أرشيف الوسم: العلويون

السؤال الثالث والسبعون حول أذية الأنبياء

images

السُّؤال الثَّالثُ والسَّبعون: كيف يمكن أن نفسِّرَ تعرُّضَ الأنبياءِ لأذَى أقوامِهم وهم مَعصومون؟

 

الجوابُ الثَّالثُ والسَّبعون بإذنِ الله:

إن أحدَ أهمِّ اختلافاتِنا العقائديَّةِ مع السُّنَّةِ والشِّيعةِ هو مفهومُ العصمةِ، والدَّرجةُ الرَّفيعةُ التي نصلُ إليها بعيدًا عن بَخْسِ الأنبياءِ حقَّهم في العصمةِ التَّكوينيَّةِ. وجوابًا على هذا السُّؤالِ سأوردُ بعضَ الأمثلةِ:

في قصَّةِ سيِّدنا موسى الكليمِ (ع)، وردَ أنَّ سيِّدنا موسى (ع) كانَ شديدَ الحَياءِ حتَّى لا يَكادَ يُرَى من جِلدِهِ شيءٌ، فَتَكلَّمَ بعضُ المُغرضين من بني إسرائيلَ في حقِّهِ بالبُهتانِ، وفَسَّرُوا حَيَاءَهُ أنَّهُ استِتَارٌ عن مَرَضٍ فيه (بَرَصٍ أو آفةٍ)، فَظَلَّ يَحتَمِلُ الأذى وهو صابرٌ يَدعوهم كما وردَ في الآيةِ: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ).

وقد كان بنو إسرائيلَ شعبًا قُسَاةَ القلوبِ لا يؤمنونَ إلاَّ بما يُعَاينونَ، فَهُم قَومٌ مَادِّيُّونَ يُثبِتونَ أنَّ اللهَ تَعالى أوجَدَ الأشياءَ من شَيءٍ، فَلَولا أنَّهُ شَيءٌ لَمَا استَطاعَ إيجادَ الأشياءِ أبَدًا!!

كيفَ لا وهم الذين رَأَوا الآياتِ العظمى من الحَيَّةِ والبَياضِ وانفلاقِ البحرِ لهم ثمَّ ابْتُلُوا باتِّخاذِهم العجلَ لقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاء مُّبِينٌ)!! ولم يَأخذوا بأمرِ اللهِ بل وَصَلَتْ قَسوَتُهم أن عَلَّقُوا إيمانَهم باللهِ على شرطِ أن يَرَوهُ جَهرَةً فأخَذْتُهُم الصَّاعقةُ وهم يَنظرونَ!

ولم يكتفوا بأذيَّةِ سيِّدنا موسى (ع) بل تابعوا أذيَّتَهم لسيِّدنا المسيح (ع) الذي وبَّخَهم قائلاً: (إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ).

ولكنَّ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا)، إن دَلَّ فإنَّما يَدُلُّ على أنَّ اللهَ تعالى يَعصِمُ أنبياءَهُ وَيُبَرِّئُهُم ممَّا يَفتريهِ عليهم السُّفهاءُ.

 

ولا نَنسى كيفَ أعطى سبحانَهُ القدوةَ للبشريَّةِ في صبرِ سيِّدنا أيُّوب (ع) في قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ).

كما كان بلاءُ سيِّدنا يعقوب (ع) أسوةً وعبرةً للصَّابرينَ بعدَما فَقَدَ أحبَّ أبنائِهِ واحدًا تِلوَ الآخرِ، فَصَبَرَ ولم يَيْأَسْ من رَوحِ اللهِ، ولم يَقُلْ إلاَّ ما يُرضي اللهَ، بل زَادَ تَضَرُّعُهُ إلى رَبِّهِ ورجاءُهُ إيَّاهُ كما وردَ في الآيةِ: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وقد أظهرَ سيِّدُنا يعقوب (ع) العَمَى لِشِدَّةِ بكائِهِ على فراقِهِ لمولانا يوسف (ع) في قوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ثم أظهرَ الإبصارَ حينَ أرسلَ له مولانا يوسف (ع) قميصَهُ لقوله تعالى: (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا).

فاختفاءُ مولانا يوسف (ع) عن ناظرِ سيِّدنا يعقوب (ع) عُبِّرَ عنه بالعَمَى، أمَّا القميصُ فكانَ مثالَ التَّجلي الذي إذا أُلقِيَ على وَجْهِ سيِّدنا يعقوب (ع) أصبحَ مُبصِرًا، فالعَمَى والإبصارُ صِفَتَانِ لسيِّدنا يعقوب (ع)، أمَّا المُسَبِّبُ لهذا العَمَى والإبصارِ فهو مولانا يوسف (ع).

ومِثلُ هذا البلاءِ لنبيِّ اللهِ يعقوب (ع) بمشيئةِ اللهِ ليسَ ذنبًا أو عقوبةً أو انتقاصًا، بل عِبرَةٌ وآيةٌ للمتوسِّمينَ لقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ).

 

ونذكرُ في قصَّةِ سيِّدنا يونس (ع) قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فهل يَعصي سيِّدنا يونس (ع) أمرَ رَبِّهِ؟ وكيفَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ القادرَ على كلِّ شيءٍ لن يَقدرَ عليهِ؟

إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يؤكِّدُ أنَّ سيِّدنا يونسَ (ع) لم يُغاضِبْ رَبَّهُ، إذْ لم يَقُلْ تَعَالى أنَّه ذَهَبَ مُغاضِبًا رَبَّهُ، فَمَن زادَ هذهِ الزِّيادةَ كانَ يكذبُ على اللهِ ويزيدُ في القرآنِ ما ليسَ منهُ، وهذا ما لا يَجوزُ لأنَّه غَاضَبَ قومَهُ، وإنَّ سيِّدنا يونس (ع) لم يَقصدْ بذلكَ إلاَّ رِضَى اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذا هو المعنى الصَّحيح، والذي يَتَّضِحُ جَلِيًّا بِفَهمِ قوله تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) حيث جاءَ رجلٌ فسألَ ابنَ عبَّاس: كيفَ يَظُنُّ نبيُّ اللهِ يونسَ أنَّ اللهَ لن يَقدِرَ عليه؟ فقالَ ابنُ عباس: ليسَ هذا، ألمْ تقرأ قولَ اللهِ تعالى: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)، وهذا يعني أنَّ كلمةَ (نَقدِرَ عليه) لا تُشيرُ إلى معنى الاستطاعةِ، وإنَّما تُشيرُ إلى مَعنى التَّضييقِ، فسيِّدنا يونس (ع) لَمَّا دَعَا قَومَهُ للتَّوحيدِ ونَفَروا منهُ وأذوهُ، تَرَكَهم غَضَبًا للهِ ولم يظنَّ أنَّ اللهَ يحاسِبُهُ ويُضَيِّقُ عليهِ، وقد نَبَّهَ رسولُ اللهِ (ص) إلى هذا الأمرِ وحَذَّرَ مِن أن يُسِيءَ إنسانٌ الظَّنَّ بنبيِّ اللهِ يونسَ (ع) فقالَ (ص): (‏لا يَقولَنَّ أحدُكُم أنَّني خيرٌ من ‏يونسَ)، وهذا من تعظيمِ رسولِ اللهِ (ص) لشأنِ الأنبياءِ ودفاعِهِ عنهم.

وقد تَضَرَّعَ (ع) إلى رَبِّهِ مُنيبًا فقال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فاستجابَ لَهُ رَبُّهُ تعالى وجَعَلَ دُعاءَهُ هذا مأثورًا لِرَفعِ الكَربِ إلى يومِ القيامةِ.

كلُّ هذهِ المواقفِ تُعتَبرُ بَيِّنَةً على براءةِ الأنبياءِ (ع) وَجَاهِهِم وسَلامَتِهِم، لا نَيْلاً من عِصمَتِهِم، عليهم جميعًا الصَّلاةُ والسَّلام.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

السؤال الثاني والسبعون حول آدم الذي سجدت له الملائكة

images

السُّؤال الثَّاني والسَّبعون: هل كانَ آدمُ الذي سَجَدَتْ له الملائكةُ هو أبو البشر؟

 

الجواب الثَّاني والسَّبعون بإذن الله:

ما يَهمُّنا في قصَّةِ سيِّدنا آدم (ع) تلكَ المعاني العظيمةَ التي أرادَ اللهُ الإشارةَ إلى توحيدِهِ من خلالِها، إذْ قالَ تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ).

لقد تمَّ الخلقُ ثمَّ تمَّ التَّصويرُ، ومن ثمَّ أُمِرَ الملائكةُ بالسُّجودِ، فَلِمَنْ يَرمزُ اللهُ بآدمَ؟ أهو بَشَرٌ أم نَبِيٌّ؟ أم هو رمزٌ آخرُ أَجَلُّ وأعلى؟ هل كانَ آدمُ قبلَ الخلقِ موجودًا أم بَعْدَهُ؟ هل كانَ قبلَ الملائكةِ؟

إذا دقَّقنا في آياتِ القرآنِ الكريم التي رَوَتْ قصَّةِ البَدءِ، نلاحظُ أنه لا يوجدُ ترتيبٌ زمنيٌّ بين سيِّدنا آدم (ع) والملائكةِ، فدائمًا تبدأُ الآياتُ بقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، ولكنَّ الآياتِ التي تناولتِ التَّرتيبَ الزَّمنيَّ للخلقِ لم تَذكر اسمَ آدمَ صَراحةٌ، حيث قال تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ)، وقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، ولم ُيذكر هنا الاسمَ الصريحَ لسيِّدنا آدم (ع)، فلماذا كانَ ذلك؟

لاحظوا أنَّ إبليسَ لعنَهُ اللهُ كانَ دائمًا مع الملائكةِ، ولم يكنْ منهم، ولكنَّه كانَ معهم لِيَتَحقَّقَ وجودُ الضِّدَّين: الخيرُ والشَّرُّ، الطَّيِّبُ والخبيثُ، المؤمنُ والكافرُ، المُوحِّدُ والمُشرِكُ….

ولا يمكنُ أن يوجدَ الشَّرُّ من الخيرِ، ولكنَّه يوجدُ معه لِيَتَبيَّنَ الخيرُ من الشَّرِّ، ولا يمكنُ أن يكونَ المشركُ من المُوَحِّدينَ، بل مَعَهُم، أي أنَّهُ يُوجَدُ ليُعرَفَ الموحِّدُ من المشركِ، والمُحِقُّ من المُبطِلِ، وأساسُ هذه المعرفةِ وهذا التَّمييزِ كانَ وجود سيِّدنا آدم (ع)، وسيِّدُنا آدم (ع) مَثَلُ الحَقِّ الذي أُمِرَ الجميعُ بطاعتِهِ، وبما أنَّ الحقَّ ليسَ له بدايةٌ ولا نهاية، فسيِّدُنا آدم (ع) لم يُذكَرْ له بَدءٌ ولا خَلقٌ، فكانَ القولُ الإلهيُّ يوحي دائمًا بأنَّه موجودٌ، لم يُحدِّدْ زمنَ وجودِهِ، أو متَى كانَ وجودُهُ، أو أينَ كانَ وجودُهُ، في السَّماءِ أم في الأرضِ، بل اكتفى بالإشارةِ إلى الأمرِ الإلهيِّ بالسُّجودِ.

 

أخي السَّائل:

سيِّدُنا آدم (ع) لا يدخلُ في النَّصِّ القرآنيِّ في عدادِ المخلوقاتِ، وهنا قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، فالخلقُ من جهةِ الخالقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالنَّفسِ، أي بجوهرِ المخلوقِ، سواءَ كانَ بشرًا أو ملاكًا، أمَّا التَّصويرُ فهو من جهةِ المخلوقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالجسمِ، أي بالأعراضِ والأسماءِ والصِّفاتِ، فهل جسمُ الإنسانِ موجودٌ قبلَ نفسِهِ أم العكسُ؟ وهل هيكلُ الملاكِ موجودٌ قبلَ جوهرِهِ أم العكسُ؟ فالنَّفسُ قبلَ الجسمِ، والجوهرُ قبلَ العَرَضِ، لذلكَ كانَ الخلقُ قبلَ التَّصويرِ.

ثم قالَ: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ). لماذا لم يقلْ: (ثم قلنا لكم) كَتَتابُعٍ لِسِيَاقِ الكلامِ؟ لو قال ذلكَ لَكَانَتِ الآيةُ: (ثُمَّ قُلْنَا لكم اسْجُدُواْ لآدَمَ فسجدتم إلا إبليس) وهذا غيرُ واردٍ، لأنَّ المُخَاطَبَ من بدايةِ الآيةِ كانَ كافَّةَ الخَلقِ، من مؤمنٍ وكافرٍ، وسعيدٍ وشقيٍّ، وطيِّبٍ وخبيثٍ، ولكنْ: ليسَ كلُّ مَن يَسمعِ الأمرَ يُسارِعُ إلى الطَّاعةِ، فالطَّاعةُ محصورةٌ بالملائكةِ، وهم من عِدَادِ المُخاطَبين، وليسوا جميعَ المُخاطَبينَ، فَهُم مَن أقرَّ بالطَّاعةِ والعبادةِ.

وكانَ الأمرُ: (اسجدوا) ولم يكن: (اعبدوا)، وكان الجوابُ: (فسجدوا)، والسُّجودُ هنا سجودُ تكريمٍ وطاعةٍ لا سجودُ عبادةٍ، فلو كانَ آدمُ هنا بشرًا فهل يجوزُ سجودُ الأنوارِ للجسدِ المصنوعِ من الطِّينِ؟ هل يسجدُ النُّورُ للطِّينِ؟ هل يسجدُ الملائكةُ للبشرِ؟ لا.

إذن: سيِّدُنا آدم (ع) أجلُّ من البشرِ ومن الملائكةِ، وتَجِبُ له الطَّاعةُ والتَّكريمُ، لا العبادةُ، فلو جازَتْ له العبادةُ لَكُنَّا قد أشرَكنا آدمَ باللهِ، معاذَ اللهِ، لكنَّ العبادةَ للهِ الذي أظهرَ سيِّدنا آدم (ع) من دونِ سابقِ مَثيلٍ له، أظهرهُ من دونِ أبٍ ولا أمٍّ لِيَدُلَّ على أنَّه القادرُ أن يقولَ للشَّيءِ: (كُنْ فَيَكُون). فسيِّدُنا آدم (ع) هنا إذن ليس مخلوقًا، لكنَّهُ المَثَلُ الذي قَصَدَهُ تعالى في قوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

أمَّا إبليسُ سائسُ أهلِ الشِّركِ والجحودِ (لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ)، ولن يكونَ من السَّاجدين، لأنَّه لا يدخلُ في عِدَادِهم، لكنَّه قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).

لاحظوا مَكرَهُ وكِبْرَهُ وحُمْقَهُ وقِياسَهُ، فاللهُ لم يذكرْ أنَّ سيِّدنا آدم (ع) من طينٍ، ولم يَذكرْ أنَّهُ مَخلوقٌ، لكنَّ إبليسَ ظنَّ بِجَهلِهِ أنَّ اللهَ سبحانه يأمرُهُ بالسُّجودِ للجسدِ الظَّاهرِ، ظَنًّا منه أنَّ هذه الأسماءَ والصِّفاتِ الظَّاهرةَ ماهيَّةٌ للحقيقةِ الباطنةِ، وبقيَ أعوانُهُ وأتباعُهُ على نفسِ النَّهجِ والتَّفكيرِ، يُسَاوونَ بينَ المَثَلِ والمَمثولِ، والصِّفةِ والموصوفِ، والاسمِ والمُسَمَّى، فَضَلُّوا وكانوا من المشركينَ، وهم أتباعُ إبليسَ الذينَ قال تعالى فيهم: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

الروح والنفس والجسم

mini-logo

الروح والنفس والجسم
بقلم الكاتب: بسام جابر أحمد

إنَّ مسألةَ الرُّوحِ والنَّفسِ والجسمِ لم تَحْظَ بسعادةِ الصِّيانةِ عن الأيدي العابثةِ، ونكادُ لا نَعثرُ على إنسانٍ لا رأيَ لَهُ في هذه المسألةِ، وهذا لم يكنْ مجرَّدَ مصادفةٍ، بل هو أمرٌ يَنتهي إلى سببٍ عقائديٍّ.
إنَّ مسألةَ الرُّوحِ والنَّفسِ والجسمِ من المسائلِ التي يَتَعرَّضُ لها كلُّ إنسانٍ، وهي أنَّ الرُّوحَ موجودٌ مَرمُوزٌ غيرُ مَرئِيٍّ، ولِغَايَةٍ ما احْتَجَبَ تحتَ سِتَارِ الجسمِ، وَوُضِعَ على وَجهِها سِتَارُ الجسمِ، وليسَ الجسمُ سوى سِتَارٍ ظاهريٍّ، لكنَّ النَّفسَ هي التي تَقومُ بِتَصرُّفاتٍ ونشاطاتٍ من وراءِ هذا السِّتَارِ الخارجيِّ.
فالنَّفسُ مَسْكَنُ المِحَنِ والبَلايا، والرُّوحُ مَلِكٌ والجسم هو القَصْرُ المَلَكِيُّ، وقد يَهْتَمُ هذا الخيالُ بالقَصْرِ اهتمامًا بَالِغًا بينما يَتْرُكُ الرُّوحَ بدونِ اهتمامٍ، وقد نُقِلَ عن الفيلسوفِ العظيمِ أفلاطون في نظريَّتِهِ قولُهُ: (إنَّ الرُّوحَ جَوهرٌ قَديمٌ موجودٌ قبلَ وجودِ الجسم، يَنزِلُ عن مَقَامِهِ الشَّامِخِ ويَلِجُ في الجسم).
هذهِ هي الفكرةُ القائلةُ بانفصالِ الرُّوحِ عن الجسم جَوهَرِيًّا، وأنَّ علاقةَ أحدِهِما بالآخرِ اعتباريَّةٌ وعَرَضِيَّةٌ، كالَّراكِبِ وما يَركَبُهُ، وتوجدُ بينهما علاقةٌ جوهريَّةٌ وطبيعيَّةٌ تُوَحِّدُهُما في إطارِ جَوهَرٍ مُوَحَّدٍ.
كما جاءَ المعلِّمُ الأوَّلُ أرسططاليس بعدَ الفيلسوفِ العظيمِ أفلاطون بنفسِ نظريَّتِهِ هذهِ تجاهَ الرُّوحِ، فقالَ بانفِصَالِ الشُّؤونِ الرُّوحيَّةِ عن الشُّؤونِ الجسميَّةِ رغمَ وحدةِ الجسمِ والرُّوحِ.
إنَّ المعلِّمَ الأوَّلَ أرسططاليس تَوَجَّهَ إلى إثباتِ الوحدةِ بينَ الرُّوحِ والجسمِ، وعلى هذا بَنَى نظريَّتَهُ المعروفةَ: الصُّورة والمادَّة، بينما الفيلسوفُ العظيمُ أفلاطون قد تَبَنَّى الإثنينيَّةَ والانفصالَ بينهما.
فالمعلِّمُ الأوَّلُ أرسططاليس يَرَى أنَّ العلاقةَ بين الرُّوحِ والجسمِ علاقةُ صورةٍ ومادَّةٍ، فنظريَّةُ الصُّورةِ والمادَّةِ التي أوجَدَها المعلِّمُ الأوَّلُ أرسططاليس نفسُهُ هي أنَّ القوَّةَ العاقلةَ لِكَونِها قوَّةٌ مُجَرَّدَةٌ- صورةٌ- تكونُ مع المادَّةِ لا في المادَّةِ.
إنَّ فلسفةَ المعلِّمِ الأوَّلِ أرسططاليس تَرَى أنَّ الرُّوحَ حَادِثَةٌ، وهي في بدايةِ الأمرِ قوَّةٌ بِحَقٍّ، وتقومُ الرُّوحُ بإيصالِ معلوماتِها من القوَّةِ إلى الفعلِ، أمَّا الاثنينيَّةُ والانفصالُ بينَ الرُّوحِ والجسمِ فَتُوجَدُ في فلسفةِ الفيلسوفِ العظيمِ أفلاطون، ومع ذلكَ فإنَّ هناكَ وِئَامًا واقعيًّا جوهريًّا بين الفلسفتين، تُبيِّنُهُ العلاقةُ الطَّبيعيَّةُ بين الرُّوحِ والجسمِ.
فهناكَ اختلافٌ ومُبَايَنَةٌ بين الرُّوحِ والجسمِ، ولكنَّ هناكَ رابطًا بينهما، فهذانِ المَوجودان المُتَغايرانِ قد وَصَلا إلى ذُروَةِ التَّباينِ ولكنَّهما تَحَقَّقَا في مَوجودٍ مُوَحَّدٍ، ومن هنا تأتي النَّفسِ لتكونَ من الأمورِ الفعليَّةِ، ولتُوضِّحَ العلاقةَ بين الرُّوحِ والجسمِ.
إنَّ البحثَ عن هذهِ المسألةِ خارجٌ عن نطاقِ البشرِ، فالبحثُ في حقيقةِ النَّفسِ والعلاقةِ بينها وبينَ الجسم، لم يصلْ إلى مرحلةٍ حاسمةٍ لِحَدِّ الآنِ، إلاَّ أنَّ الجهدَ المبذولَ في هذهِ المسألةِ من جَميعِ جِهَاتِها، وبالأخصِّ من جهةِ علمِ النَّفسِ والفيزيولوجيا وعلمِ الحياةِ، قد أسفرَ عن نتائجَ مُدهِشَةٍ وعظيمةٍ بالنِّسبةِ للعلاقةِ بينَ الرُّوحِ والجسمِ وماهيَّةِ الرُّوحِ، لا يمكنُ فَهمُها إلاَّ بالعروجِ لمفهومِ النَّفس الذي أوضحَهُ الإسلامُ وفلاسفتُهُ العظماء من العلويِّين.
فقد وردَ في فلسَفَتهم أنَّ العقولَ الفعّالةَ هي كلماتُ الله العُليا، والنّفوسَ المُدبِّرةَ هي كلماتُهُ الوُسطى، والنّفوسَ البشريّةَ هي كلماتهُ الدّنيا، وقد قالَ رسولُ اللهِ (ص): (أعوذُ بكلماتِ اللهِ التّامّاتِ من شرِّ ما خلقَ وذرأَ وبَرأَ) إشارةً إلى العقولِ الفَعَّالَةِ الكاملةِ التَّامَّةِ لا إلى النُّفوسِ والأجرَامِ.
ولنتساءَلَ قليلاً حولَ نشأةِ النَّفسِ، هذه المُعضلةُ التي أربَكَتْ جميعَ النَّاسِ، ولكنْ إذا كانَ الإنسانُ منذُ البدءِ قد سعَى لِوَعي وجودِهِ ومعرفةِ الحقيقةِ التي تُنظِّمُ هذا الوجودَ، وكانت معرفةُ النَّفسِ علَّةَ الوجودِ الإنسانيِّ على كوكبِ الأرضِ، أفلا تكونُ غايةَ هذا الوجودِ والقصدَ منهُ أيضًا، وقد قال أميرُ المؤمنين الإمام علي علينا من ذكره السَّلامُ: (معرفةُ النَّفسِ أنفعُ المَعَارِفِ)؟
إنَّ حكمةَ اللهِ في خلقِ الرُّوحِ سرٌّ غامضٌ، فلا سبيلَ إلى الوقوفِ على حقيقتِها والوصولِ إلى معرفةِ كُنهِها. ولكنَّ لقضيَّةِ الإيجادِ حكمتانِ تَخُصَّانِ الخلقَ فَحَسْب: الأولى: هي نِعمةُ الوجودِ؛ أي نقلُ الخلقِ من حالةِ اللَّاوجوِد أو العدمِ إلى حالةِ الوجودِ. والثَّانيةُ: هي نِعمةُ المعرفةِ؛ أي أنَّ اللهَ خلقَ الخلقَ ليُكرِّمَهم بمعرفةِ تجلّياتهِ سبحانه وتعالى.
فَمَا أكملَ الإنسانَ لو عَرفَ قدرَ نفسِهِ ومَلَكَ أمرَهُ وكَتَمَ سِرَّهُ ولم يتعدَّ طَورَهُ، ولَزِمَ مركزيَّةَ حقيقةِ الاعتدالِ، وتَحَقَّقَ بحقيقةِ الإطلاقِ في الجمعِ والكمالِ، فالخيرُ والشّرُّ حقيقةً راجعانِ إلى وجودِ الخلقِ كما قال تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ).
وقد حصلَ الاختلافُ في معرفةِ أوَّلِ ما يلزمُ الإنسانَ، فقومٌ قالوا: (أوَّلُ ما يَلزَمُ الإنسانَ مَعرفَةُ نَفسِهِ)، وقومٌ قالوا: (أوَّلُ ما يَلزمُ الإنسانَ معرفةُ رَبِّهِ)، مع أنَّهُ ليسَ بين القولَين مُنافاةٌ، لأنَّهم عَنَوا بالأوَّلِ من حيثُ التَّرتيبُ، وبالثَّاني من حيثُ الشَّرفُ والفَضلُ، فمعرفةُ اللهِ جلَّ جلالُهُ أعظمُ الأشياءِ وأجلُّ العلومِ وألطَفُها، وقد قالَ الحكماءُ: (مَن عَرفَ نفسَهُ تَأَلَّهَ)، فالتّوحيدُ يُحقِّقُ أنَّ اللهَ مُبْدِعُ الأحدِ وخالقُ الواحِدِ، فالأحَدُ حَدٌّ من حُدُودِهِ، والواحدُ عَبْدٌ من عَبيدِهِ.
إنَّ معرفةَ النَّفسِ إمَّا مُساويةٌ لمعرفةِ الرّبِّ أو أنَّها مقدِّمةٌ لها بنحوٍ تكون متِّصَلةً، فَمَا لم يَصِلِ الإنسانُ إلى مقامِ معرفةِ النَّفسِ لا يمكنُ أن يَصِلَ إلى مقامِ مَعرفةِ الرَّبِّ الذي هو من مقاماتِ التَّوحيدِ في الرُّبوبيَّةِ.
فمعرفةُ الرَّبِّ مبنيَّةٌ على أساسِ معرفةِ النَّفسِ، ولكنَّ معرفةَ النَّفسِ ليست بهذه السُّهولةِ، والنَّفسُ الإنسانيَّةُ لها مراتبُ لا حَدَّ لها ولا عَدَّ في عالمِ السُّلوكِ.
وقد وردَ عن أميرِ المؤمنين الإمام علي علينا من ذكره السَّلامُ: (المعرفةُ بالنَّفسِ أنفعُ الـمَعْرِفَتَين)، فالـمُرَادُ بالـمَعْرِفَتَين: المعرفةُ بالآياتِ الأنفسيَّةِ والمعرفةُ بالآياتِ الآفاقيَّةِ في قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، وقوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، فالسَّيرُ الأنفُسِيُّ بعدَ السَّيرِ الآفَاقِيِّ، فَمَعرفةُ الآياتِ مُوصِلَةٌ إلى معرفةِ اللهِ، أي أنَّهُ للرِّوايَةِ معنًى آخرَ مُسْتَخْرَجٌ من نتائجِ الأبحاثِ الحقيقيَّةِ في علمِ النَّفسِ، وهو أنَّ النَّظرَ في الآياتِ الآفاقيَّةِ والمعرفةَ الحاصلةَ في ذلكَ نَظَرٌ فِكْرِيٌّ وعِلْمٌ حُصُوليٌّ، أي أنَّ المعرفةَ الـمُتَجِلِّيَةَ هي نَظَرٌ شُهُوديٌّ وَرُؤيةٌ حُضُوريَّةٌ.
ولكنَّ معرفةَ النَّفسِ تَتَحصَّلُ حينَ الوصولِ إلى مقامِ النَّفسِ الـمُطمَئِنَّةِ، وهي قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) وفي هذا المقامِ يأتي قولُ الرَّسولِ (ص): (أعرفُكُم بنفسِهِ أعرفُكُم بربِّهِ).

السؤال الحادي والسبعون حول عيد الغدير

images

السَّؤالُ الحادي والسَّبعون: يُقالُ أنَّ العلويِّينَ يحتفلونَ بيومِ عيد الغديرِ، فما هي رمزيَّةُ هذا اليوم؟

الجوابُ الحادي والسَّبعون بإذنِ اللهِ:
يومُ الغديرِ من أعظمِ الأيَّامِ وأكبرِ الأعيادِ عندَ اللهِ تعالى، لأنَّ فيه تبليغُ الولايةِ وإتمامُ الرِّسالةِ، فقد ذُكِرَ أنَّهُ في حجَّةِ الوداعِ نزلَ قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً)، لأنَّ دينَ اللهِ لا يكتملُ إلاَّ بتبليغِ الولايةِ بعدَ الرِّسالةِ، فالرِّسالةُ لا معنى لوجودِها دونَ جوهرِها، وجوهرُ الرِّسالةِ هو الولايةُ لأنَّها آخِرُ الفَرَائِضِ وَكَمَالُ الدِّينِ، لذلك كانَ إكمالُ الدِّينِ بتبليغِ الولايةِ، وبها تمَّتْ النِّعمةُ الإلهيَّةُ وهي نعمةُ معرفةِ إثباتِ وجودِ الحقِّ المشهودِ، ومَن أنعمَ اللهُ عليهِ بالدِّينِ المُكتَمِلِ والشَّهادةِ التَّامَّةِ رضيَ اللهُ أن يكونَ من أهلِ الإسلامِ، وكلُّ هذا كانَ في يومٍ لا في ليلةٍ، لأنَّ اليومَ يرمزُ إلى الشَّهادةِ المُعلَنَةِ الصَّريحةِ على الملأ.
وقد خطبَ رسولُ اللهِ (ص) في أكثرِ من مئةِ ألفٍ من المسلمينَ وهو راجعٌ من حجَّةِ الوداعِ في مكانٍ يدعى (غدير خُمٍّ) بعدَ أن أنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، وكانَ الصَّحابيُّ الجليلُ عبدُ اللهِ بن مسعود (ع) يقرَؤها: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ في عليٍّ)، وجاءَ الوعدُ بالعصمةِ لأنَّ تبليغَ الولايةِ أصعبُ من تبليغِ الرِّسالةِ، فالرِّسالةُ يتقبَّلُها المسلمونَ، لكنَّ الولايةَ لا يتقبَّلُها إلاَّ المؤمنونَ، لذلكَ نجدُ مَن يتحدَّثُ عن الإسلامُ كُثُرٌ، لكنَّ مَن يدافعُ عن الولايةِ والنَّهجِ الحقِّ قلَّةٌ محارَبَةٌ لكنَّها معصومةٌ من النَّاسِ.
وفي تبليغِهِ قال (ص) للملأ: (أَلَسْتُ أولى بكم من أنفسِكُم)، فقالوا: بلى يا رسول الله. فوضعَ يدَهُ بيدِ مولانا أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرم الله وجهه ورفعَها إلى السَّماءِ وقال: (اللهمَّ وَالِ مَن وَالاهُ, وَعَادِ مَن عَاداهُ, وأَحِبَّ مَن أحبَّهُ, وأبغِضْ مَن أبْغَضَهُ, وانصُرْ مَن نَصَرَهُ, واخْذُلْ مَن خَذَلَهُ, وأدِرِ الحقَّ معَهُ حيثُ دارَ)، فَلَقِيَهُ عمرُ بن الخطَّاب وقالَ: (هنيئًا لك يا ابنَ أبي طالب، أصبحتَ مولايَ وَمَولى كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ).
وجاءَ على لسانِ عمرَ أنَّهُ قالَ للنَّبيِّ (ص): يا رسولَ اللهِ: كانَ في جَنبي شابٌّ حَسَنُ الوجهِ, طيِّبُ الرِّيحِ, فأجابَهُ (ص): (يا عُمَر, لقد عَقَدَ رسولُ اللهِ عَقْدًا لا يَحُلُّهُ إلاَّ منافقٌ)، ثمَّ قالَ رسولُ اللهُ (ص): (يا عُمَر, إنَّه ليسَ مِن وِلْدِ آدمَ, لكنَّهُ جبريلُ أرادَ أن يُؤكِّدَ عليكم ما قُلْتُهُ في عليٍّ).
ومن الجديرِ بالذِّكرِ أنَّ الإمامَ علي كرم الله وجهه تولَّى الخلافةَ في الثامنِ عشرَ من شهرِ ذي الحجَّةِ، فكانَتِ الذِّكرى السَّادسةَ والعشرينَ لواقعةِ الغديرِ.
ويحقُّ لنا كعلويِّينَ مسلمينَ أن نطالبَ دولتَنا بإعلانِ يومِ الغديرِ عيدًا رسميًّا أسوةً ببقيَّةِ الأعيادِ الدِّينيَّةِ والوطنيَّةِ، لأنَّ يومَ الغديرِ كانَ الحدَّ الفاصلِ بينَ بقاءِ الإسلامِ وفناءِ الإسلامِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ.
الدكتور أحمد أديب أحمد

براءة سلمان الفارسي

mini-logo

براءة سلمان الفارسي

بقلم الكاتب: بسام جابر أحمد

منذُ أيَّام وقعَ بين يديَّ مقالٌ يؤذي المشاعرَ لِمَا فيهِ من التَّزويرِ والقوميَّةِ العرجاء التي يفكِّرُ بها البعض، وهو بعنوان: “خيانة سلمان الفارسي”!!

وفحوى المقال أنَّ “حشدًا من المتظاهرينَ الإيرانيِّينَ المحتجِّينَ على تدهورِ الأوضاعِ الاقتصاديَّةِ في إيران، أضرمَ النَّارَ في تمثالِ الفارسيِّ. وانتقدَ بعضُ النَّاشطينَ بشدَّةٍ دورَ الفارسيَّ في تاريخِ إيرانَ، معتبرينَ أنَّه خانَ الفرسَ باتِّباعِهِ الإسلامَ قبل 14 قرنا”!!

هناكَ من يستثمرُ النَّزعاتِ القوميَّةَ والعرقيَّةَ لتشويهِ التَّاريخِ وإحداثِ الفوضى، وهذا أمرٌ لا يمكنُ السُّكوتُ عنه، لأنَّ السُّكوتَ عنه يعني مساهمةً وقبولاً فيه، فلماذا لم تتَّخذِ السُّلطاتُ الدِّينيَّةُ والسِّياسيَّةُ موقفًا في مواجهةِ هذا الحدثِ، الذي لا يخصُّ الشِّيعةَ أو غيرهم، بقدرِ ما يخصُّ الإسلامَ عمومًا لأنَّ سيِّدنا سلمان الفارسي (ع) يُعتَبرُ عمودًا راسخًا من أعمدة الإسلامِ والإنسانيَّةِ جمعاء، رغمًا عن أنوفِ كلِّ الحاسدينَ له، وهو لا يخصُّ الفرسَ وحدَهم بقدرِ ما يخصُّ الإسلامَ والإنسانيَّةَ جمعاء.

حيث وردَ في الرِّواياتِ الصَّادقةِ أنَّ سيِّدنا سلمانَ دخلَ يومًا مجلسَ رسولِ اللهِ (ص)، فإذا هو غاصٌّ بوجوهِ الجُلَساء من قريشَ، فَتَخطَّاهم جميعًا وقعدَ في صدرِ المجلسِ، وتحرَّكتْ الغطرسةُ القريشيَّةُ في النُّفوس، فإذا بعضُهم يقول له: مَن أنتَ حتَّى تتخطَّانا؟ ويقولُ آخر: ما حَسَبُكَ وما نَسَبُكَ؟

فَعَلَتِ الابتسامةُ الطَّريَّةُ بالوداعةِ ثغرَ سلمانَ وقالَ بأناةٍ: (أنا ابنُ الإسلامِ، كنتُ عبدًا فأعتَقَنِي اللهُ بمحمَّدٍ، وَوَضيعًا فَرَفَعَنِي اللهُ بمحمَّدٍ، وفقيرًا فأغناني اللهُ بمحمَّدٍ، فهذا حَسَبِي وهذا نَسَبِي)، فقال سيِّدنا محمَّد (ص): (صَدَقَ سلمانُ، صَدَقَ سلمانُ، صَدَقَ سلمانُ، مَن أرادَ أن ينظرَ إلى رجلٍ نُوِّرَ قلبُهُ بالإيمانِ فَلْيَنظرْ إلى سلمان).

فهذا سيِّدنا سلمان الفارسيُّ الذي لا يمكننا أن نسمحَ لأحدٍ أن يتجرَّأ عليه متمثِّلينَ بدفاعِ نبيِّ الرَّحمةِ عنه، ويكفيه قوله (ص): (أنا سابقُ العربِ إلى الجنَّةِ، وسلمانُ سابقُ الفرسِ إلى الجنَّةِ.. إنَّ الجنَّة لأكثرُ شوقًا إلى سلمانَ من سلمانَ إلى الجنَّةِ، وإنَّ الجنَّةَ لأكثرُ عشقًا لسلمانَ من سلمانَ إلى الجنَّةِ)، وهو الموسومُ بالمحمَّديِّ لقول الإمام الباقر (ع): (قولوا: سلمان المحمَّدي، ذلكَ رجلٌ منَّا أهل البيتِ).

ولكلِّ هذهِ القيمِ والرِّفعةِ التي يتَّصفُ بها كانَ يليقُ به وصفُ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي علينا من ذكرِهِ السّلامُ بقولِهِ: (ذلكَ امرؤٌ منَّا أهل البيتِ، مَن لكم بمثلِ لقمانَ الحكيم، عَلِمَ العلمَ الأوَّلَ والعلمَ الآخرَ، وقرأ الكتابَ الأوَّلَ والكتابَ الآخرَ، وكان بحرًا لا يَنزِفُ).

ومَن كان بهذهِ المنزلةِ لابدَّ أن يعرفَ أنَّ أقوامًا من أصحابِ القوميَّات سيحاولون النَّيلَ من استقامَتِهِ فَرَدَّ عليهم بقوله وكفاهُ ردًّا: (إنَّ النَّسَبَ لا يقدِّسُ أحدًا، إنَّما يقدِّسُ الإنسانَ عملُهُ).