أرشيف الوسم: العلويون

السؤال السابع والسبعون عن الفرق بين النبي والرسول

images

السُّؤال السَّابعُ والسَّبعون: هل هناكَ فرقٌ بين النَّبيِّ والرَّسول؟

الجوابُ السَّابعُ والسَّبعون بإذنِ اللهِ:

إنَّنا كعلويِّين نختلفُ في رُؤيَتنا للفرقِ بينَ النَّبيِّ والرَّسولِ عن كلٍّ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ على حَدٍّ سواء، رغمَ أنَّ كلاًّ منَ الأنبياءِ والرُّسلِ مخصوصونِ بالعصمةِ، وقد أُمِرنا باتِّباعِهم في قوله تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ)، وبطاعةِ أمرِهم ونَهيهم لقوله جلَّ جلالُهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، لأنَّ كلاًّ منهم مبعوثٌ بالحقِّ من قِبَلِ اللهِ سبحانَهُ بمهمَّةٍ ورسالةٍ لقوله سبحانَه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ)، ولكنَّ هناكَ فرقًا بينَ المَقامَين أنكرَهُ البعضُ، وقَلَبَهُ البعضُ الآخرُ لاشتِباهِهم وجَهلِهم حيثُ زَعَمُوا (أنَّ الرَّسولَ أجَلُّ من النَّبيِّ، وأنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ وليسَ كلُّ نبيٍّ رسولٌ)!!!

نحنُ نردُّ عليهم من الذِّكرِ الحكيمِ، فلو كانَ الرَّسولُ أجَلُّ من النَّبيِّ لَمَا خَصَّ اللهُ تعالى النَّبيَّ بالصَّلاةِ عليهِ في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، لأنَّ هذه الصَّلاةَ هي تشريفٌ خَصَّهُ اللهُ به لأنَّهُ أقرَبُ الخلقِ إليه وأرفَعُهم منزلةً عندَهُ.

ولو صَحَّ زعمُهم بأنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ لَجَازَ أن يكونَ سيِّدنا جبريلُ (ع) نبيًّا باعتبارِهِ سُمِّيَ رسولاً في قوله جَلَّ من قائلٍ: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً)، ولكنْ لا يجوزُ اعتبارُ جبريلَ (ع) نبيًّا أسوةً بالأنبياءِ الذينَ سُمُّوا رُسُلاً كسيِدنا موسى (ع) في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وسيِّدنا عيسى ومحمَّد (ع) في قوله: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ)، فجازَ لهؤلاءِ الأنبياءِ أن يُسَمَّوا رسلاً أيضًا كما في قوله سبحانه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً).

ولابدَّ من الانتباهِ إلى أنَّهُ قَدَّمَ كلمةَ (رسولاً) على كلمةِ (نبيًّا) في الآيات السَّابقةِ لأنَّ كلمةَ الرَّسولِ دَلَّتْ على أنَّهُ مُبَلِّغٌ للرِّسالةِ، وكلمةَ النَّبيِّ دَلَّت على مقامِ النُّبوَّةِ المُمَيَّزِ عن مقامِ الرِّسالةِ، فهو جَلَّ وعلا قد سمَّى الأنبياءَ رُسُلاً، ولكنَّهُ لم يُسَمِّ كلَّ الرُّسُلِ أنبياء، فَوَجَبَ أن يكونَ القولُ الصَّحيحُ: (إنَّ كلَّ نبيٍّ رسولٌ، ولكنْ ليسَ كلُّ رسولٍ نبيٌّ).

فالأنبياءُ هُم رُسُلٌ كما ذكرنا أعلاهُ، ولكنَّ الرُّسُلَ درجاتٌ مختلفةٌ لقوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)، منهم مَن لم تُحَدَّد درجتُهُ كما في قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ)، وهذه الآية تنفي مزاعمَهم بأنَّ (الرَّسولَ أُوحيَ إليه بديانةٍ وشريعةٍ جديدةٍ)!! وأنَّ (النَّبيَّ بُعِثَ لتقريرِ شَرعِ مَن قبلَهُ مِن الرُّسُلِ)!! لأنَّ اللهَ أخذَ الميثاقَ على الأنبياءِ بالدِّينِ والتَّشريعِ لقوله جلَّ جلالُهُ: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً)، ثمَّ أرسلَ الرُّسُلَ للتَّصديقِ وإحقاقِ الحقِّ لقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ).

ومن الرُّسُلِ جبريلُ الرُّوحُ القُدُسُ في قوله سبحانه: (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)، ومنهم مَن كان مِن الملائكةِ في قوله جلَّ من قائلٍ: (قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ)، وهؤلاء جميعًا ليسوا أنبياء، ولكنَّهم حُجَجٌ ظاهرةٌ على النَّاسِ لقوله سبحانه: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)، والحجَّةُ لا تنقطعُ بدوامِ الدُّنيا لقولِ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (اللَّهُمَّ إنَّكَ لا تُخلي الأرضَ مِن حُجَّةٍ لَكَ عَلى خَلقِكَ، ظاهرٌ مَوجودٌ، أو خَافٍ مَغْمُورٌ لِكَي لا تُبطِلَ حُجَّتَكَ)، وقولِ الإمام الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

من خلالِ ما ذُكِرَ يتأكَّدُ لنا أنَّ الرِّسالةَ لم تُختَمْ بختمِ النُّبوَّةِ كما زعمَ ابن تيميَّةَ بقوله المفتون: (خَتمُ النُّبوَّةِ يستلزِمُ ختمَ الرِّسالةِ)، فالنبوَّةُ خُتِمَتْ بسيِّدنا محمَّد (ص) لقوله تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، وقولِهِ (ص) حينَ سُئلَ: هذا الأمرُ بعدَكَ لنا أم لِمَنْ؟ فقال: (الأمرُ بَعدي لِمَن هو مني بمنزلةِ هارونَ من موسى، إلاَّ أنَّه لا نبيَّ بَعدي)، فلا شريعةَ يُدعى إليها بعدَ الشَّريعةِ المحمَّديَّةِ حتَّى ظهورِ القائمِ.

ولكنَّ الرِّسالةَ باقيةٌ أبدَ الدَّهرِ لقوله تعالى: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، وهم الموصوفون بقوله سبحانه: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً)، فَمهمَّتُهم التَّبليغُ لقولهِ : (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، وقولِهِ: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، والبلاغُ المُبينُ هو تبليغُ الولايةِ الحقِّ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) وهذا البلاغُ قائمٌ على الدَّوامِ لا ينقضي حتَّى مجيءِ القائمِ المُنتَظرِ (ع) فَيُحقَّ الحقَّ ويقيمَ الميزانَ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

العلوية في التاريخ

hesham

العلوية في التاريخ

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

 

زعمَ غيرُ واحد منَ الكتَّابِ القُدامى والجددِ أنَّ العلويَّةَ كسائرِ المذاهبِ الإسلاميَّةِ منْ إفرازاتِ الصِّراعاتِ السياسيَّةِ، في حين يذهبُ البعضُ الآخرُ إلى القول بأنَّه نتاجُ الجدالِ الكلاميِّ والصِّراعِ الفكريِّ. فأخذوا يبحثونَ عن تاريخِ نشوئِهِا وظهورها في السَّاحةِ الإسلاميَّةِ، وكأنَّهم يلتقونَ بوصفها ظاهرةً جديدةً وافدةً على المجتمع الإسلامي، ويعتقدونَ بأنَّ القطَّاعَ العلويَّ- وإنْ كان من جسم الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ- قد تكوَّنَ على مرِّ الزمنِ نتيجةَ أحداثٍ وتطوُّراتٍ سياسيَّةٍ أو اجتماعيَّةٍ فكريَّةٍ أدّت إلى تكوينِ هذا المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير، ومن ثمَّ اتَّسعَ ذلك الجزء بالتَّدريجِ.

ولعلّ هذا التَّصوُّرَ الخاطئَ لمفهومِ العلويَّةِ هو ما دفع أصحابَ هذهِ الطُّروحاتِ إلى التَّخبُّط والتعثُّرِ في فهمهم لحقيقةِ نشوء العلويَّة، وفي محاولاتِهم الراميَّةِ لتقديم التَّفسيرِ الأصوب، ولو أنَّ أُولئك الدَّارسينَ شَرَعُوا في دراستهم لتاريخ هذه النَّشأةِ من خلال الطُّروحات العقائديَّةِ والفكريَّةِ التي بُنِيَتْ عليها العلويَّةُ لأدركوا بوضوحٍ ودون لبسٍ أنَّها لا تؤلِّفُ في جوهرِ تكوينها وقواعدِ أركانها إلاَّ الامتدادَ الاصيلَ والحقيقيَّ للفكرِ العقائديِّ للدينِ الإسلاميِّ المحمَّديِّ والذي قامَ عليه كيانُهُ.

إنَّ هذا الاعتقادَ يظـهرُ بأوضحِ صورةٍ من خلال الالتفافِ والمبايعةِ للوصيِّ ففي ذلك أوضحُ المصاديقِ على حقيقة هذا النُّشوءِ الذي اقترنَ بنشوءِ وتبلورِ الفكرِ الإسلاميِّ الكبير، والذي لابدَّ له من الاستمرار والتَّواصلِ والتَّكاملِ حتّى بعد صاحبِ الرسالةِ، والذي ينبغي له أنْ يكونَ الاستمرارَ الحقيقيَّ لتلك العقيدةِ السماويَّةِ.

فإذا اعتبرنا بأنَّ المذهبَ يرتكزُ أساسًا في استمرارِ القيادةِ بالوصيِّ، فلا نجدُ له تاريخًا سوى تاريخِ نشوءِ الإسلام، والنُّصوصُ الواردةُ عن رسولِهِ (ص) متوفِّرةٌ في وصاية الإمامِ عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلام، وإذا كانت تلك النُّصوصُ من القوَّةِ والحجِّيَّةِ التي لا يَرقى إليها الشَّكُّ، وتعدُّ وبدون تردُّدٍ ركائزَ عقائديّةً أرادَ أنْ يُثبِّتَ أُسُسَها رسول الله (ص)، فهي بلا شكٍّ تدلُّ وبوضوحٍ على أنَّ هذه الاستجابةَ استمرارٌ حقيقيٌّ لما سبقها في عهد رسولِ الله (ص)، وإذا كانَ كذلك فإنَّ جميع من استجابوا لرسول الله (ص)، وانقادوا له انقيادًا حقيقيًّا، يُعدُّونَ بلا شكٍّ روَّادَ العلويَّةِ الأوائل وحاملي بذوره، فالعلويَّةُ هم المسلمونَ ومن تبعهم بإحسانٍ في الأجيالِ اللاحقةِ، مِن الذين بَقَوا على ما كانوا عليه في عصرِ الرَّسولِ في أمرِ القيادَةِ، ولم يغيِّروه، ولم يتعدُّوه إلى غيره، ولم يأخذُوا بالمصالحِ المزعومةِ في مقابل النُّصوصِ، وصاروا بذلك المصداقِ الأبرزَ لقوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَيِ الله ورَسُولِهِ واتَّقُوا الله إنَّ الله سَميعٌ عَليمٌ).

إنَّ الآثارَ المرويَّةَ في حقِّ العلويَّةِ عن لسان النبيِّ الأكرم- والذين هم بالتالي عَلَويَّةٌ لرسول الله (ص)- تَرفعُ اللِّثامَ عن وجهِ الحقيقةِ، وتُعرِبُ عن التفافِهَا حول الوصيِّ، فقد كانوا معروفينَ في عصرِ الرِّسالةِ، وإنَّ النَّبيَّ الأكرم وصفَهم في كلماتِهِ بأنَّهُم الفائزونَ.

وهذه النُّصوص المتضافِرَةُ الغنيَّةُ عن ملاحظةِ أسنادها، تُعرِبُ عن كونِ الإمام عليٍّ علينا من ذكره السَّلام متميِّزٌ بقربِهِ من النبيِّ (ص)، وبأنَّ له أصحابًا وأتباعًا، ولهم مواصفاتٌ وسماتٌ كانوا مشهورين بها، في حياة النبيِّ وبعدها، وكان (ص) يشيد بهم ويبشِّرُ بفوزهم، وهم- بلا ريبٍ- ليسوا بخارجين قَيدَ أُنْمُلَةٍ عن الخطِّ النَّبويِّ المبارك للفكرِ الإسلاميِّ العظيمِ، والذي يؤكِّدُ على حقيقة العلويَّةِ ونشوئها الذي لا يفترق عن نشوءِ الدِّين واستقرارِهِ.

فبعد هذه النصوص لا يصحُّ لباحثٍ أن يلتجِئَ إلى فروضٍ ظنِّيَّةٍ أو وهميَّةٍ في تحديد تكوُّنِ العلويَّةِ وظهورها.

 

العلويَّةُ في كلماتِ المؤرِّخينَ وأصحابِ الفرقِ:

لقد غلبَ استعمالُ لفظِ العلويَّةِ بعد عصرِ الرَّسولِ (ص) تبعًا لمن يوالي الإمام عليّ علينا من ذكره السلام ويعتقدُ بإمامتِهِ ووصايتِهِ، ويظهرُ ذلك من خلال كلماتِ المؤرِّخينَ على القوم ببيعتِهِ.

كما أنَّ حقيقةَ استخلافِ النَّبيِّ له أمستْ فكرةً عقائديَّةً ثابتةً في النُّفوسِ والقُلوبِ، وتضاعفَ عددُ المؤمنين بها له على مرورِ الأيَّامِ، ورجعَ الكثيرُ من المسلمين إلى الماضي القريب، واحتشدَتْ في أذهانهم صورٌ عن مواقفِ النبيِّ (ص)، تلك المواقف التي كان يصرِّحُ فيها باستخلافِ الإمام عليٍّ من بعده تارةً، ويلمِّحُ فيها أُخرى، فالتفُّوا حول الإمام عليٍّ علينا من ذكره السلام وأصبحوا من الدُّعاةِ الأوفياء له في جميع المراحل التي مرَّ بها.

وإذا كان العنصرُ المقوِّمُ لإطلاق كلمةِ العلويَّةِ هو اتِّباعُ الإمام عليّ علينا من ذكره السلام بعد النبيّ الأكرم (ص) في الخلافة والوصاية، فإنّه من غيرِ المنطقيِّ محاولةُ افتراضِ علَّةٍ اجتماعيَّةٍ أو سياسية أو كلاميَّةٍ لتَكَوُّنِ هذه الفرقة.

ومن أجل أنْ ترتسمَ في الأذهانِ الصُّورةُ واضحةً عن مجسِّدي هذه التسمية في تلك الحقبةِ البعيدة في التَّاريخ الاسلامي والملاصِقَةِ لعصرِ الرَّسالةِ الأوَّلِ، نستعرض جملةً من روُّادِ هذا الميدانِ المقدَّسِ والذين يُعَدُّون بحقٍّ أوائلَ حَمَلَةِ هذه التَّسمية المباركة على وجه الإجمالِ.

فأتباعُ الإمام عليٍّ علينا من ذكره السلام ينقسمون إلى الأصفياءِ، ثمّ الأصحابِ والأولياءِ. وفي مقدِّمتهم سيدنا سلمان الفارسي، والمقداد، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأبي ذر الغفاري، وعمّـار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيّوب الأنصاري.

عليهم سلام الله اجمعين.

فمن أرادَ التَّفصيلَ والوقوف على حياتِهِم فليرجع إلى الكتبِ المؤلَّفةِ، ولكن بعينٍ مفتوحةٍ وبصيرةٍ نافذةٍ.

 

العلوية في العصر الأُموي:

إنَّ الهجمةَ الشَّرسةَ التي كانت تستهدفُ استئصالَ النَّهجِ العلوي والقضاءَ عليه قد أخذتْ أبعادًا خطيرةً وداميةً بعد عهد رسول الله (ص)، وخاصَّةً إبَّانَ الحكمين الأُموي والعباسي، فقد شَرَعَ أعداءُ الإمامِ وخصومُ العلويَّةِ إلى التعرُّضِ الصَّريحِ بالقتلِ والتَّشريدِ لأنصارِ العلويَّةِ والمنتسبينَ إليها، إلاّ أنَّ هذا لمْ يمنَعِ البعضَ ممَّن وقفوا موقفًا باطلًا ومنحرفًا من الإمام عليِّ علينا من ذكره السلام من التَّعبيرِ عن سرورهم من هذا الأمر الجَلَلِ.

أمَّا معاوية فلا مناصَ من القول بأنُّه أكثرُ المستبشرينَ بهذا الأمر، حيثُ يمثِّلُ الإعلانَ الرَّسميَّ لبدء الحملة الشَّرسةِ والمعلَنَةِ لاستئصال أتباع الإمام علي علينا من ذكره السلام وأنصارِهِ.

وتوالتِ المجازرُ بعد معاوية إلى آخرِ عهد الدَّولةِ الأُمويَّة، فلمْ يكنْ للعلويَّةِ في تلك الأيّام نصيبٌ سوى القتل والنَّفي والحرمان. وهذا هو الذي نستعرضه على وجه الإجمال، حتّى يقفَ القارئُ على أنَّ بقاءَ العلويَّةِ في هذه العصور المظلِمَةِ كان معجزةً من معاجزِ الله سبحانه، كما يتوضَّحُ له مدى الدَّورِ الذي لعبَهُ العلويَّةُ في الصُّمودِ والكفاحِ والرَّدِّ على الظَّلَمَةِ وأعوانِهِم.

وإليكم بعضَ الوثائق من جرائِمِ معاوية وأتباعه، ولعلَّ المرء يصابُ بالذُّهولِ وهو يتأمَّلُ أسماء الصَّحابَةِ والتَّابعين ذوي المنازلِ الرَّفيعةِ والمكانة السَّامية والدَّورِ الجليل في خدمة الإسلام وأهلِهِ، كيف استشهدوا في سبيل ولايتهم لعلي علينا من ذكره السلام، فاستشهدوا لا لشيٍء إلاَّ لأنَّهم علويَّةُ الإمام عليّ علينا من ذكره السلام، ومن أبرزِ رجالِ الحقِّ الذين ضَحَّوا في سبيل نهج العلوية:

  1. مالك الأشتر: ملكُ العرب، وأحدُ أشرفِ رجالاتها وأبطالها، كان شهمًا مطاعًا وكان قائدَ القوَّاتِ العلويَّةِ. قتله معاوية بالسمِّ في مسيره إلى مصر.
  2. رشيد الهجري: كان من تلاميذِ الإمام وخواصِّه، عرضَ عليه زيادُ البراءةَ واللَّعنَ فأبى، فقطع يديه ورجليه ولسانه.
  3. قنبر مولى أمير المؤمنين: رُوِيَ أنَّ الحجَّاجَ قال لبعض جلاوزته: أُحبُّ أن أُصيبَ رجلًا من أصحاب أبي تراب فقالوا: ما نعلم أحدًا كان أطول صحبة له من مولاه قنبر. فبعثَ في طلبه، فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم، قال له: ابرأ من دين عليّ. فقال له: هل تَدُلَّني على دينٍ أفضل من دينه؟ قال: إنِّي قاتلكَ فاختر أيَّ قتلةٍ أحبّ إليك. قال: أخبرني أمير المؤمنين أنّ ميتَتِي تكون ذبحًا بغير حقٍّ. فأمر به فذبح.
  4. كميل بن زياد: وهو من خيارِ العلويَّةِ وخاصّة أمير المؤمنين، طلبَهُ الحجَّاج فهرب منه، فَحَرمَ قومَهُ عطاءَهُم، فلمّـا رأى كميل ذلك قال: أنا شيخٌ كبيرٌ وقد نفد عمري ولا ينبغي أنْ أكون سببًا في حرمانِ قومي. فجاء للحجَّاج، فلمّـا رآه قال له: كنت أحبُّ أن أجدَ عليك سبيلًا، فقال له كميل: لا تبرق ولا ترعد، فوالله ما بقي من عمري إلاّ مثل الغبار، فاقضِ فإنَّ الموعدَ لله عزّ وجلّ، وبعد القتلِ الحسابُ. وقد أخبرني أمير المؤمنين أنَّك قاتلي. فقال الحجّاج: الحجَّةُ عليك إذن. فقال كميل: ذلك إنْ كانَ القضاءُ لكَ. قال: بلى، اضرُبُوا عنقَهُ.

هذا غيضٌ من فيضٍ وقليلٌ من كثيرٍ ممَّا جناه الأمويُّون في حقِّ العلويَّةِ طوال فترة حكمهم وتولِّيهم لدفَّةِ الأُمورِ وزمامِ الحكمِ، وتالله إنَّ المرء ليُصابُ بالغثيانِ وهو يتأمَّلُ هذه الصَّفحاتِ السَّوداءِ التي لا تُمحى من ذاكرة التَّاريخِ وكيف لُطِّخت بالدِّماءِ الطَّاهرةِ المقدَّسةِ والتي أُريقَتْ ظلمًا وعدوانًا وتجنِّيًا على الحقِّ العلويِّ وأهلِهِ.

 

العلويَّةُ في العصرِ العبَّاسيِّ:

دارَ الزَّمانُ على بني أُميَّةَ، وقامَت ثوراتٌ عنيفةٌ ضدَّهم أثناءَ حُكمِهم المَلَكِيِّ، إلى أن قَضَتْ على آخرِ ملوكِهم (مروان): (فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ لله رَبّ العالَمِينَ)، وامتطَى ناصيةَ الحُكمِ بعدَهم العبَّاسيُّون، والذين تَسَربَلُوا بِشِعارِ مظلوميَّةِ أهلِ البيتِ للوصولِ إلى سُدَّةِ الحكمِ وإزاحةِ خصومِهم الأُمويِّين عنها، بَيْدَ أنَّهم ما أنِ استقرَّ بهم المقامُ وثَبتَتْ لهم أركانُهُ حتَّى انقلَبوا كالوحوشِ الكاسرةِ في محاربَتِهم للعلويِّينَ وتَشريدِهم وتَقتِيلِهم، فكانوا أسوأَ من أسلافِهم الأُمويِّينَ وأشدَّ إجرامًا.

ولا يعرفُ التَّاريخُ أُسرةً كالأُسرةِ العلويَّةِ بلغَتْ الغايةَ من شَرَفِ الأرومَةِ، ضَلَّ عنها حقُّها، وجاهدَت في سبيلِ اللهِ حَقَّ الجهادِ من الأعصارِ، ثمَّ لم تَظفرْ من جهادِها المريرِ إلاَّ بالحَسَرَاتِ، ولم تعقبْ من جهادِها إلاَّ العَبَرَاتُ، على ما فَقَدَتْ من أبطالٍ أَسَالُوا نفوسَهم في ساحِ الوَغَى، راضيةٌ قلوبُهم مطمئنَّةٌ ضمائرُهم، صافَحوا الموتَ ببسالةٍ فائقةٍ، وتلقَّوهُ بصبرٍ جميلٍ يثيرُ في النَّفسِ الإعجابَ والإكبارَ، ويشيعُ فيها ألوانَ التَّقديرِ والإعظامِ.

وقد أسرفَ خصومُ هذه الأُسرةِ الطَّاهرةِ في محاربَتِها، وأذاقوها ضُروبَ النّكالِ، وصَبُّوا عليها صنوفَ العذابِ، ولم يَرقبوا فيها إلاًّ ولا ذِمَّةً.

نعم، لقد اقترنَ تاريخُ العلويَّةِ بأنواعِ الظُّلمِ والنّكالِ، والقتلِ والتَّشريدِ، بحيثُ لم تَشهَدْهُ أيَّةُ طائفةٍ أُخرى من طوائفِ المسلمينَ. بلى، لم يَرَ الأُمويُّونَ ولا العباسيُّونَ ولا الملوكُ الغزاةُ ولا السَّلاجقةُ ولا مَن أتَى بعدَهم أيَّةَ حرمةٍ لنفوسِهم وأعراضِهم وعلومِهم ومكتباتِهم، فحينَ كان اليهودُ والنَّصارى يَسرحونَ ويَمرحونَ في أرضِ الإسلامِ والمسلمينَ، وقد كَفِلَ لهمُ الحُكَّامُ حرِّيَّاتِهم باسمِ الرَّحمةِ الإسلاميَّةِ، كانَ العلويُّون يُؤخَذونَ تحتَ كلِّ حجرٍ ومَدَرٍ، ويُقتَلونَ بالشُّبهةِ والظِّنَّةِ، وتُشرَّدُ أُسرَهم، وتُصَادَرُ أموالُهم، ولا يَجِدونَ بُدًّا من أن يُخفوا كثيرًا من عقائدِهم خوفَ النّكالِ والقتلِ، وبأيدٍ وقلوبٍ نُزِعَتْ منها الرَّحمةُ. فلا تثريبَ إذنْ على العلويِّ أمامَ هذه الوحشيَّةِ المُسرِفَةِ من أن يَتَعاملَ بالتَّقيَّةِ.

هذا هو طغرل بيك أوَّلُ ملكٍ من ملوكِ السَّلاجقةِ الذي وردَ بغدادَ سنةَ 447هـ، وشنَّ على العلويَّةِ حملةً شعواءَ، وأمرَ بإحراقِ مكتبةِ العلويَّةِ.

ولعلَّ القارئَ الكريمَ إذا تأمَّلَ بتدبُّرٍ وَتَأَنٍّ إلى جملةٍ ما كُتِبَ وأُلِّفَ من المراجعِ التَّاريخيَّةِ- وحتَّى تلكَ التي كُتِبَتْ في تلكَ العصورِ التي شهدَتْ هذه المجازرَ المتلاحقَةَ، والتي بلا أدنى شكٍّ كان أغلبُها يُجاري أهواءَ الأُسَرِ الحاكمةِ آنذاكَ- فإنّه سيجدُ بوضوحٍ أنَّ بقاءَ العلويَّةِ حتَّى هذهِ الأزمنةِ من المعاجزِ والكراماتِ وخوارقِ العاداتِ، كيفَ وإنَّ تاريخَهم كان سلسلةً من عمليَّاتِ الذَّبحِ والقتلِ والقمعِ والاستئصالِ والسَّحقِ والإبادةِ حيث تضافرَتْ قوى الكفرِ والفسقِ على إهلاكِهم وقطعِ جذورِهم، ومع ذلك فقد كانت لهم دولٌ ودويلاتٌ، ومعاهدُ وكلِّيَّاتٌ، وبلدانٌ وحضاراتٌ، وأعلامٌ ومفاخرُ، وعباقرةٌ وفلاسفةٌ، وفقهاءٌ، ومحدِّثونَ، ووزراءٌ وسياسيُّونَ.

نعم إنَّ ذلك من فضلِهِ سبحانَهُ لِتَعَلُّقِ مشيئَتِهِ على إبقاءِ الحقِّ في ظلِّ قيامِ العلويَّةِ طيلةَ القرونِ بواجبِها، وهو الصُّمودُ أمامَ الظلمِ، والتَّضحيةُ والفداءُ للمبدأ وقد قال سبحانَهُ: (إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشرونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَينِ وإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَروا بِأِنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ).

ولا يفوتنَّكَ أخي القارئُ الكريمُ أنَّ ثوراتِهم المتعاقبةَ على الحكوماتِ الظَّالمةِ الفاسدةِ الخارجةِ عن حدودِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ العظيمةِ هي التي أدَّتْ إلى تشريدِهم وقتلِهم والفتكِ بهم، ولو أنَّهم ساوموا السُّلطةَ الأُمويَّةَ والعبَّاسيَّةَ، لكانوا في أعلى المناصبِ والمدارجِ، لكنَّ ثوراتِهم لم تكن عنصريَّةً أو قوميَّةً أو طلبًا للرِّئاسةِ، بل كانت لإزهاقِ الباطلِ ورفعِ الظُّلمِ عن المجتمعِ، والدَّعوةِ إلى إعلاءِ كلمةِ اللهِ وغيرِ ذلكَ ممَّا هو من وظائفِ العلماءِ العارفينَ.

 

فرضيَّاتٌ خاطئةٌ وهميَّةٌ:

لقد تقدَّمَ الحديثُ منَّا في الفقراتِ السَّابقةِ حولَ ما يمكنُ تسميتُهُ بنشأةِ العلويَّةِ، والتي تُبيِّنُ لنا بوضوحٍ أنَّهُ لا فصلَ هنا بين النَّشأتَينِ، نشأةِ الإيمانِ، ونشأةِ العلويَّةِ، وأنَّهما وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ، إلاَّ أنَّ هناكَ جماعةً من المؤرِّخينَ وكُتّابِ المقالاتِ مِمَّنْ قادَهُم الوهمُ وسوءُ الفهمِ إلى اعتبارِنا أمرًا حادثًا وطارئًا على المجتمعِ الإسلاميِّ، فأخذوا يُفَتِّشونَ عن بدءِ العلويَّةِ ومصدرِها، وأشدُّ تلك الظُّنونِ عدوانيَّةً ما تلوكُهُ أشداقُ بعضِ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ من اتِّهامِ كلِّ مَن دَعَا إلى الإمامِ عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ بالإمامةِ، وإلى النَّبيِّ (ص) بالرَّجعةِ، وبما أنَّ لهذا الموضوعِ أهميَّةً خاصَّةً لِمَا احتلَّهُ من المساحةِ الواسعةِ في أذهانِ العديدِ من السُّذَّجِ والسَّطحيِّينَ، فإنَّا لا نكتفي ببيانِ توهُّمٍ واحدٍ، بل نأتي على ذكرِ كلِّ تلكَ الادِّعاءاتِ واحدةً بعدَ الأخرى، مع رعايةِ التَّسلسلِ الزَّمنيِّ.

وليسَ بِخَافٍ على أحدٍ مَدَى الانعطافةِ الخطيرةِ التي حدثَتْ في تاريخِ الإسلامِ عقبَ انتهاءِ مؤتمرِ سقيفةِ بني ساعدة، وما ترتَّبَ عليه من نتائجَ وقراراتٍ خطيرةٍ.

نعم إنَّ هذا الأمرَ لابدَّ وأن يستوقفَ كلَّ ذي لُبٍّ وعقلٍ مستنيرٍ، كما أنَّ الاستقراءَ المتأنِّي لأحداثِ السَّقيفةِ قد أوضحَ وبقوَّةٍ وجودَ تيَّارٍ قويٍّ عارضَ مقرَّراتِ هذا المؤتمرِ، وهذا الموقفُ تبنَّتْهُ جملةٌ من وجوهِ الصَّحابةِ ومُتَقدِّميها، وعَمَدَتْ إلى التَّذكيرِ بوجودِهِ والإجهارِ بِهِ، ولعلَّ تمسُّكَ هذه الثًّلَّةِ من الصَّحابةِ بموقفها من بيعةِ الإمامِ دونَ غيرِهِ هو ما دفعَ بعضَ المؤرِّخينَ إلى الذَّهابِ بأنَّ العلويَّةَ كانت وليدةَ الصِّراعِ من هذا المؤتمرِ ونتاجَ مَخَاضِهِ، وأنْ يَليهم آخرونَ يتعمَّدونَ بهذا الرَّأي ويُرَتِّبونَ من خلالِهِ تصوُّرَاتِهم وأفكارَهم، فيتشعَّبَ ذلكَ إلى جملةٍ واسعةٍ من المتبنَّيَاتِ غير الواقعيَّةِ والقائمةِ على أرضٍ واسعةٍ من الأوهامِ والاسترسالِ غيرِ المنطقيِّ.

ولعلَّ هذا التصوُّراتِ تعتمدُ في فهمِها أساسًا لبدءِ نشأةِ العلويَّةِ على ما رَواهُ الطَّبريُّ وغيرُهُ عن مجرياتِ هذا المؤتمرِ وما ترتَّبَ عليه من نتائج، دونَ أن تمدَّ بصرَها إلى أبعد من هذهِ النُّقطةِ اللامعةِ التي أعْمَتْهُم عن التأمُّلِ في أبعادِها.

وهكذا فَمِن خلالِ هذهِ النُّصوصِ المتقدِّمةِ وغيرِها اعتقدَ البعضُ أنَّ بدءَ العلويَّةِ ونشأتَها كان في تلكَ اللحظاتِ الحرجةِ في تاريخِ الإسلامِ، متناسينَ أنَّ ما اعتمدوهُ في بناءِ تصوُّراتِهم هو ما يَنقضُها ويثبتُ بطلانَها، فالمتأمِّلُ في هذه النُّصوصِ يظهرُ له وبوضوحٍ أنَّ فكرةَ العلويَّةِ ليست وليدةَ هذا الظَّرفِ المعقَّدِ وثمرةَ اعتلاجِهِ، بقدرِ ما تؤكِّدُ على أنَّ هذه الفكرةَ كانت مُختَمِرَةً في أذهانِهم ومركوزةً في عقولِهم ولسنينَ طوالٍ من حياةِ النَّبيِّ (ص)، فلمَّا رأتِ العلويَّةُ انصرافَ الأمرِ إلى جهةٍ لم تكنْ في حساباتِهم ولا في حدودِ تَصوُّرَاتِهم، وانحسارَهُ عمَّا كان معهودًا به إليهم، عَمَدُوا إلى التمسُّكِ به بالاجتماعِ في بيتِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ، والإعلانِ صراحةً عن موقِفهم ومُعتَقَدِهم.

وكان من المنطقِ والحكمةِ أن يجتمعَ رأيُ هذه الجماعةِ- التي تؤلِّفُ خلاصةً غنيَّةً من متقدِّمي الصَّحابةِ- على هذا الأمرِ في تلكَ اللَّحظاتِ المضطربةِ والمليئةِ بالمفاجآتِ، وأن يترتَّبَ عليه موقفٌ موحَّدٌ ثابتٌ، فهذا الأمرُ يدلُّ بوضوحٍ على أنَّه ما كان وليدَ يومِهِ ونتاجَ مخاضِهِ.

وممَّا يؤكِّدُ ذلك ويقوِّي أركانَهُ ما نقلته جميعُ مصادرِ الحديثِ المختلفةِ من نداءاتِ رسولِ اللهِ (ص) وتوصياتِهِ بحقِّ الإمام عليّ وعترتِهِ (ع) في أكثرَ من مناسبةٍ ومكانٍ، وما كان يشيرُ إليهِ (ص) من فَضلِ عترتِهِ ومكانَتِهم، والتَّأكيدِ على وجوبِ ملازَمَتِهم، وفي هذا دلالةٌ لا تَقبَلُ النَّقضَ على أنَّ العلويَّةَ ما كانت وليدةَ السَّقيفةِ أو رَدَّةً رافضةً آنيَّةً لمجرياتِ أحداثِها، بل إنَّ هذا الوجودَ يَمتدُّ عمقًا مع نشأةِ الإسلامِ واشتدادِ عودِهِ في زمنِ النَّبيِّ محمَّد (ص) وحياتِهِ المباركةِ المقدَّسةِ.

فقد بُثَّ الدُّعاةُ في البلادِ الإسلاميَّةِ، وأشيرَ عليهم الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكرِ، فَمَالَ إليهم وتبعَهم على ذلكَ جماعاتٌ من المسلمين، ومنهم الصَّحابيُّ الكبيرُ والتَّابعيُّ الصَّالحُ من أمثالِ أبي ذر، وعمَّـار بن ياسر، ومحمَّد بن حذيفة، ومحمَّد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الأشتر، إلى غيرهم من أبرارِ المسلمينَ وأخيارِهم.

فأمَّا محمَّد بن أبي بكر: فأُمُّهُ أسماءُ بنتُ عُمَيس الخثعميَّة، تزوَّجَها أبو بكر بعد استشهادِ جعفر بن أبي طالب، فولدَتْ له محمَّدًا في حجَّة الوداعِ بطريقِ مكَّة، ثم نشأَ في حِجْرِ الإمام علي، وشهدَ معه حربَ الجملِ، كما شهدَ صفِّينَ، ثمَّ وُلِّيَ مصرَ عن الإمام عليّ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ إلى أن قُتِلَ فيها بهجومِ عمرو بن العاص عليها.

وأمَّا صعصعة بن صوحان العبدي: فقد أسلمَ على عهدِ رسولِ الله (ص) وكان خطيبًا مفوَّهًا، شهدَ صفِّين مع الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ. ولمَّا استولى معاويةُ على العراقِ نفاهُ إلى البحرين وماتَ فيها.

وأمَّا مالك الأشتر: فهو مالك بن الحرث النَّخعي، وهو من ثِقَاتِ التَّابعين، شهدَ وقعةَ اليرموكِ، وصحبَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ في الجملِ وصفِّينَ، وَلاَّهُ على مصرَ سنة (38هـ) ولمَّا وصلَ إلى القلزمِ دَسَّ إليه معاويةُ السُّمَّ بواسطةِ أحدِ عملائِهِ فتوفِّيَ مسمومًا.

وأمَّا أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري فهو من السَّابقينَ إلى الإيمانِ، وأوَّل المسلمينَ، وقد قال فيه الرَّسول (ص): (ما أَظَلَّتِ الخضراءُ وما أقلَّتِ الغبراءُ أصدقَ لهجةٍ من أبي ذر).

وأمَّا عمَّار بن ياسر فقد كان من والِدَينِ مؤمنينِ حتَّى قالَ لهم الرَّسول (ص): (صبرًا آل ياسرَ إنَّ موعِدَكُمُ الجنَّة)، كما قالَ عنه الرَّسول (ص): (عمَّارُ مُلِئَ إيمانًا حتَّى مَشاشِهِ).

وكذلكَ كان عمرو بن الحمق الخزاعي من أجِلاَّءِ الرَّسولِ (ص) والمُحدِّثِين. فهؤلاء باختصارٍ هم بعضُ الأجِلاَّءِ الذين نُسِبُوا إلى العلويَّةِ.

 

افتراق الأمَّة الإسلاميَّة:

النَّماذجُ التي قالتْ إنَّها الفرقةُ النَّاجيةُ لم تكن أدلَّتُهم إلاَّ دَعاوى مجرَّدةً وأدلَّةً ملفَّقةً، لا تستندُ إلى حجَّةٍ صحيحةٍ ولا إلى برهانٍ مستقيمٍ.

إنَّ العلويَّةَ هي الفرقةُ الحقَّةُ وإنَّ عقائدَهم سمحةٌ وسهلةُ القبولِ لكلِّ ذي عقلٍ حكيمٍ وذوقٍ سليمٍ، وتجدُ عندهم لكلِّ مسألةٍ من المسائلِ ولكلِّ مبدأ في العقائدِ تفسيرًا شافيًا كافيًا، في الوقتِ الذي لا تجدُ لها حلاًّ عند أهل السُّنَّةِ والشيعةِ وغيرهم، وهو قوله تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ).

ويُعتبرُ عنصرُ العموميَّةِ والشُّمولِ الذي تتميَّزُ به تعاليمُ الدِّينِ العلويِّ المحمَّديِّ من أبرزِ العناصرِ والمقوّماتِ التي تمنحُ هذا الدِّينَ المقدَّسَ قابليةَ الدَّيمومةِ والبقاءِ ومواكبةِ السُّلوكِ الإنسانيِّ المتحرِّكِ والمتغيِّرِ باستمرار، فقد أُريدَ لهذا الدينِ أن يمتدَّ في أفقِ الحياةِ إلى حيث اللَّحظاتِ الأخيرةِ بالرؤيةِ الواضحةِ والتَّكليفِ المشخِّصِ والموقفِ العمليِّ المحدَّدِ الشَّاملِ لقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ).

ولنا أن نقطعَ بأنَّ سرَّ هذا الشُّمولِ والاستيعابِ في هذا الدِّينِ يكمنُ في انبثاقِ تعاليمِهِ وقوانينِهِ من صاحب الكمالِ المطلقِ واتِّصاله بالقدرةِ الإلهيَّةِ، فالقُوَّةُ المعصومةُ المطلقةُ هي صاحبةُ الدَّورِ الوحيدِ في صياغةِ الرُّؤيةِ والوقائعِ، وقد كانت هذه العصمةُ المجسِّدَ الأولَ لهذه الغايةِ، والملبِّي الأمثلَ لذلكَ الغرضِ المرتجى والهدفِ المرسومِ.

وبمجرَّدِ اطلاعِكَ على عقيدةِ العلويَّةِ في هذا الصَّددِ يرتاحُ ضميرُكَ ويسلِّمُ عقلُكَ بقبولِ تأويلِ الآياتِ القرآنيَّةِ بعيدًا عن أيِّ تشبيهٍ أو تعطيلٍ.

ولنا أن نستدلَّ على أحقيَّةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ بعدَّةِ أدلَّةٍ:

  1. أخبرَ النبيُّ (ص) أنَّ النَّجاةَ منحصـرةٌ بالتَّمسُّكِ بالكتابِ والأئمة (ع) بقوله (ص): (إنِّي مُخلفٌ فيكم الثَّقلين كتابَ اللهِ وعترَتي أهلَ بيتي لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكتُم بهما، وإنَّهما لن يَفترقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوضَ)، ولا ريبَ أنَّ البعضَ لم يتمسَّكوا بأهلِ البيتِ، فوجبَ بمقتضى ذلكَ الحديثِ وقوعُهم في الضَّلالِ، أمَّا العلويةُ النصيريةُ فاتَّبعوهم واتَّخذوهم أئمَّةً، فكانوا بذلكَ هم النَّاجونَ دون غيرهم.
  2. أخبرَ الإمام علي علينا من ذكره السلام في أحاديثَ كثيرةٍ أنَّ الأئمَّةَ (ع) الذينَ يكونُ بهم الدِّينُ قائمًا عزيزًا ومنيعًا وأمرَ الناسَ بهم هم إثنا عشـرَ كلُّهم من قريش، لذلك تجدُ أنَّ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ تعتقدُ بإثني عشر إمامٍ بدءًا بمحمد (ص) وانتهاء بالقائم المهدي (ع).
  3. إنَّ العلويَّة النُّصيريَّةَ خالصةٌ من الأباطيلِ في الفروعِ والأصولِ ولا بأسَ بأن نذكرَها مجملةً، فكلُّ مَن كانَ منصفًا واطَّلعَ على المذاهبِ بتأمُّلٍ يجدُ أنَّ العلويَّة النُّصيريَّة هي واجبةُ الاتِّباعِ لموافَقَتِها الأدلَّةَ الصَّحيحةَ وبُعدِها عن البدعِ.
  4. لقد أثبتَ علماءُ العلويَّةِ نهجَ أهلِ البيتِ، ورَدُّوا على خصومِهم، وفَنَّدُوا آراءَ المذاهبِ الأخرى، وهم في ذلكَ ألزَموا أنفسَهم بألاَّ يَحتجُّوا إلاَّ بمَا وَرَدَ في المصحفِ الشريفِ وأحاديثِ الخصومِ الذين لمَّا أعياهُم الدَّليلُ الصَّحيحُ في نقدِ العلويَّة النُّصيريَّةِ عَمَدوا مع بالغِ الأسى إلى تضعيفِ أحاديثِنا، وعَمَدُوا إلى اختلاقِ الأكاذيبِ على النُّصيريَّةِ بِمَا لا يقولونَ وَبِمَا ليسَ فيهم، وهذا ناشئٌ عن عدم الدَّليلِ عندهم على صحَّةِ مذاهبِهم، فلم نجدْ في رَدِّهم علينا إلاَّ السُّبابَ والشَّتمَ المقذعَ.
  5. المعروفُ أنَّ المذاهبَ المعروفةَ المجتهدةَ نشأت كلُّها بعد انتهاءِ القرنِ الثاني من الهجرة، وإذا كانت قد نشأتْ في عصورٍ متأخرةٍ فلابدَّ أن يكونَ الحقُّ في غيرِها قبلَ نشوئِها، ولابدَّ أنْ تكونَ هناكَ فرقةٌ من فرقِ هذه الأمةِ على الحقِّ من زمانِ الأنبياءِ إلى قيامِ الساعةِ، لذلكَ كان الحقُّ منحصـرًا في العلويَّةِ النُّصيريَّةِ لأنَّها الفريدة بين كلِّ المذاهبِ الإسلاميَّةِ التي امتدَّتَ من حياة الأنبياءِ إلى العصورِ المتأخِّرةِ.
  6. إنَّ علماءَ العلويَّةِ ناظروا خصومَهم في التَّوحيدِ فكانت الحُجَّةُ معهم والغَلَبَةُ لهم على غيرهم، وعلماءُ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ كانوا وما يزالونَ يدعونَ أربابَ المذاهبِ للمناظرةِ ثقةً منهم بأنَّ ما عندهم هو الحقُّ وما عليه غيرُهم هو الباطلُ، والباطلُ لا يزهقُ الحقَّ لقوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ).

 

لكلِّ ما سبقَ نجدُ أنَّ الأدلَّةَ الصَّحيحةَ الثَّابتةَ كلُّها ترشدُ إلى العلويَّة الحقِّ لقوله تعالى: (وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)، وأمَّا باقي المذاهبِ فلم يقمْ على صِحَّتها دليلٌ صحيحٌ معتبَرٌ، وكلُّ ما ذكروهُ لا يَعدو كونَهُ مجرَّدُ دَعاوى لا تستندُ إلى برهانٍ صحيحٍ، ولا تنهضُ بها حجَّةٌ تامَّةٌ.

ولا يخفى أنَّنا بحاجةٍ إلى تكريسِ الجهودِ ومضاعَفَتِها نحو الإفهامِ المناسبِ لعقائدِنا العلويَّةِ الحقَّةِ ومفاهيمها الرَّفيعةِ، ممَّا يستدعي الالتزامَ الجادَّ بالبرامجِ والمناهجِ العلويَّةِ التي تُوجِدُ حالةً من المفاعلةِ الدَّائمةِ بينَ الناسِ وقيمها الحَقَّةٍ.

وليكن الهمُّ الأوَّلُ والأخيرُ للعالمِ هو تعريفُ الحقيقةِ والحفاظُ عليها للوصولِ للحكمِ في منابعِهِ الأصليَّةِ، وبيانُهُ دونَ اهتمامٍ بكثرةِ البهرجةِ وحبِّ الظُّهورِ وغيرِ ذلكَ من مغرياتِ الدُّنيا الزَّائلةِ ودواعي الشَّيطانِ المهلكةِ، فَعِزُّ الدُّنيا وفخرُها إلى انقطاعٍ، وزينتُها ومالُها إلى زوالٍ، وقد قال تعالى: (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).

الصلاة على محمد وآله

hesham

الصلاة على محمد وآله

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

==============

قالَ تعالى في كتابهِ العزيزِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) وقد سُئلَ الإمامُ الكاظمُ (ع): ما مَعنى صَلاة اللهِ وصلاة الملائكةِ وصلاة المؤمنِ؟ فقال (ع): (صَلاةُ اللهِ رحمةٌ، وصلاةُ الملائكةِ تزكيةٌ، وصلاةُ المؤمنِ دعاءٌ). ولكن: كيف تكون الصَّلاةُ؟

جاءَ صَحابةُ رسولَ اللهِ (ص) فقالوا: يا رسولَ اللهِ، عَرَفنا كيفَ نُسلِّمُ عليكَ ولم نعرفْ كيفَ نُصلِّي عليكَ. فقال: (قولوا: “اللهمَّ صلِّ على محمَّد وآلِ محمَّد كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، في العالَمِينَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ”، ولا تُصلُّوا عليَّ الصَّلاةَ البَتراءَ). قيل: وما الصَّلاةُ البتراءُ يا رسولَ الله؟ فقال (ص): (أن تقولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد، وتُمْسِكُوا).

كما وردَ عنه (ص) في هذا الخصوص: (ما في الميزانِ أثقلُ من الصَّلاةِ على محمَّد وآلِهِ، ومَن صَلَّى عَلَيَّ ولم يُصَلِّ على آلِي لم يَجِدْ ريحَ الجنَّةِ).
كما وردَ عن أميرِ المؤمنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام في تفسيرِ هذه الآيةِ أنَّهُ قال: (لهذهِ الآيةِ ظاهرٌ وباطنٌ، فالظَّاهرُ قولُهُ: “صَلُّوا عليه”، والباطنُ قوله: “وسَلِّموا تسليمًا” أي سَلِّموا لِمَن وصَّاهُ واستَخلَفَهُ)؛ وهو الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام.

أليسَ رسول الله (ص) قد قال فيه: (عليٌّ وليُّ كلِّ مؤمنٍ)؟ أليس قد قال: (إنَّ هذا أخي وَوَصِيِّي وَخَليفتي فاسمَعوا له وأَطيعوهُ)؟ أليس قد قال: (علي بن أبي طالب يُنجِزُ عدَّتي ويَقضِي دِيني)؟ أليس قد قال: (هذا عليٌّ، أخي وَوَزيري وَخَليفتي، إمامُكم، فأحبُّوهُ لِحُبِّي وأكرِموهُ لكرامتي .)

أليسَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام هو الذي نزلَتْ فيه الآيةُ: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، إذ وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّ رسولَ اللهِ (ص) دَعَا الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام فقالَ: يا عليُّ ادعُ عشرةً من بَنِي هاشمَ وبَنِي عبدِ المطَّلبِ، فلمَّا دَخَلوا وجَلَسوا قال (ص): هَلُمُّوا، وبَادَرَهُم رسولُ اللهِ (ص) بالكلامِ قائلاً: أيُّكم- يا بَنِي عبدِ المطَّلِبِ- يَقضِي دِيني، ويُنجِزُ وَعدي، ويَقومُ مَقَامي، ويَكون خَليفَتي وَوَزيري؟ فَسَكَتَ القومُ كلُّهُم، فقال الإمامُ علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (يا رسولَ اللهِ، أنا أقضي دِينَكَ وأُنجِزُ وَعدَكَ، وأكونُ خليفَتَكَ في أُمَّتِكَ وأهلِكَ). وكانَ الإمامُ علي علينا من ذكرِهِ السَّلام أصغرَهم سِنًّا، وأعظمَهم قوَّةً، فقالَ رسولُ الله (ص): (قد فَعَلْتَ يا عليُّ).

وَمَا مِن أحدٍ َ زَكَّى في رُكُوعِهِ غير الإمامِ علي علينا من ذكرِهِ السَّلام إذ أنَّ رسولَ اللهِ (ص) كانَ قد جَاءَهُ بِخَاتَمٍ أنزلَهُ جبريلُ (ع) من اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، عليهِ ياقوتةٌ مكتوبٌ عليها (للهِ المُلكُ) فَتَخَتَّمَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام بِهِ وخرجَ إلى مسجدِ رسولِ اللهِ (ص)، فَصَلَّى ركعتين شكرًا للهِ على تلكَ الهِبَةِ، فأتاهُ آتٍ من عندِ اللهِ، فوهبَ الإمامُ علي علينا من ذكرِهِ السَّلام ذلكَ الخاتمَ له، والنَّاسُ يَنظرونَ، وأتمَّ صَلاتَهُ وجلسَ يُسَبِّحُ اللهَ ويحمدُهُ ويشكرُهُ، حتى دخلَ إلى رسولِ اللهِ (ص)، فَضَمَّهُ إليهِ وقبَّلَهُ على وَجهِهِ، وقالَ: (هنَّأَكَ اللهُ يا أبا الحسنِ) وعيناهُ ملأى بالدُّموع، ثمَّ قرأَ هذهِ الآيةَ: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

السؤال السادس والسبعون حول إبراهيم والأطيار الأربعة

images

السُّؤال السَّادس والسَّبعون: هل يُعقَلُ أن يَشُكَّ نبيُّ اللهِ إبراهيم (ع) في إيمانِهِ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً).

 

الجوابُ السَّادس والسَّبعون بإذنِ الله:

إنَّ الخليلَ إبراهيمَ (ع) لَمَّا حَاجَّ النَّمرودَ في أنَّ رَبَّهُ هو الذي يُحيي ويُمِيتُ، سألَ اللهَ تعالى أن يُطْلِعَهُ على كيفيَّةِ إحياءِ المَوتى بقوله: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى)، ليكونَ على بصيرةٍ من احتجاجِهِ على النَّمرودِ اللَّعينِ، فأجابَه اللهُ تعالى بقولِهِ: (أَوَلَمْ تُؤْمِن)؛ يَعني: أوَلَمْ تُقِرَّ بأنِّي قادرٌ على ذلكَ، قالَ: (بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) برؤيةِ القدرةِ فَتَتمكَّن عندي، قال: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)؛ أي فَخُذْ من الطَّيرِ أربعةً مختلفةَ الأجناسِ وانزَعْ أرياشَها ولُحُومَها وعِظامَها، واخلُطِ الجميعَ مع بعضِها واقسُمها أربعةَ أجزاءٍ، (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً)؛ أي على أربعةِ جبالٍ وأَبْقِ الرُّؤوسِ معكَ، (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً)؛ أي إنَّ تلكَ الأجزاءَ تَسعى إلى الرُّؤوسِ فَتَلتَحِمُ بها وتعودُ أحياءً، فأخذَ الخليلُ (ع) الأطيارَ الأربعةَ وفَعَلَ بِهِنَّ كما أمرَهُ ثم دَعَاهُنَّ أي ناداهُنَّ فَجِئْنَهُ سَعياً لِزَاماً والْتَحَمَتِ الأجسامُ بالرُّؤوسِ وَوَلجَتْ فيهم الأرواحُ حتى عُدْنَ أحياءً.

نحنُ العلويُّونَ نقولُ: إنَّ اللهَ لا يَفعلُ شَيئًا عَبَثًا، ولابدَّ لِنُطقِ الذِّكرِ الحكيمِ من سِرٍّ كريمٍ وخَطْبٍ جَسيمٍ، فَسَيِّدُنا إبراهيمُ (ع) ما شَكَّ في رَبِّهِ أبدًا، وإنَّما أرادَ الانتقالَ من مستوى الاستدلالِ المُعبَّرِ عنه بعلمِ اليقينِ، إلى مستوى العِيَانِ المُعَبَّرِ عنه بعينِ اليقينِ، ثمَّ الارتقاءَ إلى درجةِ التَّوحيدِ وهي حقُّ اليقينِ، وهذا حالُ المؤمنينَ دائمًا في سَعيهم إلى الكمالِ، لأنَّ الإيمانَ ثلاثةُ مَرَاتِبَ: علمُ اليقينِ ثمَّ عينُ اليقينِ ثمَّ حَقُّ اليقينِ وهو النَّعيمُ الأبديُّ لقوله تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ).

وقد بَيَّنَ رسولُ اللهِ (ص) هذا المعنى حين زَعَمَ قَومٌ: شَكَّ إبراهيمُ ولم يَشُكَّ نَبيُّنا، فقال (ص): (نحنُ أَحَقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم)، والنَّبيُّ (ص) لا يقعُ منه الشَّكُّ أبدًا وهو القائل: (لَا أَشُكّ وَلَا أَسْأَل)، فكانَ هذا من قبيلِ افتراضِ ما لا يُمكِنُ وقوعُهُ.

إنَّ اللهَ أرادَ بهذهِ الآيةِ التَّعريفَ بكيفيَّةِ التَّكوينِ الأوَّلِ، وأنَّهُ بعدَ أن كُوِّنَتِ القِوَى قامَ الفِكرُ بالسُّؤالِ: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى) لِتَعرِفَ القِوَى كيفيَّةَ التَّكوينِ، فأجابَهُ الحقُّ بقوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِن)، قال الفكرُ: (بَلَى) إنِّي مؤمنٌ ومُعتَرِفٌ، (وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) على يقينٍ في كيفيَّةِ التَّكوينِ، والمقصودُ بِهِ اطمئنانُ القِوَى، وتبيانًا لِفَضلِ الفكرِ على القِوَى، وتعريفًا للقِوَى بما أَمَدَّها به الفكرُ من النُّورِ الجوهريِّ الذي بِهِ الحياةُ الأبديَّةُ، ولِتَثْبُتَ عندها مَعرفةُ ما أعطاها من السُّموِّ والعظمةِ.

ثم قالَ له: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ)؛ أي أوجدِ الحِسَّ لِيَكونَ مع القِوَى في رُتبَةِ التَّكوينِ، ثم ادْعُ الحِسَّ إلى ما دَعَوتَ القِوَى فإنَّهُ يأتيكَ سَعيًا لِزَامًا غيرَ نَاكِلٍ ولا مُتأخِّرٍ عن إجابةِ الدَّعوةِ، وَسَتَعْلَمُ القِوَى حِينَئذٍ أنَّها كُوِّنَتْ كالحِسِّ، وأنَّها دُعِيَتْ إلى ما دُعِيَ إليهِ الحِسُّ، ولِتَعْلَمَ وتَعرِفَ القِوَى بأنَّ الفِكْرَ مُحييها بالدَّعوةِ ومُمِدُّها بالإرادةِ، فكانَ المقصودُ بالأطيارِ هو الحِسُّ، وهو مرتبطٌ بالطَّبائعِ الأربعةِ لِذَا كان عَدَدُها أربعةً، وقد دُعِيَ الحِسُّ إلى ما دُعِيَتْ إليهِ القِوَى فأجابَ مُسرِعًا بغيرِ شَكٍّ ولا ارتيابٍ ولا تَوَهُّمٍ ولا تَوَقُّفٍ، وإنِّي المُوفِّق لَهُ بِسرعةِ الإجابةِ حتَّى صارَ الحِسُّ في درجةِ القوى ومعَها في المنزلةِ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الخامس والسبعون حول توريث الخطيئة

 

images

السُّؤال الخامسُ والسَّبعون: لولا أنَّ آدمَ أخطأَ وزَلَّ في الجنَّةِ، هل كنَّا خرجنا من الجنَّةِ وهبطنا على الأرضِ؟

 

الجوابُ الخامسُ والسَّبعون بإذنِ الله:

يقول تعالى: (مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).

هذا يعني أنَّ الهدايةَ والضَّلالةَ نابعةٌ من نفسِ الإنسانِ، وليست ميراثًا عن الآباءِ والأجدادِ، فكيف تكونُ ميراثًا عن الأنبياءِ الذين لا يُخطئون، ولو كان ميراثُنا عن الأنبياءِ لَمَا كنَّا قد هَبَطْنا من الجنَّةِ أصلاً.

قد يزعمُ قائلٌ أنَّ اللهَ أخذَ الميثاقَ من سيِّدنا آدمَ (ع) نيابةً عن ذرِّيَّتِهِ مُستَشهدًا بالآيةِ الكريمةِ: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، علمًا أنَّنا أوردنا شرحًا وافيًا حولها في الجوابِ الثَّامنِ والثَّلاثين.

ويزعمُ آخرُ أنَّ النَّبيَّ محمَّد (ص) يشيرُ إلى توريثِ الخطيئةِ بقوله: (نَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وأخطأَ فأًخطأتْ ذُرِّيَّتُهُ)!!!

بالتَّدقيقِ في الآيةِ الكريمةِ نجدُ أنَّ اللهَ تعالى لم يقلُ أنَّ الميثاقَ أُخِذَ من سيِّدنا آدمَ (ع) بالنِّيابةِ عن ذُرِّيَّتِهِ، بلْ إنَّ الذُّرِّيَّةَ كانت موجودةً بالفعلِ وتمَّ إشهادُها على أنفسِها، وهو ما أكدَّهُ سيِّدنا رسولُ اللهِ (ص) حين قال: (يُقَال لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْل النَّار يَوْم الْقِيَامَة: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك مَا عَلَى الْأَرْض مِنْ شَيْء أَكُنْت مُفْتَدِيًا بِهِ؟ قَالَ: “فَيَقُول: نَعَمْ”، فيُقالُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْك أَهْوَن مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِك بِي شَيْئًا فَأَبَيْت إِلَّا أَنْ تُشْرِك بِي).

فالخطيئةُ والجحودُ إذن لا يُورَّثانِ، لكنَّ النَّاسَ يَنسونَ ويَجحدونَ ويُخطِئُونَ لأنَّهم ضعفاءُ كما قالَ تعالى: (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)، وكلُّ إنسانٍ يَتَحمَّلُ خَطأَهُ بنفسِهِ لقوله تعالى: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، وقوله سُبحانه: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، وقوله عزَّ عِزُّهُ: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ).

ومِن الواجبِ ذكرُهُ أنَّ سيِّدنا آدمَ (ع) لم يَخرجْ من الجنَّةِ بسبب الزَّلَّةِ والخطيئةِ، وهو ما شرحناه في الجوابِ الخامسِ عشر، بل لتأديةِ الرِّسالةِ لقولِ الرُّوحِ القُدُسِ ليوسف بن داؤد في الرُّؤيا التي شاهدها لتبرئةِ مريم العذراءَ (ع): (فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ)، وكذلكَ لِتَتمَّ بذلكَ الدَّعوةُ للإيمانِ لكلٍّ من الإنسِ والجِنِّ، لقولِهِ سبحانَهُ: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد