَدَهُ تعالى في قوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

أمَّا إبليسُ سائسُ أهلِ الشِّركِ والجحودِ (لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ)، ولن يكونَ من السَّاجدين، لأنَّه لا يدخلُ في عِدَادِهم، لكنَّه قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).

لاحظوا مَكرَهُ وكِبْرَهُ وحُمْقَهُ وقِياسَهُ، فاللهُ لم يذكرْ أنَّ سيِّدنا آدم (ع) من طينٍ، ولم يَذكرْ أنَّهُ مَخلوقٌ، لكنَّ إبليسَ ظنَّ بِجَهلِهِ أنَّ اللهَ سبحانه يأمرُهُ بالسُّجودِ للجسدِ الظَّاهرِ، ظَنًّا منه أنَّ هذه الأسماءَ والصِّفاتِ الظَّاهرةَ ماهيَّةٌ للحقيقةِ الباطنةِ، وبقيَ أعوانُهُ وأتباعُهُ على نفسِ النَّهجِ والتَّفكيرِ، يُسَاوونَ بينَ المَثَلِ والمَمثولِ، والصِّفةِ والموصوفِ، والاسمِ والمُسَمَّى، فَضَلُّوا وكانوا من المشركينَ، وهم أتباعُ إبليسَ الذينَ قال تعالى فيهم: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

كتاب

لقاءات وحوارات

مع الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

  • تمهيد
  • الصراع.. والضحايا الشباب
  • الشيعة والعلوية
  • تصريح جديد عن ظاهرة المدعوين باسم (العلويون الجدد)
  • حوار شامل حول عقائد العلويين في سورية
  • لسنا فرعًا من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة
  • تفنيد ادعاءات الكاذبين حول ظهور المهدي المنتظر
  • لا فرق بين الجعفرية والنصيرية الخصيبية جوهريًا
  • التنوع المذهبي حالة طبيعية وراقية
  • شهادة الحق أساس النهج العلوي النصيري
  • المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله
  • نحن نمارس الشريعة ونعقل الحقيقة ونفي بالعقود
  • نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم
  • الخمرة عند العلوية النصيرية
  • العبادة لله لا للمدعين الربوبية؟
  • أين المفترين من علومنا التوحيدية ورياضياتنا التجريدية؟
  • لا نعتقد بالثالوث المتعدد ولا بتجسيم الألوهية
  • احذروا المواقع المشبوهة التي تدعي العلوية
  • الاستيعاب الديني والفتنة
  • الغلو هو أن تجعل الأنبياء والرسل والأئمة بشرًا خطائين
  • لا قيمة لجهادك إن كنت مجاهدًا دون أن تكون موحدًا
  • العلوية.. نهج التوحيد وميزان الحق
  • مرجعيتنا لا يمكن أن تكون مرجعية بشرية.. بل معصومة
  • التزامنا أفشل محاولات التزوير لنهجنا (العلوي)
  • أصالة العلويين في دحض شبهات التكفيريين
  • الحاجة إلى ثورة إسلامية على التاريخ الأسود والمعتقدات البالية
  • نحن ضد تربيب الأشخاص البشريين وتعظيمهم إلى درجة العصمة
  • متى يتخلصون من عبادة الأشخاص
  • تليين الحجر أسهل من إقناع الجاهلين
  • التقية الدينية بين المعتقد السري والافتراءات الوهابية
  • زيارة أضرحة الأولياء تعظيم لشعائر دين الله
  • باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر إسلام تايمز
  • دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود
  • لا تغلوا في دينكم
  • الخاتمة

interviews

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

السؤال الرابع عشر عن آدم وحواء والهبوط من الجنة

images

السُّؤال الرَّابعُ عشر: التَّوبةُ حصلَتْ قبلَ الهبطةِ، وقد قَبِلَها اللهُ سبحانَهُ من آدَمَ (ع) في قوله تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) والسُّؤال: لِمَ كانت الهبطةُ طالما قُبِلَتْ التَّوبةُ؟

الجوابُ الرَّابعُ عشر بإذن الله:

إنَّ هذا السُّؤالَ مهمٌّ جدًّا، وسنناقشُهُ من عدَّةِ جوانبَ:

الجانبُ الأوَّلُ: يعتقدُ السُّنَّةُ بمعتقدِ التَّوراةِ المتداوَلةِ بأنَّ حوَّاءَ هي أصلُ الإغواءِ، وأنَّها كانت وسيلةَ الشَّيطانِ لإقناعِ آدمَ، يعني أنَّ آدمَ توقَّفَ وتحيَّرَ؛ أي شَكَّ، فسيطرَ الشَّيطانُ على حوَّاءَ، التي دفعَتْ آدمَ إلى أكلِ التُّفَّاحةِ، كما هو الحالُ في بعضِ الرِّجالِ حيثُ تسيطرُ عليهم نساؤهم في كثيرٍ من الحالاتِ ويُغوينَّهم ويُغريَنَّهم، وبالتَّالي فالمسؤوليَّةُ في خروجِ آدمَ من الجنَّةِ، هي مسؤوليَّةُ حوَّاء وليست مسؤوليَّةَ آدمَ!!
أمَّا الشِّيعةُ فمنهم مَن يزعمُ أنَّ آدمَ وحوَّاءَ كانا خاضعَانِ لإبليسَ معًا، وشريكانِ في العصيانِ والاستسلامِ وطاعةِ الشَّيطانِ!! ومنهم من يزعمُ أنَّ آدمَ يحملُ مسؤوليَّةَ ما حصلَ دونَ حوَّاء، وقد انطلقَ من خلالِ الضَّعفِ البشريِّ!!
وهنا نتساءلُ: ما الفرقُ بينَ اتِّهامِهم لسيِّدنا آدمَ (ع) بخضوعِهِ لإغواءِ حوَّاء (ع)، واتِّهامِهم لسيِّدنا محمَّد (ص) بخضوعِهِ لإغواءِ بعضِ أزواجِهِ كما تقولُ روايات صحيح البخاري ومسلم؟

الجانبُ الثَّاني: يَروي السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّ إبليسَ استطاعَ أن يُوسوِسَ لآدمَ وحوَّاء ليدفَعَهُما إلى الانحرافِ عمَّا نهاهُما اللهُ عنهُ من الأكلِ من الشَّجرةِ، لأنَّ إبليسَ حملَ الحقدَ على آدمَ وذرَّيَّتِهِ منذ أمرَهُ اللهُ أن يسجدَ له مع الملائكةِ!! ومع أنَّ اللهَ سبحانَهُ قد حذَّرَ آدمَ وحوَّاءَ من إبليسَ بقوله: (إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)، إلاَّ أنَّ إبليسَ خطَّطَ لآدمَ وحوَّاءَ لِيَعيشا في نطاقِ الأحلامِ الورديَّةِ التي تخاطبُ مشاعرَهُما وأحاسيسَهُما لِيَنسَيا تحذيرَ اللهِ لهما!! وعندما ألقى الأمنياتِ بالحياةِ الخالدةِ في ذِهنَيهما، ولم تكنْ لديهما تجربةٌ في هذا المجالِ، سَمِعَا منه ذلكَ كلَّهُ، وبذلكَ أنساهُما التَّحذيرَ الإلهيَّ!!
هل من المعقولِ أن تكونَ لإبليسَ سلطةٌ على آدمَ نبيِّ اللهِ المعصومِ؟
هل يجوزُ أن يكونَ هذا النَّبيُّ المعظَّمُ بشرًا وقد أمرَ اللهُ الملائكةَ بالسُّجودِ له؟ فهل يسجدُ النُّورُ للطِّينِ؟
إن كانَ الإنسانُ حينَ يدخلُ الجنَّةَ بعدَ يومِ القيامةِ لا ينحرفُ عن أمرِ ربِّهِ بل يبقى عبدًا طائعًا عابدًا مهلِّلاً لله، فهل ينحرفُ النَّبيُّ وهو أوَّلُ خلقِ اللهِ وأقربُهُ إليه؟
كيفَ عرفَ إبليسُ أنَّ آدمَ وحوَّاءَ سيهبطان للأرضِ وسيتكاثرانِ وستكون لهما ذرِّيَّةٌ، وأنَّهُ سيحقدُ عليهما وعلى ذرِّيَتِهما؟
إذا كانَ النَّبيُّ آدم (ع) قد خالفَ اللهَ وهو في الجنَّةِ يراهُ ويسمعُهُ، فما الذي يضمنُ أنَّهُ لن يخالفَهُ على الأرضِ؟ أفليسَ مَن يعصي ربَّهُ في السَّماءِ يعصيهِ في الأرضِ؟
هذه التَّساؤلاتُ تقتضي أن تكونَ رواياتُهم عن آدمَ وحوَّاءَ ساقطةً وغيرُ مأخوذٍ بها، لأنَّ النَّبيَّ آدمَ معصومٌ عصمةً تكوينيَّةً لا يجوزُ فيها الخللُ ولا الزَّللُ.

الجانبُ الثَّالث: وهو يتعلَّقُ بعصمةِ سيِّدنا آدم (ع)، حيث أنَّ السُّنَّةَ لا يعصمونَ آدمَ إطلاقًا ويعتبرونَهُ كأيِّ بشريٍّ منَّا، أمَّا الشِّيعةُ فقد التفُّوا كعادَتِهم على الموضوعِ حيث زَعَموا أنَّ آدمَ لم يكنْ نبيًّا عندما كانَ في الجنَّةِ ليخضعَ موقعُهُ لمسألةِ العصمةِ، وبالتَّالي لا يكونُ هناك محذورٌ من ارتكابِ آدمَ للمعصيةِ في الجنَّةِ، وقالوا: لو افترضنا أنَّهُ كانَ نبيًّا فالأنبياءُ بشرٌ، وقد يخضعونَ لبعضِ نقاطِ الضَّعفِ الذَّاتيَّةِ التي قد تنطلقُ من خلال بشريَّتِهم!! وهكذا تساوى السُّنَّةُ والشِّيعةُ في نظرتِهم للأنبياءِ.
وهنا نتساءلُ: مَن يخطئُ ويخضعُ لنقاطِ الضَّعفِ هل هو مؤتَمَنٌ على تبليغِ الرِّسالةِ السَّماويَّةِ؟

أقول:

إنَّه لَمِنَ المخجلِ أن يتبنَّى الإنسانُ المؤمنُ العاقلُ هذه الرِّوايات والمعتقداتِ التي تُسيءِ إلى اللهِ وأنبيائِهِ ورسلِهِ، لأنَّ هذه الرِّواياتِ تصوِّرُهم بالمظهرِ الذي لا يليقُ بالأنبياءِ المعصومينَ (ع)، وقد صدقَ في قائليها قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي)، وبذلكَ علينا أن نفرِّقَ بين ثلاثةٍ أنواعٍ من الآدامِ:

الأول: هو نبيُّنا آدمُ الجليلُ المعصومُ الذي لا يخطئُ ولا يعصي ربَّهُ وهو الذي سجدَتْ له الملائكةُ سجودَ طاعةٍ لأنَّهُ أعلى منها قدرًا ورتبةً، وهو المذكور في قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، وقوله: (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ).

الثاني: هو آدمُ العاصي الذَّميمُ الذي عصى ربَّهُ وتجبَّرَ وتكبَّرَ واتَّبعَ الشَّيطانَ، وهو المذكورُ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).

الثالث: هو آدمُ المزاجيُّ الذي لم يُذكَرْ لا بالذَّمِّ ولا بالحمدِ إلاَّ بفعلِهِ، وهو آدمُ الإنسانُ الذي خلقَهُ اللهُ ليعرفَهُ ويعبُدَهُ، فأمرَهُ ونهاهُ وأرشدَهُ وأرسلَ له الأنبياءَ مبشِّرينَ، وهو المقصودُ في قوله تعالى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ)، وهم الأنفسُ قبلَ أن تلبسَ الأبدانَ البشريَّةَ فعرَضَ اللهُ عليهم جنَّةَ معرفتِهِ ليسكنوا فيها طائعينَ ويأكلوا من رغدِ الولايةِ والإقرارِ، ولا يقربوا من شجرةِ الإنكارِ التي سيغويهِم فيها إبليس الذي توعَّدَ بغوايَتِهم، لأنَّ الغوايةَ لا تقعُ على الأنبياءِ بل على البشرِ لقوله تعالى: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، ومَن وقعتِ الغوايةُ عليهم هم المقصودونَ في قوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)، وهي الخطيئةُ، ولكنَّ اللهَ أخذَ على الأنفسِ الميثاقَ في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا)، لذلك فإنَّ المؤمنينَ عائدونَ إلى موطنِهم الأصليِّ بعدَ ارتقائهم من عالمِ الغوايةِ إلى عالمِ الهدايةِ لذلك قال تعالى: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)، وهذا الارتقاءُ لا يكونُ إلاَّ بالخضوعِ للتجربةِ والتَّدريبِ وجهادِ النَّفسِ ولابدَّ أنَّهُ حاصلٌ لقوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، وهذا لا يكونُ في عالمِ السَّماءِ بل في عالمِ الأرضِ لذلك وجبَ الهبوطُ لآدمَ المزاجيِّ حتَّى تحصلَ التَّوبةُ فقال تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) وهم المؤمنونَ والكافرونَ وليس آدمَ وحوَّاء لأنَّ آدمَ وحوَّاء لم يكونا عدوَّينِ لا في السَّماءِ ولا في الأرضِ، ولو كان الخطابُ لاثنينِ لقالَ: (بعضكُما لبعضٍ)، لكنَّهُ قالَ: (بعضُكم لبعضٍ) ليدلَّ أنَّ العددَ يفوقُ الاثنينِ وهم كلُّ الأنفسِ التي كانت في الذَّرِّ، ولكنَّهُ ثنَّى بلفظِ (اهبطَا) ليشملَ المؤمنينَ والكافرينَ لأنَّهما كانا معًا أثناءَ الإشهادِ لتكونَ الحجَّةُ على الجميعِ فيقرَّ مَن يقرُّ وينكرَ مَن ينكرَ، ووعدَهم بأنَّهُ سيرسلُ لهم الأنبياءَ والمرسلين فقال: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)، وهم المؤمنونَ لأنَّ طينَتَهم الطَّيِّبَةَ جُبلَتْ على الإقرارِ، وأردَفَ تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)، وهم الكافرونَ لأنَّ طينتَهم الخبيثةَ جُبِلَتْ على الإنكارِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثالث حول سيدنا موسى وقتله للكافر

images

السُّؤالُ الثَّالث: كيف قتلَ موسى (ع) رجلًا بغيرِ حقٍّ وهو نبيُّ اللهِ؟

الجوابُ الثَّالثُ بإذنِ اللهِ:

وردت شبهةُ القتلِ في قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ).

السُّنَّةُ يعتبرونَ أنَّ الأنبياءَ (ع) معصومونَ عن الكبائرِ، أمَّا الصَّغائرُ فغيرُ معصومينَ عنها، وهنا قالوا: كيفَ يقتلُ موسى (ع) نفسًا؟ وبرَّروها بأنَّه قتلَهُ بالخطأ ولا يؤاخَذُ به، وبما أنَّه يُشَرَّعُ الاستغفارُ من الخطأ فإنَّهُ استغفرَ ربَّهُ!!

والشِّيعةُ اعتبروا أنَّ القتالَ بين القبطيِّ والإسرائيليِّ هو الذي من عملِ الشَّيطانِ، فظلمَ موسى نفسَهُ واختارَ ما لم يكن في مصلحتِهِ فلا يأثمُ بفعلِ القتلِ؟

 

أيُّها الإخوة:

لابدَّ من القولِ أنَّهُ من حيث ظاهرِ القصَّةِ لا تثريبَ على سيِّدنا موسى (ع) في قتلِ القبطيِّ لسببينِ:

الأوَّل: أنَّه تدخَّلَ لنصرةِ مؤمنٍ مُستَضعَفٍ استغاثَهُ من يدِ كافرٍ متجبِّرٍ.

الثاني: أنَّ موسى (ع) لم يقصدْ قتلَهُ وإنَّما قصدَ رَدعَهُ فمَاتَ، فلا تَعَمُّدَ ههنا، وبالتالي لا تناقضَ مع عصمتِهِ الشَّريفةِ.

ولعلَّ الإشكالَ نشأ في عقولِ النَّاسِ بسببِ الرِّوايةِ التَّوراتيَّةِ التي تُظهرُ سيِّدنا موسى (ع) في صورةِ القاتلِ المتعمِّدِ المتربِّصِ الذي استطلعَ الأجواءَ ثم أقدَمَ على جريمتِهِ: (وَحَدَثَ فِي تِلْكَ لأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ فَرَأَى رَجُلاً مِصْرِيّاً يَضْرِبُ رَجُلاً عِبْرَانِيّاً مِنْ إِخْوَتِهِ فَالْتَفَتَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ فَقَتَلَ لْمِصْرِيَّ وَطَمَرَهُ فِي الرَّمْلِ)!!

أمَّا الرِّوايةُ القرآنيَّةُ فلم تقلْ أنَّ سيِّدنا موسى (ع) قتلَهُ كي لا يَشتكلَ المعنى، بل قال تعالى: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ)، وهذهِ أوَّلُ مرَّةٍ في التَّاريخِ يتمُّ فيها الإشارةُ إلى هذا التَّفريقِ بين القتلِ العمدِ والقتلِ الخطأ، فالقرآنُ العظيمُ هو أوَّلُ مَن فرَّقَ بين هذهِ الحالاتِ، ولم يَسبقْهُ أيُّ نظامٍ قانونيٍّ في العالمِ في بيانِ هذا التَّشريعِ العادلِ، وهذا كلُّه لا يقعُ بسيِّدنا موسى (ع) لأنَّه نبيٌّ معصومٌ، ولكنَّ هذا على سبيل التَّعليم لنا، لكي ننصرَ إخواننا المؤمنينَ ضدَّ مَن يعاديهم ويتعدَّى عليهم وعلى حرماتِهم.

ولأنَّ نهجَنا العلويَّ كما قلنا يَتعالى عن المادِّيَّاتِ المحسوساتِ يجب أن نفهمَ أنَّ المدينةَ هي مدينةُ العلمِ والتوحيدِ لقولِ رسولِ الله (ص): (أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها)، وجاءَ موسى (ع) ليبلِّغَ أهلَها الغافلينَ عن معرفةِ اللهِ ليهديَهم سواءَ السَّبيلِ، فانقسَموا إلى رَجُلَينِ الأول آمَن به والآخر عاداهُ، لكنَّ العدوَّ لن يواجهَ النَّبيَّ لعدمِ استطاعتِهِ لإيذائِهِ، لذلك فإنَّهُ سيواجهُ المؤمنينَ به من أتباعِهِ وهو قتالُهم والتَّعدِّي عليهم كما حدثَ في بداياتِ الدَّعوةِ المحمَّديَّةِ من تعذيبٍ وتنكيلٍ بالمؤمنينَ على يدِ مشركي قريش، فاستغاثوا بالنَّبيٍّ (ص) فأغاثَهم بالهجرةِ ونصرَهم ربُّهم ببدرٍ، وهكذا استغاثَ المؤمنُ بموسى (ع) فأغاثَهُ بالوكزِ ونصرَهُ بالقضاءِ على عدوِّهِ، حيث جاءَ في الإنجيل: (موسى قتلَ النَّاسَ لِيُبيدَ عبادةَ الأصنامِ ولِيُبقيَ على عبادةِ الإلهِ الحقيقيِّ)، ولهذا قال سيِّدنا المسيحُ (ع) لتلاميذِهِ: (كلُّ ما ينطبقُ على كتابِ موسى فهو حقٌّ فاقبلوهُ).

وعمل الشَّيطانِ ليسَ هو القتالُ الدَّائرُ بينَهما كما فهمَ الشِّيعةُ من تأويلِ الأئمَّةِ (ع)، بل هو فعلُ الكافرِ وقتالُهُ للمؤمنِ، أي عملُهُ لأنَّ الكافرَ بربِّ موسى (ع) هو الشَّيطانُ العدوُّ المضلُّ المبينُ، وفعلُهُ قتالُ المؤمنِ، لذلك فإنَّ القضاءَ عليه هو وعدُ اللهِ بنصرِ المؤمنينَ على الكافرين وهو القائلُ: (وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

واستغفارُهُ إنَّما هو على سبيلِ التَّعليمِ لنا نحن البشرُ بالاستغفارِ والإنابة، أمَّا الانبياءُ (ع) فلا يقعُ عليهم الظلمُ لذلكَ أردفَ بعدَها بقوله: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ)، وهو التعليمُ أنَّنا يجبُ أن نثبتَ على طريقِ الحقِّ مهما كانت عواقبُ الأمورِ، وألَّا نهادنَ أو نسايرَ أو ندعمَ المجرمينَ الذينَ يتطاولون على اللهِ ورسلِهِ وأوليائِهِ وإلا ظلمنا أنفسَنا وخسرنا خسرانًا مبينًا.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.

الدكتور أحمد أديب أحمد