أرشيف الوسم: الغلو

السؤال الثامن والتسعون حول موضوع الرؤية

images

السُّؤال الثَّامنُ والتِّسعون: ماذا تعني رؤية اللهِ التي يتحدَّثُ عنها العلويُّونَ؟

 

الجوابُ الثَّامنُ والتِّسعون بإذنِ اللهِ:

إنَّ موضوعَ الرُّؤيةِ موضوعٌ شائكٌ تاهَ فيهِ البشرُ منذُ بدأتْ الكتبُ السَّماويَّةُ تتحدَّثُ عنهُ، لأنَّ البشرَ الضُّعفاءَ تمسَّكوا بالمحسوسِ وضيَّعوا المعقولَ، فَعَبَدوا الأصنامَ والنَّارَ والكواكبَ والأبشارَ والملائكةَ والرُّسلَ والأنبياءَ، وضيَّعوا الحقَّ.

ومن ثباتِ بطلانِ عقائدِهم المشبِّهةِ أنَّهم عَبَدوا الزَّائلَ وَتَركوا الباقي، وَعَبدوا الآنيَّ وَتَركوا الدَّائمَ، لأنَّ فكرَهم مَحدودٌ قاصرٌ عن فهمِ التَّوحيدِ.

يُمكننا أن نبدأ انطلاقًا من قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (إنَّ اللهَ تَراهُ في مَملكَتِهِ إلى الأبدِ حيث يكونُ قوامُ سعادَتِنا ومَجدِنا).

فهل اللهُ المقصودُ هو المسيحُ ذاتُهُ؟ أو بتعبيرٍ آخر هل هو النَّبيُّ أيًّا كان النَّبيُّ المقصودُ؟

أم هو النُّورُ المتجلِّي لأهلِ البصائرِ يعرفونَهُ بدلائلِهِ وآياتِهِ، لأنَّهم يدركونَ أنَّهم لا يستطيعونَ رؤيةَ اللهِ كما هو بجلالِ عظمَتِهِ لقولِ أميرِ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (الْحَمْدُ لله الَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلاَ تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَلاَ تَرَاهُ النَّوَاظِرُ).

فالرُّؤيةُ تكونُ لنورِ تَجلِّيهِ على قدرِ أهلِ العزمِ والبصيرةِ، فمَن ارتقى في عزمِهِ عاينَ ذلكَ النُّورَ لا كما يعاينُهُ مَن هو أدنى منه، فالكلُّ مشتركونَ برؤيةِ النُّورِ الإلهيِّ لقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، لكنْ كلٌّ يبصرُ من ذلكَ النُّورِ معرفةً حسبَ طاقتِهِ، وهذا النُّورُ هو الآياتُ والدَّلائلُ التي ذكرَها تعالى بقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ)، ولو لم تكنْ رؤيةُ الآياتِ شاملةً لانْتَفَتْ الحجَّةُ على الخَلقِ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (ما عُرِفَ مَحفوظٌ وما جُهلَ منبوذٌ، فإذا شَكَّ المرءُ وارتابَ فيما يَرَى فهو فيما لا يَرَى أَشَكُّ وَأَريبْ).

ومن كلامٍ للإمامِ الرِّضا (ع) في مناظرةٍ جرَتْ بينَهُ وبين عمران الصَّابئ، قال عمران: يا مولاي زِدنِي. فقال له (ع): (إيَّاك وقولَ الجُهَّالِ أهلِ العَمَى والضَّلالِ الذين يَزعمونَ أنَّ اللهَ جَلَّ وَتَقدَّسَ موجودٌ في الآخرةِ للحسابِ والثَّوابِ والعقابِ وليسَ بموجودٍ في الدُّنيا للطَّاعةِ والرَّجاءِ، أوَلَم يَعلمِ الجُهَّالُ أنَّهُ إذا كان أهلاً للوجودِ لِخَلقِهِ في الآخرةِ فهو أهلٌ للوجودِ في الدُّنيا، ولو كانَ في وجودُ اللهِ نقصٌ واهتضامٌ في الدُّنيا لَكَانَ كذلكَ في الآخرةِ ولم يوجدْ سُبحانَهُ، ولكنَّ القومَ تَاهوا وَصُمُّوا وَعُمُوا عن الحقِّ من حيثُ لا يعلمونَ وذلكَ قولُهُ سبحانَهُ وتعالى في كتابِهِ المُنزَلِ على نَبيِّهِ المُرسَلِ (ص): (وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)؛ يعني: أعمى عن الحقائقِ الموجودةِ.

فاستِدْلالُنا يكونُ بهدايةِ العقلِ الذي هو أصلُ كلِّ هُدَى، على أنَّ الذي أظهرَ المعجزاتِ والآياتِ وأخبرَ في كتابِهِ العزيزِ بِعِلمِ ما كانَ وما هو كائنٌ، هو ربُّنا ربُّ الأرضِ والسَّماواتِ، وأنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ إليه دَعَوا وبتوحيدِهِ نَطَقوا، وهو الذي وصفَ نفسَهُ بقولِهِ: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

فالحياةُ دليلُ الوجودِ، وهو ضِدُّ العدمِ، لذلك كانت إشارةُ الأنبياءِ وأصحابِ الشَّرائعِ إلى إلهٍ موجودٍ يعرفونَهُ.

مِن هنا نؤكِّدُ أنَّ الدَّليلَ على وجودِ الإلهِ يبدأُ بكتابِ اللهِ تعالى الذي فيه تبيانُ كل شيءٍ كما في قولِهِ عزَّ وجلَّ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)، إشارةً إلى آياتِهِ التي هي دلائلُ وجودِهِ سبحانَهُ.

وكذلكَ نستدلُّ على وجودِ الإلهِ بأحاديثِ رسولِ الله (ص) وأحاديثِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) الواردةِ عن طريقِ أهلِ الولاءِ من علماءِ نَهجِنا العَلويِّ، ولقد أشارَ أميرُ المؤمنينَ الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بقولِهِ: (فأمَّا أولياءُ الحَقِّ فَضِيَاؤهم فيها اليقينُ، وَدَليلُهُم سَمْتُ الهُدَى، وأمَّا أعْدَاءُ اللهِ فَدُعاؤهُم الضَّلالُ، وَدَليلُهُم العَمَى).

ولابدَّ من حُجَّةِ العقلِ التي قال فيها الإمامُ الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

وهذه الأدلَّةُ مقرونةٌ بحكمِ الضَّرورةِ بالولايةِ الصَّادقةِ لأميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّم اللهُ وجهَهُ لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن أرادَ الحَقَّ فَليَنظُرْ إلى عَلِيٍّ، عَليٌّ مع الحَقِّ حَيثُ كانَ).

وحتَّى ننفي التُّهمةَ الدَّائمةَ بأنَّ العبادةَ لجسدِ عليٍّ، نُورِدُ ما جاء عنه (ص) أنَّه قال يومًا لأصحابِهِ: (إنِّي مؤدبكم بآدابِ اللهِ ورسولِهِ، وهو أنِّي آمُرُكم ألاَّ يقومَ العبدُ إلاَّ لمولاهُ، والولدُ إلاَّ لوالدِهِ، والمتعلِّمُ إلاَّ لـمُعَلِّمِهِ، والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، والصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، واللهُ أمرَنا نحنُ معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ جلَّ اسمُهُ). فأقبلَ أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بعدَ وقتٍ، فلمَّا رآهُ رسولُ اللهِ (ص) قامَ لَهُ وقبَّلَ ما بينَ عينيهِ، فقالَ له أبو دُجانَةَ سمَّاكُ بن خرشنةَ الأنصاري رَضِيَ اللهُ عنهُ: (يا رسولَ اللهِ أنتَ السَّاعةَ تقولُ لنا: إنَّ اللهَ أمرَنا معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ، وأنتَ رَبَّيتَ عليًّا. وقلتَ: لا يقومُ الولدُ إلاَّ لوالدِهِ والمتعلِّمُ إلاَّ لمعلِّمِهِ والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، وأنت أعلمُ من عليٍّ، وعليٌّ عَلِمَ منكَ. وقلتَ: لا يقوم الصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، وقد رأيناكَ قُمتَ لِعَلِيٍّ وأنتَ أكبرُ منهُ؟)؛ وطبعاً كانَ هذا السُّؤالُ تعليمًا كي لا نقعَ بالغلوِّ الذي وقعَ بهِ السُّنَّةُ والشِّيعةُ حينَ أسقطوا الرَّسولَ والأئمَّةَ (ع) من مقامِهم النُّورانيِّ وجعلوهم واقعينَ تحتَ الجسمانيَّةِ البشريَّةِ، وكانَ أبو دجانة يسألُ لِيُعلِّمنا أنَّ هذه التَّساؤلاتِ قد تصدرُ على سبيلِ القياسِ والتَّحيُّرِ عندما يتمُّ أخذُ الأحكامِ بشكلِها الحسِّيِّ الماديِّ، فكانَ جوابُ رسولِ اللهِ (ص) للدَّلالةِ على أنَّ الأمورَ لا تُقاسُ بالمقاييسِ الضَّيِّقةِ: (أنا قمتُ للنُّورِ الذي بين عَينيهِ)، وهذا النُّورُ هو نورُ الولايةِ التي جعلَها اللهُ شرطَ الإيمانِ في قوله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً)، فالولايةُ للهِ الحقِّ، ولكنْ لابدَّ للمؤمنِ من سبيلٍ لبلوغِها، فكانَ هذا السَّبيلُ هو النُّورُ الذي بين عيني أميرِ المؤمنينَ لقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

فرسولُ اللهِ (ص) رأى ذلكَ النُّورَ لا كما رآهُ أبو دجانة، ولا كما نراهُ نحنُ، فكلٌّ يبصِرُ من النُّورِ على حسبِ استطاعتِهِ، والإبصارُ هنا دليلُ المعرفةِ، لأنَّ الكافرينَ لا يبصرونَ رغمَ أنَّهم يرونَه أمامَهم إلاَّ أنهم كما قال تعالى: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال التسعون حول نفي التجسيم

images

السُّؤالُ التِّسعون: هل تقصدُ النُّصيريَّةُ بتجلِّي اللهِ نزولَهُ في الأجسامِ؟

الجوابُ التِّسعون بإذنِ اللهِ:
إنَّ عقيدَتنا العلويَّةَ النُّصيريَّةَ الحقَّةَ حُورِبَتْ عبرَ العصورِ لأنَّها كانَتِ الرَّائدةَ في مواجهةِ أهلِ التَّجسيمِ والتَّعطيلِ، وبما أنَّ الأسئلةَ المشكِّكَةَ لا تَنتهي، فإنَّنا ملتزمونَ بالإجابةِ بشكلٍّ دوريٍّ عليها لإيضاحِ الحقيقةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الصَّافيةِ.
لقد اختلطَ الأمرُ على السُّنَّةِ والشِّيعةِ فاتَّهمونا بأنَّ تجلِّي اللهِ عندَنا يعني حلولَهُ في الأجسامِ!! وهذا محالٌ. لكنَّ السَّطحيَّةَ التي اعتادَوا عليها في تناولِ الأمورِ الدِّينيَّةِ جَعَلَتهم لا يفقهونَ معنى التَّجلِّي، ولا يفهمونَ دلالاتِ السُّورِ العظيمةَ في القرآنِ الكريمِ، وكأنَّما وقعَ عليهم قولُهُ تعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون).
إنَّ التَّجلِّي في فكرنا العلويِّ النُّصيريِّ هو للبُرهانِ على وجودِ الحقِّ تَعَالى من خلالِ الدَّليلِ العقليِّ والدَّليلِ الحسِّيِّ، وهكذا فإنَّ الدَّليلَ العقليَّ والدَّليلَ الحسِّيَّ يبرهِنانِ على وجودِ الحقِّ تعالى في حالِ التَّجلِّي لأهلِ العقلِ وأهلِ الحسِّ.
فالحقُّ تعالى لمَّا شاءَ تَكوينَ الشَّيءِ كوَّنَهُ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، ثمَّ أرادَ الخلقَ فكانَ أمرُهُ مُطاعًا لقوله تعالى: (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ)، ثمَّ تَجَلَّى بنفسِهِ لأهلِ العقلِ ولأهلِ الحسِّ بدليلِ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ)، عِلمًا أنَّه في حَقيقتِهِ لا يقعُ تحتَ العقلِ ولا الحسِّ، وهنا نؤكِّدُ على كلمةِ (بنفسِهِ) حتَّى لا يظنَّ القارئُ أنَّهُ تجلَّى بغيرِهِ فيقعَ في الحلولِ والتَّجسيمِ، والدَّليلُ على ذلكَ قوله تعالى: (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، فالتَّجلِّي إذنْ ليسَ حلولاً ولا تجسيمًا، إنمَّا هو دليلُ الوجودِ لقوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ).
ونحنُ نُقِرُّ بوجودِ الحقِّ تَعَالى ونُصرِّحُ بالألفاظِ مع عِلْمِنا بقصورِها لقولِ الإمامِ علي زينِ العابدين (ع): (إلهي لولا الواجبُ من قبولِ أمرِكَ لنزَّهْتُكَ عن ذكري إيَّاكَ، على أنَّ ذكري لكَ بقدري لا بقدرِكَ، وما عسَى أن يبلغَ مِقداري حتَّى أُجعَلَ مَحَلاًّ لِتَقديسِكَ، وَمِن أعظمِ النِّعَمِ علينا جريانُ ذِكْرِكَ على ألسِنَتِنا)، فمعرفَتُنا لوجودِ الحقِّ وإفرادُنا لذاتِهِ عن كلِّ صِفَةٍ مُدرَكَةٍ وَجِهَةٍ مَحدودةٍ، تَجعلُنا نُخرِجُهُ عن الحَدَّينِ؛ حَدِّ التَّشبيهِ بِخَلقِهِ وحَدِّ الإنكارِ لِوجودِهِ، تَعَالى اللهُ عن حَدِّ التَّشبيهِ وَحَدِّ التَّعطيلِ، لأنَّ مَن لم يُخرِجْهُ عن الحَدَّينِ يكونُ قد أدرَكَهُ وَحَصَرَهُ وشَبَّهَهُ بِخَلقِهِ لا مَحالَةَ، فهل يُعقَلُ أنَّ اللهَ إذا أَنْعَمَ علينا بنعمةِ معرفةِ وجودِهِ أن نَجعلَهُ من جنسِ خَلقِهِ ونُشبِّهَهُ بهم ونَحصُرَهُ في الأجسامِ معاذَ اللهِ!!؟
نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ نُنَزِّهُ الحقَّ تعالى في مُواجهَتِنا لأهلِ التَّجسيمِ، وقد وردَ عن الفيلسوفِ العارفِ ابنِ شُعبةَ الحرَّانيِّ قوله: (معرفةُ اللهِ في الأبدانِ كَعِبَادَةِ الأوثانِ). فَلمَّا وَصَمَهُ أهلُ التَّجسيمِ بالأمِّ والأبِ والأولادِ نزَّهناهُ كما نَزَّهَ نفسَهُ بقوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، ولمَّا وَصَمُوهُ بالزَّوجةِ نزَّهناهُ كما قال في كتابِهِ: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً)، ولمَّا جَعَلوا له شريكًا نزَّهناهُ كما قالَ في كتابِهِ: (لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
فلا يقعُ تحتَ التَّجسيمِ مَن كانَ ولا مكانَ ولا دهرَ ولا زمانَ ولا سكونَ ولا حركةَ ولا جوهرَ ولا عرضَ ولا حسَّ ولا جنسَ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لا يُوصَفُ بزمانٍ ولا مكانٍ ولا حركةٍ ولا سكونٍ، بل هو مُوجِدُ الزَّمانِ والمكانِ والحركةِ والسُّكونِ، تَعَالى اللهُ عمَّا يَقولون علوًّا كبيرًا).
ولا يقعُ تحتَ الحصرِ مَن لا يَسَعُهُ مكانٌ ولا يَحصُرُهُ زمانٌ ولا يَختَلِجُ بالأوهامِ ولا تُحَصِّلُهُ معرفةُ الأفهامِ، وقد سُئلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): هل يجوزُ أن نقولَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ في مكانٍ؟ فقال (ع): (سُبحانَ اللهِ وتَعَالى عن ذلكَ، إنَّه لو كانَ في مكانٍ لَكَانَ مُحْدَثًا، لأنَّ الكائنَ في مكانٍ محتاجٌ إلى المكانِ، والاحتياجُ من صِفَاتِ المُحدَثِ لا مِن صِفَاتِ القَديمِ).
ولا يقعُ تحتَ الإدراكِ مَن لا يَقَعُ عليهِ اسمُ شَيءٍ وليسَ لَهُ شَبيهٌ ولا نَظيرٌ ولا مَثيلٌ ولا عَديلٌ، حيث سُئلَ رسولُ اللهِ (ص): ما رأسُ العلمِ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: (معرفةُ اللهِ حَقَّ مَعرفتِهِ). قيل: وما مَعرفةُ اللهِ حَقَّ مَعرفتِهِ؟ قال (ص): (تَعرِفهُ بلا مَثَلٍ ولا شَبَهٍ ولا نِدٍّ، وأنَّهُ واحدٌ أَحَدٌ ظاهرٌ باطنٌ أوَّلٌ آخِرٌ لا كُفوَ له ولا نظيرَ فَذلكَ حقُّ مَعرفَتِهِ).
فسبحانَ اللهِ الذي سَمَا عن مَبلَغِ أقوالِ الواصفين، وَعَلا عن نُطقِ أفواهِ العالِمِين، وَخَفِيَ عن أبصارِ النَّاظرين، فليسَتِ الأبصارُ له بِلاحِظَةٍ، ولا العيونُ له بِرَامِقَةٍ، أعظمُ وأَجَلُّ وأكبرُ مِن أيِّ دَليلٍ عقليٍّ أو حسِّيٍّ يَدلُّ إثباتًا على وجودِهِ، لا يُوصَفُ بِمَوصوفٍ ولا يُقاسُ بالحروفِ، ولا يَعلمُ ما هوْ إلاَّ هوْ، ليسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ، ولا حَدٌّ فَتُضرَبُ بِهِ الأمثالُ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثالث والثمانون حول الفرق بين الطائفة العلوية والطائفة السنية

images

السُّؤالُ الثَّالثُ والثَّمانون: ما هو الفرقُ بين الطَّائفةِ العلويَّةِ والطَّائفةِ السُّــنِّـيَّـةِ؟ ولماذا أنتم مُغالونَ بِعَلي؟ وماذا يُمَثِّلُ لكم محمَّد (ص) مُقارنةً به؟

الجوابُ الثَّالثُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:
إنَّ الفرقَ الجوهريَّ فيما بَيننا أنَّنا كعلويِّينَ تَمَسَّكْنا بالعِتْرَةِ وأنتم تَمَسَّكْتُم بالصَّحابةِ، والمقصودُ بالعِترَةِ هم أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ والحسنُ والحسينُ والتِّسعَةُ من بَعدِ الحسين إماماً بعد إمامٍ حتَّى مَجيءِ المهديِّ الـمُنتَظَرِ (ع) امتثالاً لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (إنِّي مُخلِفٌ فيكُم كتابُ الله ِوعترَتي أهل بيتي، ما إنْ تَمَسَّكتُم بهِ لن تَضلُّوا). فَمَا يُمَيِّزُنا عن السُّنَّةِ أنَّنا نُقِرُّ بِمَبدأ الولايةِ للأئمَّةِ المعصومين (ع)، وهذا الفرقُ الجوهريُّ يَتَفرَّعُ عنهُ فُروقٌ كثيرةٌ كأحقِّيَّةِ الخلافةِ وانتخابِ الصَّحابةِ بين مَيَامِينَ ومُخالِفِين، عَدَا عن أنَّنا نأخذُ عُلومَنا الفقهيَّةَ من مدرسةِ الإمامِ جعفر الصَّادقِ (ع)، بينما يأخذُ السُّنَّةُ علومَهُم من اجتهاداتِ تلاميذِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) في مَذَاهِبِهم الأربعةِ، ومَن يَرتَوي من النَّبعِ لا يَرتوي من السَّواقي.
ولمَّا ثَبَتَ أنَّ السُّنَّةَ الـمُنخَنِقَةَ كما الشِّيعةُ الـمُقَصِّرةُ لهم طـريقُ الغُلُوِّ وأساسُهُ، ثبتَت بَراءَتُنا من الغُلُوِّ، وَقَد حَذَّرَ سيِّدُنا محمَّد بن نُصَير (ع) من الغُلُوِّ في قوله: (لقد قَرَنَ اللهُ سبحانَهُ هذهِ الأسماءَ بِنَفسِهِ ولم يَقرنْها بِغيرِهِ فقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ، وقال تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ).
فالغلوُّ خطأٌ في الاعتقادِ، وهو إثباتُ التَّجسيمِ والتَّركيبِ لذاتِ الإلَهِ عزَّ شَأنُهُ. هذا يَعني أنَّه إفرَاطٌ وَتَفريطٌ؛ ولا يُرَى المؤمنُ مُفرِطًا ولا مُفَرِّطًا، فَعَقِيدَتنا الصَّحيحةُ ليست غُلُوًّا ولا تَسْفِيهًا، بل هي وَسَطيَّةٌ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا).
ونحنُ لا نُنقِصُ من شأنِ أميرِ المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لِمَقامٍ دونَ الوصايَةِ، ولا نَرفَعُ الأنبياءَ والرُّسلَ لِمَقامِ الألوهيَّة، والدَّليلُ في قولَهُ تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). فإذا كانَ القرآنُ الكريمُ قد صَرَّحَ بالرِّسالةِ والنُّبوَّةِ لسَيِّدِنا محمَّد (ص)، وأنَّهُ خاتمُ الأنبياءِ، وبأنَّ الولايةَ أعلى من الرِّسَالةِ لقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ)، فقدَّمَ الولايةَ على الرِّسالةِ. فهل مِن أحَدٍ يَجرؤُ على تكذيبِ القرآنِ الكريمِ؟
إنَّ تَنزيهَنا للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسُلِ (ع) عن الخطأ والنِّسـيانِ والضَّعفِ والعجزِ هو الذي دَعَا كُلاًّ من السُّنَّةِ الـمُنخَنِقَةِ والشِّيعةِ الـمُقَصِّرَةِ إلى اتِّهامِنا بالغُلُوِّ!! فإذا كان هؤلاء يُجيزُونَ الضَّعفَ والعجزَ للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ فنحنُ لا نُجيزُ ذلكَ، لأنَّ ذلكَ يَتنافَى مع العقلِ والدِّينِ، بل نحن نستندُ لقوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ)، وقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) حين سـئلَ: الإمامُ يموتُ؟ فقالَ (ع): (المؤمنُ لا يموتُ، والإيمانُ لا يموتُ، فكيفَ يموتُ الإمامُ؟!!)، وفي هذا القولِ ردٌّ كافٍ على مَن خالفَ مبدأ الحقِّ.
ولا بدَّ من التنويهِ إلى أنَّ المغالينَ زَعَمُوا أنَّ للباري ماهِيَّةً ولكن لا تُدرك، وهؤلاء انطبقَ عليهم قوله تعالى: (إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شـيئًا)، فَمَهما تَعَدَّدَتِ الطـُّرقُ وتنوَّعَتْ، سَواءَ كانت حِسِّـيَّةً مَاديَّةً أو مَعنويَّةً عقليَّةً، فإنَّها جسورٌ ومعابرُ للاستدلالِ فقط.
فالتَّعريفُ الصَّحيحُ للغلوِّ هو رفعُ المخلوقِ وَجَعلُهُ ذاتًا للخالقِ، وهو القولُ بأنَّ الخالقَ عينُ المخلوقِ والرَّبَّ عينُ المربوبِ والكلَّ واحدٌ، ونحنُ من الغلوِّ براءٌ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

موقفنا من أبي الخطَّاب

hesham

موقفنا من أبي الخطَّاب

بقلم الباحث الديني هشام أحمد صقر

بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ واختلافِ الأمَّةِ ظهرَ من الكُتَّابِ مَن أفسدَ وفَرَّقَ بين المسلمين وبَثَّ روحَ الكراهيَّةِ والأحقادِ، قسَّمَ المجتمعَ إلى أتباعِ أشخاصٍ، وقد قلبوا بتقسيماتِهم الحقَّ باطلاً والباطلَ حقًّا، وكانت غايتُهُم ذَمَّ مَن كان مقرَّبًا من الأئمَّةِ المعصومين (ع)، وحمدَ مَن كان من عامَّةِ صحابَتِهم، تمامًا كما حصلَ مع أصحابِ رسولِ الله (ص) المقرَّبين والعامَّةِ.
وقد برز منهم سعد الأشعري القمي في كتابَيهِ (الردُّ على الغلاة) و(المقالات والفِرَق)، والشهرستاني في كتابه (الملل والنِّحل)، والغضائري في كتابه (مجمع الرجال)، والنجاشـي في كتابه (رجال النجاشـي)، والطوسي شـيخ الطائفة الشيعية في كتابه (الغيبة)، والكشـي في كتابِهِ (اختيار معرفة الرجال)، وأورَدُوا في كتبِهم القميئةِ فتنًا وإساءةً لسادةِ القومِ دون أيِّ إثباتٍ، ومن هؤلاء السَّادة سيِّدنا أبي الخطَّاب محمد بن أبي زينب الكاهلي الذي اتَّهموهُ حسب زعمهم “بتأليهِ الإمامِ الصَّادقِ (ع)، واعتبارِ طينَتِهِ من طينةٍ أخرى غيرِ طينةِ البشرِ، وأنَّ الأئمَّةَ (ع) كانوا أنبياء وأنَّ الحسنَ والحسينَ وأولادَهما أبناءُ اللهِ وأحباؤهُ، وأنَّهُ وأتباعَهُ أخرجوا الإمامة عن أولاد علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في أعصارِ زعمائهم، ما دَعَا الإمامَ الصَّادقَ (ع) إلى التَّبرُّؤ منه وأمرِ أصحابِهِ بالبراءةِ منه”!! إلى غير ذلكَ من الافتراءاتِ التي لا يصدِّقُها إلاَّ كلُّ مفتونٍ مغبون.

فَمِمَّا رواهُ سيِّدنا الحسينُ بن حمدانَ الخصيبيُّ (ع) في كتابِ الهدايةِ الكبرى عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) قوله: (أبو الخطاب عَيْبَةُ عِلمِنا وموضعُ سِرِّنَا، وهو الأمينُ على أخبارِنا).
هذه المكانةُ الرَّفيعةُ التي نالَها سيِّدنا أبو الخطَّاب أثارَتْ حقدَ وحسدَ المنافقينَ الذينَ لم ينالوا هذه المكانةَ كزرارة بن أعين وأبو بصير الثقفي وأبو بكر الحضرمي ومحمد بن أبي يعفور ومحمد بن مسلم الثقفي وعامر بن جذاعة وكثير بياع النوى وبُرَيد العِجلي وحجر بن زائدة، الذين انطبق عليهم قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً)، فأثاروا حولَهُ شبهاتٍ وأكاذيبَ لفَّقوها فاعتُقِلَ في دارٍ تدعى دارَ الرِّزقِ في الكوفةِ، فزارَهُ آنذاك سيِّدنا المفضَّل بن عمر وأصحابُهُ، وكان وقتَها من المقرَّبينَ للإمامِ الصَّادق (ع)، ودخلوا عليه فوجدوهُ ساجداً يدعو.

إلاَّ أنَّ كلَّ هذا الإيمانِ والتَّوحيد زادَ حَسَدَهم وأحقادَهم فأكثروا في لعنِهِ في المجتمعِ لتنفيرِ النَّاسِ منه وتأليبِهم عليه، فقد حَسَدُوهُ على نعمةِ اللهِ عليهِ وكانوا فيهِ كما قال الله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، فجاءَ أصحابُ الإمامِ الصَّادقِ (ع) فحذَّرهم من الانجرارِ وراءَ لعنِهِ لأنَّهُ انجرارٌ وراءَ الحاسدِ له زرارةَ وأتباعُهُ، وهم مقصِّرو الشِّيعةِ الذينَ أظهروا ولايةَ أهلِ البيتِ وأساؤوا للصَّحابةِ الميامين، وزُرَارَة معروفٌ بِقِلَّةِ أدبِهِ وكذبِهِ على لسانِ الإمام واختلافه مع خواصِّ الإمام كهشام بن الحكم وحمران بن أعين والمفضل بن عمر (ع).

السؤال الخامس والستون حول ميلاد المسيح

images

السُّؤال الخامس والسِّتُّون: هل ينظرُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لميلادِ السَّيِّدِ المسيحِ (ع) كما تنظرُ إليهِ المذاهبُ الأخرى؟ أم كما ينظرُ إليهِ المسيحيُّونَ أنفسُهم؟

 

الجوابُ الخامسُ والسِّتُّونَ بإذنِ اللهِ:

لابدَّ في البدايةِ من الإشارةِ إلى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) سُمِّيَ مسيحًا كما وردَ عن الموالي (ع) لأنَّ في كلِّ شيءٍ منه مسحةً، وليسَ فيه مسحةً من غيرِهِ، وقيلَ أنَّهُ سُمِّيَ مسيحًا لأنَّه كان يمسحُ كلَّ ذي عاهةٍ بيدِهِ فيبرأَ، وقيلَ أنَّهُ كان ممسوحًا ليسَ لهُ ما للرِّجالِ ولا ما للنِّساءِ، لأنَّهُ لاهوتٌ ماثلَ النَّاسوتيِّين كأمثالِهم ليفهموا عنه، وكلُّ ذلكَ لإثباتِ الحجَّةِ عليهم، فقد مَسَحَ العالمَ بأسماءٍ وهيئاتٍ ومسحَ نفسَهُ باسمٍ وهيئةٍ لتَقْرُبَ الصُّورَةُ من الصُّورةِ فلذلك سُمِّيَ مسيحًا.

نحن العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لا نجسِّدُ سيِّدنا المسيح (ع) بشرًا فنوقعُ عليه الولادةَ البشريَّةَ كما تفعلُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ، بل نرفعُهُ كما أمرنا (ع) بقوله: (مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي). كذلك لا نجسِّدُ الإلهَ الآبَ فنساويهِ بالمألوهِ الابنِ كما يفعلُ النَّصارى، بل ندركُ منزلةَ الابنِ الأعظم من بارئِهِ الآبِ الوهَّابِ، وما خَصَّهُ به من قدرتِهِ لقوله (ع): (الحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ، إِنْ عَلِمْتُمْ هَذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ).

إنَّ الابنَ في نهجنا العلويِّ النُّصيريِّ غيرُ الآبِ، كما أنَّ الرَّسولَ غيرُ المرسِلِ، فالابنُ ليسَ هو الآبُ بذاتِهِ، بل إنَّ الابنَ له آبٌ أوجدَهُ ومُرسِلٌ أرسلَهُ ومكوِّنٌ كوَّنَهُ، وهذا يعني أنَّ الابنَ ليسَ هو الإلهُ المعبودُ، بل هو عبدُهُ ونبيُّهُ ورسولُهُ الذي أرسلَهُ بالهدى ودينِ الحقِّ إلى أهلِ الحقِّ والجحودِ لقوله (ع): (الكلامُ الذي تسمعونَهُ ليسَ لي بل للآبِ الذي أرسلَني).

ولطالَما صرَّح سيِّدنا المسيحُ (ع) وشَهِدَ أنَّهُ رسولُهُ وعبدُهُ المُفتَقِرُ إليهِ، وأنَّه إلهُهُ الذي يدعوهُ وَيَتضرَّعُ إليهِ ويُناجيهِ لِكَشفِ ضُرِّهِ، وينتصرُ به على أعدائِهِ في مَلمَّاتِهِ، كما في قوله تعالى على لسان المسيح: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)، وقوله عزَّ وجلَّ: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)، وكذلك ما جاء في الإنجيلِ على لسانِ سيِّدنا المسيح (ع): (الذي يؤمنُ بي ليسَ يؤمنُ بي بلْ بالذي أرسلَني).

وقد أوضحَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) خطأ مَن اعتقدَ أنَّ الابنَ إلهٌ كالآبِ، علمًا أنَّ المشبِّهينَ اعتقدوا بذلك تقليدًا ولم يتفقَّهُوا فيهِ من أهلِ العلمِ، فمَن زعمَ أنَّ الابنَ والآبَ جوهرٌ واحدٌ وقالَ بإلهينِ اثنينِ، فقد جعلَهُما قديمينِ وهذا ممَّا لا تقبلُهُ العقولُ، لقوله تعالى: (وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ)، فمنَ الشِّركِ أن يُساوى الابنُ بالآبِ، والعبدُ بالمولى، والمألوهُ بالإلهِ، وهذا ما نهى عنه تعالى بقوله: (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)، حتى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) أشارَ لذلكَ قائلاً: (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ)، فمَن لم يُخلِّصِ الابنَ من الآبِ لم يعبدْ شيئًا.

كما جاءَ في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ) نهيٌ للمؤمنينَ أن يُساووا بين الابنِ والآبِ، وهو الغلوُّ في الابنِ لأنَّه قد اشتبَهَ على المشبِّهين قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (كلُّ مَن رَآني فقد رَأى اللهَ)، لذلك قال عزَّ وجلَّ: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)؛ أي كفرَ من قالَ إنَّ الآبَ هو الابنُ، وهذا ليسَ إسقاطًا لمنزلةِ الابنِ لقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) أن تجعلوهُ مخلوقًا يجري عليه ما يجري على المخلوقين، لذلك لا نقولُ إنَّ الابنَ مخلوقٌ إجلالاً وإعظاماً، ولكنْ نقول إنَّ الآبَ فوقَهُ، وهو معنى قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أنا والأبُ واحدٌ… وهو أعظمُ من الكلِّ).

فالآبُ أحدٌ فوقَ كل شيءٍ ولا شيءَ معه، أبدعَ الابنَ وهو المسيحُ (ع) عبدُهُ القائمُ بقسطِهِ، وأجرى على يدِهِ الخلقَ والرِّزقَ والحياةَ لقوله تعالى على لسانه: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

ولابدَّ للمؤمنِ أن يعرفَ أنَّ طريقَ الوصولِ للمسيحِ (ع) لا يكونُ إلاَّ من خلال روحِ القُدُسِ الذي خاطبَ مريمَ العذراءَ وبشَّرَها كما جاءَ في الآيةِ: (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، وكذلك جاءَ في الإنجيل الخطابُ لها: (اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ) وهذا دليلٌ على أنَّ معرفةَ الابنِ لا يُدخَلُ إليها إلاَّ من معرفةِ روحِ القُدُسِ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ)، فالأجلانِ في التأويلِ هما روحُ القُدُسُ والابنُ، ومثالُهُما تبشيرُ سيِّدنا يوحنَّا المعمدان بظهورِ المخلِّصِ سيِّدنا المسيح (ع)، فإذا قُضِيَ هذان الأجلانِ فلا عدوانَ: أي ليس فوقَهُما إلاَّ الآبُ، وهو الغايةُ لمن أرادَ النَّجاةَ.

ومَن أرادَ النَّجاةَ تمسَّكَ بالعروةِ الوثقى التي هي ولايةُ الوصيِّ، ومن تخلَّفَ عن هذه الولايةِ كانَ من أهلِ الباطلِ لقولِ الإمامِ جعفر الصادق (ع): (لقد ارتقيتُم إلى درجةٍ ما فوقَها مرقاةٌ، ما بعدَ معرفةِ اللهِ ورسولِهِ إلاَّ الباطلُ فماذا تطلبونَ؟)، دليلاً على أنَّ جميعَ الأنبياءِ أشاروا إلى الأوصياءِ، فسيِّدنا عيسى اعترفَ لوصيِّهِ شمعون الصَّفا وهو المكنَّى (بطرس) بقوله: (أنتَ صَخْرَتي وعليكَ أَبنِي كَنيسَتِي)، فأقرَّ أنَّه الملتجأُ إليهِ والموثوقُ بِهِ، كما سيِّدُنا محمَّد (ص) أشارَ إلى وصيِّهِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، وأعلنَ وصرَّحَ بأنَّهُ الوليُّ بقوله: (أينَ مُنجِزُ وعدي؟ أينَ قاضي ديني؟ أين مُفَرِّجُ الهمِّ عني؟ أين عليٌّ وصيِّي؟)، فنسألُ الله أن يثبِّتنا على هذه الولايةِ ويجعلنا من السَّالكين على سبيل النَّجاةِ إلى أبدِ الآبدين.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد