أرشيف الوسم: العلويون

السؤال السادس والثمانون حول عدم البكاء على الحسين

images

السُّؤال السَّادسُ والثَّمانون: هل يبكي العلويُّونَ على الحسينِ كما يَفعَلُ الشِّيعةُ في أيَّامِ عاشوراءَ؟

 

الجوابُ السَّادسُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

حقيقةُ التَّوحيدِ عندَنا كعلويِّينَ هي الإخلاصُ للإمامةِ كَغَايةٍ، والتَّمسُّكُ بالرِّسالةِ كَطَريقةٍ، فعندما نتحدَّثُ عن الإمامةِ، نتحدَّثُ عن مقامٍ غيرِ الرِّسالةِ، نتحدَّثُ عن مقامٍ أعلى منها، ولكنَّ الشِّيعةَ ساوَت الإمامةَ مع الرِّسالةِ فأخطأتْ، والسُّنَّةَ جعلَتِ الإمامةَ أدنى من الرِّسالةِ فأخطأتْ.

والنَّبيُّ يُعلِنُ للخلقِ مقامَ الإمامةِ كما فعلَ سيِّدُنا محمَّد (ص) عندَ إعلانِهِ إمامةَ سيِّدِ الوصيِّينَ وأميرِ المؤمنينَ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في قوله له: (أنتَ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بَعدِي)، وقوله في حديثِ الغديرِ مشهورٌ وكافٍ لتَكتملَ رسالتُهُ، لأنَّهُ (ص) قال: (أنا الـمُنذِرُ وعليُّ الهادي، وبكَ يا عليُّ يَهتَدِي الـمُهتَدونَ مِن بَعدي).

والإمامةُ تتطلَّبُ شروطاً أهمُّها العصمةُ، بدليلِ قوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، هذهِ العصمةُ حقيقةٌ موجودةٌ عند كلِّ الأئمَّةِ (ع)، وقد ورد عن الإمام الجوَّادِ (ع) قوله: (أَمَا عَلِمْتُم أنَّ أهلَ هذا البيتِ لَيسُوا خَلْقًا من هذا الخَلْقِ، أَمَا عَلِمْتُم أنَّ رسولَ اللهِ بَايَعَ الحسنَ والحسينَ وَهُما صَبيَّانِ).

كما وردَ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاس أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ (ص) يقولُ عن نفسِهِ وعن الحسنِ والحسينِ والتِّسعَةِ من بَعدِ الحسينِ أنَّهم (مُطَهَّرونَ مَعصومونَ)، فَحَقَّتِ الإمامةُ للحسنِ والحسينِ (ع) كما صَحَّت لِمَن أتَى بَعدَهُما من الأئمَّةِ حيثُ قالَ أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لهما: (أنتُما سَيِّدَا شبابِ أهلِ الجنَّةِ، إمامانِ معصومانِ حَفِظَكُما اللهُ ولعنةُ اللهِ على مَن عَادَاكُما).

والسؤالُ الذي نطَرَحَهُ هنا: كيف تمَّ عند الشِّيعةِ الربطُ بين ضعف وعجز الأئمَّةِ وعِصمَتِهم؟

لقد أخطأت الشِّيعةُ عندما اعتقدَتْ أنَّ الإمامَ يمكنُ أن يُحِسَّ بما يُحِسُّ به البشـرُ، وَيُعاني ما يُعانيهِ البشـرُ، ويَتألَّمُ لِمَا يَتألَّمُ منه البشـرُ، فَوَصلَتْ إلى نَتيجةِ أنَّ للأئمَّةِ خصائصُ جسميَّةٌ بشـريَّةٌ، وأنَّ الأئمَّةَ يعيشونَ نقاطَ الضَّعفِ البشـريِّ!! وأنَّ هناكَ نقصًا تكوينيًّا في الشَّخصيَّةِ الإماميَّة!!

إنَّ الإمامَ هو كلُّ مَن ائتَمَّ به القوم واقتَدوا بقولِهِ وفعلِهِ، فهو يعني المثالَ والقدوةَ والمقصودَ، وهكذا نرى كعلويينَ الإمامَ الحسينَ (ع) قائدًا مُجسِّدًا لكلِّ القِيَمِ الخيِّرَةِ والأخلاقِ السَّاميةِ، ممثِّلاً للحقِّ ضِدَّ الباطلِ، وللعدالةِ ضدَّ الظُّلمِ، وللهدايةِ ضدَّ الضَّلالةِ، وللتَّوحيدِ ضدَّ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ.

ونحنُ لا نغالي به كما فعلَتِ الشِّيعةُ، فالشِّيعةُ غالَتْ بالإمامِ الحسين (ع) كم غالَتِ النَّصارى بسيِّدنا المسيح (ع) عندما أفرطوا بتسليمِهمْ له ورفعوهُ إلى درجةٍ عظيمةٍ، ثمَّ ناقَضوا أنفسَهم وفرَّطوا به، واللهُ تعالى يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً)، ولهذا قالَ سيِّدنا المسيح (ع): (ملعونٌ كلُّ مَن مَاتَ مُعَلَّقًا على خَشَبَةٍ)، لنفي أن يكونَ هو المصلوبُ. فنحنُ لا نبكي على الإمامِ الحسينَ (ع) لأنَّ اللهَ- بمعتَقَدِنا العلويِّ- رَفَعَهُ إليهِ كما رفعَ عيسى (ع) إليهِ بالحجَّةِ الواضحةِ البيِّنةِ، ولكنَّ الشِّيعةَ اقتدوا بالمنكرينَ لِرَفعِ عيسى (ع) إلى اللهِ، ولم يَقبلوا برفعِ الحسينِ (ع) إليهِ، ولهذا يبكونَ عليهِ ويلطمونَ أنفسَهم في عاشوراء.

وهذا يعني أنَّ فكرَنا العلويَّ اقتضَى أن نرتقي في التماسِ الدُّروسِ من الأئمَّةِ (ع)، ومنهم الإمامُ الحسينُ (ع) الذي تميَّزَتْ خطبُهُ بالدَّعوةِ إلى عبادةِ اللهِ حقَّ عِبَادَتِهِ، هذهِ العبادةُ تتطلَّبُ صِحَّةً في العقيدةِ التَّوحيديَّةِ، وهو الأمرُ الذي أكَّدَ عليهِ الإمامُ الحسين (ع) مِرارًا وتكرارًا، فقد كان لَهُ دورٌ بارزٌ في محاربةِ أصحابِ العقيدةِ الـمُشبِّهَةِ الـمُشركَةِ، والذين سُمُّوا بالمارقينَ، فقال (ع): (أيَّها النَّاسُ اتَّقُوا المارِقَةَ الذين يُشبِّهونَ اللهَ بأنفُسِهم، يُضَاهِئُونَ قولَ الذين كَفَرُوا من أهلِ الكتابِ، بل هُوَ اللهُ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

وتابعَ الإمامُ الحسين (ع) على نهجِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في توحيدِ الباري، إذ أثبتَ وجودَ اللهِ لِخَلقِهِ في قوله: (هوَ في الأشياءِ كائِنٌ لا كَينونَةَ مَحظورٍ بها عَليهِ، ومن الأشياءِ بائنٌ لا بينونةَ غائبٍ عنها)، وأقامَ ميزانَ الحقِّ في قوله: (احتَجَبَ عن العقولِ كما احتَجَبَ عن الأبصارِ، وَعَمَّنْ في السَّماءِ احتجابَهُ عمَّنْ في الأرضِ) لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ). ثمَّ أَفْرَدَ ذاتَ الباري عَزَّ عِزُّهُ عن الصِّفاتِ المحسوسةِ في قوله (ع): (لا يُوصَفُ بِشَيءٍ من صِفاتِ الخَلائقِ)، وعن الأفعالِ المعقولةِ في قوله: (ما يُتَصَوَّرُ في الأوهامِ فهو خِلافُهُ)، لأنَّ جميعَ ما أوجدَهُ من أسماء وصفاتٍ وأفعالٍ في الخَلْقِ إنَّما هي مِن صُنْعِهِ جَلَّ وَعَلا وليسَتْ سَابقةً لَهُ، دليلُ ذلكَ في قوله (ع): (بِهِ تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بها يُوصَفُ، وبِهِ تُعقَلُ الـمَعَارِفُ لا بها يُعقَلُ).

فَمَن كانَ يرى الإمامَ الحسينَ (ع) وفق هذهِ الرُّؤيةِ الجليلةِ لا يبكيهِ ولا يفرِّطُ به ولا يُخفِّضُ مقامَهُ، بل على العكس، يَحمدُ ربَّهُ دائمًا على هذا الانتماءِ العلويِّ الحسينيِّ الشَّريفِ، ويعملُ جاهدًا ليحافظَ على نفسِهِ من عَبَثِ البدعِ وعشوائيَّةِ الشُّبهاتِ وفَوضى الانحرافِ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

الموقنون بآيات الله

hesham

الموقنون بآيات الله
الباحث الديني: هشام أحمد صقر

يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
اعلمْ أيُّها المؤمنُ أيَّدَكَ اللهُ أنَّنا نستدلُّ على معرفةِ وجودِ واجبِ الوجودِ بالمعقولِ الرَّصينِ والمنقولِ المبينِ، اذْ قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)؛ فمعرفةُ وجودِ واجبِ الوجودِ تَتحقَّقُ بما نَدَبَ القرآنُ المجيدُ إليهِ في أكثرَ من مَوضعٍ منهُ، كقوله تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، وقوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، فقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ) أي معاينةُ الدَّلالاتِ على مقامِ واجبِ الوجودِ في الآفاقِ وهو عالمُ العقلِ، (وَفِي أَنفُسِهِمْ) وهو عالمُ الحِسِّ، (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي حتَّى يَتَّضِحَ لهم أنَّ مَقامَ التَّمكينِ هو جَنَّةُ المؤمنين، ويَكفِينا استدلالُ الخليلِ (ع) بجنَّةِ القلبِ وجنَّةِ النَّفسِ وجنَّةِ العقلِ في الآيةِ الكريمةِ.
واعلمْ أيَّها المؤمنُ أنَّ السَّماواتِ والأرضَ مقاماتٌ لِعَالَمَي العقلِ والحسِّ، وأنَّ مَلكوتَها لَطائِفُهُم، وهي العقولُ والنُّفوسُ، والـمُعايِنُ لها يُعاينُ سَيرَهُ الذي تَتَغَيَّرُ سِمَاتُ وحدودُ وُجودِهِ بِتَغَيُّرِ سِمَاتِ وحدودِ الـمُعاينينَ لَهُ، لأنَّ سيرَ السَّالكِ من الأصغرِ إلى الأكبرِ، وهذا مِن لَطَائِفِ مَقامِ التَّمكينِ في تعليمِ وهدايةِ الطَّالبينَ.
واعلمْ أيُّها الطَّالبُ أنَّ مقامَ واجبِ الوجودِ على مثالِ العقولِ الفعَّالَةِ هو جنَّةُ العقلِ، وعلى مثالِ النُّفوسِ الـمُدَبِّرَةِ هو جَنَّةُ النَّفسِ، وعلى مثالِ الأجرامِ الـمُطمَئِنَّةِ هو جنَّةُ القلبِ، وهذا لا يعرفُهُ السَّالِكُ ما لَم يَعرِفْ مقامَ التَّمكينِ وآياتِهِ الثَّلاثَةِ في عالَمَي العَقلِ والحِسِّ.
فإذا فَهمْتَ أيُّها الطَّالبُ ما قُلنا عَلِمْتَ أنَّ سيرَ الخليلِ (ع) كان في عالَمِ الجسمانيَّاتِ، لا كما ظَنَّ بعضُ النَّاسِ من أنَّ سَيرَهُ في عالمِ الأجسامِ، وكانَ الخليلُ (ع) يشيرُ إلى جِنَانِ اللهِ وآياتِهِ الدَّالَّةِ عليهِ وجوديًّا، ولهذا يقولُ عندَ مُعايَنَةِ كلِّ جَنَّةٍ: (هَـذَا رَبِّي) إثباتًا وحقًّا وشهادةً بوجودِ واجبِ الوجودِ، وعندَ الإفرادِ يَنفي الأعراضَ والسِّماتِ ولا يَنفي ذاتَ واجبِ الوجودِ، ولهذا قال: (لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) لأنَّ الأُفولَ للسِّماتِ والحدودِ، وكذلكَ قالَ: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي) لأنَّ الهدايةَ ليست فقط بالشَّهادةِ، بل بالإخلاصِ والإفرادِ بعدَ الإثباتِ، فَمَن عاينَ وشَهِدَ ولم يَرْتَقِ لمرحلةِ الإفرادِ وقعَ بالتَّشبيهِ، ولذلكَ قال الخليلُ (ع): (إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) أي انَّنا بَريئونَ مِن شِركِ الذين اعتقدُوا أنَّ السِّماتِ والحدودَ حقيقةٌ للذَّاتِ المُقدَّسَةِ، كما أنَّنا بريئونَ مِن الذين أنكَرُوا وجودَ مَقامِ التَّمكينِ وجِنَانِهِ الثَّلاثَةِ، فهؤلاء الـمُنكرونَ أنكروا الـمُعايَنَةَ وتَوجَّهُوا بِعِبَادَتِهم إلى الـمَجهولِ وَزَعَمُوا أنَّ الحقَّ الجوهريَّ لا يُمكنُ وجودُهُ ومُعَايَنَتُهُ وهؤلاءِ يَنطبِقُ عليهم قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).
لذلكَ فإنَّ مَن عَايَنَ تلكَ الجِنَانَ فآمنَ وشَهِدَ ثمَّ أفرَدَ وأخلَصَ بعبادَتِهِ كُتِبَ عندَ اللهِ من الشَّاهدينَ والعابدينَ، وهذهِ صفةُ خَواصِّ الخواصِّ المُقرَّبينَ من الحقِّ سبحانَهُ وتعالى.

السؤال الخامس والثمانون حول الزنى بين المؤمن والمقصر

images

السُّؤالُ الخامسُ والثَّمانون: هل الزِّنى يَقضي بالخروجِ من الإيمانِ ويحكمُ بالكفرِ على الزَّاني؟ ولماذا اقتضى التَّشريعُ أن يحتاج الحكم على الزاني إلى أربعةِ شهود بينما يكتفى بشاهدين فقط في غيرِ ذلكَ؟

 

الجوابُ الخامسُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

يقولُ تعالى في كتابِهِ العزيزِ: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً)، لأنَّ الزِّنى من الكبائرِ التي نَهَى اللهُ عنه وأمرَ باجتنابِها، ولكنَّ السُّؤال المطروحَ دقيقٌ أخطأت العامَّةُ في الحكمِ عليهِ نتيجةَ الخلطِ والتَّخليطِ.

لابدَّ في البدايةِ من التَّذكيرِ بقولِهِ تعالى: (وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ)، وقد أمرَ اللهُ تعالى عبادَهُ باجتنابِ المعاصي ومنها بإيجازٍ ما وَرَدَ في سورةِ الإسراءِ: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ)، (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى)، (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ)، (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ)، وهي جميعًا قد تلحَقُ بالمقصِّرينَ ويُحاسَبُونَ عليها لقولِهِ تعالى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً)، أمَّا ما يستوجبُ جهنَّمَ بلا رجعةٍ فهو الشِّركُ لقوله تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً).

فالزِّنى لا يُخرِجُ المسلمَ إلى حَدِّ الشِّركِ والكفرِ الذي يَستوجِبُ جهنَّمَ والخلودَ فيها لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (الزِّنى واللَّهو ففاعلُ هذهِ الأفعالِ كلُّها مُفسِدٌ للإيمانِ، خارجٌ منه من جهةِ ركوبِهِ الكبيرة على هذهِ الجهةِ، غيرُ مشركٍ ولا كافرٍ ولا ضالٍّ، جاهلٌ على ما وصفناهُ من جهةِ الجهالةِ)، بل يُطبَّقُ على الزَّاني حَدُّ الزِّنى في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وذلكَ ليتوبَ عن ذَنبِهِ.

هذا يعني أنَّ المسلمَ المُقَصِّرَ قد يزني، ولكنَّ الزِّنى لا يُخرِجُه من الإسلامِ، بدليلِ قولِ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في نهجِ البلاغةِ: (وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ)، فلو أنَّهُ خرجَ إلى الكفرِ لَمَا صَلَّى عليهِ النَّبيُّ (ص)، وقد قالَ تعالى في سورة التَّوبة: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)، وهم الذينَ تَخَلَّفوا عن الجهادِ معه.

أمَّا المؤمنُ البالغُ بالمعرفةِ فلا يَزني بعكسِ ما نَسَبَتْهُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ لرسولِ الله (ص) من أنَّ المؤمنَ قد يزني!! فالزِّنى محرَّمٌ على المؤمنين لقولِهِ تعالى: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، أي لا يرتكبُهُ مؤمنٌ بالغٌ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إذا زَنَى الرَّجلُ أَخرَجَ اللهُ منهُ روحَ الإيمانِ)، فسُئِلَ إنْ كانَ المقصودُ بالرُّوحِ ما وردَ في قولِ اللهِ تَبَارك وَتَعالى: (وأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ منهُ)؟ فقال (ع): نعم. وذلكَ لأنَّ الإيمانَ أعلى وأجلُّ من الإسلامِ.

والدَّليلُ على أنَّ الإيمانَ أعلى وأجلُّ من الإسلامِ هو قولُ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (الإيمانُ أرفعُ من الإسلامِ بدرجةٍ، إنَّ الإيمانَ يشاركُ الإسلامَ في الظَّاهرِ، والإسلامُ لا يشاركُ الإيمانَ في الباطنِ، وإنِ اجتَمَعا في القولِ والصِّـفَةِ)، ولذلك قال تعالى: (قَالَتِ الاْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ). فالمقصِّرُ لا يَعْدو كونَهُ مُسْلِمًا، أمَّا المؤمنُ فهو البالغُ في المعرفةِ بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (الإسلامُ هو الظَّاهرُ الذي عليهِ النَّاسُ: شهادةُ أن لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ محمَّداً عبـدُهُ ورسولُهُ، وإقامةُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ وَحَجُّ البيتِ وصيامُ شهرِ رمضانَ؛ فهذا الإسلامُ. والإيمانُ معرفةُ هذا الأمرِ مع هذا، فإنْ أقرَّ بها ولم يَعرِفْ هذا الأمرَ كان مسلماً وكان ضَالاًّ).

وهذا التَّفريقُ بينَ المقصِّرِ الذي قد يزني، والمؤمنِ العارفِ الذي لا يزني، هو ما يفسِّرُ روايةَ إبراهيمَ اللَّيثيِّ حين سألَ الإمامَ الباقر (ع) عن المُؤمنِ المُستَبصرِ: هل يزني؟ أجابَ: لا يزني أبداً. قالَ: هل يلوطُ؟ أجابَ: لا. قالَ: وهل يُذنِب؟ أجابَ (ع): (نعَم، إلاَّ أنَّهُ إذا أذنَبَ لا يَلحقُهُ من ذنْبِهِ شيءٌ لأنَّ المؤمنَ مُزِجَ بهِ من اللَّمَمِ)، وهو المذكورُ في قولِهِ تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ).

وللإجابةِ على القسمِ الثَّاني من السُّؤالِ أقولُ: إنَّ الحكمَ على الزَّاني لا يثبت إلا بأربعة شُهَدَاء لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). حتَّى أنَّ سيِّدنا المسيح (ع) حينَ جاءَهُ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ بامْرَأَةٍ وقَالُوا لَهُ: (يَا مُعَلِّمُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ، وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟)، قَالَ لَهُمْ: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ)، فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ خَرَجُوا وَاحِداً فَوَاحِداً، وَبَقِيَ وَحْدَهُ مع الْمَرْأَةِ فقَالَ لَهَا: (يَا امْرَأَةُ أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟)، فَقَالَتْ: لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ. فَقَالَ لَهَا (ع): (ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً).

وتفسيرُ الشُّهَدَاءِ الأربَعِ قد وردَ عن الإمام جعفر الصادق (ع)، حيث روي أن أبا حنيفة النَّعمانَ مؤسِّسَ المذهبِ الحنفيِّ سألَهُ: أيُّهما أشدُّ الزِّنَى أم القتلُ؟ قال (ع): القتلُ. قال أبو حنيفة: فما بالُ القتلِ جازَ فيه شاهدان، ولا يَجوزُ في الزِّنى إلاَّ أربعةٌ؟ فقال (ع): ما عندَكم فيه يا أبا حنيفة؟ قال: ما عندنا فيه إلاَّ حديثُ عمر، إنَّ اللهَ أجرَى في الشَّهادةِ كلمتينِ على العبادِ. فقال (ع): (ليسَ كذلكَ يا أبا حنيفةَ ولكنَّ الزِّنَى فيه حدَّانِ، ويجبُ أن يشهدَ كلُّ اثنينِ على واحدٍ، لأنَّ الرَّجلَ والمرأةَ جميعًا عليهما الحَدُّ، والقتلُ إنَّما يُقامُ الحَدُّ على القاتلِ ويُدفَعُ عن المَقتولِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها

hesham

الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها
بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

قال تعالى: (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمثال لِلنَّاسِ). فَبِمَنْ ضَرَبَ اللهُ الأمثالَ؟ وما هو الفرقُ بين المَثَلِ والمَمثولِ؟
إن بدعَ الحلولِ والإنكارِ كانت ولا زالَتْ تستهدفُ حبلَ اللهِ العلويِّ المتينِ، لِتُوهِنَهُ وتُخْرِجَهُ من مَتَانَتِهِ، لِتُبعِدَ النَّاسَ عن مبادئِ عَقيدَتِهم، وتُفَرِّقَهُم إلى آراءَ شتَّى.
لقد حاولَ المُشبِّهونَ تَحويرَ صميمِ العقيدةِ العلويَّةِ نتيجةَ انتحالِهم لأسلوبِ التَّحريفِ والتَّزييفِ، فوَقَعَ هؤلاء المشبِّهونَ كما سادَتُهم المتشيِّعونَ بالحلولِ في فهمِ الأمثالِ التي ضَرَبَها تعالى للنَّاس، حيث جَعَلُوا المثلَ حقيقةً للممثولِ، ولم يُفرِّقُوا بين المثلِ المضروبِ والغايةِ من ضَربِهِ.
ففي قصَّةِ سيِّدنا موسى (ع) وَقَعوا بالحلولِ، إذ رَفَعوا سيِّدَنا موسى (ع) من مقامِ الوجودِ الكاملِ الذي هو الفعلُ العاقلُ إلى واجبِ الوجودِ الذي له مقامُ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ. فما هذا الهراءُ الذي يَتَخبَّطونَ فيه؟
إنَّ قصَّةَ سيدنا موسى (ع) ومعجزاتِهِ كما وردَتْ في الذِّكرِ الحكيمِ أنَّ الله تعالى قال: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، فاليمينُ هنا اليدُ، واليدُ الفعلُ والقوَّةُ، وهذا الفعلُ والقوَّةُ تكوينيٌّ لموسى (ع)، لأنَّ كافَ الخطابِ راجعةٌ إليهِ، وهناك حكمةٌ ربَّانيَّةٌ، حيثُ أجاب سيدنا موسى (ع): (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)، فالعصا المباركةُ هي مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المماثِلَةِ للفعلِ العاقلِ، لذلكَ قالَ: (عَصَايَ)، ولم يقل: (عَصَا)، والدَّلالةُ بذلكَ إلى وجودِ واجبِ الوجودِ على قَدْرِ سيدنا موسى (ع)، ثم قال تعالى: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) ثم قال: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى).
إنَّ سمةً الحيَّةِ هي سِمَةُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المتحرِّكَةِ، فالحيَّةُ إذنْ هي العصا من ناحيةِ الحقيقةِ، ولكنَّ العصا ليسَتْ حيَّةً من ناحيةِ الشَّكلِ، وهذا يماثلُ قولَ سيدنا المسيح (ع): (إنَّ الواحدَ هو الأحدُ ولكنَّ الأحدَ ليسَ واحدٌ)، لأنَّ السِّماتِ والحدودَ التي ظهرَتْ بالسَّعي تُماثِلُ السِّماتِ والحدودَ الموسويَّةَ، فَمَن جعلَ حقيقةَ العصا حيَّةً فقد أنكرَ المعجزَ الإلهيَّ وصارَ بذلكَ منكرًا لواجبِ الوجودِ، وَمَن قالَ بأنَّها بالحقيقةِ حيَّةٌ وَعَصا وقعَ بالتَّشبيهِ، وهو بذلكَ التَّشبيهِ يكون قد سَاوَى بين سيدنا موسى وَمَولاه، وهذا لا يجوزُ، لأنَّهُ شِركٌ باللهِ، لقولِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (أشهدُ أنَّ مَن سَاواكَ بشيءٍ من خَلقِكَ فقد عَدَلَ بِكَ، والعادلُ بِكَ كافِرٌ).
أمَّا أهلُ التَّوحيدِ الخالصِ فَيَعلمونَ أنَّ العصا لم تَبدُ كالحيَّةِ إلاَّ بعدَ الإلقاءِ وليسَ قبلَهُ، للدَّليلِ على أنَّ السِّماتِ والحدودَ لا تُطلَقُ عليهِ إلاَّ بعدَ إظهارِ الأفعالِ، فلا يُقالُ فاعلٌ إلاَّ بعدَ إظهارِ الفعلِ، وليسَ الفعلُ حقيقةً لذاتِ الفاعلِ المقدَّسَةِ.
أمَّا الحيَّةُ فإنَّها تَسعى، ولم يقل بأنَّ العصا هي التي تَسْعَى، لأنَّها كانت ساكنةً، فالحركةُ إذَنْ بعدَ السُّكونِ، لأنَّ الحركةَ مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ، أمَّا السُّكونُ فهو رمزٌ إلى إفرادِ ذاتِ واجبِ الوجودِ.
ثمَّ عادَ الأمرُ الإلهيُّ يَصدُرُ: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) فَوَضَع سيدنا موسى (ع) يَدَهُ في جَيبِهِ وأخرَجَها فإذا هي تتلألأ، فَفِعلُ الإدخالِ والإخراجِ ارتبطَ باليدِ، لأنَّ اليدَ دَلَّتْ على أنَّ الفعلَ والقوَّةَ حقيقةٌ تكوينيَّةٌ لسيدنا موسى (ع)، لِيَدُلَّ على مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ وإنْ أبْدَى أفعالاً تماثلُ الفعلَ الكاملَ، لكنَّها تَبقى أفعالٌ وجوديَّةٌ فقط.
وأظهَرَ سيِّدُنا موسى (ع) المعجزاتِ على الملأ باجتماعِهِ مع السَّحرَةِ أمامَ فرعونَ لَعَنَهُ اللهُ، لتكونَ الحجَّةُ الرَّبَّانيَّةُ تامَّةً وكاملةً لذلك أَسْلَمَ السَّحَرَةُ كما في قوله تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى). وهنا لابدَّ من طَرحِ بعضِ التَّساؤلاتِ، فلماذا ألقَى السَّحرَةُ عِصِيَّهُم في البدايةِ ثمَّ ألقاها سيِّدُنا موسى (ع)؟ ولماذا عَمَلُهُم سِحرًا، بينما سُمِّيَ فعلُ سيِّدنا موسى معجزةً؟
لأنَّ أفعالَ السَّحرةِ كانت ناقصةً ولم تكتملْ فَعِصِيُّهُم تحوَّلَتْ إلى ثعابينَ لكنَّها لم تَرجعْ بعدَ ذلكَ إلى حالِها الأوَّلِ، أمَّا عَصَا سيِّدِنا موسى (ع) فقد تحوَّلَتْ بدايةً إلى حيَّةٍ، ثم تَلَقَّفَتْهُم، ثمَّ عادَتْ إلى حَالِها الأوَّلِ، وهذا له دلالةٌ إيمانيَّةٌ، فأهلُ التَّشبيهِ يَقفونَ عندَ مرحلةِ الإثباتِ ولا يَستطيعونَ تَجاوزَها، فَيُثبِتُونَ على الذَّاتِ المقدَّسَةِ الحدودَ والسِّماتِ ثمَّ يَجعلونَها حقيقةً لها وهذا شركٌ باللهِ، لذلكَ فإنَّ توحيدَهُم خاطئٌ. أمَّا أهلُ الإيمانِ واليقينِ فَيُثبِتُونَ وجودَ الذَّاتِ المقدَّسَةِ في السَّماواتِ والأرضِ، ثم يُفرِدُونَ ذاتَ واجبِ الوجودِ عن جميعِ هذهِ السِّماتِ والحدودِ لِيَبلُغُوا بذلكَ درجةَ الإخلاصِ في التَّوحيدِ، وهذا مِثَالُهُ في القصَّةِ أنَّ العَصَا تَحَوَّلَتْ إلى حَيَّةٍ ثمَّ عَادَتْ إلى عَصَا.

السؤال الرابع والثمانون حول زيارة مقامات الأولياء الصالحين والتبرك بها

 

images

السُّؤالُ الرَّابعُ والثَّمانون: ما هو مبرِّرُ زيارتكُم لقبورِ شيوخِكم؟ أليسَ تقبيلُها من أنواعِ الشِّركِ؟ فلماذا تقومونَ بذلك وقد نَهَى الرَّسولُ عن ذلك؟

 

الجوابُ الرَّابعُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

إنَّ هذا اتِّهام صريحٌ موجَّهٌ إلينا لذلكَ لابدَّ من الإيضاحِ أوَّلاً أنَّ النَّهيَ عن زيارةِ الـمَقاماتِ والـمَزاراتِ كانَ مِن دَأبِ أعداءِ رسولِ اللهِ (ص)؟!

إذْ وَرَدَ في الخبرِ أنَّ مروانَ بن الحكم أقبلَ يومًا فَوَجَدَ رَجُلاً وَاضِعًا وَجهَـهُ على القبرِ، فأقبَلَ عليهِ وأخذَ بِرَقَبَتِهِ ثم قالَ: هل تَدري ما تَصنَعُ؟ فإذا هو الصَّحابـيُّ الجليلُ أبو أيُّوب الأنصاري، فقالَ: نَعم إنِّي لم آتِ الحَجَرَ، إنَّما جِئْتُ لأُسَلِّمَ على رسولِ اللهِ (ص).

فَتَبَرُّكُنا بالمقاماتِ والمزاراتِ كَتَبَرُّكِ هذا الصَّحابيِّ الجليلِ بمقامِ رسولِ اللهِ (ص). ونحنُ في تَبَرُّكِنا بالمقاماتِ والمزاراتِ نَقتدي برسولِ اللهِ (ص) عندما كان يقفُ عندَ الحَجرِ الأسودِ ويُقبِّلُهُ، فهذا التَّبَرُّكُ ليسَ عبادةً للحجرِ، إنَّما هو احترامٌ للأرواحِ الطَّاهرةِ، وتعظيمٌ لِشَعائِرِ اللهِ، وقد قال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوى القُلُوب)، شَأنُهُ شَأنُ تَقبـيلِ غِلافِ المصحفِ الكريمِ والكتبِ السَّماويَّةِ، إلاَّ إذا كانَ أحدٌ يَذهبُ إلى أنَّ تقبـيلَنا للمصحفِ كفرٌ وإلحادٌ!!

وبِعَرْضِ المسألةِ على كتابِ اللهِ نَستَذكِرُ قوله تعالى: (اذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأتِ بَصيراً)، إلى قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ ألْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَاْرتَدَّ بَصيرًا). فهذهِ الآيةُ صريحةٌ تؤكِّدُ أنَّ النَّبيَّ يعقوب (ع) كان مفتقرًا للهِ عندما تبرَّكَ بقميصِ الوصيِّ يوسفَ (ع)، وهذا من التَّعليمِ الرَّفيعِ للتَّبَرُّكِ بمقاماتِ ومَزاراتِ الأولياءِ الصَّالحين.

وهذا يؤكِّدُ أنَّ إقامةَ الدُّعاءِ عندَ المقاماتِ والمزاراتِ والتَّبرُّكَ بها مُسْتَحَبٌّ ومُقْتَرِنٌ بِالثَّوابِ، وهو نوعٌ من تعظيمِ شعائرِ اللهِ، والكتابُ الكريمُ يُصَـرِّحُ بِجَوَازِ ذلكَ، من خلالِ عدَّةِ أدلَّةٍ:

  • الدَّليلُ الأوَّلُ: السَّادَةُ العِظَامُ أصحابِ الكهفِ الذينَ وردَ ذِكْرُهم في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، فَجَعَلَ المَوضِعَ مَزارًا، وهذا المزارُ صارَ ذا كرامةٍ وَشَرَفٍ بسببِ وُجُودِهِم، إذ قال تعالى: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا).

  • الدَّليلُ الثَّاني: مقامُ سيِّدِنا إبراهيم الخليلِ (ع) الذي وَجَبَ الدُّعاءُ عِندَهُ لقوله سبحانَهُ: (وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، فإذا كانَ الأمــرُ كذلـكَ بالنِّسبَةِ إلى مَقامِ سيِّدنا إبراهيمَ الخليلَ (ع)، ألا يَنبغي أن يكونَ كذلكَ بالنِّسبَةِ إلى مَقَامَاتِ الرُّسُلِ والسَّادةِ المؤمنينَ الـمُتَّقينَ، وقد قالَ تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ)؟!

  • الدَّليلُ الثَّالث: البيوتُ المرفوعةُ في قوله تعالى: (في بُيُوت أذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ، رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ): فليسَ الـمُرَادُ من البيوتِ هو الجوامعُ فقط، بل هي الأماكنُ التي يُذكَرُ فيها اسمُ اللِه تعالى كالمقاماتِ والمزاراتِ. وهذا الرَّفعُ له مَعنيان:

  • الأوَّل: أن يكونَ الـمُرادُ منه هو الرَّفعُ الماديُّ الذي يَتحقَّقُ بإرساءِ القواعدِ والبناءِ، كما قال سبحانه: (وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعيلُ)، وهذا يَدُلُّ بكلِّ وضوحٍ على جَوَازِ تَشييدِ المقاماتِ وتَعميرِها.

  • والثَّاني أن يكونَ الـمُرادُ منه هو الرَّفعُ الحقيقيُّ، كما قال عزَّ وجلَّ: (وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا)؛ أي مَنَحْنَاهُ مكانةً عاليةً من خلالِ التَّكريمِ والتَّشريفِ والـمَدَدِ. وهذا يَدُلُّ على تَكريمِها وَتَبجيلِها وَصِيَانَتِها وَتَطهيرِها مِمَّا لا يَليقُ بشأنِها.

ولابدَّ من التَّذكيرِ بقولِ الإمامِ علي الهادي (ع) الواردِ في كتابِ تحفِ العقولِ عن آلِ الرَّسولِ (ص): (إنَّ للهِ بِقَاعـًا مَحمـودَةً يُحِبُّ أن يُدْعَى فيها فَيَسْــتَجِـيبَ لِمَنْ دَعَاهُ)، وهذا يعني أنَّ الدُّعاءَ مُسْتَحَبٌّ في بُقعَةٍ لامَسَتْ أحدَ الأئمَّةِ أو الأنبياءِ أو الرُّسُلِ (ع) أو الأولياءِ الصَّالحينَ (ق) فأصبحَتْ مَزارًا.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد