أرشيف الوسم: الغلو

السؤال العاشر بعد المئة حول تحطيم جناحي النملة الشيعية

images

السُّؤالُ العاشرُ بعدَ المئةِ: هل قرأتَ كتابَ (جناحا النَّملةِ) للكاتبِ الشِّيعي (عبد الله الجعفري) الذي يتهجَّمُ فيهِ على سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ (ع)؟ وكيفَ نردُّ عليه؟

الجوابُ العاشرُ بعدَ المئةِ بإذن اللهِ:
ما زالَ دأبُ مشائخِ الفِرَقِ الأخرى هو النَّيلُ من فِرقَتِنا العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الخصيبيَّةِ التي لم يُنصِفْها التَّاريخُ ولن يُنصِفَها طالَما هناكَ إجماعٌ من مشائخِ الفِرَقِ الأخرى على تكفيرِها!!
أطَلَّ علينا في الآونةِ الأخيرةِ أحدُ مشائخِ الشِّيعةِ المِهذارِ (عبد اللهِ الجَعفري)، ليحاولَ النَّيلَ منَّا بكتابٍ مسمومٍ أسماهُ (جناحا النَّملة) فيهِ من التَّخبُّطِ والغباءِ الفكريِّ ما يكفي للتَّعبيرِ عن الحقدِ الشِّيعيِّ الدَّفينِ تجاهَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الخصيبيَّةِ التي لم تحملْ يومًا لواءَ العداءِ والتَّكفيرِ لأحدٍ.
لكنَّنا اليومَ مُلزَمونَ بالدِّفاعِ عن نَهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ لأنَّ هذا هو الجهادُ الذي أُمِرنا به في رَدِّ كيدِ الكائدينَ وحقدِ الحاقدينَ وإيضاحِ صورةِ الحقِّ لأهلِ اليقينِ، وإعلاءِ كلمتِهِ تعالى شاءَ مَن شاءَ وأبى مَن أبى.

لقد كتبتُ كثيرًا في هذا الإطارِ، ولكنَّني سأفنِّدُ افتراءاتِ هذا الكاتبِ المِهذار علينا علَّها تُبيِّنُ مدى الحقدِ الذي يحملُهُ لنا أولئكَ في صدورِهم دونَ أيِّ مُبرِّرٍ، حيثُ يتَّهمنا هذا المِهذار بما وقعَ به بنفسِهِ عندما يقولُ مُستَهزِئًا: (أنا على ثقةٍ من علمٍ وتجربةٍ أنَّ هؤلاء النُّصيريَّةِ لا يهتمُّونَ بالشَّواهدِ الصَّريحةِ لأنَّهم رَضِعوا حليبَ التَّأويلِ الفوضويِّ من اليَناعِ!! وهم يُوافقونَ على وصفِ القرآنِ بالإفكِ والأساطير!! ويزوِّرونَ الوقائعَ ويقلبونَ الحقائقَ ويحرِّفونَ الكلامَ!! ويزعمونَ أنَّ ما جرى في عهدِ الرَّسولِ والإمامِ تراجيديا وحبكةٌ تمثيليَّةٌ!! وهم يزعمونَ أنَّ النَّبيَّ مسحورٌ)!!
مَن الذي يُؤَوِّلُ بشكلٍ فوضويِّ وبدونِ شواهدَ صريحةٍ: أنتَ أم نحنُ أيُّها المأبونُ المأفونُ؟
انظرْ إلى روايتكم الـمَحبوكةِ تَمثيليًّا في كتابكم (الأصول السِّتَّةَ عشر): (إنَّ اللهَ ينزلُ في يومِ عرفةَ في أوَّلِ الزَّوالِ إلى الأرضِ على جَمَلٍ أفرَقٍ يُصَالُ بِفَخديهِ أهلَ عرفاتَ يمينًا وشمالاً!!)، وهي غيضٌ من فيَضِ افتراءاتِكم وأساطيرِكُم واشتباهاتِكم. وسأعرضُ ردًّا على كتابِكَ السَّقطِ بعضَ شَواهِدِنا الصَّريحةِ التي تُحَطِّمُ جناحَي النَّملةِ الشِّيعيَّةِ التي اخْتَلَقْتَها في مَزَاعِمِكَ الخبيثةِ الكاذبةِ:

1- يقولُ في معرضِ حديثِهِ مُستهزئًا بها: (هل يجوزُ التَّعاملُ مع التَّوحيدِ على أنَّهُ أوجُهٌ؟ وكلُّ مؤمنٍ يستطيعُ أن يختارَ الوجهَ الذي يُناسِبُ عقلَهُ)!!؟
إنَّهُ يحاولُ أن يُوهِمَ القارئَ أنَّنا لا نعتمدُ على كتابِ اللهِ ولا كلامِ أهلِ العصمةِ!! وأنَّ كلاًّ منَّا يفهمُ التَّوحيدَ كما يحلو له ويناسبُ عقلَهُ!! فما هذا الغباءُ في طَرحِ التُّهمةِ وكأنَّهُ يعيشُ في قفصِ حقدِهِ الأرعَنِ. ألم يسمعْ هذا المخبولُ أنَّ هناكَ وجوهًا عامَّةً وخاصَّةً نأخذُ بها جميعًا لقولِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع): (إنَّ كتابَ اللهِ على أربعةِ وجوهٍ: العبارةُ والإشارةُ واللَّطائفُ والحقائقُ: فالعبارةُ للعَوَامِّ والإشارةُ للخَوَاصِّ واللَّطائفُ للأولياءِ والحقائقُ للأنبياءِ).

2- يقولُ في كتابِهِ مُتَّهِمًا إيَّانا: (هناكَ عليٌّ ظاهرٌ هو علي بن أبي طالب بصفاتِهِ الجسميَّةِ المعروفةِ، وهناكَ عليٌّ باطنٌ هو اللهُ تعالى، وأنَّ عليًّا الظَّاهرَ مجرَّدُ إمامٍ واللهُ هو عليُّ الباطنُ)!!؟
ما هذا الإسفافُ الذي يَتَقَوَّلُهُ هذا المِهذار؟ يخجلُ الأولادُ الصِّغارُ أن يُفكِّروا بهذهِ الطَّريقةِ، ولا يوجدُ علويٌّ نُصيريٌّ خصيبيٌّ على وجهِ الأرضِ يقولُ هذه العباراتِ أو يعتقدُ بها أو يقسمُ ذاتَ اللهِ إلى قسمَينِ (إمامٍ وإلهٍ!!).
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
نحن ندحضُ افتراءَ هؤلاءِ المفترينَ بقولِ رسولِ اللهِ (ص): (كنتُ أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ، يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النورُ ويقدِّسُهُ قبل أن يخلقَ اللهُ آدمَ بألفِ عامٍ)، فالذَّاتُ الإلهيَّةُ لا يكمنُ بداخلِها شيءٌ ولا يخرجُ منها شيءٌ، وهذا التَّبعيضُ لا نؤمنُ به إطلاقًا امتثالاً لقولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (ليسَ في الأشياءِ بوالجٍ ولا عنها بخارجٍ) نفيًا للحلولِ والتَّبعيضِ.
فهناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ إجلالِ وتعظيمِ أميرِ المؤمنينَ الإمام علي (م) لِمَا يمتلكُهُ في وجودِهِ من الصِّفاتِ الكماليَّةِ، وبين تجسيدِ الألوهيَّةِ في جسمٍ بشريٍّ كما يلصقونَ بنا زورًا!! فمَن ذا الذي يقدر أن يبلغُ شأنَ أميرِ المؤمنين الإمام علي (م) وهو الذي قال فيه رسولُ اللهِ (ص): (عليٌّ بابُ علمي، ومبيِّنٌ لأمَّتي ما أُرسِلتُ به من بعدي، حبُّهُ إيمانٌ وبغضُهُ نفاقٌ)، كما قال له (ص): (أنت الصِّدِّيقُ الأكبرُ، وأنتَ الفاروقُ الأعظمُ الذي يفرِّقُ بين الحقِّ والباطلِ)، أفَبَعدَ هذا شكٌّ في المقامِ الرَّفيعِ لأمير المؤمنين الإمام علي (م)!؟
لكن أن نُتَّهمَ بتجسيدِ الألوهيَّةِ في جسمٍ عليٍّ البَشَريَّ فهذا منافٍ للتَّوحيدِ لأنَّنا في نهجِنا العلويِّ لَسنا معطِّلينَ نَنفي وجودَ الإلهِ، ولا مجسِّمينَ نجسِّدُ الإلهَ في جسمٍ، بل موحِّدينَ يَقينًا لقولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (مَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ وَرَجِعَ بنفي فذلكَ معطِّلٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بصورةٍ فذلك مُجسِّمٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بحيرةٍ فذلكَ مُوحِّدٌ).

3- يحاولُ هذا المِهذار أن يَنسُبَ لنا أنَّنا نسعى للتَّرويجِ لوجودِ غلوٌّ محمودٍ، لِنُبَرِّرَ- حسبَ زعمِهِ- غلوَّنا بالإمامِ عليِّ (م) ناسبًا زورًا لسيِّدنا الخصيبيِّ (ع) أنَّهُ قال: (هناكَ غلوٌّ محمودٌ ومذمومٌ)!! وهو يبرِّرُ هذا بأنَّهُ لا يمكنُ تصوُّرُ وجودُ غرورٍ محمودٍ وظلمٍ محمودٍ وفاحشةٍ محمودةٍ وعقوقٍ محمودٍ وسُحتٍ محمودٍ وشركٍ محمود!!
يبدو أنَّ حقدَهُ لم يُنقِذْهُ من الغرقِ في أوهامٍ اختلَقَها لِيَرُدَّ عليها، فهل من عاقلٍ علويٍّ نُصيريٍّ خصيبيٍّ يعتقدُ بوجودِ فاحشةٍ محمودةٍ أو عقوقٍ محمودٍ أو سُحتٍ محمودٍ أو شركٍ محمودٍ حتَّى يكونَ هناكَ غلوٌّ محمودٌ!!؟
إنَّ هذا المِهذار يحاولُ أن يُبرِّرَ الغلوَّ المحمودَ بتفسيرِهِ الواهي لقولِ مولانا الإمامِ علي (م): (هَلَكَ فيَّ رجلان: مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ) ليقولَ في تفسيرِهِ السَّخيفِ: (الغلوُّ المحمودُ هو المبالَغَةُ في حبِّ أميرِ المؤمنينَ، والمذمومُ بمعنى التأليهِ)!!
ويتَّضِحُ غلوُّ الشِّيعةِ في الإمامِ علي (م) من خلال قولِ المِهذار عبد الله الجعفري نفسِهِ: (إنَّ الإمامَ علي له قَدْرٌ، وهذا القدرُ هو حدودُ البشريَّةِ من ولادةٍ ونموٍّ وزيادةٍ ونُقصانٍ ومرضٍ وشهوةٍ وحاجةٍ للغذاءِ وحاجةٍ لإطراحِ الفَضَلاتِ ثمَّ الموتِ أخيرًا!! كلُّ هذا عَرَضَ للإمامِ حقيقةً كما يعرضُ لنا تمامًا)!!
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
كم هو غَريبٌ أن نُتَّهمَ كعلويِّينَ نُصيريِّينَ بالغُلُوِّ لإقرارِنا بما جاءَ في كتابِ اللهِ من عصمةٍ مطلقةٍ تكوينيَّةٍ للأنبياءِ والرُّسلِ، في الوقتِ الذي يَتَسابقُ فيه كثيرٌ من علماءِ الشِّيعةِ لتطبيقِ مفاهيمِ الغلوِّ الحقيقيِّ في معتقداتِهم بقصدَ حَصرَ الإمام عليٍّ (م) بالحدودِ البشريَّةِ القاصِرَةِ الضَّعيفةِ. فَمِنْ مَصَاديقِ الغلوِّ أن يجعلوا الأنبياءَ والرُّسُلَ والأئمَّةَ والبشرَ شركاءَ للهِ في كلِّ شيءٍ ثم يُفرِّطوا بهم إلى درجةِ البشريَّةِ المساويةِ لنا، وكأنَّ اللهَ تعالى حَلَّ فيهم أو اتَّحَدَ بهم لِحِينٍ ثم أعادَهم إلى بشريَّتِهم بازدواجيَّةٍ فكريَّةٍ وانفصامٍ اعتقاديٍّ غريبٍ، وهذا ما لا يمكن أن يَتَفَوَّهَ به المسلمُ العلويُّ النُّصيريُّ قطُّ..
كلُّ هذا الانحرافِ والغلوِّ الذي اتَّصفَ به كثيرٌ من أصحابِ هذه المغالاةِ جعلَهم يُمَوِّهُونَ أنفسَهم بالافتراءِ علينا وَمُحارَبَتِنا في الماضي والحاضر، لأنَّنا رَفَضْنا أن نُسايرَهم أو نُسَاوِمَهم على عقيدةِ الإسلامِ الحقَّةِ وَعِصْمَةِ الأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسُلِ (ع) فقط دونَ غيرهم.
نحنُ- كعلويِّينَ نُصيريِّينَ- لا يُمكننا أن نُقيِّمَ الإمامَ علي (م) من هذه المناظيرِ التي تسلبُهُ حقَّهُ، لأنَّنا نعتمدُ على النَّصِّ الذي كرَّمَهُ وأعطاهُ المقامَ الذي يجبُ أن نعرفَهُ فيه، فهو الوليُّ في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ). وهو الإمام المُبينُ في قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقولِهِ: (إنَّ عليًّا الإمام الذي أحصى اللهُ تباركَ وتعالى فيهِ علمَ كلِّ شيءٍ). وهو الكتابُ في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقولِهِ: (الكتابُ أميرُ المؤمنينَ لا شَكَّ فيهِ هدًى للمتَّقين). وهو بابُ مدينةِ العلمِ التي لا يُؤتى إليها إلاَّ من البابِ في قولِ رسولِ اللهِ (ص): (أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها). وهو ميزانُ الحقِّ الذي حدَّدُ رسولُ اللهِ (ص) بقوله: (عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ يَدورُ مَعَهُ حيثُما دارَ). وهو الذي كانَ محمَّدٌ (ص) الأقربَ إليهِ بقوله (ص): (أنا من عليٍّ وعليٌّ منِّي، وعليٌّ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بَعدي). ومع ذلكَ فلا يَســتوي مع الرَّســولِ (ص) في درجةٍ واحدةٍ أو مقامٍ واحدٍ، فـمقامُـهُ من محمَّد (ص) كمقامِ شمعون الصَّفا (م) من المسيح (ع) الذي قال له: (أنتَ الصَّخرةُ وعليكَ أَبني كَنيستي). ومَن كان بهذه الصِّفاتِ الاستثنائيَّةِ لا يمكنُ أن يكونَ مساويًا لبقيَّةِ البشرِ بل هو نورٌ لقول رسول اللهِ (ص) المُسنَدِ لسلمان الفارسي (ع) الذي قال: (سمعتُ حبيبي محمَّد يقول: كنت أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النُّورُ ويقدِّسُهُ قبلَ أن يخلقَ آدمَ بأربعةَ عشرَ ألف عامٍ، فلمَّا خلقَ آدمَ أودَعَ ذلكَ النُّورَ في صُلبِهِ، فلم يزلْ أنا وعلي في شيءٍ واحدٍ حتى افترقنا في صلبِ عبدِ المطَّلبِ، ففيَّ النُّبوَّةُ وفي عليٍّ الإمامةُ).

4- يستنكرُ علينا هذا المِهذار قولَنا بعصمةِ الأنبياءِ التَّكوينيَّةِ مُحتجًّا بقولهِ تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) قائلاً: (إنَّ هذا القولَ صريحٌ في المعصيةِ والغوايةِ الـمُستَتبَعَةِ عنها!! وإنَّ يوسفَ ليس إلاَّ رجلاً في دمِهِ هرمونُ الذُّكورَةِ كما هو شأنُ سائرِ الرِّجالِ!!)، فيا وَيحَهُ ما أقذّرَ تفكيرَهُ.
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
إنَّ نبيَّنا آدمَ الجليلَ المعصومَ (ع) لا يخطئُ ولا يعصي ربَّهُ وهو الذي سجدَتْ له الملائكةُ سجودَ طاعةٍ لأنَّهُ أعلى منها قَدْرًا ورتبةً، وهو المذكور في قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، وقوله: (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ). أمَّا آدمُ العاصي الذَّميمُ (لع) فهو الذي عَصَى رَبَّهُ وتَجبَّرَ وتكبَّرَ واتَّبعَ الشَّيطانَ، وهو المذكورُ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).
أمَّا فيما يتعلَّقُ بمولانا الوصيِّ يوسف (م) فاللهُ تعالى رَفَعَهُ عمَّا يقولُ الـمُغالونَ الـمُسقِطونَ لقَدْرِهِ إلى بشريَّتِهم الجسمانيَّةِ فقال تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، ولم يقلْ: رجولةً وفحولةً!! والدليل على رفعَتِهِ وولايَتِهِ التَّكوينيَّةِ قولُ نسوَةِ مصر: (حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) ليأتي هذا المِهذارُ فيزعمَ بجهلِهِ أنَّهُ رجلٌ كسائرِ الرِّجالِ!!

5- يَتوهُ هذا المِهذار في معرضِ كتابِهِ فيقعُ في شَرِّ أفكارِهِ عندما يتساءَلُ أيُّهما أسبَقُ في الوجودِ؟ فيُجيبُ نفسَهُ بقولِهِ الـمَفتونِ: (البشريَّةُ قبلَ النُّورانيَّةِ والجسدُ قبلَ الرُّوحِ!!)، مُؤَوِّلاً حسبَ رأيهِ السَّخيفِ قوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)!!
ما هذا الغباءُ الـمُستَفحِلُ في نفسِهِ الخبيثةِ؟
كيفَ يقولُ أنَّ البشريَّةَ قبلَ النُّورانيَّةِ واللهُ تعالى قد أكَّدَ وجودَ النُّورانيَّةِ- وهي عالمُ الملائكةِ- قبلَ البشرِيَّةِ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ)؟ ألم يقرأ قولَ رسولِ اللهِ (ص): (أوَّلُ ما خُلِقَ نُورِي، ثم فُتقَتْ منهُ أنوارُ أهلِ بيتي، فلم نَزَلْ نتردَّدُ في النُّورِ حتَّى وصَلْنا حجابَ العظمةِ في ثمانينَ ألفِ سنةٍ، ثم خلقَ الظِّلالَ من أنوارِنا)؟ أَلَمْ يقرأَ أنَّ رسولَ اللهِ (ص) كانَ قبلَ أن يخلقَ اللهُ آدمَ (ع) بدليلِ قوله (ص): (كنتُ أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ، يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النورُ ويقدِّسُهُ قبل أن يخلقَ اللهُ آدمَ بألفِ عامٍ)؟
وكيفَ يزعمُ أنَّ الجسدَ قبلَ الرُّوحِ وقد أوضحَ تعالى أنَّ الرُّوحَ أسبقُ في قوله: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، وقوله سبحانه في سورة مريم: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)؟ ألم يقرأ قولَ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (خَلَقَ اللهُ الرُّوحَ بلا بَدَنٍ)؟ هل يُدرِكُ هذا الـمُشرِكُ الرُّوحَ كما يُدرِكُ الجسدَ مخالفًا قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)؟

6- يفتري علينا هذا المِهذار حينَ يقول: (إنَّ هؤلاء النُّصيريَّةِ يُشبهونَ الوهَّابيَّةَ في معتقداتِهم)!!
سنثبتُ بالشَّواهدِ والأدلَّةِ ما يُثبِتُ التقاءَ الشِّيعةِ مع الوهابيَّةِ في عددٍ من النَّقاطِ:
إنَّ تَجسيمَ الإلهِ عندَ ابن تيميَّة في أقوالِهِ الـمَشبوهَةِ: (إنَّ اللهَ يجلسُ على العرشِ، وقد أخلى مكانًا يَقعدُ فيه معهُ رسولُ اللهِ… إنَّ محمَّدًا يُجلِسُهُ ربُّهُ على العرشِ معهُ… إذا جلسَ اللهُ على الكرسيِّ سُمِعَ له أطيطٌ كأطيطِ الرَّحلِ الجديدِ!!)، وعندَ تلميذِهِ ابنِ القيِّمِ الجوزيَّة في قولِهِ الـمَشبوهِ: (إن اللهَ يُجْلِسُ رسولَهُ معهُ على العرشِ.. ولا تُنكِرُوا أنَّهُ قاعدٌ ولا تُنكِرُوا أنه يُقعِدُهُ!!)، يتوافقُ مع تَجسيمِ الإلهِ عندَ الشِّيعةِ في كُتُبِهم المأثورةِ، كأقوالِ ميرزا محمَّد تقي الـمَشبوهِ: (إنَّ اللهَ تعالى يَزورُ الحسينَ ويُصافِحُهُ ويقعدُ معهُ على سريرٍ… يَزورُهم الرَّبُّ تعالى ويُصافِحُهم ويَقعدونَ معه على سريرٍ واحدٍ لاتِّحَادِ حُكْمِ العبوديَّةِ مع حُكْمِ الرُّبوبيَّةِ!!)، وقولِ صدرِ الدِّين الشِّيرازي الـمَشبوهِ: (النَّارُ لا تزالُ متألِّمَةً لِمَا فيها من النَّقصِ وعدمِ الامتلاءِ حتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ قَدَمَهُ فيها، وهي إحدى تينكَ القدمَين المَذكورَتَين في الكرسيِّ!!)، وقولِ الطباطبائي الـمَشبوهِ: (إنَّ اللهَ وَضَعَ القدمَ على النَّارِ!!).
نحنُ نردُّ عليهم بقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) الصَّريحِ بقوله: (إنَّ الغُلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، وبقولِ سيِّدنا الخصيبيِّ (ع) في مواجهةِ شُبهَةِ التَّجسيمِ: (وَلا تَجَسَّمَ في جِسمٍ أحاطَ بِهِ… جَلَّ المُهَيمِنُ عَن تَحديدِ ذي حَدَدِ)، فاللهُ تعالى لا يمكنُ أن يكونَ جسمًا لقول الإمام الصَّادق (ع): (إنَّ الجسمَ مَحدودٌ مُتَنَاهٍ، وهو مُجَسِّمُ الأجسامِ).
إلاَّ أنَّ الخلافَ الوحيدَ بين الوهابيَّةِ والشِّيعةِ هو على الرَّبِّ الذي يتوجَّهونَ إليهِ بالعبادةِ، فابنُ تيميَّةَ ومَن تَبِعَهُ من الوهَّابيَّةِ كانوا على مذهبِ الفرقةِ اليزيديَّةِ الـمُغالِيَةِ برَبِّهم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (لع) الذي أشارَ إليه ابنُ تيميَّةَ بقولِهِ المَشبوهِ: (إنَّ النَّبيَّ يذكرُ أنَّهُ رأى ربَّهُ في صورةِ شابٍّ مُوفرٍ رِجلاهُ في خضرٍ علَيه نَعْلانِ مِن ذهب على وجْهِهِ فِراشٌ مِن ذهَب).
في الوقتِ الذي خالَفَهم دُعاةُ المذهبِ الشِّيعيِّ الذينَ زَعَموا أنَّ الإمامَ الحسينَ (ع) يملكُ طَبيعَتِينِ: الأولى نورانيَّةٌ قبلَ الخلقِ عندما يَرفعونَه إلى مقامِ صاحبِ الملكوتِ الأعلى، والثَّانيةُ بشريَّةٌ بعدَ الخلقِ عندما يُخضِعونَهُ لطبيعةٍ بشـــريَّةٍ ضعيفةٍ تجعلُهُ واقعًا تحتَ الذَّبحِ كما أوقعَ النَّصــارى سيِّدنا المسيحَ (ع) تحتَ الصَّلبِ، وهذا طعنٌ بِعِصـمَتِهما، وعليهم وَقَعَ قولُ رسولِ اللهِ (ص): (ما عَرَفَ اللهَ مَن شبَّهَهُ بالخَلقِ، ولا وحَّدَهُ مَن نَسَبَ إليهِ ذنوبَ العبادِ).
ولذلكَ فإنَّنا- كعلويِّينَ نُصيريِّينَ خصيبيِّينَ- عندما نقولُ: (لَسنا فرعًا من الشِّيعةِ) لا نقصدُ أنَّنا غيرُ موالينَ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) كما يُحَوِّرُ كلامَنا بعضُ المِهذارينَ والـمُقَصِّرينَ، بل نقصدُ أنَّنا لسنا على المذهبِ الشِّيعيِّ الـمُبتَدَعِ، وقد فرَّق سيِّدُنا الخَصيبيُّ (ع) بيننا وبينهم فقال: (فَلَشَتَّانَ بينَ مَن عَرَفَ الحَقَّ.. ومَن كانَ جَاهِلاً بالأمورِ)، فالجاهلونَ بالأمورِ هُم الشِّيعةُ الـمُقَصِّرَةُ الذين ذكرَهُم بقوله: (وَبَاكٍ يَبكِي على رَبِّهِ.. لَسْتُ بحَمْدِ اللهِ مِن حِزْبهِ.. يَبكِي على الـمَقتولِ في كَرْبَلا.. لا خَفَّفَ الرَّحْمَنُ عن كَربِهِ.. مُعتَذِرًا من سُوءِ أفعَالِهِ.. وَعُذرُهُ أعظمُ من ذَنبِهِ).

وبالنتيجةِ: هل يكونُ المِهذار عبد الله الجعفري إلاَّ كأسلافِهِ من أمثالِ القمِّيِّ والطُّوسيِّ والكشِّيِّ والحلِّيِّ والشَّهرستاني والأشعريِّ والنَّجاشيِّ والطبريِّ والنُّوبختيِّ وابن الغضائريِّ والمفيدِ وأقرانِهَ اليومَ من أمثالِ عبد الحليمِ الغِزِّيِّ وياسر الحبيب وكمالِ الحيدريِّ وياسر العودة وعلي الكوراني العامليِّ وأحمد فوزي الـمٌلقَّبِ بالإمامي أسألُ اللهَ أن يُبرِّئنا منكم إلى يومِ القيامةِ والدِّينِ.

وفي الختامِ لا يَسَعُني إلاَّ القولُ:
عندما ينظرُ الجاهلُ إلى جوهرةٍ يستخفُّ بها لأنَّ عقلَهُ لا يحملُها، ويبدأ بانتقادِ إشعاعِها لأنَّهُ لا يستطيعُ أن يُقَدِّرَهُ فيزعمُ أنَّهُ يُحرِقُ العَينَينِ.

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال المئة حول نظرية الشرك الشيئية

images

السُّؤالُ المئةُ: اللهُ تعالى وَصَفَ نفسَهُ بالشَّيءِ، وبنفسِ الوقتِ نزَّهَ نفسَهُ عن الشَّيئيَّةِ. فما تأويلُ ذلكَ؟

الجوابُ المئةُ بإذنِ اللهِ:
يقول تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
إنَّ محاولاتِ تحريفِ الكتبِ السَّماويَّةِ والأحاديثِ النَّبويَّةِ وأحاديثِ الأئمَّةِ (ع) لم تتوقَّفْ يومًا، بل تَعَدَّى الأمرُ ذلكَ إلى تحريفِ أقوالِ السَّادةِ الثِّقاةِ الذين قالوا عن الحقِّ: (لا يُقال له شَيءٌ، ولا يُمَثَّلُ به شَيءٌ، ولا تُضرَبُ له الأمثالُ، ولا بهِ)، فجُعلَتْ بعد التَّحريفِ: (لا يُقِلُّهُ شيءٌ)، لتكونَ حُجَّةً لجعلِ الشَّيءِ ماهيَّةً للحقِّ عزَّ وَجَلَّ!!
وقد احتجَّ أصحابُ نظريَّةِ الشِّركِ الشَّيئيَّةِ بقوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، فهل هذا القولُ يُثبِتُ ماهيَّةَ الشَّيءِ على اللهِ وهو القائل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)؟ فلماذا لم يقل: (شَيْءٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وكلامُ القرآنِ دقيقٌ جدًّا؟
مِن هذهِ الآيةِ يمكنُ استنباطُ العبارةِ التَّوحيديَّةِ: (هو شـيءٌ لا كالأشياءِ)، ولها تأويلٌ توحيديٌّ يَتمثَّلُ بقولنا: (شيءٌ) إثباتًا للوجودِ وإسقاطًا لحَدِّ الإنكارِ والعدمِ، لئلاَّ يَحْتَجَّ أهلُ العدَمِ بالتَّوهُّمِ، ولفظُ (الشَّيء) هنا يُطلَقُ مَجَازًا لا حقيقةً لقولِ الإمام الرِّضا (ع): (قد يُطلَقُ على الحقِّ تعالى اسمُ الجوهرِ والجسمِ والذَّاتِ والشَّيءِ، وكلُّ ذلكَ على سبيلِ المَجَازِ والتَّقليدِ، لا على سبيلِ التَّوحيدِ والتَّجريدِ).
ولكنْ حتَّى لا يتبادرَ لِذِهنِ المريدينَ التَّشبيهُ نقولُ: (لا كالأشياءِ) تنزيهًا عن أقوالِ أهلِ التَّشبيهِ. فَعِبَارَةُ (شيء لا كالأشياء) توحيدٌ خالصٌ، وإسقاطٌ لِحَدَّي الإنكارِ والتَّشبيهِ.
ولو كانَ الشَّيءُ ماهيَّةً للهِ لكانَتْ كلُّ الأشياءِ مخلوقةً من هذا الشَّيءِ، وهذا يخالفُ قولَ الإمامِ الباقرِ (ع): (إنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ لا مِنْ شَيءٍ، فَمَن زَعَمَ أنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ مِن شَيءٍ فقد كَفَرَ)، فهل الخالقُ كالمخلوقِ؟ وهل القديمُ كالـمُحدَثِ؟ وهل الرَّبُّ كالـمَربوبِ؟
أليسَ إثباتُ ماهيَّةِ الشَّيءِ للهِ هو تشبيهٌ لَهُ بالشَّيءِ، وكلُّ شيءٍ مخلوقٌ لا محالةَ، والإمامُ الصَّادقُ (ع) يقولُ: (مَن زعمَ أنَّ اللهَ في شيءٍ أو من شيءٍ أو على شيءٍ فقد أشركَ، ولو كانَ اللهُ عزَّ وجلَّ على شيءٍ لكانَ محمولاً، ولو كانَ اللهُ في شيءٍ لكانَ محصورًا، ولو كانَ اللهُ من شيءٍ لكانَ مُحدَثًا)، فهل يجوزُ أن يكونَ اللهُ مخلوقًا واللهُ يقولُ: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)!؟ فالشَّيءُ دائمًا مخلوقٌ.
حتَّى أنَّ كلَّ المقارناتِ بالأشياءِ خاطئةٌ وتشبيهيَّةٌ حيثُ قالَ رجلٌ بحضرةِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): اللهُ أكبرُ، فقالَ (ع): مِن أيِّ شَيءٍ؟ فقال الرَّجل: مِن كلِّ شَيءٍ. فقالَ (ع): لقد حَدَّدْتَهُ. فقال الرَّجلُ: ما أقولُ يا مولاي؟ فقال (ع): (قُلْ: اللهُ أكبرُ مِن أن يُوصَفَ).
فالإمامُ الصَّادقُ (ع) رَفَضَ أن يكونَ قولُ الرَّجلِ: اللهُ أكبرُ من كلِّ شَيءٍ كَيلا يَقرنَهُ ويُشبِّهَهُ بالأشياءِ، فكيفَ نُثبِتُ عليهِ إذن ماهيَّةَ الشَّيءِ وقد قال (ع): (إنَّ اللهَ لا يُشبِهُ شَيئًا ولا يُشبِهُهُ شيءٌ، وكلُّ ما وَقَعَ في الوهمِ فهو بِخِلافِهِ) تنزيهًا له عن الشَّيئيَّةِ.
فإذا احتجَّ أصحابُ نظريَّةِ الشِّركِ الشَّيئيَّةِ ليقولوا لنا: كيف نَعرفُهُ إن لم يكنٍ شيئًا؟ نُذكِّرُهم بالقولِ المأثورِ عن علمائِنا: (لا يُعرَفُ الشَّيءُ إلاَّ بِما فَوقَهُ، أرفَعُ ما فينا العَقلُ، والحقُّ تَعالى فَوقَ العَقلِ)، وهذا يعني كما قالَ أميرُ المؤمنين الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (به يُعرَف العقلُ لا بالعقلِ يُعرَفُ)، وهذا قول صريحٌ على أنَّ الشَّيءَ هو العقلُ، والحقُّ تعالى فَوقَهُ.
وإن قالوا: إذا نَفَينا عنه اسمَ شيءٍ فقد دخلَ في بابِ العَدَمِ!! نردُّ عليهم بأنَّ هذا القولَ لا يُلزِمُنا لأنَّنا نعتقدُ بالوجودِ وَنَنفي عنه الأعراضَ الـمُحدَثَةَ، وفي الحقيقةِ لا يَجوزُ أن يُقالَ له شيءٌ أو جسمٌ، لأنَّ الشَّيءَ فيه ضَعفٌ من خمسةِ أوجهٍ لأنَّه عَرَضٌ، والعَرَضُ لا يقومُ بِنَفسِهِ.
وإن قالوا: هو شيءٌ ولكنَّهُ أزليٌّ وكلُّ الأشياءِ مخلوقةٌ، نردُّ عليهم بقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (هذهِ مقولَةُ مَن جَحَدُوا مُدَبِّرَ الأشياءِ).
والخلاصةُ: إنَّ اللهَ لا يُقالُ له شَيءٌ، ولا يُمَثَّلُ به شَيءٌ، ولا على شيءٍ ولا في شيءٍ ولا مِن شيءٍ، ولا يشبه شيئًا ولا يُشبِهُهُ شَيءٌ، ولا تُضرَبُ له الأمثالُ، ولا بهِ، مُكَوِّنٌ ومُبدِعٌ ومُشِيءٌ، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثامن والتسعون حول موضوع الرؤية

images

السُّؤال الثَّامنُ والتِّسعون: ماذا تعني رؤية اللهِ التي يتحدَّثُ عنها العلويُّونَ؟

 

الجوابُ الثَّامنُ والتِّسعون بإذنِ اللهِ:

إنَّ موضوعَ الرُّؤيةِ موضوعٌ شائكٌ تاهَ فيهِ البشرُ منذُ بدأتْ الكتبُ السَّماويَّةُ تتحدَّثُ عنهُ، لأنَّ البشرَ الضُّعفاءَ تمسَّكوا بالمحسوسِ وضيَّعوا المعقولَ، فَعَبَدوا الأصنامَ والنَّارَ والكواكبَ والأبشارَ والملائكةَ والرُّسلَ والأنبياءَ، وضيَّعوا الحقَّ.

ومن ثباتِ بطلانِ عقائدِهم المشبِّهةِ أنَّهم عَبَدوا الزَّائلَ وَتَركوا الباقي، وَعَبدوا الآنيَّ وَتَركوا الدَّائمَ، لأنَّ فكرَهم مَحدودٌ قاصرٌ عن فهمِ التَّوحيدِ.

يُمكننا أن نبدأ انطلاقًا من قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (إنَّ اللهَ تَراهُ في مَملكَتِهِ إلى الأبدِ حيث يكونُ قوامُ سعادَتِنا ومَجدِنا).

فهل اللهُ المقصودُ هو المسيحُ ذاتُهُ؟ أو بتعبيرٍ آخر هل هو النَّبيُّ أيًّا كان النَّبيُّ المقصودُ؟

أم هو النُّورُ المتجلِّي لأهلِ البصائرِ يعرفونَهُ بدلائلِهِ وآياتِهِ، لأنَّهم يدركونَ أنَّهم لا يستطيعونَ رؤيةَ اللهِ كما هو بجلالِ عظمَتِهِ لقولِ أميرِ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (الْحَمْدُ لله الَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلاَ تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَلاَ تَرَاهُ النَّوَاظِرُ).

فالرُّؤيةُ تكونُ لنورِ تَجلِّيهِ على قدرِ أهلِ العزمِ والبصيرةِ، فمَن ارتقى في عزمِهِ عاينَ ذلكَ النُّورَ لا كما يعاينُهُ مَن هو أدنى منه، فالكلُّ مشتركونَ برؤيةِ النُّورِ الإلهيِّ لقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، لكنْ كلٌّ يبصرُ من ذلكَ النُّورِ معرفةً حسبَ طاقتِهِ، وهذا النُّورُ هو الآياتُ والدَّلائلُ التي ذكرَها تعالى بقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ)، ولو لم تكنْ رؤيةُ الآياتِ شاملةً لانْتَفَتْ الحجَّةُ على الخَلقِ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (ما عُرِفَ مَحفوظٌ وما جُهلَ منبوذٌ، فإذا شَكَّ المرءُ وارتابَ فيما يَرَى فهو فيما لا يَرَى أَشَكُّ وَأَريبْ).

ومن كلامٍ للإمامِ الرِّضا (ع) في مناظرةٍ جرَتْ بينَهُ وبين عمران الصَّابئ، قال عمران: يا مولاي زِدنِي. فقال له (ع): (إيَّاك وقولَ الجُهَّالِ أهلِ العَمَى والضَّلالِ الذين يَزعمونَ أنَّ اللهَ جَلَّ وَتَقدَّسَ موجودٌ في الآخرةِ للحسابِ والثَّوابِ والعقابِ وليسَ بموجودٍ في الدُّنيا للطَّاعةِ والرَّجاءِ، أوَلَم يَعلمِ الجُهَّالُ أنَّهُ إذا كان أهلاً للوجودِ لِخَلقِهِ في الآخرةِ فهو أهلٌ للوجودِ في الدُّنيا، ولو كانَ في وجودُ اللهِ نقصٌ واهتضامٌ في الدُّنيا لَكَانَ كذلكَ في الآخرةِ ولم يوجدْ سُبحانَهُ، ولكنَّ القومَ تَاهوا وَصُمُّوا وَعُمُوا عن الحقِّ من حيثُ لا يعلمونَ وذلكَ قولُهُ سبحانَهُ وتعالى في كتابِهِ المُنزَلِ على نَبيِّهِ المُرسَلِ (ص): (وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)؛ يعني: أعمى عن الحقائقِ الموجودةِ.

فاستِدْلالُنا يكونُ بهدايةِ العقلِ الذي هو أصلُ كلِّ هُدَى، على أنَّ الذي أظهرَ المعجزاتِ والآياتِ وأخبرَ في كتابِهِ العزيزِ بِعِلمِ ما كانَ وما هو كائنٌ، هو ربُّنا ربُّ الأرضِ والسَّماواتِ، وأنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ إليه دَعَوا وبتوحيدِهِ نَطَقوا، وهو الذي وصفَ نفسَهُ بقولِهِ: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

فالحياةُ دليلُ الوجودِ، وهو ضِدُّ العدمِ، لذلك كانت إشارةُ الأنبياءِ وأصحابِ الشَّرائعِ إلى إلهٍ موجودٍ يعرفونَهُ.

مِن هنا نؤكِّدُ أنَّ الدَّليلَ على وجودِ الإلهِ يبدأُ بكتابِ اللهِ تعالى الذي فيه تبيانُ كل شيءٍ كما في قولِهِ عزَّ وجلَّ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)، إشارةً إلى آياتِهِ التي هي دلائلُ وجودِهِ سبحانَهُ.

وكذلكَ نستدلُّ على وجودِ الإلهِ بأحاديثِ رسولِ الله (ص) وأحاديثِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) الواردةِ عن طريقِ أهلِ الولاءِ من علماءِ نَهجِنا العَلويِّ، ولقد أشارَ أميرُ المؤمنينَ الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بقولِهِ: (فأمَّا أولياءُ الحَقِّ فَضِيَاؤهم فيها اليقينُ، وَدَليلُهُم سَمْتُ الهُدَى، وأمَّا أعْدَاءُ اللهِ فَدُعاؤهُم الضَّلالُ، وَدَليلُهُم العَمَى).

ولابدَّ من حُجَّةِ العقلِ التي قال فيها الإمامُ الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

وهذه الأدلَّةُ مقرونةٌ بحكمِ الضَّرورةِ بالولايةِ الصَّادقةِ لأميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّم اللهُ وجهَهُ لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن أرادَ الحَقَّ فَليَنظُرْ إلى عَلِيٍّ، عَليٌّ مع الحَقِّ حَيثُ كانَ).

وحتَّى ننفي التُّهمةَ الدَّائمةَ بأنَّ العبادةَ لجسدِ عليٍّ، نُورِدُ ما جاء عنه (ص) أنَّه قال يومًا لأصحابِهِ: (إنِّي مؤدبكم بآدابِ اللهِ ورسولِهِ، وهو أنِّي آمُرُكم ألاَّ يقومَ العبدُ إلاَّ لمولاهُ، والولدُ إلاَّ لوالدِهِ، والمتعلِّمُ إلاَّ لـمُعَلِّمِهِ، والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، والصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، واللهُ أمرَنا نحنُ معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ جلَّ اسمُهُ). فأقبلَ أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بعدَ وقتٍ، فلمَّا رآهُ رسولُ اللهِ (ص) قامَ لَهُ وقبَّلَ ما بينَ عينيهِ، فقالَ له أبو دُجانَةَ سمَّاكُ بن خرشنةَ الأنصاري رَضِيَ اللهُ عنهُ: (يا رسولَ اللهِ أنتَ السَّاعةَ تقولُ لنا: إنَّ اللهَ أمرَنا معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ، وأنتَ رَبَّيتَ عليًّا. وقلتَ: لا يقومُ الولدُ إلاَّ لوالدِهِ والمتعلِّمُ إلاَّ لمعلِّمِهِ والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، وأنت أعلمُ من عليٍّ، وعليٌّ عَلِمَ منكَ. وقلتَ: لا يقوم الصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، وقد رأيناكَ قُمتَ لِعَلِيٍّ وأنتَ أكبرُ منهُ؟)؛ وطبعاً كانَ هذا السُّؤالُ تعليمًا كي لا نقعَ بالغلوِّ الذي وقعَ بهِ السُّنَّةُ والشِّيعةُ حينَ أسقطوا الرَّسولَ والأئمَّةَ (ع) من مقامِهم النُّورانيِّ وجعلوهم واقعينَ تحتَ الجسمانيَّةِ البشريَّةِ، وكانَ أبو دجانة يسألُ لِيُعلِّمنا أنَّ هذه التَّساؤلاتِ قد تصدرُ على سبيلِ القياسِ والتَّحيُّرِ عندما يتمُّ أخذُ الأحكامِ بشكلِها الحسِّيِّ الماديِّ، فكانَ جوابُ رسولِ اللهِ (ص) للدَّلالةِ على أنَّ الأمورَ لا تُقاسُ بالمقاييسِ الضَّيِّقةِ: (أنا قمتُ للنُّورِ الذي بين عَينيهِ)، وهذا النُّورُ هو نورُ الولايةِ التي جعلَها اللهُ شرطَ الإيمانِ في قوله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً)، فالولايةُ للهِ الحقِّ، ولكنْ لابدَّ للمؤمنِ من سبيلٍ لبلوغِها، فكانَ هذا السَّبيلُ هو النُّورُ الذي بين عيني أميرِ المؤمنينَ لقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

فرسولُ اللهِ (ص) رأى ذلكَ النُّورَ لا كما رآهُ أبو دجانة، ولا كما نراهُ نحنُ، فكلٌّ يبصِرُ من النُّورِ على حسبِ استطاعتِهِ، والإبصارُ هنا دليلُ المعرفةِ، لأنَّ الكافرينَ لا يبصرونَ رغمَ أنَّهم يرونَه أمامَهم إلاَّ أنهم كما قال تعالى: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال التسعون حول نفي التجسيم

images

السُّؤالُ التِّسعون: هل تقصدُ النُّصيريَّةُ بتجلِّي اللهِ نزولَهُ في الأجسامِ؟

الجوابُ التِّسعون بإذنِ اللهِ:
إنَّ عقيدَتنا العلويَّةَ النُّصيريَّةَ الحقَّةَ حُورِبَتْ عبرَ العصورِ لأنَّها كانَتِ الرَّائدةَ في مواجهةِ أهلِ التَّجسيمِ والتَّعطيلِ، وبما أنَّ الأسئلةَ المشكِّكَةَ لا تَنتهي، فإنَّنا ملتزمونَ بالإجابةِ بشكلٍّ دوريٍّ عليها لإيضاحِ الحقيقةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الصَّافيةِ.
لقد اختلطَ الأمرُ على السُّنَّةِ والشِّيعةِ فاتَّهمونا بأنَّ تجلِّي اللهِ عندَنا يعني حلولَهُ في الأجسامِ!! وهذا محالٌ. لكنَّ السَّطحيَّةَ التي اعتادَوا عليها في تناولِ الأمورِ الدِّينيَّةِ جَعَلَتهم لا يفقهونَ معنى التَّجلِّي، ولا يفهمونَ دلالاتِ السُّورِ العظيمةَ في القرآنِ الكريمِ، وكأنَّما وقعَ عليهم قولُهُ تعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون).
إنَّ التَّجلِّي في فكرنا العلويِّ النُّصيريِّ هو للبُرهانِ على وجودِ الحقِّ تَعَالى من خلالِ الدَّليلِ العقليِّ والدَّليلِ الحسِّيِّ، وهكذا فإنَّ الدَّليلَ العقليَّ والدَّليلَ الحسِّيَّ يبرهِنانِ على وجودِ الحقِّ تعالى في حالِ التَّجلِّي لأهلِ العقلِ وأهلِ الحسِّ.
فالحقُّ تعالى لمَّا شاءَ تَكوينَ الشَّيءِ كوَّنَهُ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، ثمَّ أرادَ الخلقَ فكانَ أمرُهُ مُطاعًا لقوله تعالى: (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ)، ثمَّ تَجَلَّى بنفسِهِ لأهلِ العقلِ ولأهلِ الحسِّ بدليلِ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ)، عِلمًا أنَّه في حَقيقتِهِ لا يقعُ تحتَ العقلِ ولا الحسِّ، وهنا نؤكِّدُ على كلمةِ (بنفسِهِ) حتَّى لا يظنَّ القارئُ أنَّهُ تجلَّى بغيرِهِ فيقعَ في الحلولِ والتَّجسيمِ، والدَّليلُ على ذلكَ قوله تعالى: (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، فالتَّجلِّي إذنْ ليسَ حلولاً ولا تجسيمًا، إنمَّا هو دليلُ الوجودِ لقوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ).
ونحنُ نُقِرُّ بوجودِ الحقِّ تَعَالى ونُصرِّحُ بالألفاظِ مع عِلْمِنا بقصورِها لقولِ الإمامِ علي زينِ العابدين (ع): (إلهي لولا الواجبُ من قبولِ أمرِكَ لنزَّهْتُكَ عن ذكري إيَّاكَ، على أنَّ ذكري لكَ بقدري لا بقدرِكَ، وما عسَى أن يبلغَ مِقداري حتَّى أُجعَلَ مَحَلاًّ لِتَقديسِكَ، وَمِن أعظمِ النِّعَمِ علينا جريانُ ذِكْرِكَ على ألسِنَتِنا)، فمعرفَتُنا لوجودِ الحقِّ وإفرادُنا لذاتِهِ عن كلِّ صِفَةٍ مُدرَكَةٍ وَجِهَةٍ مَحدودةٍ، تَجعلُنا نُخرِجُهُ عن الحَدَّينِ؛ حَدِّ التَّشبيهِ بِخَلقِهِ وحَدِّ الإنكارِ لِوجودِهِ، تَعَالى اللهُ عن حَدِّ التَّشبيهِ وَحَدِّ التَّعطيلِ، لأنَّ مَن لم يُخرِجْهُ عن الحَدَّينِ يكونُ قد أدرَكَهُ وَحَصَرَهُ وشَبَّهَهُ بِخَلقِهِ لا مَحالَةَ، فهل يُعقَلُ أنَّ اللهَ إذا أَنْعَمَ علينا بنعمةِ معرفةِ وجودِهِ أن نَجعلَهُ من جنسِ خَلقِهِ ونُشبِّهَهُ بهم ونَحصُرَهُ في الأجسامِ معاذَ اللهِ!!؟
نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ نُنَزِّهُ الحقَّ تعالى في مُواجهَتِنا لأهلِ التَّجسيمِ، وقد وردَ عن الفيلسوفِ العارفِ ابنِ شُعبةَ الحرَّانيِّ قوله: (معرفةُ اللهِ في الأبدانِ كَعِبَادَةِ الأوثانِ). فَلمَّا وَصَمَهُ أهلُ التَّجسيمِ بالأمِّ والأبِ والأولادِ نزَّهناهُ كما نَزَّهَ نفسَهُ بقوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، ولمَّا وَصَمُوهُ بالزَّوجةِ نزَّهناهُ كما قال في كتابِهِ: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً)، ولمَّا جَعَلوا له شريكًا نزَّهناهُ كما قالَ في كتابِهِ: (لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
فلا يقعُ تحتَ التَّجسيمِ مَن كانَ ولا مكانَ ولا دهرَ ولا زمانَ ولا سكونَ ولا حركةَ ولا جوهرَ ولا عرضَ ولا حسَّ ولا جنسَ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لا يُوصَفُ بزمانٍ ولا مكانٍ ولا حركةٍ ولا سكونٍ، بل هو مُوجِدُ الزَّمانِ والمكانِ والحركةِ والسُّكونِ، تَعَالى اللهُ عمَّا يَقولون علوًّا كبيرًا).
ولا يقعُ تحتَ الحصرِ مَن لا يَسَعُهُ مكانٌ ولا يَحصُرُهُ زمانٌ ولا يَختَلِجُ بالأوهامِ ولا تُحَصِّلُهُ معرفةُ الأفهامِ، وقد سُئلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): هل يجوزُ أن نقولَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ في مكانٍ؟ فقال (ع): (سُبحانَ اللهِ وتَعَالى عن ذلكَ، إنَّه لو كانَ في مكانٍ لَكَانَ مُحْدَثًا، لأنَّ الكائنَ في مكانٍ محتاجٌ إلى المكانِ، والاحتياجُ من صِفَاتِ المُحدَثِ لا مِن صِفَاتِ القَديمِ).
ولا يقعُ تحتَ الإدراكِ مَن لا يَقَعُ عليهِ اسمُ شَيءٍ وليسَ لَهُ شَبيهٌ ولا نَظيرٌ ولا مَثيلٌ ولا عَديلٌ، حيث سُئلَ رسولُ اللهِ (ص): ما رأسُ العلمِ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: (معرفةُ اللهِ حَقَّ مَعرفتِهِ). قيل: وما مَعرفةُ اللهِ حَقَّ مَعرفتِهِ؟ قال (ص): (تَعرِفهُ بلا مَثَلٍ ولا شَبَهٍ ولا نِدٍّ، وأنَّهُ واحدٌ أَحَدٌ ظاهرٌ باطنٌ أوَّلٌ آخِرٌ لا كُفوَ له ولا نظيرَ فَذلكَ حقُّ مَعرفَتِهِ).
فسبحانَ اللهِ الذي سَمَا عن مَبلَغِ أقوالِ الواصفين، وَعَلا عن نُطقِ أفواهِ العالِمِين، وَخَفِيَ عن أبصارِ النَّاظرين، فليسَتِ الأبصارُ له بِلاحِظَةٍ، ولا العيونُ له بِرَامِقَةٍ، أعظمُ وأَجَلُّ وأكبرُ مِن أيِّ دَليلٍ عقليٍّ أو حسِّيٍّ يَدلُّ إثباتًا على وجودِهِ، لا يُوصَفُ بِمَوصوفٍ ولا يُقاسُ بالحروفِ، ولا يَعلمُ ما هوْ إلاَّ هوْ، ليسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ، ولا حَدٌّ فَتُضرَبُ بِهِ الأمثالُ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثالث والثمانون حول الفرق بين الطائفة العلوية والطائفة السنية

images

السُّؤالُ الثَّالثُ والثَّمانون: ما هو الفرقُ بين الطَّائفةِ العلويَّةِ والطَّائفةِ السُّــنِّـيَّـةِ؟ ولماذا أنتم مُغالونَ بِعَلي؟ وماذا يُمَثِّلُ لكم محمَّد (ص) مُقارنةً به؟

الجوابُ الثَّالثُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:
إنَّ الفرقَ الجوهريَّ فيما بَيننا أنَّنا كعلويِّينَ تَمَسَّكْنا بالعِتْرَةِ وأنتم تَمَسَّكْتُم بالصَّحابةِ، والمقصودُ بالعِترَةِ هم أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ والحسنُ والحسينُ والتِّسعَةُ من بَعدِ الحسين إماماً بعد إمامٍ حتَّى مَجيءِ المهديِّ الـمُنتَظَرِ (ع) امتثالاً لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (إنِّي مُخلِفٌ فيكُم كتابُ الله ِوعترَتي أهل بيتي، ما إنْ تَمَسَّكتُم بهِ لن تَضلُّوا). فَمَا يُمَيِّزُنا عن السُّنَّةِ أنَّنا نُقِرُّ بِمَبدأ الولايةِ للأئمَّةِ المعصومين (ع)، وهذا الفرقُ الجوهريُّ يَتَفرَّعُ عنهُ فُروقٌ كثيرةٌ كأحقِّيَّةِ الخلافةِ وانتخابِ الصَّحابةِ بين مَيَامِينَ ومُخالِفِين، عَدَا عن أنَّنا نأخذُ عُلومَنا الفقهيَّةَ من مدرسةِ الإمامِ جعفر الصَّادقِ (ع)، بينما يأخذُ السُّنَّةُ علومَهُم من اجتهاداتِ تلاميذِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) في مَذَاهِبِهم الأربعةِ، ومَن يَرتَوي من النَّبعِ لا يَرتوي من السَّواقي.
ولمَّا ثَبَتَ أنَّ السُّنَّةَ الـمُنخَنِقَةَ كما الشِّيعةُ الـمُقَصِّرةُ لهم طـريقُ الغُلُوِّ وأساسُهُ، ثبتَت بَراءَتُنا من الغُلُوِّ، وَقَد حَذَّرَ سيِّدُنا محمَّد بن نُصَير (ع) من الغُلُوِّ في قوله: (لقد قَرَنَ اللهُ سبحانَهُ هذهِ الأسماءَ بِنَفسِهِ ولم يَقرنْها بِغيرِهِ فقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ، وقال تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ).
فالغلوُّ خطأٌ في الاعتقادِ، وهو إثباتُ التَّجسيمِ والتَّركيبِ لذاتِ الإلَهِ عزَّ شَأنُهُ. هذا يَعني أنَّه إفرَاطٌ وَتَفريطٌ؛ ولا يُرَى المؤمنُ مُفرِطًا ولا مُفَرِّطًا، فَعَقِيدَتنا الصَّحيحةُ ليست غُلُوًّا ولا تَسْفِيهًا، بل هي وَسَطيَّةٌ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا).
ونحنُ لا نُنقِصُ من شأنِ أميرِ المؤمنين كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لِمَقامٍ دونَ الوصايَةِ، ولا نَرفَعُ الأنبياءَ والرُّسلَ لِمَقامِ الألوهيَّة، والدَّليلُ في قولَهُ تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). فإذا كانَ القرآنُ الكريمُ قد صَرَّحَ بالرِّسالةِ والنُّبوَّةِ لسَيِّدِنا محمَّد (ص)، وأنَّهُ خاتمُ الأنبياءِ، وبأنَّ الولايةَ أعلى من الرِّسَالةِ لقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ)، فقدَّمَ الولايةَ على الرِّسالةِ. فهل مِن أحَدٍ يَجرؤُ على تكذيبِ القرآنِ الكريمِ؟
إنَّ تَنزيهَنا للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسُلِ (ع) عن الخطأ والنِّسـيانِ والضَّعفِ والعجزِ هو الذي دَعَا كُلاًّ من السُّنَّةِ الـمُنخَنِقَةِ والشِّيعةِ الـمُقَصِّرَةِ إلى اتِّهامِنا بالغُلُوِّ!! فإذا كان هؤلاء يُجيزُونَ الضَّعفَ والعجزَ للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ فنحنُ لا نُجيزُ ذلكَ، لأنَّ ذلكَ يَتنافَى مع العقلِ والدِّينِ، بل نحن نستندُ لقوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ)، وقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) حين سـئلَ: الإمامُ يموتُ؟ فقالَ (ع): (المؤمنُ لا يموتُ، والإيمانُ لا يموتُ، فكيفَ يموتُ الإمامُ؟!!)، وفي هذا القولِ ردٌّ كافٍ على مَن خالفَ مبدأ الحقِّ.
ولا بدَّ من التنويهِ إلى أنَّ المغالينَ زَعَمُوا أنَّ للباري ماهِيَّةً ولكن لا تُدرك، وهؤلاء انطبقَ عليهم قوله تعالى: (إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شـيئًا)، فَمَهما تَعَدَّدَتِ الطـُّرقُ وتنوَّعَتْ، سَواءَ كانت حِسِّـيَّةً مَاديَّةً أو مَعنويَّةً عقليَّةً، فإنَّها جسورٌ ومعابرُ للاستدلالِ فقط.
فالتَّعريفُ الصَّحيحُ للغلوِّ هو رفعُ المخلوقِ وَجَعلُهُ ذاتًا للخالقِ، وهو القولُ بأنَّ الخالقَ عينُ المخلوقِ والرَّبَّ عينُ المربوبِ والكلَّ واحدٌ، ونحنُ من الغلوِّ براءٌ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد