أرشيف الوسم: العصمة

السؤال العاشر بعد المئة حول تحطيم جناحي النملة الشيعية

images

السُّؤالُ العاشرُ بعدَ المئةِ: هل قرأتَ كتابَ (جناحا النَّملةِ) للكاتبِ الشِّيعي (عبد الله الجعفري) الذي يتهجَّمُ فيهِ على سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ (ع)؟ وكيفَ نردُّ عليه؟

الجوابُ العاشرُ بعدَ المئةِ بإذن اللهِ:
ما زالَ دأبُ مشائخِ الفِرَقِ الأخرى هو النَّيلُ من فِرقَتِنا العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الخصيبيَّةِ التي لم يُنصِفْها التَّاريخُ ولن يُنصِفَها طالَما هناكَ إجماعٌ من مشائخِ الفِرَقِ الأخرى على تكفيرِها!!
أطَلَّ علينا في الآونةِ الأخيرةِ أحدُ مشائخِ الشِّيعةِ المِهذارِ (عبد اللهِ الجَعفري)، ليحاولَ النَّيلَ منَّا بكتابٍ مسمومٍ أسماهُ (جناحا النَّملة) فيهِ من التَّخبُّطِ والغباءِ الفكريِّ ما يكفي للتَّعبيرِ عن الحقدِ الشِّيعيِّ الدَّفينِ تجاهَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الخصيبيَّةِ التي لم تحملْ يومًا لواءَ العداءِ والتَّكفيرِ لأحدٍ.
لكنَّنا اليومَ مُلزَمونَ بالدِّفاعِ عن نَهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ لأنَّ هذا هو الجهادُ الذي أُمِرنا به في رَدِّ كيدِ الكائدينَ وحقدِ الحاقدينَ وإيضاحِ صورةِ الحقِّ لأهلِ اليقينِ، وإعلاءِ كلمتِهِ تعالى شاءَ مَن شاءَ وأبى مَن أبى.

لقد كتبتُ كثيرًا في هذا الإطارِ، ولكنَّني سأفنِّدُ افتراءاتِ هذا الكاتبِ المِهذار علينا علَّها تُبيِّنُ مدى الحقدِ الذي يحملُهُ لنا أولئكَ في صدورِهم دونَ أيِّ مُبرِّرٍ، حيثُ يتَّهمنا هذا المِهذار بما وقعَ به بنفسِهِ عندما يقولُ مُستَهزِئًا: (أنا على ثقةٍ من علمٍ وتجربةٍ أنَّ هؤلاء النُّصيريَّةِ لا يهتمُّونَ بالشَّواهدِ الصَّريحةِ لأنَّهم رَضِعوا حليبَ التَّأويلِ الفوضويِّ من اليَناعِ!! وهم يُوافقونَ على وصفِ القرآنِ بالإفكِ والأساطير!! ويزوِّرونَ الوقائعَ ويقلبونَ الحقائقَ ويحرِّفونَ الكلامَ!! ويزعمونَ أنَّ ما جرى في عهدِ الرَّسولِ والإمامِ تراجيديا وحبكةٌ تمثيليَّةٌ!! وهم يزعمونَ أنَّ النَّبيَّ مسحورٌ)!!
مَن الذي يُؤَوِّلُ بشكلٍ فوضويِّ وبدونِ شواهدَ صريحةٍ: أنتَ أم نحنُ أيُّها المأبونُ المأفونُ؟
انظرْ إلى روايتكم الـمَحبوكةِ تَمثيليًّا في كتابكم (الأصول السِّتَّةَ عشر): (إنَّ اللهَ ينزلُ في يومِ عرفةَ في أوَّلِ الزَّوالِ إلى الأرضِ على جَمَلٍ أفرَقٍ يُصَالُ بِفَخديهِ أهلَ عرفاتَ يمينًا وشمالاً!!)، وهي غيضٌ من فيَضِ افتراءاتِكم وأساطيرِكُم واشتباهاتِكم. وسأعرضُ ردًّا على كتابِكَ السَّقطِ بعضَ شَواهِدِنا الصَّريحةِ التي تُحَطِّمُ جناحَي النَّملةِ الشِّيعيَّةِ التي اخْتَلَقْتَها في مَزَاعِمِكَ الخبيثةِ الكاذبةِ:

1- يقولُ في معرضِ حديثِهِ مُستهزئًا بها: (هل يجوزُ التَّعاملُ مع التَّوحيدِ على أنَّهُ أوجُهٌ؟ وكلُّ مؤمنٍ يستطيعُ أن يختارَ الوجهَ الذي يُناسِبُ عقلَهُ)!!؟
إنَّهُ يحاولُ أن يُوهِمَ القارئَ أنَّنا لا نعتمدُ على كتابِ اللهِ ولا كلامِ أهلِ العصمةِ!! وأنَّ كلاًّ منَّا يفهمُ التَّوحيدَ كما يحلو له ويناسبُ عقلَهُ!! فما هذا الغباءُ في طَرحِ التُّهمةِ وكأنَّهُ يعيشُ في قفصِ حقدِهِ الأرعَنِ. ألم يسمعْ هذا المخبولُ أنَّ هناكَ وجوهًا عامَّةً وخاصَّةً نأخذُ بها جميعًا لقولِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع): (إنَّ كتابَ اللهِ على أربعةِ وجوهٍ: العبارةُ والإشارةُ واللَّطائفُ والحقائقُ: فالعبارةُ للعَوَامِّ والإشارةُ للخَوَاصِّ واللَّطائفُ للأولياءِ والحقائقُ للأنبياءِ).

2- يقولُ في كتابِهِ مُتَّهِمًا إيَّانا: (هناكَ عليٌّ ظاهرٌ هو علي بن أبي طالب بصفاتِهِ الجسميَّةِ المعروفةِ، وهناكَ عليٌّ باطنٌ هو اللهُ تعالى، وأنَّ عليًّا الظَّاهرَ مجرَّدُ إمامٍ واللهُ هو عليُّ الباطنُ)!!؟
ما هذا الإسفافُ الذي يَتَقَوَّلُهُ هذا المِهذار؟ يخجلُ الأولادُ الصِّغارُ أن يُفكِّروا بهذهِ الطَّريقةِ، ولا يوجدُ علويٌّ نُصيريٌّ خصيبيٌّ على وجهِ الأرضِ يقولُ هذه العباراتِ أو يعتقدُ بها أو يقسمُ ذاتَ اللهِ إلى قسمَينِ (إمامٍ وإلهٍ!!).
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
نحن ندحضُ افتراءَ هؤلاءِ المفترينَ بقولِ رسولِ اللهِ (ص): (كنتُ أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ، يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النورُ ويقدِّسُهُ قبل أن يخلقَ اللهُ آدمَ بألفِ عامٍ)، فالذَّاتُ الإلهيَّةُ لا يكمنُ بداخلِها شيءٌ ولا يخرجُ منها شيءٌ، وهذا التَّبعيضُ لا نؤمنُ به إطلاقًا امتثالاً لقولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (ليسَ في الأشياءِ بوالجٍ ولا عنها بخارجٍ) نفيًا للحلولِ والتَّبعيضِ.
فهناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ إجلالِ وتعظيمِ أميرِ المؤمنينَ الإمام علي (م) لِمَا يمتلكُهُ في وجودِهِ من الصِّفاتِ الكماليَّةِ، وبين تجسيدِ الألوهيَّةِ في جسمٍ بشريٍّ كما يلصقونَ بنا زورًا!! فمَن ذا الذي يقدر أن يبلغُ شأنَ أميرِ المؤمنين الإمام علي (م) وهو الذي قال فيه رسولُ اللهِ (ص): (عليٌّ بابُ علمي، ومبيِّنٌ لأمَّتي ما أُرسِلتُ به من بعدي، حبُّهُ إيمانٌ وبغضُهُ نفاقٌ)، كما قال له (ص): (أنت الصِّدِّيقُ الأكبرُ، وأنتَ الفاروقُ الأعظمُ الذي يفرِّقُ بين الحقِّ والباطلِ)، أفَبَعدَ هذا شكٌّ في المقامِ الرَّفيعِ لأمير المؤمنين الإمام علي (م)!؟
لكن أن نُتَّهمَ بتجسيدِ الألوهيَّةِ في جسمٍ عليٍّ البَشَريَّ فهذا منافٍ للتَّوحيدِ لأنَّنا في نهجِنا العلويِّ لَسنا معطِّلينَ نَنفي وجودَ الإلهِ، ولا مجسِّمينَ نجسِّدُ الإلهَ في جسمٍ، بل موحِّدينَ يَقينًا لقولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (مَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ وَرَجِعَ بنفي فذلكَ معطِّلٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بصورةٍ فذلك مُجسِّمٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بحيرةٍ فذلكَ مُوحِّدٌ).

3- يحاولُ هذا المِهذار أن يَنسُبَ لنا أنَّنا نسعى للتَّرويجِ لوجودِ غلوٌّ محمودٍ، لِنُبَرِّرَ- حسبَ زعمِهِ- غلوَّنا بالإمامِ عليِّ (م) ناسبًا زورًا لسيِّدنا الخصيبيِّ (ع) أنَّهُ قال: (هناكَ غلوٌّ محمودٌ ومذمومٌ)!! وهو يبرِّرُ هذا بأنَّهُ لا يمكنُ تصوُّرُ وجودُ غرورٍ محمودٍ وظلمٍ محمودٍ وفاحشةٍ محمودةٍ وعقوقٍ محمودٍ وسُحتٍ محمودٍ وشركٍ محمود!!
يبدو أنَّ حقدَهُ لم يُنقِذْهُ من الغرقِ في أوهامٍ اختلَقَها لِيَرُدَّ عليها، فهل من عاقلٍ علويٍّ نُصيريٍّ خصيبيٍّ يعتقدُ بوجودِ فاحشةٍ محمودةٍ أو عقوقٍ محمودٍ أو سُحتٍ محمودٍ أو شركٍ محمودٍ حتَّى يكونَ هناكَ غلوٌّ محمودٌ!!؟
إنَّ هذا المِهذار يحاولُ أن يُبرِّرَ الغلوَّ المحمودَ بتفسيرِهِ الواهي لقولِ مولانا الإمامِ علي (م): (هَلَكَ فيَّ رجلان: مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ) ليقولَ في تفسيرِهِ السَّخيفِ: (الغلوُّ المحمودُ هو المبالَغَةُ في حبِّ أميرِ المؤمنينَ، والمذمومُ بمعنى التأليهِ)!!
ويتَّضِحُ غلوُّ الشِّيعةِ في الإمامِ علي (م) من خلال قولِ المِهذار عبد الله الجعفري نفسِهِ: (إنَّ الإمامَ علي له قَدْرٌ، وهذا القدرُ هو حدودُ البشريَّةِ من ولادةٍ ونموٍّ وزيادةٍ ونُقصانٍ ومرضٍ وشهوةٍ وحاجةٍ للغذاءِ وحاجةٍ لإطراحِ الفَضَلاتِ ثمَّ الموتِ أخيرًا!! كلُّ هذا عَرَضَ للإمامِ حقيقةً كما يعرضُ لنا تمامًا)!!
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
كم هو غَريبٌ أن نُتَّهمَ كعلويِّينَ نُصيريِّينَ بالغُلُوِّ لإقرارِنا بما جاءَ في كتابِ اللهِ من عصمةٍ مطلقةٍ تكوينيَّةٍ للأنبياءِ والرُّسلِ، في الوقتِ الذي يَتَسابقُ فيه كثيرٌ من علماءِ الشِّيعةِ لتطبيقِ مفاهيمِ الغلوِّ الحقيقيِّ في معتقداتِهم بقصدَ حَصرَ الإمام عليٍّ (م) بالحدودِ البشريَّةِ القاصِرَةِ الضَّعيفةِ. فَمِنْ مَصَاديقِ الغلوِّ أن يجعلوا الأنبياءَ والرُّسُلَ والأئمَّةَ والبشرَ شركاءَ للهِ في كلِّ شيءٍ ثم يُفرِّطوا بهم إلى درجةِ البشريَّةِ المساويةِ لنا، وكأنَّ اللهَ تعالى حَلَّ فيهم أو اتَّحَدَ بهم لِحِينٍ ثم أعادَهم إلى بشريَّتِهم بازدواجيَّةٍ فكريَّةٍ وانفصامٍ اعتقاديٍّ غريبٍ، وهذا ما لا يمكن أن يَتَفَوَّهَ به المسلمُ العلويُّ النُّصيريُّ قطُّ..
كلُّ هذا الانحرافِ والغلوِّ الذي اتَّصفَ به كثيرٌ من أصحابِ هذه المغالاةِ جعلَهم يُمَوِّهُونَ أنفسَهم بالافتراءِ علينا وَمُحارَبَتِنا في الماضي والحاضر، لأنَّنا رَفَضْنا أن نُسايرَهم أو نُسَاوِمَهم على عقيدةِ الإسلامِ الحقَّةِ وَعِصْمَةِ الأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسُلِ (ع) فقط دونَ غيرهم.
نحنُ- كعلويِّينَ نُصيريِّينَ- لا يُمكننا أن نُقيِّمَ الإمامَ علي (م) من هذه المناظيرِ التي تسلبُهُ حقَّهُ، لأنَّنا نعتمدُ على النَّصِّ الذي كرَّمَهُ وأعطاهُ المقامَ الذي يجبُ أن نعرفَهُ فيه، فهو الوليُّ في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ). وهو الإمام المُبينُ في قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقولِهِ: (إنَّ عليًّا الإمام الذي أحصى اللهُ تباركَ وتعالى فيهِ علمَ كلِّ شيءٍ). وهو الكتابُ في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقولِهِ: (الكتابُ أميرُ المؤمنينَ لا شَكَّ فيهِ هدًى للمتَّقين). وهو بابُ مدينةِ العلمِ التي لا يُؤتى إليها إلاَّ من البابِ في قولِ رسولِ اللهِ (ص): (أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها). وهو ميزانُ الحقِّ الذي حدَّدُ رسولُ اللهِ (ص) بقوله: (عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ يَدورُ مَعَهُ حيثُما دارَ). وهو الذي كانَ محمَّدٌ (ص) الأقربَ إليهِ بقوله (ص): (أنا من عليٍّ وعليٌّ منِّي، وعليٌّ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بَعدي). ومع ذلكَ فلا يَســتوي مع الرَّســولِ (ص) في درجةٍ واحدةٍ أو مقامٍ واحدٍ، فـمقامُـهُ من محمَّد (ص) كمقامِ شمعون الصَّفا (م) من المسيح (ع) الذي قال له: (أنتَ الصَّخرةُ وعليكَ أَبني كَنيستي). ومَن كان بهذه الصِّفاتِ الاستثنائيَّةِ لا يمكنُ أن يكونَ مساويًا لبقيَّةِ البشرِ بل هو نورٌ لقول رسول اللهِ (ص) المُسنَدِ لسلمان الفارسي (ع) الذي قال: (سمعتُ حبيبي محمَّد يقول: كنت أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النُّورُ ويقدِّسُهُ قبلَ أن يخلقَ آدمَ بأربعةَ عشرَ ألف عامٍ، فلمَّا خلقَ آدمَ أودَعَ ذلكَ النُّورَ في صُلبِهِ، فلم يزلْ أنا وعلي في شيءٍ واحدٍ حتى افترقنا في صلبِ عبدِ المطَّلبِ، ففيَّ النُّبوَّةُ وفي عليٍّ الإمامةُ).

4- يستنكرُ علينا هذا المِهذار قولَنا بعصمةِ الأنبياءِ التَّكوينيَّةِ مُحتجًّا بقولهِ تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) قائلاً: (إنَّ هذا القولَ صريحٌ في المعصيةِ والغوايةِ الـمُستَتبَعَةِ عنها!! وإنَّ يوسفَ ليس إلاَّ رجلاً في دمِهِ هرمونُ الذُّكورَةِ كما هو شأنُ سائرِ الرِّجالِ!!)، فيا وَيحَهُ ما أقذّرَ تفكيرَهُ.
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
إنَّ نبيَّنا آدمَ الجليلَ المعصومَ (ع) لا يخطئُ ولا يعصي ربَّهُ وهو الذي سجدَتْ له الملائكةُ سجودَ طاعةٍ لأنَّهُ أعلى منها قَدْرًا ورتبةً، وهو المذكور في قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، وقوله: (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ). أمَّا آدمُ العاصي الذَّميمُ (لع) فهو الذي عَصَى رَبَّهُ وتَجبَّرَ وتكبَّرَ واتَّبعَ الشَّيطانَ، وهو المذكورُ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).
أمَّا فيما يتعلَّقُ بمولانا الوصيِّ يوسف (م) فاللهُ تعالى رَفَعَهُ عمَّا يقولُ الـمُغالونَ الـمُسقِطونَ لقَدْرِهِ إلى بشريَّتِهم الجسمانيَّةِ فقال تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، ولم يقلْ: رجولةً وفحولةً!! والدليل على رفعَتِهِ وولايَتِهِ التَّكوينيَّةِ قولُ نسوَةِ مصر: (حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) ليأتي هذا المِهذارُ فيزعمَ بجهلِهِ أنَّهُ رجلٌ كسائرِ الرِّجالِ!!

5- يَتوهُ هذا المِهذار في معرضِ كتابِهِ فيقعُ في شَرِّ أفكارِهِ عندما يتساءَلُ أيُّهما أسبَقُ في الوجودِ؟ فيُجيبُ نفسَهُ بقولِهِ الـمَفتونِ: (البشريَّةُ قبلَ النُّورانيَّةِ والجسدُ قبلَ الرُّوحِ!!)، مُؤَوِّلاً حسبَ رأيهِ السَّخيفِ قوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)!!
ما هذا الغباءُ الـمُستَفحِلُ في نفسِهِ الخبيثةِ؟
كيفَ يقولُ أنَّ البشريَّةَ قبلَ النُّورانيَّةِ واللهُ تعالى قد أكَّدَ وجودَ النُّورانيَّةِ- وهي عالمُ الملائكةِ- قبلَ البشرِيَّةِ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ)؟ ألم يقرأ قولَ رسولِ اللهِ (ص): (أوَّلُ ما خُلِقَ نُورِي، ثم فُتقَتْ منهُ أنوارُ أهلِ بيتي، فلم نَزَلْ نتردَّدُ في النُّورِ حتَّى وصَلْنا حجابَ العظمةِ في ثمانينَ ألفِ سنةٍ، ثم خلقَ الظِّلالَ من أنوارِنا)؟ أَلَمْ يقرأَ أنَّ رسولَ اللهِ (ص) كانَ قبلَ أن يخلقَ اللهُ آدمَ (ع) بدليلِ قوله (ص): (كنتُ أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ، يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النورُ ويقدِّسُهُ قبل أن يخلقَ اللهُ آدمَ بألفِ عامٍ)؟
وكيفَ يزعمُ أنَّ الجسدَ قبلَ الرُّوحِ وقد أوضحَ تعالى أنَّ الرُّوحَ أسبقُ في قوله: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، وقوله سبحانه في سورة مريم: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)؟ ألم يقرأ قولَ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (خَلَقَ اللهُ الرُّوحَ بلا بَدَنٍ)؟ هل يُدرِكُ هذا الـمُشرِكُ الرُّوحَ كما يُدرِكُ الجسدَ مخالفًا قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)؟

6- يفتري علينا هذا المِهذار حينَ يقول: (إنَّ هؤلاء النُّصيريَّةِ يُشبهونَ الوهَّابيَّةَ في معتقداتِهم)!!
سنثبتُ بالشَّواهدِ والأدلَّةِ ما يُثبِتُ التقاءَ الشِّيعةِ مع الوهابيَّةِ في عددٍ من النَّقاطِ:
إنَّ تَجسيمَ الإلهِ عندَ ابن تيميَّة في أقوالِهِ الـمَشبوهَةِ: (إنَّ اللهَ يجلسُ على العرشِ، وقد أخلى مكانًا يَقعدُ فيه معهُ رسولُ اللهِ… إنَّ محمَّدًا يُجلِسُهُ ربُّهُ على العرشِ معهُ… إذا جلسَ اللهُ على الكرسيِّ سُمِعَ له أطيطٌ كأطيطِ الرَّحلِ الجديدِ!!)، وعندَ تلميذِهِ ابنِ القيِّمِ الجوزيَّة في قولِهِ الـمَشبوهِ: (إن اللهَ يُجْلِسُ رسولَهُ معهُ على العرشِ.. ولا تُنكِرُوا أنَّهُ قاعدٌ ولا تُنكِرُوا أنه يُقعِدُهُ!!)، يتوافقُ مع تَجسيمِ الإلهِ عندَ الشِّيعةِ في كُتُبِهم المأثورةِ، كأقوالِ ميرزا محمَّد تقي الـمَشبوهِ: (إنَّ اللهَ تعالى يَزورُ الحسينَ ويُصافِحُهُ ويقعدُ معهُ على سريرٍ… يَزورُهم الرَّبُّ تعالى ويُصافِحُهم ويَقعدونَ معه على سريرٍ واحدٍ لاتِّحَادِ حُكْمِ العبوديَّةِ مع حُكْمِ الرُّبوبيَّةِ!!)، وقولِ صدرِ الدِّين الشِّيرازي الـمَشبوهِ: (النَّارُ لا تزالُ متألِّمَةً لِمَا فيها من النَّقصِ وعدمِ الامتلاءِ حتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ قَدَمَهُ فيها، وهي إحدى تينكَ القدمَين المَذكورَتَين في الكرسيِّ!!)، وقولِ الطباطبائي الـمَشبوهِ: (إنَّ اللهَ وَضَعَ القدمَ على النَّارِ!!).
نحنُ نردُّ عليهم بقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) الصَّريحِ بقوله: (إنَّ الغُلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، وبقولِ سيِّدنا الخصيبيِّ (ع) في مواجهةِ شُبهَةِ التَّجسيمِ: (وَلا تَجَسَّمَ في جِسمٍ أحاطَ بِهِ… جَلَّ المُهَيمِنُ عَن تَحديدِ ذي حَدَدِ)، فاللهُ تعالى لا يمكنُ أن يكونَ جسمًا لقول الإمام الصَّادق (ع): (إنَّ الجسمَ مَحدودٌ مُتَنَاهٍ، وهو مُجَسِّمُ الأجسامِ).
إلاَّ أنَّ الخلافَ الوحيدَ بين الوهابيَّةِ والشِّيعةِ هو على الرَّبِّ الذي يتوجَّهونَ إليهِ بالعبادةِ، فابنُ تيميَّةَ ومَن تَبِعَهُ من الوهَّابيَّةِ كانوا على مذهبِ الفرقةِ اليزيديَّةِ الـمُغالِيَةِ برَبِّهم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (لع) الذي أشارَ إليه ابنُ تيميَّةَ بقولِهِ المَشبوهِ: (إنَّ النَّبيَّ يذكرُ أنَّهُ رأى ربَّهُ في صورةِ شابٍّ مُوفرٍ رِجلاهُ في خضرٍ علَيه نَعْلانِ مِن ذهب على وجْهِهِ فِراشٌ مِن ذهَب).
في الوقتِ الذي خالَفَهم دُعاةُ المذهبِ الشِّيعيِّ الذينَ زَعَموا أنَّ الإمامَ الحسينَ (ع) يملكُ طَبيعَتِينِ: الأولى نورانيَّةٌ قبلَ الخلقِ عندما يَرفعونَه إلى مقامِ صاحبِ الملكوتِ الأعلى، والثَّانيةُ بشريَّةٌ بعدَ الخلقِ عندما يُخضِعونَهُ لطبيعةٍ بشـــريَّةٍ ضعيفةٍ تجعلُهُ واقعًا تحتَ الذَّبحِ كما أوقعَ النَّصــارى سيِّدنا المسيحَ (ع) تحتَ الصَّلبِ، وهذا طعنٌ بِعِصـمَتِهما، وعليهم وَقَعَ قولُ رسولِ اللهِ (ص): (ما عَرَفَ اللهَ مَن شبَّهَهُ بالخَلقِ، ولا وحَّدَهُ مَن نَسَبَ إليهِ ذنوبَ العبادِ).
ولذلكَ فإنَّنا- كعلويِّينَ نُصيريِّينَ خصيبيِّينَ- عندما نقولُ: (لَسنا فرعًا من الشِّيعةِ) لا نقصدُ أنَّنا غيرُ موالينَ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) كما يُحَوِّرُ كلامَنا بعضُ المِهذارينَ والـمُقَصِّرينَ، بل نقصدُ أنَّنا لسنا على المذهبِ الشِّيعيِّ الـمُبتَدَعِ، وقد فرَّق سيِّدُنا الخَصيبيُّ (ع) بيننا وبينهم فقال: (فَلَشَتَّانَ بينَ مَن عَرَفَ الحَقَّ.. ومَن كانَ جَاهِلاً بالأمورِ)، فالجاهلونَ بالأمورِ هُم الشِّيعةُ الـمُقَصِّرَةُ الذين ذكرَهُم بقوله: (وَبَاكٍ يَبكِي على رَبِّهِ.. لَسْتُ بحَمْدِ اللهِ مِن حِزْبهِ.. يَبكِي على الـمَقتولِ في كَرْبَلا.. لا خَفَّفَ الرَّحْمَنُ عن كَربِهِ.. مُعتَذِرًا من سُوءِ أفعَالِهِ.. وَعُذرُهُ أعظمُ من ذَنبِهِ).

وبالنتيجةِ: هل يكونُ المِهذار عبد الله الجعفري إلاَّ كأسلافِهِ من أمثالِ القمِّيِّ والطُّوسيِّ والكشِّيِّ والحلِّيِّ والشَّهرستاني والأشعريِّ والنَّجاشيِّ والطبريِّ والنُّوبختيِّ وابن الغضائريِّ والمفيدِ وأقرانِهَ اليومَ من أمثالِ عبد الحليمِ الغِزِّيِّ وياسر الحبيب وكمالِ الحيدريِّ وياسر العودة وعلي الكوراني العامليِّ وأحمد فوزي الـمٌلقَّبِ بالإمامي أسألُ اللهَ أن يُبرِّئنا منكم إلى يومِ القيامةِ والدِّينِ.

وفي الختامِ لا يَسَعُني إلاَّ القولُ:
عندما ينظرُ الجاهلُ إلى جوهرةٍ يستخفُّ بها لأنَّ عقلَهُ لا يحملُها، ويبدأ بانتقادِ إشعاعِها لأنَّهُ لا يستطيعُ أن يُقَدِّرَهُ فيزعمُ أنَّهُ يُحرِقُ العَينَينِ.

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السابع بعد المئة حول ثبوت الإيمان

images

السُّؤالُ السَّابعُ بعدَ المِئَةِ: هل ولايةُ الأئمَّةِ (ع) شرطٌ لثُبوتِ الإيمانِ؟

الجوابُ السَّابعُ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
وردَ الكثيرُ من الأحاديثِ الشَّريفةِ التي تربطُ الإيمانَ بالولايةِ الأحديَّةِ لأميرِ المؤمنينَ الإمام علي (م)، فلا يُوَاليهِ حقَّ الولاءِ إلاَّ مؤمنٌ، ولا يبغِضُهُ إلاَّ منافقٌ. وهناكَ من الأحاديثِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى حولَ هذا الأمرِ، عَدَا عن الآياتِ الكثيرةِ التي نزلَتْ في الفَصلِ بينَ الإيمانِ والكفرِ بمعيارِ الولايةِ، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ)، حيث سُئلَ الإمام الصَّادقُ (ع) عن تفسيرِ هاتين الآيتين فقال: (نَزَلَتْ في فلانٍ وفلانٍ وفلانٍ، أظهَروا الإيمانَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في أوَّلِ الأمرِ، وكَفَرُوا حينَ عُرِضَتْ عليهمُ الولايَةُ يومَ الغديرِ، ثم أظهَروا الإيمانَ بالبَيعَةِ لأميرِ المؤمنينَ، ثمَّ كَفَروا حين مَضَى رسولُ اللهِ فَلَم يُقِرُّوا بالبَيعَةِ، ثم ازدَادُوا كُفرًا بِأخْذِهِمْ الخلافةَ لَهُمْ، فَهؤلاءِ لَم يَبْقَ فيهم من الإيمانِ شَيءٌ).
كما وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق (ع) أنَّهُ قال في قوله تعالى: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ): (يا مَعْشَرَ الـمُكَذِّبينَ حينَ أَنْبَأْتُكُمْ أنَّ رِسالةَ رَبِّي هي ولايةُ عليٍّ فَسَتَعْلَمُونَ مَن هُو في ضَلالٍ مُبين. كذا أُنْزِلَتْ)، وفي قولِهِ تعالى: (وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا): (إنْ تَلْوُواْ الأمرَ أَو تُعْرِضُواْ عَمَّا أُمِرْتُم به فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)، وفي قوله تعالى: (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ): (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِتَرْكِهِمْ ولايةَ أميرِ المؤمنينَ عَذَابًا شَدِيدًا في الدُّنيا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ).
فانظرُوا إلى وجوبِ الولايةِ الأحديَّةِ لأميرِ المؤمنينَ (م) التي أُمِرْنا بها في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقوله: (إِنَّمَا أَعِظُكُم بولايةِ الإمامِ عليِّ).
ولأنَّ الولايةَ الأحديَّةَ هي الأصلُ، فقدَ كانَ الأمرُ واضحًا وجَلِيًّا بإفرادِها كي لا يَشُذَّ العلويُّونَ كما شَذَّتِ الشِّيعةُ المقصِّرَةُ بمُساواتِها بالولايةِ الواحديَّةِ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع).
لقد كانت الولايةُ الواحديَّةُ جوهرَ الرِّسالةِ العَقليَّةِ، لهذا فإنَّ الولايةَ الواحديَّةَ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) إيمانٌ من جهةِ الاتِّصالِ، حيث وردَ عن الإمامِ الباقرِ (ع) أنَّهُ سئلَ عن الآيةِ الكريمةِ: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) فقال: (هُم خَوَاصُّ الأئِمَّةِ)، كما أنَّ الولايةَ الواحديَّةَ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) ميزانُ الفَصلِ يومَ القيامةِ حيث وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّهُ سئلَ عن الآيةِ الكريمةِ: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) فقال (ع): (ولايَتُنا)، كما أنَّهُ سُئِلَ عن قوله تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ) فأجابَ (ع): (الَّذينَ اتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ هُم خَوَاصُّ الأئِمَّةِ، وَهُمْ واللهِ درجاتٌ للمؤمنينَ، وبولايَتِهِمْ وَمَعرِفَتِهم إيَّانا يُضَاعِفُ اللهُ لَهُم أعمالَهُم ويَرفَعُ اللهُ لَهُمُ الدَّرَجاتِ العُلَى).
فالولايةُ الواحديَّةُ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) إيمانٌ إذَنْ، وبُغضُهم كُفرٌ، دَلَّ على ذلكَ حديثُ الإمامِ الصَّادقِ (ع) حينَ سُئلَ عن قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فأجابَ: (عَرَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إيمانَهم بِمُوَالاتِنا وكُفْرَهُم بها يومَ أخَذَ عليهم الـمِيثاقَ وهُمْ ذَرٌّ في صُلبِ آدَمَ)، فسُئلَ عن قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) فأجابَ (ع): (أَمَا وَاللهِ مَا هَلَكَ مَنْ كانَ قَبلَكُم وَمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ حتَّى يَقومَ قائِمُنا إلاَّ في تَركِ وِلايَتِنا وجُحُودِ حَقِّنا، وَمَا خَرَجَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ حتَّى أَلْزَمَ رِقابَ هذهِ الأمَّةِ حَقَّنا، واللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
وهذا الولاءُ ثقيلٌ على الـمُنَافقينَ لذلكَ لم يَلتَزِمُوا به حيث وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّهُ ذكرَ الآيةَ الكريمةَ معَ تفسيرِهِ بقوله: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ- وَأَهْلُ الوِلايَةِ- كَفَرْتُمْ)، بل تعدَّاهُ إلى أن يُحَاولوا اغتصابَ الولايةِ من خلالِ اغتصابِ الخلافةِ فَحَقَّ عليهم العذابُ، بدَليلِ ما رَواهُ سيِّدُنا أبو حمزة الثَّمالي (ع) عن الإمام الباقرِ (ع) أنَّهُ قال: (نَزَلَ جبرائيلُ بهذِهِ الآيةِ على محمَّد صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ هَكَذا: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ- آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ- قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ – آلَ محمَّدٍ حَقَّهُمْ- رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ).
فرُغمَ فَضْلِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) الذي أقرَّهُ الأنبياءُ جميعًا بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (مَا مِن نَبيٍّ جَاءَ قَطُّ إلاَّ بِمَعرفَةِ حَقِّنا وتَفضِيلنا على مَن سِوَانا)، إلاَّ أنَّ هذا الفضلَ لا يَعترفُ بهِ السُّنَّةُ لأنَّ سَادَتَهم حَجَبُوا عنهم فريضةَ الولايةِ، واستَبْدَلُوها بِمُوالاةِ الثَّلاثةِ وأئمَّةِ المذاهبِ الأربعةِ. ولم يَقِفِ الأمرُ عندَ هذا الحَدِّ، بل وصلَ بأتباعِ ابن تيميَّةَ (لع) إلى قَتلِ العلويِّينَ في فَتَاويهِ القذرةِ المَعروفةِ، ولكنَّ القرآنَ الكريمَ لم يتركْ شيئًا لم يُشِرْ إليه بوجوبِ الولايةِ الأحديَّةِ لأميرِ المؤمنينَ (م)، ليكونَ تأويلُهُ الحقيقيُّ عن الثَّقَلِ الآخَرِ أهلِ البيتِ (ع) كما وردَ عن الإمامِ الباقرِ (ع) في قوله شَرحًا: (أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ- محمَّد- بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ- بولايةِ عَلِيٍّ- اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً- من أتباعِ محمَّدٍ- كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثاني بعد المئة حول المدعين لمقام الإمام علي (م)

images

السؤال الثاني بعد المئة: هناكَ مَن يَدَّعي مقامَ الإمامِ علي (م) في هذا العصرِ، فما هو ردُّنا عليهم؟

الجواب الثاني بعد المئة بإذن الله:

لقد سبقَ وتحدَّثتُ في عدَّةِ مقالاتٍ عن موضوعِ الإمامةِ وتعيينِها من قبلِ اللهِ تعالى، أمَّا ما نراهُ اليومَ من ادِّعاءِ بعضِ المأفونينَ لمقامِ الإمامةِ فهذا أمرٌ لا يجوزُ على الإطلاقِ، ولا يدَّعي ذلكَ إلاَّ مأفونٌ في عَقلِهِ ومأبونٌ في دبرِهِ، لأنَّ الإمامَ مُختارٌ من اللهِ، يُبَلِّغُ ذلكَ نبيُّ اللهِ بأمرِ اللهِ كما بَلَّغَ سيِّدُنا محمَّد (ص) ولايةَ الإمامِ علي (م) والأئمَّةِ (ع) من بَعدِهِ حيثُ وردَ عن الإمامِ محمَّد الباقر (ع) أنَّه قالَ: (إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَصَّبَ عليًّا عَلَمًا بَينَهُ وبينَ خَلْقِهِ، فَمَنْ عَرَفَهُ كانَ مؤمنًا، وَمَن أنكَرَهُ كانَ كافرًا، وَمَن جَهِلَهُ كانَ ضَالاًّ، وَمَن نَصَّبَ معَهُ شَيئًا كانَ مُشرِكًا).
فمَنْ ادَّعى مقامَ الإمامةِ في هذهِ الأيَّامِ من هؤلاء المجانينَ المفتونينَ بشياطينِهم فقد ارتكبَ الفاحشةَ التي حرَّمَ اللهُ لقولهِ تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)، وقد قالَ الإمامُ الكاظمُ (ع): (إنَّ القرآنَ لَهُ ظَهرٌ وبَطنٌ فَجميعُ ما حَرَّمَ اللهُ في القرآنِ هو الظَّاهرُ، والباطنُ مِن ذلكَ أئمَّةُ الجُورِ، وجميعُ مَا أحلَّ اللهُ تَعَالى في الكتابِ هو الظَّاهرُ، والباطنُ مِن ذلكَ أئمَّةُ الحقِّ).
هؤلاء المُدَّعونَ المأبونونَ يَحْتَجُّونَ على النَّاسِ بأنَّ مَنْ مَاتَ وليسَ لَهُ إمامٌ ماتَ ميتةً جاهليَّةً، وهذا صحيحٌ ولكنَّهُ لا يُعطيهم الحقَّ بادِّعاءِ هذا المقامِ، حيثُ سُئِلَ الإمامُ جعفر الصَّادق (ع) عن قولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن مَاتَ لا يَعرِفُ إمامَ زَمانِهِ مَاتَ مِيتةً جاهليَّةً)؟ فقال (ع): نَعم. قيلَ: جاهليَّةُ جُهَلاءٍ أو جاهليَّةُ مَن لا يَعرِفُ إمامَهُ؟ فقال (ع): (جاهليَّةُ كُفرٍ ونِفَاقٍ وضَلالٍ).
فالكفرُ والضَّلالُ يكونانِ بالاعترافِ بادِّعاءِ المُدَّعينَ الكاذبين، ومخالفةِ ربِّ العالمينِ ورسولِهِ وعترتِهِ الطَّاهرةِ (ع).
إنَّ الإمامَ لا يكونُ أيًّا كان، بل يكونُ مِن أئمَّةِ الهدى المخصوصينَ لقوله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ)، والذي سُئلَ عنه الإمام علي الهادي (ع) فقال: (يَعني مَنِ اتَّخَذَ دِينَهُ رَأيَهُ، بِغَيرِ إمامٍ مِن أَئِمَّةِ الهُدَى). وأئمَّةُ الهدى هم المَنصوصُ عليهم إثنا عشرَ إمامًا حيثُ وردَ أنَّ أميرَ المؤمنين (م) قالَ لابنِ عبَّاس: (إنَّ ليلةَ القدرِ في كلِّ سَنَةٍ، وإنَّهُ يَنزِلُ في تلكَ اللَّيلةِ أمرُ السَّنَةِ، ولذلكَ الأمرِ ولاةٌ بعدَ رسولِ اللهِ). فقالَ ابنُ عباس: مَنْ هُمْ؟ قال الإمامُ: (أَحَدَ عشرَ مِن صُلبِي أئمَّةٌ مُحَدِّثُونَ)، ولم يقلْ: إنَّهم أكثرُ من ذلكَ!!! وهو إمامُ الأئمَّةِ الذي بولايتِهِ يَثبُتُ الإيمانُ، بدليلِ قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الصَّادقُ (ع): (الذينَ آمَنُوا بولايةِ أميرِ المؤمنينَ عَلِيٍّ)، وهذا المعيار والميزانُ والصِّراطُ الذي يَصعُبُ على الكافرينَ الثَّباتُ عليهِ لقوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً)، والذي فسَّرَهُ الإمامُ الصَّادقُ (ع) بقوله: الأمانَةُ هي ولايةُ أميرِ المؤمنينَ عَلِيٍّ).
فالإمامةُ واضحةٌ ومحدَّدَةٌ لأهلِ الإيمانِ واليقينِ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ، ومَن انحرفَ عن هذا النَّهجِ واختارَ إمامًا غيرَهم تحتَ أيَّةِ ذريعةٍ باءَ بغضبٍ من اللهِ، لذلكَ نُحَذِّرُ النَّاسَ الذينَ خُدِعُوا بالمنافقينَ المدَّعينَ لمقامِ الإمامِ أن يَرجعُوا إلى صَوابِهم ويَهتدُوا إلى الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) حتى لا يُصيبَهم العذابُ الأدنى دونَ العذابِ الأكبرِ، حيث جاءَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق (ع) أنَّهُ قال: (إنَّ اللهَ لا يَستَحْيي أنْ يُعَذِّبَ أُمَّةً دَانَتْ بإمامٍ ليسَ مِنَ اللهِ، وإنْ كانت تَبدُو أعمالُها بَرَّةً تَقيَّةً، وإنَّ اللهَ لَيَسْتَحِيي أنْ يُعَذِّبَ أُمَّةً دَانَتْ بإمامٍ مِنَ اللهِ، وإن كانَتْ تَبدُو أعمالُها ظالمَةً مُسيئَةً)، فالعذابُ هو لِمُنكِري الأئمَّةِ ومُوَالِي غيرِهم.

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثامن والتسعون حول موضوع الرؤية

images

السُّؤال الثَّامنُ والتِّسعون: ماذا تعني رؤية اللهِ التي يتحدَّثُ عنها العلويُّونَ؟

 

الجوابُ الثَّامنُ والتِّسعون بإذنِ اللهِ:

إنَّ موضوعَ الرُّؤيةِ موضوعٌ شائكٌ تاهَ فيهِ البشرُ منذُ بدأتْ الكتبُ السَّماويَّةُ تتحدَّثُ عنهُ، لأنَّ البشرَ الضُّعفاءَ تمسَّكوا بالمحسوسِ وضيَّعوا المعقولَ، فَعَبَدوا الأصنامَ والنَّارَ والكواكبَ والأبشارَ والملائكةَ والرُّسلَ والأنبياءَ، وضيَّعوا الحقَّ.

ومن ثباتِ بطلانِ عقائدِهم المشبِّهةِ أنَّهم عَبَدوا الزَّائلَ وَتَركوا الباقي، وَعَبدوا الآنيَّ وَتَركوا الدَّائمَ، لأنَّ فكرَهم مَحدودٌ قاصرٌ عن فهمِ التَّوحيدِ.

يُمكننا أن نبدأ انطلاقًا من قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (إنَّ اللهَ تَراهُ في مَملكَتِهِ إلى الأبدِ حيث يكونُ قوامُ سعادَتِنا ومَجدِنا).

فهل اللهُ المقصودُ هو المسيحُ ذاتُهُ؟ أو بتعبيرٍ آخر هل هو النَّبيُّ أيًّا كان النَّبيُّ المقصودُ؟

أم هو النُّورُ المتجلِّي لأهلِ البصائرِ يعرفونَهُ بدلائلِهِ وآياتِهِ، لأنَّهم يدركونَ أنَّهم لا يستطيعونَ رؤيةَ اللهِ كما هو بجلالِ عظمَتِهِ لقولِ أميرِ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (الْحَمْدُ لله الَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلاَ تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَلاَ تَرَاهُ النَّوَاظِرُ).

فالرُّؤيةُ تكونُ لنورِ تَجلِّيهِ على قدرِ أهلِ العزمِ والبصيرةِ، فمَن ارتقى في عزمِهِ عاينَ ذلكَ النُّورَ لا كما يعاينُهُ مَن هو أدنى منه، فالكلُّ مشتركونَ برؤيةِ النُّورِ الإلهيِّ لقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، لكنْ كلٌّ يبصرُ من ذلكَ النُّورِ معرفةً حسبَ طاقتِهِ، وهذا النُّورُ هو الآياتُ والدَّلائلُ التي ذكرَها تعالى بقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ)، ولو لم تكنْ رؤيةُ الآياتِ شاملةً لانْتَفَتْ الحجَّةُ على الخَلقِ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (ما عُرِفَ مَحفوظٌ وما جُهلَ منبوذٌ، فإذا شَكَّ المرءُ وارتابَ فيما يَرَى فهو فيما لا يَرَى أَشَكُّ وَأَريبْ).

ومن كلامٍ للإمامِ الرِّضا (ع) في مناظرةٍ جرَتْ بينَهُ وبين عمران الصَّابئ، قال عمران: يا مولاي زِدنِي. فقال له (ع): (إيَّاك وقولَ الجُهَّالِ أهلِ العَمَى والضَّلالِ الذين يَزعمونَ أنَّ اللهَ جَلَّ وَتَقدَّسَ موجودٌ في الآخرةِ للحسابِ والثَّوابِ والعقابِ وليسَ بموجودٍ في الدُّنيا للطَّاعةِ والرَّجاءِ، أوَلَم يَعلمِ الجُهَّالُ أنَّهُ إذا كان أهلاً للوجودِ لِخَلقِهِ في الآخرةِ فهو أهلٌ للوجودِ في الدُّنيا، ولو كانَ في وجودُ اللهِ نقصٌ واهتضامٌ في الدُّنيا لَكَانَ كذلكَ في الآخرةِ ولم يوجدْ سُبحانَهُ، ولكنَّ القومَ تَاهوا وَصُمُّوا وَعُمُوا عن الحقِّ من حيثُ لا يعلمونَ وذلكَ قولُهُ سبحانَهُ وتعالى في كتابِهِ المُنزَلِ على نَبيِّهِ المُرسَلِ (ص): (وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)؛ يعني: أعمى عن الحقائقِ الموجودةِ.

فاستِدْلالُنا يكونُ بهدايةِ العقلِ الذي هو أصلُ كلِّ هُدَى، على أنَّ الذي أظهرَ المعجزاتِ والآياتِ وأخبرَ في كتابِهِ العزيزِ بِعِلمِ ما كانَ وما هو كائنٌ، هو ربُّنا ربُّ الأرضِ والسَّماواتِ، وأنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ إليه دَعَوا وبتوحيدِهِ نَطَقوا، وهو الذي وصفَ نفسَهُ بقولِهِ: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

فالحياةُ دليلُ الوجودِ، وهو ضِدُّ العدمِ، لذلك كانت إشارةُ الأنبياءِ وأصحابِ الشَّرائعِ إلى إلهٍ موجودٍ يعرفونَهُ.

مِن هنا نؤكِّدُ أنَّ الدَّليلَ على وجودِ الإلهِ يبدأُ بكتابِ اللهِ تعالى الذي فيه تبيانُ كل شيءٍ كما في قولِهِ عزَّ وجلَّ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)، إشارةً إلى آياتِهِ التي هي دلائلُ وجودِهِ سبحانَهُ.

وكذلكَ نستدلُّ على وجودِ الإلهِ بأحاديثِ رسولِ الله (ص) وأحاديثِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) الواردةِ عن طريقِ أهلِ الولاءِ من علماءِ نَهجِنا العَلويِّ، ولقد أشارَ أميرُ المؤمنينَ الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بقولِهِ: (فأمَّا أولياءُ الحَقِّ فَضِيَاؤهم فيها اليقينُ، وَدَليلُهُم سَمْتُ الهُدَى، وأمَّا أعْدَاءُ اللهِ فَدُعاؤهُم الضَّلالُ، وَدَليلُهُم العَمَى).

ولابدَّ من حُجَّةِ العقلِ التي قال فيها الإمامُ الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

وهذه الأدلَّةُ مقرونةٌ بحكمِ الضَّرورةِ بالولايةِ الصَّادقةِ لأميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّم اللهُ وجهَهُ لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن أرادَ الحَقَّ فَليَنظُرْ إلى عَلِيٍّ، عَليٌّ مع الحَقِّ حَيثُ كانَ).

وحتَّى ننفي التُّهمةَ الدَّائمةَ بأنَّ العبادةَ لجسدِ عليٍّ، نُورِدُ ما جاء عنه (ص) أنَّه قال يومًا لأصحابِهِ: (إنِّي مؤدبكم بآدابِ اللهِ ورسولِهِ، وهو أنِّي آمُرُكم ألاَّ يقومَ العبدُ إلاَّ لمولاهُ، والولدُ إلاَّ لوالدِهِ، والمتعلِّمُ إلاَّ لـمُعَلِّمِهِ، والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، والصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، واللهُ أمرَنا نحنُ معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ جلَّ اسمُهُ). فأقبلَ أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بعدَ وقتٍ، فلمَّا رآهُ رسولُ اللهِ (ص) قامَ لَهُ وقبَّلَ ما بينَ عينيهِ، فقالَ له أبو دُجانَةَ سمَّاكُ بن خرشنةَ الأنصاري رَضِيَ اللهُ عنهُ: (يا رسولَ اللهِ أنتَ السَّاعةَ تقولُ لنا: إنَّ اللهَ أمرَنا معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ، وأنتَ رَبَّيتَ عليًّا. وقلتَ: لا يقومُ الولدُ إلاَّ لوالدِهِ والمتعلِّمُ إلاَّ لمعلِّمِهِ والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، وأنت أعلمُ من عليٍّ، وعليٌّ عَلِمَ منكَ. وقلتَ: لا يقوم الصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، وقد رأيناكَ قُمتَ لِعَلِيٍّ وأنتَ أكبرُ منهُ؟)؛ وطبعاً كانَ هذا السُّؤالُ تعليمًا كي لا نقعَ بالغلوِّ الذي وقعَ بهِ السُّنَّةُ والشِّيعةُ حينَ أسقطوا الرَّسولَ والأئمَّةَ (ع) من مقامِهم النُّورانيِّ وجعلوهم واقعينَ تحتَ الجسمانيَّةِ البشريَّةِ، وكانَ أبو دجانة يسألُ لِيُعلِّمنا أنَّ هذه التَّساؤلاتِ قد تصدرُ على سبيلِ القياسِ والتَّحيُّرِ عندما يتمُّ أخذُ الأحكامِ بشكلِها الحسِّيِّ الماديِّ، فكانَ جوابُ رسولِ اللهِ (ص) للدَّلالةِ على أنَّ الأمورَ لا تُقاسُ بالمقاييسِ الضَّيِّقةِ: (أنا قمتُ للنُّورِ الذي بين عَينيهِ)، وهذا النُّورُ هو نورُ الولايةِ التي جعلَها اللهُ شرطَ الإيمانِ في قوله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً)، فالولايةُ للهِ الحقِّ، ولكنْ لابدَّ للمؤمنِ من سبيلٍ لبلوغِها، فكانَ هذا السَّبيلُ هو النُّورُ الذي بين عيني أميرِ المؤمنينَ لقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

فرسولُ اللهِ (ص) رأى ذلكَ النُّورَ لا كما رآهُ أبو دجانة، ولا كما نراهُ نحنُ، فكلٌّ يبصِرُ من النُّورِ على حسبِ استطاعتِهِ، والإبصارُ هنا دليلُ المعرفةِ، لأنَّ الكافرينَ لا يبصرونَ رغمَ أنَّهم يرونَه أمامَهم إلاَّ أنهم كما قال تعالى: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السابع والثمانون حول علاقة حزن يعقوب ببكاء الشيعة

images

السُّؤال السَّابعُ والثَّمانون: إنَّ الشِّيعة يحتجُّونَ أنَّ بكاءَهم على الحسينِ (ع) اقتداءٌ ببكاءِ يعقوبَ (ع) على يوسفَ (ع)، فهل مِن رابطٍ بينهما؟

 

الجوابُ السَّابعُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

هذا من الخلطِ والقياسِ الذي وقعَ بهِ الشِّيعةُ لتبريرِ وتغطيةِ تقصيرِهم بحقِّ الإمامِ الحسينِ (ع)، فلا يجوزُ اختلاقُ حوادثَ لم يردْ ذِكرُها في القرآنِ الكريمِ بشكلٍ صريحٍ، فهل وردَ في القرآنِ الكريمِ أنَّ سيِّدنا يعقوبَ (ع) بكى على مولانا يوسف (ع)؟

إنَّ الآياتِ التي وردَتْ في هذا الموضوع حينَ أتَوا بخبرِ الذِّئبِ هي ردُّ سيِّدنا يعقوب (ع) بقوله تعالى: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)، فلم يكنْ فِعلُهُ بكاءً بل صبرًا ورضى بقضاءِ اللهِ وأمرِهِ سبحانه.

وما كانَ اللهُ ليتركَ نبيَّهُ عرضَةً للبكاءِ والنَّحيبِ، لأنَّ النَّبيَّ يوحي إليهِ اللهُ بما لا يعلمُهُ مَن هو أدنى منه درجةً، ومن سياقِ آياتِ القرآنِ الكريمِ نجدُ أنَّ سيِّدنا يعقوبَ (ع) كانَ يعلمُ بوجودِ مولانا يوسفَ (ع)، وهذه هي التي عبَرَ عنها القرآنُ الكريمُ بأنَّها الحاجةُ في نفسِ يعقوب، ولكنَّهُ كانَ ينتظرُ الأمرَ الإلهيَّ بلقائِهِ، ولذلكَ جاءَ قوله تعالى: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ) فهذه كانت وصيَّتُهُ لهم، وفيها الكثيرُ من الإشاراتِ التَّوحيديَّةِ الدَّالةِ على أنَّ الآياتِ والسِّماتِ والتَّجلِّياتِ لو تعدَّدَتْ وتنوَّعتْ فإنَّ المَقْصَدَ هو الحقُّ تعالى، لذلك قال تعالى: (وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)، وهذه دعوةٌ نبويَّةٌ للتَّوحيدِ العلويِّ المتمثِّلِ بإثباتِ الـمَشاهِدِ أوَّلاً، وإفراد ذاتِ الحقِّ عن السِّماتِ الـمَشهودَةِ ثانيًا لأنَّها عائدةٌ إلى الشَّاهدينَ، وذاتُ الحقِّ أجلُّ وأعلى مما تَشهَدُهُ الأبصارُ والبصائرُ لقوله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)، وقولِ رسولِ اللهِ (ص): (كلُّ ما خطرَ ببالكَ فاللهُ غيرُهُ).

وتحقَّقتْ نبوءةُ سيِّدنا يعقوب (ع) وهي الحاجةُ الـمَقضِيَّةُ في قوله تعالى: (وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)، فاللهُ عزَّ وجلَّ قَضَى حاجةَ سيِّدنا يعقوبَ (ع) أي أظهرَ صدقَ نبوءَتِهِ بوجودِ مولانا يوسفَ (ع) من خلالِ هذا الأمرِ بالدُّخولِ من أبوابٍ متفرِّقةٍ في قوله تعالى: (وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، فلو أنَّهم دخلوا معًا لَمَا حصلَ هذا الأمر، ولكنَّ دخولَ سيِّدنا بنيامين (ع) من بابٍ لوحدِهِ كانَ سببًا لإيواءِ مولانا يوسفَ (ع) له وإخبارِهِ عن نفسِهِ، وهنا قُضِيَتْ حاجةُ سيِّدنا يعقوبُ (ع) وتحقَّقتْ نبوءَتُهُ، وهذا أكبرُ دليلِ على معرفتِهِ التي أوحاها اللهُ إليهِ، فلماذا البكاءُ الذي تصوِّرُهُ الشِّيعةُ نحيبًا على فقدِ مولانا يوسفَ (ع) حتَّى يصلَ إلى الاعتراضِ على أمرِ اللهِ سبحانَهُ معاذَ الله؟

حتَّى أنَّ الآيةَ التي يحتجُّونَ بها لم تَذْكُرِ البكاءَ إنَّما هي قوله تعالى: (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، فأسَفُ سيِّدنا يعقوب (ع) هوَ استكانةٌ وإظهارٌ لخضوعِهِ لأمرِ اللهِ وعجزِهِ مع أنَّهُ يعلمُ بالوحي أمرَ وجودِ مولانا يوسفَ (ع)، بدليلِ قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، إلاَّ أنَّهُ مأمورٌ بالصَّمتِ الممثولِ ببياضِ العينينِ وهذا دلالةٌ على ارتقائهِ لأنَّ في بياضِهِما إشارة إلى اكتمالِ معرفتِهِ بربِّهِ، فلمَّا عرفَ ربَّهُ كَتَمَ أسرارَ الحزنِ الذي أظهرَهُ؛ أي كتمَ أمرَهُ تقيَّةً وهو قوله: (فَهُوَ كَظِيمٌ) أي مُتَّقٍ، إلى أنْ يشاءَ اللهُ فيُظهِرَ أمرَهُ، وإظهارُ الأمرِ كان في قوله تعالى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، وكانت دلالةُ صدقِ نبوءَتِهِ بعودِةِ البصرِ إليهِ في قوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً)، وهو إشهارُ معرفةِ الحقِّ التي كانت مكتومةً فظهرتْ بالأمرِ الإلهي: (فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وقد ذكرنا في إجابةٍ سابقةٍ أنَّ غيابَ مولانا يوسف (ع) عن عَينَي سيِّدنا يعقوبَ (ع) عُبِّرَ عنه بالعمى، أمَّا القميصُ فكانَ مثالَ التَّجلي الذي إذا أُلقِيَ على وَجْهِ سيِّدنا يعقوب (ع) أصبحَ بصيرًا، فالعَمَى والإبصارُ صِفَتَانِ لسيِّدنا يعقوب (ع).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد