أرشيف الوسم: الغلو

موقفنا من أبي الخطَّاب

hesham

موقفنا من أبي الخطَّاب

بقلم الباحث الديني هشام أحمد صقر

بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ واختلافِ الأمَّةِ ظهرَ من الكُتَّابِ مَن أفسدَ وفَرَّقَ بين المسلمين وبَثَّ روحَ الكراهيَّةِ والأحقادِ، قسَّمَ المجتمعَ إلى أتباعِ أشخاصٍ، وقد قلبوا بتقسيماتِهم الحقَّ باطلاً والباطلَ حقًّا، وكانت غايتُهُم ذَمَّ مَن كان مقرَّبًا من الأئمَّةِ المعصومين (ع)، وحمدَ مَن كان من عامَّةِ صحابَتِهم، تمامًا كما حصلَ مع أصحابِ رسولِ الله (ص) المقرَّبين والعامَّةِ.
وقد برز منهم سعد الأشعري القمي في كتابَيهِ (الردُّ على الغلاة) و(المقالات والفِرَق)، والشهرستاني في كتابه (الملل والنِّحل)، والغضائري في كتابه (مجمع الرجال)، والنجاشـي في كتابه (رجال النجاشـي)، والطوسي شـيخ الطائفة الشيعية في كتابه (الغيبة)، والكشـي في كتابِهِ (اختيار معرفة الرجال)، وأورَدُوا في كتبِهم القميئةِ فتنًا وإساءةً لسادةِ القومِ دون أيِّ إثباتٍ، ومن هؤلاء السَّادة سيِّدنا أبي الخطَّاب محمد بن أبي زينب الكاهلي الذي اتَّهموهُ حسب زعمهم “بتأليهِ الإمامِ الصَّادقِ (ع)، واعتبارِ طينَتِهِ من طينةٍ أخرى غيرِ طينةِ البشرِ، وأنَّ الأئمَّةَ (ع) كانوا أنبياء وأنَّ الحسنَ والحسينَ وأولادَهما أبناءُ اللهِ وأحباؤهُ، وأنَّهُ وأتباعَهُ أخرجوا الإمامة عن أولاد علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في أعصارِ زعمائهم، ما دَعَا الإمامَ الصَّادقَ (ع) إلى التَّبرُّؤ منه وأمرِ أصحابِهِ بالبراءةِ منه”!! إلى غير ذلكَ من الافتراءاتِ التي لا يصدِّقُها إلاَّ كلُّ مفتونٍ مغبون.

فَمِمَّا رواهُ سيِّدنا الحسينُ بن حمدانَ الخصيبيُّ (ع) في كتابِ الهدايةِ الكبرى عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) قوله: (أبو الخطاب عَيْبَةُ عِلمِنا وموضعُ سِرِّنَا، وهو الأمينُ على أخبارِنا).
هذه المكانةُ الرَّفيعةُ التي نالَها سيِّدنا أبو الخطَّاب أثارَتْ حقدَ وحسدَ المنافقينَ الذينَ لم ينالوا هذه المكانةَ كزرارة بن أعين وأبو بصير الثقفي وأبو بكر الحضرمي ومحمد بن أبي يعفور ومحمد بن مسلم الثقفي وعامر بن جذاعة وكثير بياع النوى وبُرَيد العِجلي وحجر بن زائدة، الذين انطبق عليهم قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً)، فأثاروا حولَهُ شبهاتٍ وأكاذيبَ لفَّقوها فاعتُقِلَ في دارٍ تدعى دارَ الرِّزقِ في الكوفةِ، فزارَهُ آنذاك سيِّدنا المفضَّل بن عمر وأصحابُهُ، وكان وقتَها من المقرَّبينَ للإمامِ الصَّادق (ع)، ودخلوا عليه فوجدوهُ ساجداً يدعو.

إلاَّ أنَّ كلَّ هذا الإيمانِ والتَّوحيد زادَ حَسَدَهم وأحقادَهم فأكثروا في لعنِهِ في المجتمعِ لتنفيرِ النَّاسِ منه وتأليبِهم عليه، فقد حَسَدُوهُ على نعمةِ اللهِ عليهِ وكانوا فيهِ كما قال الله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، فجاءَ أصحابُ الإمامِ الصَّادقِ (ع) فحذَّرهم من الانجرارِ وراءَ لعنِهِ لأنَّهُ انجرارٌ وراءَ الحاسدِ له زرارةَ وأتباعُهُ، وهم مقصِّرو الشِّيعةِ الذينَ أظهروا ولايةَ أهلِ البيتِ وأساؤوا للصَّحابةِ الميامين، وزُرَارَة معروفٌ بِقِلَّةِ أدبِهِ وكذبِهِ على لسانِ الإمام واختلافه مع خواصِّ الإمام كهشام بن الحكم وحمران بن أعين والمفضل بن عمر (ع).

السؤال الخامس والستون حول ميلاد المسيح

images

السُّؤال الخامس والسِّتُّون: هل ينظرُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لميلادِ السَّيِّدِ المسيحِ (ع) كما تنظرُ إليهِ المذاهبُ الأخرى؟ أم كما ينظرُ إليهِ المسيحيُّونَ أنفسُهم؟

 

الجوابُ الخامسُ والسِّتُّونَ بإذنِ اللهِ:

لابدَّ في البدايةِ من الإشارةِ إلى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) سُمِّيَ مسيحًا كما وردَ عن الموالي (ع) لأنَّ في كلِّ شيءٍ منه مسحةً، وليسَ فيه مسحةً من غيرِهِ، وقيلَ أنَّهُ سُمِّيَ مسيحًا لأنَّه كان يمسحُ كلَّ ذي عاهةٍ بيدِهِ فيبرأَ، وقيلَ أنَّهُ كان ممسوحًا ليسَ لهُ ما للرِّجالِ ولا ما للنِّساءِ، لأنَّهُ لاهوتٌ ماثلَ النَّاسوتيِّين كأمثالِهم ليفهموا عنه، وكلُّ ذلكَ لإثباتِ الحجَّةِ عليهم، فقد مَسَحَ العالمَ بأسماءٍ وهيئاتٍ ومسحَ نفسَهُ باسمٍ وهيئةٍ لتَقْرُبَ الصُّورَةُ من الصُّورةِ فلذلك سُمِّيَ مسيحًا.

نحن العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لا نجسِّدُ سيِّدنا المسيح (ع) بشرًا فنوقعُ عليه الولادةَ البشريَّةَ كما تفعلُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ، بل نرفعُهُ كما أمرنا (ع) بقوله: (مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي). كذلك لا نجسِّدُ الإلهَ الآبَ فنساويهِ بالمألوهِ الابنِ كما يفعلُ النَّصارى، بل ندركُ منزلةَ الابنِ الأعظم من بارئِهِ الآبِ الوهَّابِ، وما خَصَّهُ به من قدرتِهِ لقوله (ع): (الحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ، إِنْ عَلِمْتُمْ هَذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ).

إنَّ الابنَ في نهجنا العلويِّ النُّصيريِّ غيرُ الآبِ، كما أنَّ الرَّسولَ غيرُ المرسِلِ، فالابنُ ليسَ هو الآبُ بذاتِهِ، بل إنَّ الابنَ له آبٌ أوجدَهُ ومُرسِلٌ أرسلَهُ ومكوِّنٌ كوَّنَهُ، وهذا يعني أنَّ الابنَ ليسَ هو الإلهُ المعبودُ، بل هو عبدُهُ ونبيُّهُ ورسولُهُ الذي أرسلَهُ بالهدى ودينِ الحقِّ إلى أهلِ الحقِّ والجحودِ لقوله (ع): (الكلامُ الذي تسمعونَهُ ليسَ لي بل للآبِ الذي أرسلَني).

ولطالَما صرَّح سيِّدنا المسيحُ (ع) وشَهِدَ أنَّهُ رسولُهُ وعبدُهُ المُفتَقِرُ إليهِ، وأنَّه إلهُهُ الذي يدعوهُ وَيَتضرَّعُ إليهِ ويُناجيهِ لِكَشفِ ضُرِّهِ، وينتصرُ به على أعدائِهِ في مَلمَّاتِهِ، كما في قوله تعالى على لسان المسيح: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)، وقوله عزَّ وجلَّ: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)، وكذلك ما جاء في الإنجيلِ على لسانِ سيِّدنا المسيح (ع): (الذي يؤمنُ بي ليسَ يؤمنُ بي بلْ بالذي أرسلَني).

وقد أوضحَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) خطأ مَن اعتقدَ أنَّ الابنَ إلهٌ كالآبِ، علمًا أنَّ المشبِّهينَ اعتقدوا بذلك تقليدًا ولم يتفقَّهُوا فيهِ من أهلِ العلمِ، فمَن زعمَ أنَّ الابنَ والآبَ جوهرٌ واحدٌ وقالَ بإلهينِ اثنينِ، فقد جعلَهُما قديمينِ وهذا ممَّا لا تقبلُهُ العقولُ، لقوله تعالى: (وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ)، فمنَ الشِّركِ أن يُساوى الابنُ بالآبِ، والعبدُ بالمولى، والمألوهُ بالإلهِ، وهذا ما نهى عنه تعالى بقوله: (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)، حتى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) أشارَ لذلكَ قائلاً: (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ)، فمَن لم يُخلِّصِ الابنَ من الآبِ لم يعبدْ شيئًا.

كما جاءَ في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ) نهيٌ للمؤمنينَ أن يُساووا بين الابنِ والآبِ، وهو الغلوُّ في الابنِ لأنَّه قد اشتبَهَ على المشبِّهين قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (كلُّ مَن رَآني فقد رَأى اللهَ)، لذلك قال عزَّ وجلَّ: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)؛ أي كفرَ من قالَ إنَّ الآبَ هو الابنُ، وهذا ليسَ إسقاطًا لمنزلةِ الابنِ لقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) أن تجعلوهُ مخلوقًا يجري عليه ما يجري على المخلوقين، لذلك لا نقولُ إنَّ الابنَ مخلوقٌ إجلالاً وإعظاماً، ولكنْ نقول إنَّ الآبَ فوقَهُ، وهو معنى قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أنا والأبُ واحدٌ… وهو أعظمُ من الكلِّ).

فالآبُ أحدٌ فوقَ كل شيءٍ ولا شيءَ معه، أبدعَ الابنَ وهو المسيحُ (ع) عبدُهُ القائمُ بقسطِهِ، وأجرى على يدِهِ الخلقَ والرِّزقَ والحياةَ لقوله تعالى على لسانه: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

ولابدَّ للمؤمنِ أن يعرفَ أنَّ طريقَ الوصولِ للمسيحِ (ع) لا يكونُ إلاَّ من خلال روحِ القُدُسِ الذي خاطبَ مريمَ العذراءَ وبشَّرَها كما جاءَ في الآيةِ: (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، وكذلك جاءَ في الإنجيل الخطابُ لها: (اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ) وهذا دليلٌ على أنَّ معرفةَ الابنِ لا يُدخَلُ إليها إلاَّ من معرفةِ روحِ القُدُسِ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ)، فالأجلانِ في التأويلِ هما روحُ القُدُسُ والابنُ، ومثالُهُما تبشيرُ سيِّدنا يوحنَّا المعمدان بظهورِ المخلِّصِ سيِّدنا المسيح (ع)، فإذا قُضِيَ هذان الأجلانِ فلا عدوانَ: أي ليس فوقَهُما إلاَّ الآبُ، وهو الغايةُ لمن أرادَ النَّجاةَ.

ومَن أرادَ النَّجاةَ تمسَّكَ بالعروةِ الوثقى التي هي ولايةُ الوصيِّ، ومن تخلَّفَ عن هذه الولايةِ كانَ من أهلِ الباطلِ لقولِ الإمامِ جعفر الصادق (ع): (لقد ارتقيتُم إلى درجةٍ ما فوقَها مرقاةٌ، ما بعدَ معرفةِ اللهِ ورسولِهِ إلاَّ الباطلُ فماذا تطلبونَ؟)، دليلاً على أنَّ جميعَ الأنبياءِ أشاروا إلى الأوصياءِ، فسيِّدنا عيسى اعترفَ لوصيِّهِ شمعون الصَّفا وهو المكنَّى (بطرس) بقوله: (أنتَ صَخْرَتي وعليكَ أَبنِي كَنيسَتِي)، فأقرَّ أنَّه الملتجأُ إليهِ والموثوقُ بِهِ، كما سيِّدُنا محمَّد (ص) أشارَ إلى وصيِّهِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، وأعلنَ وصرَّحَ بأنَّهُ الوليُّ بقوله: (أينَ مُنجِزُ وعدي؟ أينَ قاضي ديني؟ أين مُفَرِّجُ الهمِّ عني؟ أين عليٌّ وصيِّي؟)، فنسألُ الله أن يثبِّتنا على هذه الولايةِ ويجعلنا من السَّالكين على سبيل النَّجاةِ إلى أبدِ الآبدين.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

كتاب

لقاءات وحوارات

مع الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

  • تمهيد
  • الصراع.. والضحايا الشباب
  • الشيعة والعلوية
  • تصريح جديد عن ظاهرة المدعوين باسم (العلويون الجدد)
  • حوار شامل حول عقائد العلويين في سورية
  • لسنا فرعًا من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة
  • تفنيد ادعاءات الكاذبين حول ظهور المهدي المنتظر
  • لا فرق بين الجعفرية والنصيرية الخصيبية جوهريًا
  • التنوع المذهبي حالة طبيعية وراقية
  • شهادة الحق أساس النهج العلوي النصيري
  • المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله
  • نحن نمارس الشريعة ونعقل الحقيقة ونفي بالعقود
  • نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم
  • الخمرة عند العلوية النصيرية
  • العبادة لله لا للمدعين الربوبية؟
  • أين المفترين من علومنا التوحيدية ورياضياتنا التجريدية؟
  • لا نعتقد بالثالوث المتعدد ولا بتجسيم الألوهية
  • احذروا المواقع المشبوهة التي تدعي العلوية
  • الاستيعاب الديني والفتنة
  • الغلو هو أن تجعل الأنبياء والرسل والأئمة بشرًا خطائين
  • لا قيمة لجهادك إن كنت مجاهدًا دون أن تكون موحدًا
  • العلوية.. نهج التوحيد وميزان الحق
  • مرجعيتنا لا يمكن أن تكون مرجعية بشرية.. بل معصومة
  • التزامنا أفشل محاولات التزوير لنهجنا (العلوي)
  • أصالة العلويين في دحض شبهات التكفيريين
  • الحاجة إلى ثورة إسلامية على التاريخ الأسود والمعتقدات البالية
  • نحن ضد تربيب الأشخاص البشريين وتعظيمهم إلى درجة العصمة
  • متى يتخلصون من عبادة الأشخاص
  • تليين الحجر أسهل من إقناع الجاهلين
  • التقية الدينية بين المعتقد السري والافتراءات الوهابية
  • زيارة أضرحة الأولياء تعظيم لشعائر دين الله
  • باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر إسلام تايمز
  • دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود
  • لا تغلوا في دينكم
  • الخاتمة

interviews

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

لا تغلوا في دينكم

ahmad

لا تغلوا في دينكم
بقلم الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
=============

كتبَ الباحثُ السُّوريُّ في الشُّؤونِ الدِّينيَّةِ أحمد أديب أحمد مقالاً لموقع مصر تايمز قال فيه:

 

وردَ في كتابِ نهجِ البلاغةِ عن مولانا أميرِ المؤمنينَ الإمام علي كرَّم اللهُ وجهَهُ: (هَلَكَ فيَّ رجلان: مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ).

كم هو غَريبٌ أن نُتَّهمَ كعلويِّينَ نُصيريِّينَ بالغُلُوِّ لإقرارِنا بما جاءَ في كتابِ اللهِ من عصمةٍ مطلقةٍ تكوينيَّةٍ للأنبياءِ والرُّسلِ، في الوقتِ الذي يَتَسابقُ فيه كثيرٌ من علماءِ الشِّيعةِ والسُّنة والجماعةِ لتطبيقِ مفاهيمِ الغلوِّ الحقيقيِّ في معتقداتِهم بقصدٍ أو بدونِ قصدٍ، فَمِنْ مَصَاديقِ الغلوِّ أن يجعلوا الأنبياءَ والرُّسُلَ والأئمَّةَ والبشرَ شركاءَ للهِ في كلِّ شيءٍ ثم يُفرِّطوا بهم إلى درجةِ البشريَّةِ المساويةِ لنا، وكأنَّ اللهَ تعالى حَلَّ فيهم أو اتَّحَدَ بهم لِحِينٍ ثم أعادَهم إلى بشريَّتِهم بازدواجيَّةٍ فكريَّةٍ وانفصامٍ اعتقاديٍّ غريبٍ، وهذا ما لا يمكن أن يَتَفَوَّهَ به المسلمُ العلويُّ النُّصيريُّ قطُّ..

فعندما نبحثُ في كتبِ أهلِ الشِّيعةِ وأهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ نجدُ فيها المئاتِ من الاعتقاداتِ الغريبةِ والأفكارِ المريبةِ، منها على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ أنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ عند الكثيرِ من علمائِهم لا معاجزَ لهم ولا قدرةَ، وليسوا معصومينَ عن الخطأ والسَّهو والمعصيةِ صَغيرِها وكبيرِها، من أوَّلِ العمرِ إلى آخرِهِ، وقبلَ بعثَتِهم وبعدَها، وأنَّهم ليسوا منزَّهينَ عن كلِّ ما يُنفِّرُ عنهم من الصِّفاتِ الذَّميمةِ والطِّباعِ السَّيئَةِ والأفعالِ القبيحةِ؟!! ويجوزُ للنَّبي والرَّسولِ عندهم أن يسهوَ في صلاتِهِ وأن يَشُكَّ في نبوَّتِهِ؟!! وأن النَّبيَّ والرَّسولَ كان يضربُ مَن لا يَستحقُّ، ويلعنُ بغيرِ حقٍّ، ويسمعُ المعازفَ مع أهلِهِ؟!!

وبالمقابل نجدُ كَمْ تَغُصُّ كتبُ علماءِ السُّنَّةِ والجماعةِ مثلاً بتعظيمِ أبي هريرةَ وبعضِ الصَّحابةِ على حسابِ النَّبيِّ وأهلِ بيتهِ (ص)!! فَليَقِفْ أحدُنا بحياديَّةٍ أمامَ الكمِّ الهائلِ من الأحاديثِ التي تُعَظِّمُ صِفَاتِ ومكارمَ كلٍّ مِنَ الصَّحابةِ كأبي بكرٍ وعمرَ بن الخطَّابِ وعثمانَ بن عفَّانَ ومعاويةَ بن أبي سفيانَ وغيرهم، وفي نفسِ الوقتِ تَصِفُ الرَّسولَ بما لا يليقُ به من النِّسيانِ والعصيانِ والخطأ والذَّنبِ والدَّعوةِ للقتلِ وحبِّ النِّساءِ والشَّهوةِ وووووإلخ!!!

وكم تَغُصُّ كتبُ علماءِ الشِّيعةِ بتعظيمِ الإمامِ الحسينِ (ع) إلى درجةٍ تَعلو عن تَعظيمِ أميرِ المؤمنينَ الإمام علي كرَّم اللهُ وجهَهُ!! وَتُفَضِّلُهُ عن الأئمَّةِ رغمَ أنَّهم جميعًا أشاروا إلى أنَّه لا تَفاضُلَ بينهم حيثُ قال الإمامُ الصَّادقُ (ع): (أوَّلُنا محمَّد وأوسَطُنا محمَّد وآخرُنا محمَّد وكلُّنا محمَّد)!! بل نَجِدُ هذهِ الكتبَ تُعَظِّمُ صحابةَ الأئمَّةِ عن الأئمَّةِ أنفسِهم، لدرجةِ أنَّنا نرى أحاديثَ متناقضةً للأئمَّة مرويَّةً في كتبهمِ، ولا تخلو أحيانًا من بعضِ الإسفافِ الأخلاقيِّ الذي لا يليقُ بمقامهم العظيمِ، معاذَ اللهِ أن يرويَ الأئمَّةُ المعصومونَ أحاديثَ كتلكَ الأحاديثِ التي عَرَضْتُ نموذجًا عنها في مقالٍ سابقٍ بعنوان: (متى يتخلصون من عبادة الأشخاص؟).

عَدَا عمَّا نَرَاهُ اليومَ من تأليهِ الوهابيِّينَ لِسَيِّدِهم ابنِ تيميَّةَ ومحمَّد بن عبدِ الوهابِ وَرَفعِهِما لدرجةٍ فوقَ درجةِ نبيِّ اللهِ محمد بن عبدِ اللهِ (ص)!!

كلُّ هذا الانحرافِ والغلوِّ الذي اتَّصفَ به كثيرٌ من أصحابُ هذه المغالاةِ جعلَهم يُمَوِّهُونَ أنفسَهم بالافتراءِ علينا وَمُحارَبَتِنا في الماضي والحاضر، لأنَّنا رَفَضْنا أن نُسايرَهم أو نُسَاوِمَهم على عقيدةِ الإسلامِ الحقَّةِ وَعِصْمَةِ الأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسُلِ (ع) فقط دونَ غيرهم.

وأجدُ أنَّه من المناسبِ أن أذكرَ أمثلةً من الآياتِ التي فيها إشاراتٌ إلى عصمةِ الأنبياءِ والرُّسلِ (ع) وَمَقامِهم التَّكوينيِّ العظيمِ، وكيف كانوا يستطيعونَ التَّصرُّفَ بالكونِ، وبهذه الإشارةِ نعودُ إلى بعضِ آياتِ القرآنِ في هذا المجالِ:

 

المثال الأول:

قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

في هذه الآيةِ يدورُ الحديثُ أولاً عن الألطافِ الإلهيَّةِ بحقِّ سيِّدنا عيسى المسيح (ع) حيث (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ)، ثم بَعَثَهُ كرسولٍ إلى بني إسرائيلَ (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)، وَمِن ثمَّ يَشرحُ كلامَ سيِّدنا عيسى المسيح (ع) في إثباتِ أحقِّيتِهِ وبيانِ معاجزِهِ التي تمَّ بَيانُها في خمسِ مراحلَ: يقول في الأولى: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ)، وفي الثانية والثالثة: (وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ)، والرابعة: (وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ)، والخامسة: (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

إنَّ التَّمعُّنَ في مضمونِ هذه الآيةِ يوضِّحُ هذه المسألةَ وهي أنَّ سيِّدنا عيسى المسيح (ع) يَنسُبُ شفاءَ الأعمى والأبرصِ وإحياءَ الموتى إلى نفسِهِ، ولكن بإذنِ اللّهِ وأمرِهِ، وهذا هو المقصودُ.

هذا النُّموذجُ وَهَبَهُ اللّهُ تبارك وتعالى لسيِّدنا عيسى المسيح (ع)، ولا مانعَ أو حائلَ أبدًا من إعطاءِ مثلِ ذلكَ لسائرِ الأنبياءِ أو الرُّسلِ (ع).

وَمُلخَّصُ الكلامِ يُثبِتُ بأنَّ هذهِ المعجزاتِ لسيِّدنا عيسى المسيح (ع) في نطاقٍ خاصٍّ، وليس هنالكَ دليلٌ على اختصاصِها المطلَقِ بهِ، بل يمكنُ أن تَصْدُقَ بحقِّ سائرِ الأنبياءِ أو الرُّسلِ (ع) بمقتضى أنَّ حكمَ الأمثالِ في ما يجوزُ وما لا يجوزُ واحدٌ.

 

المثال الثاني:

قوله تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ)، وقوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)، وقوله تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي يُمنَعونَ، وقوله تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ)، وقوله تعالى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ).

في هذه الآيات يتحدَّثُ تعالى عن تسخيرِ الرِّياحِ لسيِّدنا سليمان الحكيم (ع)، وَيُستفادُ من هذهِ الآياتِ أنَّه وكما أنَّ الشَّياطينَ كانت تُنفِّذُ أمرَ سيِّدنا سليمان الحكيم (ع) وَتُنجِزُ له أعمالاً مهمَّةً في البرِّ والبحرِ، فإنَّ الرِّيحَ كانت تُنفِّذُ أمرَهُ أيضًا، وكانت تتحرَّكُ حيث يأمرُها.

إنَّ قصَّةَ سيدنا سليمانَ وسيدنا داودَ (ع) نموذجٌ فَذٌّ، وإذا راجعنا سورةَ النَّمل، فإنَّنا نجدُ فيها نماذجَ فَذَّةً عن تعاطي سيِّدنا سليمانَ وسيدنا داودَ (ع) مع ما آتاهُما اللهُ سبحانَهُ في هذا المجالِ. وأوَّلُ ما يواجَهُنا في الحديثِ عنهما أنَّه تعالى قَد وَفَّرَ لهما الأدواتِ الضَّروريَّةَ للتَّعاملِ مع هذه المخلوقاتِ في نطاقِ رِعَايَتها وَهِدَايتها وَتَوجيهها، فَنَجِدُها تبدأُ الحديثَ بأنَّ اللهَ قد آتاهُما ِعلمًا، وَعُلِّمَا مَنطِقَ الطَّيرِ، وأوتيا من كلِّ شَيءٍ، ثم ذَكَرَتِ الآياتُ نماذجَ تطبيقيَّةً لهذا العلمِ، وللمعرفةِ بجميعِ الألسنَةِ.

ثم لِتَأثيرِ ما آتاهُم اللهُ سبحانَهُ في إدارةِ الأمورِ، وَتَوجيهها وَرِعَايتها، والهيمنَةِ عليها بصورةٍ حيويَّةٍ وبنَّاءَةٍ وإيجابيَّةٍ، لا تأتي إلا بالخيرِ، ولا تؤدِّي إلا إلى الفَلاحِ.

 

لأجلِ هذا الإجلالِ والتَّعظيمِ والإقرارِ بعصمةِ الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمة (ع) كان اتِّهاُمنا بالغلوِّ شعارًا ضدَّنا!!

فها هو ابنُ تيميَّةَ (شيخ الإسلام!!!) المُعتَمَدُ الرَّسميُّ في كلِّ كليَّاتِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ يُفتِي بِفَتواهُ الشَّهيرةَ بأنَّ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ أشدُّ كُفْرًا من اليهودِ والنَّصارى!! وأنَّ الجهادَ ضِدَّهُم أولى!! وَدَعَا هو وَمَن جاءَ على طريقِهِ المنحرفِ إلى قَتلِهِم وَذَبحِهِم…. إلخ!! فهل هذهِ هي أخلاقُ الإسلامُ المحمديُّ السَّمِحُ!؟

وعلى نفسِ الطريقِ لكنْ في الضِّفَّةِ الأخرى نرى ما يُدرَّسُ في الحوزاتِ من كلامِ الشَّيخِ المفيدِ الذي وَصَفَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ بأنَّهم ضُلاَّلٌ كفَّارٌ!! وزعمَ أنَّ أميرَ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ حَكَمَ فيهم بالقَتلِ والتَّحريقِ بالنَّارِ!! وأنَّ الأئمَّةَ (ع) قَضَوا عليهم بالكفرِ والخروجِ عن الإسلامِ!! أي أنَّ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ معدودونَ في زمرةِ الكفَّارِ، وإنْ أظهَرُوا الإسلامَ وَبَالغوا في مَدحِ أهلِ البيتِ!!

ثم تأتي رَسَائِلُهم إلينا عبرَ قَنَواتٍ متعدِّدَةٍ بأنَّه لا يجوزُ أن ندافعَ عن العلويَّةِ النُّصيريَّةِ لأنَّ هذا الدِّفاعَ فتنةٌ!! بل يجبُ علينا السُّكوتُ والصَّمتُ عن مُمَارسَاتِهم وَدَعواتِهم وأعمالهِم على الأرضِ حتى تنتهي الأزمةُ وَتُخمَدَ نيرانُ الحربِ!! وبالتالي يكونُ كما يقولُ المَثَلُ الشَّعبيُّ: (مَن ضَرَبَ ضَرَبَ، وَمَن هَرَبَ هَرَبَ) لأنَّه عندئذٍ ستكونُ ثَقافَتُهُم التَّكفيريَّةُ ضِدَّنا قد انتشرَتْ وأَزَلَّتِ الكثيرَ من الضُّعفاءِ، وبالتَّالي لا فائدةَ من الكلامِ بعدَ انتهاءِ الحربِ، فهل ما يُطالبونَنا به جائزٌ بِحُكمِ العقلِ والمنطقِ والدِّينِ الإسلاميِّ الذي لا يَرضَى بالضَّعفِ امتثالاً لقولِ الرَّسولِ الأعظمِ (ص): (المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ المؤمنِ الضَّعيفِ)؟؟

 

في الختامِ ولجميعِ مَن يُكفِّرُنا:

لَسْنَا كفَّارًا كما كُنتُمْ وما زِلتُمْ تَصِفونَنا لأنَّنا كنَّا ساكتينَ عن افتراءَاتِكُم ضِدَّنا.. ولا تَكفيريِّينَ كما تَصفونَنا اليومَ وَسَتَصفونَنا غَدًا لأنَّنا رَفَعنا الصَّوتَ عاليًا في مواجهةِ افتراءاتِكم.. فَتَخَلُّوا عن غُلُوِّكُم وَكَذِبِكُم على اللهِ تعالى ورسولِهِ وأئمَّتِهِ (ع) لِتَنجُوا امتثالاً لقولِهِ تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ).

 

باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر “إسلام تايمز”

ahmad

باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر “إسلام تايمز”
==========

دمشق (اسلام تايمز) – في ظلِّ المتناقضاتِ الكثيرةِ التي تحيطُ بمعلوماتِنا عن النُّصيريَّةِ، خاصَّةً مع بروزِ شخصيَّاتٍ دينيَّةٍ وعلمانيَّةٍ توضِّحُ أنَّهم أرقى ممَّا يُحكى عنهم بأنَّهم مجرَّدُ فرقةٍ باطنيَّةٍ لهم تعاليمٌ سريَّةٌ وطقوسٌ خاصَّةٌ يحيطُ بها الغموضُ، كان هناكَ العديدُ من الحواراتِ حولَ مجموعةٍ من عقائدِهم، وكيفَ يفكِّرون ويفسِّرون ويَتعبَّدونُ اللهَ سبحانَهُ وتعالى.

وكان لإسلام تايمز هذا الحوارُ الخاصُّ مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي أكَّدَ أنَّ النَّاسَ يجبُ أن يَقرؤوا عن العلويِّينَ كما يتحدَّثونَ عن أنفسِهم، لا كما تحدَّثَ الحاقدونَ عنهم، وأنَّ الحاقدينَ أخفوا الفضائلَ حقدًا وتزويرًا للتَّاريخِ، والخائفينَ أخفوا الفضائلَ جُبنًا وتزويرًا للتَّاريخِ، لذلكَ فإنَّهم لا يَقبلونَ من أحدٍ أن يُكفِّرَهم كعلويِّين. وهذا نصُّ الحوار:

 

إسلام تايمز: في البدايةِ دكتور أحمد، ما هو سببُ الغموضِ الكبيرِ الذي يلفُّ الفرقةَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ؟

الدكتور أحمد: الغموضُ لا يتعلَّقُ بالفرقةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ نفسِها رغمَ ارتقاءِ تعاليمِها إلى ما فوقَ أذهانِ السَّطحيِّينَ والحشويِّينَ، لكنَّ الغموضَ الذي يُعاني منه الجميعُ تجاهَنا هو أنَّهم لا يقرؤونَ، مع أنَّه يُقالُ أنَّنا أمَّةُ (اقرأ)، لكنَّ الأكثريَّةَ لا تقرأُ. واسمحُوا لي أن أبدأَ بتساؤلٍ هنا: هل يجوزُ بحكمِ العقلِ والمنطقِ والدِّينِ أن يأتيَ الوحيُ إلى الرَّسولِ الأعظمِ (الأمِّيِّ الجاهلِ وفقَ مفهومِ الجاهلينَ!!!) فترتعدَ فرائصَهُ خوفًا من جبريلَ!! ويأمرَهُ جبريلُ بقولهِ: (اقرأ) فيرفضُ النَّبيُّ المعصومُ ليقول: (ما أنا بقارئٍ)!!!؟

هذا الإسفافُ التَّاريخيُّ والتَّفسيريُّ بحقِّ النَّبيِّ الأميِّ؛ الذي أمَّ أمَّةَ الإسلامِ وقادَهم لمعرفةِ ربِّهم، ثمرتُهُ ما نجدُهُ من جهلٍ وتَقوقعٍ وتَمذهبٍ وتعصُّبٍ في مجتمعاتِنا بشكلٍ عام. فمن أهمِّ أدلَّةِ عظمِ شأنِ القراءةِ أنَّ أوَّلَ ما خاطبَ به الخالقُ العظيمُ رسولَهُ الكريمَ هو قولهُ في سورةِ العلقِ: (اقرأ)، وجاءَ عن الإمامِ محمَّد الباقرِ (ع): (إنَّها أوَّلُ سورةٍ نزلَتْ)، حيث قال (ع): (نزلَ جبريلُ على محمَّد فقالَ: يا محمَّد اقرَأ)، وهذا على حسبِ الرِّوايةِ ودليلهُ في قولِ الإمامِ محمَّد الجوَّاد (ع): (والله لقد كان رسولُ اللهِ يقرأ ويكتبُ باثنينِ وسبعينَ- أو قال: بثلاثٍ وسبعينَ لسانًا- وإنَّما سُمِّيَ الأمِّيُّ لأنَّهُ كانَ من أهلِ مكَّةَ، ومكَّةُ من أمَّهاتِ القُرَى، وذلك قوله تعالى: لِتُنْذِرَ أمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَها)، هذا وإنَّ السيّدَ محمَّد الممجَّدَ (ص) أَجَلُّ من أنْ يفتقرَ إلى القراءةِ، بل هو على سبيلِ حثِّ الغيرِ على القراءةِ التي بها يُدركُ النَّاسُ الحقيقةَ، إذ قال تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً).

 

إسلام تايمز: فما هو المطلوبُ برأيكَ من النَّاسِ حتَّى يَتَعرَّفوا على العلويِّينَ بحقيقتِهم؟

الدكتور أحمد: عليهم أن يَقرؤوا عن العلويِّينَ كما يتحدَّثُ العلويُّونَ عن أنفسِهم، لا كما تحدَّثَ الحاقدونَ عنهم، هذا إذا رَامُوا الحقيقةَ مجرَّدَةً، لأنَّ القراءةَ كفيلةٌ بأنْ تجعلَهم مع تراثِنا الصَّـافي لا عليه، فالقراءةُ سبيلُ العلمِ، والعلمُ الصَّحيحُ هو ما عرَّفهُ الإمام الصَّادقُ (ع) نقلاً عن رسولِ اللهِ بقوله (ص): (مَنْ تَعَلَّمَ للهِ وعلَّمَ للهِ دُعِيَ في ملكوتِ السَّماواتِ عَظيمًا)، وقوله (ص): (اطلبُوا العلمَ ولو بالصِّينِ)، والصِّينُ لا يقصدُ به البلدُ المعروفُ، إنَّما أرادَ به السَّفرَ في طلبِ العلمِ والصِّيانةِ لعلمِ الحقِّ وكتمانِهِ لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (لا تطرَحُوا دررَكُم قُدَّامَ الخنازيرِ لئلَّا تدوسَها بأرجلِها وتَلتفتَ فَتُمَزِّقَكُمْ)، فحفظُ السِّرِّ أمرٌ معهودٌ عند جميعِ المللِ والفقهاءِ والعلماءِ، ومِن ذلكَ ما قالَهُ ابنُ سينا لتلميذِهِ: (إنْ أذعْتَ هذا العلمَ أو أضعْتَهُ فاللهُ بيني وبينكَ، فهذا العلمُ أكثرُهُ إشارةٌ).

 

إسلام تايمز: هل يمكنُنا القولُ: أنتَ كباحثٍ علويٍّ جريءٍ خرجَ من الصَّمتِ إلى الكلامِ تعرَّضْتَ إلى معارضةٍ من قبلِ النَّاسِ على كتاباتِكَ وحواراتِكَ؟

الدكتور أحمد: لا يخلو الأمرُ من وجودِ العاقلينَ والجاهلينَ، فالعاقلونَ المطمئنَّةُ قلوبُهم تنسابُ المعرفةُ في صدورِهم كالماءِ العذبِ السَّلسالِ، فيَحيَونَ بها لقوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). ولكنْ بالمقابلِ هناكَ من الجاهلينَ مَن يرفضُ القراءةَ وينصِّبُ نفسَهُ ناقدًا لمقالةِ مَن هو أعلمُ منهُ فيُشعِلُ فتنةً، وكانَ مِن الأسلمِ لو أنَّهُ التزمَ قولَ سقراطِ الحكيم: (لو سَكَتَ مَن لا يَعلمُ لَسَقطَ الاختلافُ). وهناك مَن لا يكتبُ ولا يستطيعُ أن يكتبَ ولكنَّهُ ينتقدُ مَن يكتبُ تعطيلاً للعملِ، فلا هم يعملونَ ولا يريدونَ لأحدٍ أن يعملَ مع أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ). وهناكَ مَن يجهلُ ويتطاولُ على مَن يَعلمُ وقد قالَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): (ليسَ لمَنْ لا يعلمُ حجَّةً على مَن يعلمُ، ولا حجَّةَ للجاهلِ على العالمِ). وهناكَ مَن هو مخطئٌ ومنحرفٌ فيأتي إلى أهلِ العلمِ المستقيمينَ ليَحرِفَ مسارَهم القويمَ وفقَ اعوجاجِهِ ناسيًا قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ). وهناكَ الأكثريَّةُ الخائفونَ بسببِ جهلِهم وظنًّا منهم أنَّه لا يجوزُ الدِّفاعُ عن النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ، فإذا علَّمتَهم على قدرِ استطاعتِهم انتفضُوا وقالوا لكَ: (مَهْ، اصمُتْ هذا ليسَ مكانَ هذهِ الأحاديثِ، لا داعي لإشعالِ فتنةٍ!!!؟).

 

إسلام تايمز: ما هو إذن ردُّكَ على كلِّ هؤلاء؟

الدكتور أحمد: أقولُ لهم: لكلِّ مقامٍ مقالٌ، فما كانَ يتحدَّثُ به رسولُ اللهِ (ص) مع أميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ كان أخصَّ ممَّا يتحدَّثُ به أمامَ بقيَّةِ أصحابِهِ، وما كانَ يتحدَّثُ به أميرُ المؤمنينَ مع خواصِّ أصحابِهِ كان أرقى ممَّا يتحدَّثُ به أمامَ عامَّةِ النَّاسِ، لكنَّ خصوصيَّةَ الحديثِ الرَّاقي لم تمنَعْهُ من الحديثِ أمامَ النَّاسِ وتعليمِهم وتثقيفِهم والارتقاءِ بهم ضمنَ حدودِ تكليفِهم لقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)، وكانَ من أعظمِ التُّراثِ الفكريِّ التوحيديِّ كتابُ (نهجِ البلاغةِ) وفيه من العلومِ التَّوحيديَّةِ ما ظهرَ وبطنَ، فهل كان غيرُ جائزٍ أن نتحدَّثَ فيه؟ وكذلكَ القرآنُ الكريمُ بكلِّ ظاهرِهِ وباطنِهِ، هل هو مُحَرَّمٌ الحديثُ فيه؟ أم كلٌّ يأخذُ من القرآنِ والنَّهجِ بحسبِ استطاعتِهِ.

 

إسلام تايمز: لكن لماذا يخافُ البعضُ كما ذكرتَ؟ هل لديكم تعاليمُ سرِّيَّةٌ يخافونَ أن تبوحَ بها للنَّاسِ؟

الدكتور أحمد: للأسف إنَّ مقولةَ الخائفينَ للأسفِ تؤكِّدُ ادِّعاءَ أعدائِنا أنَّنا فرقةٌ باطنيَّةٌ لنا تعاليمُنا السِّرِّيَّةُ والتي كانت بوابةً لاتِّهامِنا بما ليسَ فينا كأن يقولوا: هؤلاء يعبدونَ البشرَ!! وهؤلاء يدَّعونَ أنَّ الوحيَ قد أخطأ ونزلَ على محمَّد بدلاً من عليٍّ!! وأنَّهم يحلِّلونَ نساءَهم وغلمانَهم…..!!

إنَّ حديثَهم بهذهِ الطَّريقةِ يؤكِّدُ نظرةَ المجتمعِ وفقَ أقوالِ الحاقدينَ، وبهذا فإنَّهم- بقصدٍ أو بدونِ قصدٍ- يضربونَنا بسيفٍ قاطعٍ يقطعونَ به أعناقَنا. لذلكَ كانت الحواراتُ والمناقشاتُ العلميَّةُ الدينيَّةُ الرَّاقيةُ تعريفًا حقيقيًّا بنا. فالخائفونَ هم قسمانِ: الأوَّلُ هم بعضُ العلويِّينَ الجاهلينَ بأمورِ دينِهم والذين يخافونَ من كشفِ جهلِهم أمامَ الآخرينَ فيفضِّلونَ الصَّمتَ، والثَّاني هم من أبناءِ المذاهبِ الأخرى الذين يخافونَ أن يشرقَ هذا النُّورُ العلويُّ السَّاطعُ فيُطفِئَ سطوتَهم وتَرَبُّعَهم على عرشِ تمثيلِ الإسلامِ، وكأنَّ الموضوعَ هو موضوعُ منافسةٍ دنيويَّةٍ على سيادةٍ أو رئاسةٍ!!

 

إسلام تايمز: ما الذي شجَّعَكَ على كسرِ حاجزِ الصَّمتِ والحديثِ في خطوةٍ جريئةٍ؟

الدكتور أحمد: الخوفُ لا يصنعُ مجدًا ولا ينصرُ حقًا، فالكلُّ يتكلَّمُ ولو كانَ على باطلٍ، فَمَا بالُ أهلِ الحقِّ صامتينَ!؟ إنَّ الصَّامتينَ كالفارغينَ الذين لا يمتلكونَ فكرًا ولا دينًا.

فلنفرضْ جَدَلاً أنَّ محاورينا نعتُوا النَّبيَّ بالجهلِ والغوايةِ والنِّسيانِ والعصيانِ!! هل نقولُ لهم: معكم حقٌّ!!؟ أيَّةُ حجَّةٍ سنقدِّمُها دليلاً على عصمةِ نبيِّ الرَّحمةِ (ص)؟ هل سنقولُ لهم: دينُنا سرِّيٌّ وتعاليمُنا خاصَّةٌ!!؟ كيف سنردُّ على وهابيٍّ يأتي إلينا بعشراتِ الأحاديثِ عن محمَّد (الشَّبِقْ جنسيًّا!!!)؟

هذا يعني أنَّ على الجميعِ أن يتصالحُوا مع أنفسِهم، فالخائفونَ أو المُنتقدونَ لا يَنتقدونَني فحسب، بل ينتقدونَ منهاجَ الأنبياءِ والمرسلينَ الذي نمتثلُ له جميعًا، كما كانَ بعضُ الخائفينَ ينتقدونَ الرَّسولَ (ص) ويقولونَ له: ما لَكَ ولِقُريشَ، دَعْهُمْ ولا تناقشْهم فلن يؤمنوا لك!! فهل خالفَ الرَّسولُ أمرَ ربِّهِ بنشرِ الرِّسالةِ واستجابَ للخائفينَ على مصالحِهم وحياتِهم آنذاكَ؟

وكما كان بعضُ الخائفينَ ينتقدونَ أميرَ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ فيقولون له: لماذا أنت ذاهبٌ لمحاربةِ معاوية؟ هل هناك داعٍ لشقِّ الصُّفوفِ يا سيِّدنا؟ فقال لهم: (إِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ والْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ واللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ. يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ ولا رِجَالَ). فهل يقالُ هكذا كلامٌ للإمامِ؟ أم أن الأوجبَ لو أنَّهُ قيلَ لمعاويةَ الذي بِفِتْنَتِهِ شقَّ الصُّفوفَ وهو الذي قال: (ما وجدْتُ طريقًا لتخريبِ الإسلامِ إلاَّ الدُّخولَ فيهِ)، فذهبَ الإمامُ لِيَرأَبَ الصَّدْعَ ويحمي ما تَبَقَّى من الأمَّةِ الإسلاميَّةِ؟

وكما كان بعضُ الخائفينَ قد انتقدوا مولانا الحسينَ (ع) فقالوا له: لا داعي لتَخرُجَ على الحاكمِ يزيد فلستَ قادرًا على الانتصارِ عليه، وسوفَ تتسبَّبُ بشقِّ الصُّفوفِ وقتلِ الأبرياءِ من أجلِ السُّلطةِ!! ألأنَّهم خائفونَ على حياتِهم تطاولوا على مولانا الحسين بدلَ أن يجاهِدُوا معه ضدَّ يزيدَ الشَّيطانِ اللاعبِ مع القرودِ والنَّاكحِ للغلمانِ والقابضِ على السُّلطةِ بالسَّيفِ، فَخَذَلُوا الإمامَ الحسينَ الذي قال: (لعنةُ اللهِ على النَّاكثينَ الذينَ ينقضونَ الأيمانَ بعدَ توكيدِها)، وبقيَ يجاهدُ مع أصحابِهِ الذين ارتَقَوا شهداءَ، ورُفع مولانا الحسينُ إلى ربِّهِ، وندمَ الخائفونَ المتخاذلونَ وسيبقونَ كذلك أبدَ الدَّهرِ نادمينَ.

إنَّ الخائفينَ دومًا كانوا يتحاملونَ على أصحابِ الأئمَّةِ وعلى سادتِنا الثِّقاةِ لأنَّهم كانوا يَذكرونَ فضائلَ أهلِ البيتِ ومعجزاتِ الإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ، بحجَّةِ أنَّ هذا سيزيدُ عداءَ المعادينَ لهم ويجعلَهم موضعَ شُبهَةٍ!! ومستقرًّا لسيوفِهم!!؟ لذلكَ انتقدوا كتابَ (الهداية الكبرى) لسيِّدنا الأجلِّ الخصيبيِّ في عصرِهِ، لأنَّه لم يَسْتَحِ من إظهارِ معاجزِ أميرِ المؤمنينَ ومناقبِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، فتحدَّثَ كيفَ رُدَّتِ الشَّمسُ للإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ، وكيف شَقَّ القمرَ، وكيف كلَّمَ الأمواتَ، وكيف أخبرَ عن الغيبيَّاتِ، فهل هذا سِرٌّ يخشاهُ الخائفونَ وهو حاصلٌ على رؤوسِ الأشهادِ ومُعلَنٌ في كتابِ الهدايةِ الكبرى وكثيرٍ من الكتبِ التَّاريخيَّةِ؟ ألم يرَ الجميعُ هذه المعجزاتِ بعيونِهم؟ أم أن رؤيَتَها كانت حكرًا على محمَّدٍ وعليٍّ وبعضِ المقرَّبين منهم؟ ألم يكن التَّبليغُ للقاصي والدَّاني في يومِ الغديرِ أثناءَ حجَّةِ الوداعِ حين قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فبلَّغَ الرَّسولُ (ص) الولايةَ لأميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ وقال: (اللهمَّ وَالِ مَن وَالاهُ وعادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَن نَصَرَهُ واخْذُلْ مَن خَذَلَهُ)؟

إنَّ الحاقدينَ أخفَوا الفضائلَ حقدًا وتزويرًا للتَّاريخِ، والخائفينَ أخفَوا الفضائلَ جُبنًا وتزويرًا للتَّاريخِ، فلماذا يساهمُ الخائفونَ دائمًا بدعمِ الحاقدينَ بدلَ دعمِ أهلِ اليقينِ؟

 

إسلام تايمز: ربَّما أنَّ مَن يعارضونَ الحديثَ يعتقدونَ أنَّك تبيحُ الأسرارَ العلويَّةَ للنَّاسِ، وهذا لا يجوزُ برأيهم لأنَّكم فرقةٌ باطنيَّةٌ كما يقالُ!! ماذا تقولُ في هذا؟

الدكتور أحمد: ليسَ الأمرُ كما يظنُّ الكثيرونَ بأنَّنا فرقةٌ باطنيَّةٌ كما شاعَ عن الفِرَقِ الباطنيَّةِ التي انتشرَتْ بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ (ع) وانحرفَتْ عن النَّهجِ الإماميِّ القويمِ، لكنَّنا نلتزمُ تعاليمَ الأئمَّةِ المعصــومينَ، وندركُ أنَّ مَن على قلوبِهم أقفالٌ لن يَكتَشِــفُوا سـرَّ اللهِ لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (سِرُّ اللهِ مبثوثٌ بين خلقِهِ لا يعرفُهُ أكثرُهم، ولو أرادَ لَعَرَّفَهُم). لكنْ هنا وجبَ أن أنوِّه إلى أنَّ السِّرِّيَّةَ لا تكونُ بالعاداتِ والتَّقاليدِ والطُّقوسِ بل هي علومٌ ربَّانيَّةٌ لا يَهِبُها اللهُ إلاَّ لأهلِها نُطقًا وفَهمًا، أمَّا مَن لم يكنْ من أهلِها فلَنْ يستطيعَ حَمْلَها لقولِ أميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ: (إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ، ولا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وأَحْلامٌ رَزِينَةٌ)، فَعَدَمُ المجاهرَةِ بالسِّرِّ واجبٌ أقامَهُ كبارُ رجالِ الدِّينِ الإسلاميِّ والمسيحيِّ والموسويِّ وكبارِ الفلاسفةِ والحكماءِ البالغينَ والعلماءِ المحقِّقينَ، وهو معنى التَّقيَّةِ التي أُمِرْنا أن نلتزمَ بها في قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إنَّ احتمالَ أمرِنا ليسَ معرفتَهُ وقبولَهُ، إنَّما احتمالُ أمرِنا هو صونُهُ وسترُهُ عمَّن ليسَ من أهلهِ)، فالتزمَ أهلُ الإيمانِ بها، وخالفَها المبذِّرونَ الذينَ قالَ تعالى فيهم: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، ولكنَّ النَّاسَ لم تُدرِكْ أن هؤلاءِ الْمُبَذِّرِينَ لم يستطيعوا أن يَبوحوا بالأسرارِ الحقيقيَّةِ لأنَّهم لم يَصِلُوا إليها كونَهم ليسُوا من أهلِها، ولكنَّهم حاولوا أن يَنشروا ما عرفوهُ وفهموهُ بمقدارِ أمخاخِهم المسطَّحَةِ المحجوبةِ عن الأمرِ العظيمِ، فَبَقِيَ الأمرُ محميًّا لقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيرُ المَاكِرِينَ). فنحنُ لَسْنا ممَّنْ يقولُ بغباءٍ: أنَّ العلويَّ مؤمنٌ، وأنَّ السُّنِّيَّ والشِّيعيَّ والمسيحيَّ كفَّارٌ!! ولا نقبلُ من أحدٍ أن يُكَفِّرَنا كعلويِّينَ، وهذا يعني أنَّ السِّرَّ ليسَ موجودًا بين أيدي العامَّةِ سواءَ كانوا من العلويِّينَ أو مِن غيرهم، بل هو إشراقاتٌ ربَّانيَّةٌ اختصَّ بها عبادَهُ المخلصينَ أصحابَ الكراماتِ والبراهينِ في أيِّ زمانٍ ومكانٍ وُجدوا، لأنَّهم دائمًا الحُجَّةُ على مَن أنكرَ والمَحَجَّةُ لِمَنْ آمنَ وصَدَّقَ كما قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ).

مصدر : اسلام تايمز