أرشيف الوسم: المسيح

السؤال الرابع والعشرون بعد المئة حول التلبيس والتحقيق

images

السُّؤالُ الرَّابعُ والعشرونَ بعدَ المِئَةِ: إذا كانَ الأئمَّةُ والأنبياءُ (ع) معصومونَ ومنزَّهونَ عن حالاتِ الضَّعفِ والنَّقصِ البشريِّ، فكيفَ نفسِّرُ ما أظهروهُ من حالاتِ قتلٍ أو صَلبٍ أمامَ الخلقِ؟

الجوابُ الرَّابعُ والعشرونَ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
يقولُ تعالى في كتابه العزيز: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ)، فاللهُ سبحانَهُ دائمًا يُظهِرُ الآيةَ ليُفرِّقَ بينَ المؤمنينَ والكافرينَ، فيكونَ الحَكَمُ هو التَّصديقُ والتَّكذيبُ، فَمَنْ صَدَّقَ بالآياتِ فهو من أهلِ اليَقينِ، ومَن كَذَّبَ بها فهو من أهلِ الشَّكِّ. والآيةُ ليست دومًا معجزةً وقُدرةً، بل قد تكونُ في بعضِ الأوقاتِ ضَعفًا أو نقصًا ظاهرًا ليَتمَّ الاختبارُ والامتحانُ فيسقطَ أهلُ الشَّكِّ حينَ يَرَونَ مظهَرَ الضَّعفِ والنَّقصِ، ويفوزَ أهلُ الإيمانِ لأنَّهم يُدرِكونَ أنَّ إظهارَ الضَّعفِ والنَّقصِ من الإمامِ أو النَّبيِّ قدرةٌ بحَدِّ ذاتِها.
وكمثالٍ على ذلكَ فإنَّ ما أظهرَهُ الإمامُ الحسينُ وبقيَّةُ الأئمَّةِ علينا سلامهم من القتلِ (تلبيسًا) لا يتوافقُ مع ما أظهَرُوهُ (حقيقةً) من المعجزاتِ التي ذكرَها سيِّدنا الخصيبيُّ (ع) في كتاب الهداية الكبرى، وما أظهرَهُ سيِّدُنا النَّبيُّ المسيح (ع) من الصَّلبِ (تلبيسًا) لا يتوافقُ مع ما أظهَرَهُ من إبراءِ الأكمَهِ والأبرصِ والأعمى وإحياءِ الموتى (حقيقةً)، فأهلُ اليقينِ الذين لا يُساوونَ بينَ العصمةِ والتَّسفيهِ، عَرَفُوا أنَّ المقتولَ ليسَ هو الإمامُ الحسينُ علينا سلامه، كما أن المصلوبَ ليسَ هو النَّبيُّ المسيح (ع)، وأنَّ ما أظهَرَاهُ من الضَّعفِ بالقتلِ والنَّقصِ بالصَّلبِ هو قدرةٌ على التَّلبيسِ على أهلِ الشَّكِّ الذينَ صَدَّقوا أنَّ المقتولَ هو الإمامُ الحسينُ علينا سلامه والمصلوبَ هو النَّبيُّ المسيحُ (ع)، لأنَّهم لم يُؤمنوا أصلاً بمُعجزَاتِ الإمام الحسين وبقيَّةِ الأئمَّةِ علينا سلامُهم ولا بمعجزاتِ النَّبيِّ المسيحِ (ع)، فتفرَّقوا بعدَ أن جاءَتهمُ البيِّناتُ وهي المعجزاتُ، وجعلُوا التَّلبيسَ حقيقةً فأشركوا وكفروا ومثواهُم جهنَّمَ وبئسَ المصيرِ، وهؤلاء ذكرهم تعالى بقوله: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

الأمرُ ذاتُهُ مع كلِّ وَصِيٍّ ونَبيٍّ لأنَّ التَّصفيةَ قائمةٌ دائمةٌ، وهو ما حدَثَ مع مولانا أميرِ المؤمنين الإمام علي (م) يومَ صفِّينَ في حادثةِ رفعِ المصاحفِ، إذ إنَّ الـمُوالينَ حقًّا تابعونَ بإخلاصٍ لِمَا يقومُ بهِ أميرُهم، لا يَشكُّونَ ولا يُشرِكونَ ولا يَنتقدونَ ولا تَلتَبِسُ عليهم الأمورُ، فهم يعلمونَ أنَّ رفعَ المصاحفِ كانت لإثباتِ الحجَّةِ على الـمُخالِفينَ الذي يستخدمونَ أساليبَ الـمَكرِ والخِداعِ للوصولِ إلى غاياتِهم، كعلماءِ السُّنَّةِ الذين يتَّهمونَنا اليومَ بالكفرِ ويَمكرُونَ علينا بالتزامِهم الظَّاهرِ بمَا نُقِلَ إليهم على أنَّهُ سُنَّةٌ نبويَّةٌ!! وعلماءِ الوهَّابيَّةِ الذين يُشَرِّعُونَ قتلَنا باسمِ الدِّينِ ويحملُون القرآنَ كما كان الصَّليبيُّونَ يحملونَ الكتابَ المقدَّسَ ويَقتلونَ المسلمينَ باسمِ الدِّين!! وعلماءِ الشِّيعةِ الذين يَتَّهِمونَنا بالغلوِّ ويَمكرُونَ علينا باسمِ الانتماءِ إلى مذهبِ أهلِ البيتِ (ع)!! فكلُّهم يحملونَ المصاحفَ ويُكَفِّرونَنا باسم الدِّينِ، لذلكَ انطبقَ على علماءِ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ قوله تعالى: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)، وهذا حجَّةٌ عليهم لا لَهُم لأنَّهم سَقطوا في الامتحانِ عندما شَكُّوا بعصمةِ أمير المؤمنينَ (م) والأئمَّةِ علينا سلامُهُم والنَّبيِّ (ص)، وأسقَطوهُم من النُّورانيَّةِ العُظمَى إلى البشريَّةِ الضَّعيفةِ، فوقعَ فيهم قوله تعالى: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثالث والعشرون بعد المئة حول القربان وطين كربلاء

images

السؤال الثَّالثُ والعشرونَ بعدَ المئةِ: ماذا عن قول السيدة زينب (ع): (اللهمَّ تقبَّلْ مِنَّا هذا القربانَ)؟ وماذا عن طينِ الإمامِ الحسينِ علينا سلامُهُ؟
الجوابُ الثَّالث والعشرونَ بعدَ المئةِ بإذنِ اللهِ:
إنَّ القولَ المنسوبَ لسيِّدَتِنا زينب (ع): (اللهمَّ تقبَّلْ مِنَّا هذا القربانَ) هو قولٌ غيرُ صحيحٍ، لأنَّهم يصوِّرونَ أنَّها كانت تجهشُ بالبكاءِ على الإمامِ الحسينِ علينا سلامُهُ!!
ودليلُ بطلانِ هذا القولِ أنَّ كلمة (القربانِ) لهُ وجهان: الأوَّلُ محمودٌ يقدِّمُهُ الوصيُّ وهو مثالُ القربانِ الذي قدَّمَهُ الوصيُّ هابيل (م)، والثاني مذمومٌ وهو مثالُ القربانِ الذي قدَّمَهُ قابيلُ (لع).
فأهلُ البيتِ (ع) لم يُقدِّموا الإمامَ الحسين علينا سلامُهُ قربانًا، بل الذي قامَ بتقديمِ القربانِ هو يزيدُ اللعينُ وأتباعُهُ عبيد الله بن زياد وشمر بن ذي الجوشن وعمر بن سعد، ولا يمكنُ أن يكونَ قربانُهُم محمودًا أو مقبولاً لقوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، ولا يمكنُ أن يكونَ قربانُ الضِّدِّ هو الإمامَ الحسينَ علينا سلامُهُ، بل إنَّ هذا يقعُ في أخيهم كما وقعَ القتلُ في قوله تعالى: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، والإمامُ الحسينُ علينا سلامُهُ ليسَ أخاهم، بل يقعُ فيه قوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا).
ولو أنَّ الشِّيعةَ المقصِّرةَ عَرَفوا حقَّ الإمامِ الحسينِ علينا سلامُهُ لَمَا سلَّطَ اللهُ عليهم تلكَ المآسي من بكاءٍ ولَطمٍ وضربٍ وتطبيرٍ، ولم يكتفوا بهذا، بل وقعوا بالمحظورِ حينَ قدَّسوا تربةَ كربلاءَ بزعمِهم أنَّها شربَتْ من دمِ الإمامِ الحسينِ علينا سلامُهُ!! فنسَبُوا زُورًا إلى الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ أنَّه قال: (الطِّينُ كلُّهُ حرامٌ كلحمِ الخنزيرِ، ومَن أكلَهُ ثم ماتَ منهُ لم أُصَلِّ عليهِ، إلاَّ طين قبرِ الحسينِ، فانَّ فيه شفاءً من كلِّ داءٍ، ومَن أكلَهُ بشهوةٍ لم يكن فيهِ شفاءٌ)!! فهل يختلفُ هذا النُّوعُ من الأحاديثِ المنسوبةِ للأئمَّةِ عن تلكَ الأحاديثِ المنسوبةِ لرسولِ اللهِ (ص) في صحيح البخاري بأنَّهُ كانَ يشربُ بولَ الإبلِ فاتَّخذَهُ الوهَّابيُّونَ سُنَّةً لهم!!
فالشِّيعةُ الـمُقصِّرَةُ إذن يَبكونَ على المقتولِ في كربلاءَ ويَلطمُونَ أنفسَهم في عاشوراء، كما يَحزنُ النَّصارى الـمُشبِّهَةُ على المصلوبِ في يومِ الجمعةِ الحزينةِ مع أنَّ سيِّدنا المسيح (ع) قالَ: (ملعونٌ كلُّ مَن مَاتَ مُعَلَّقًا على خَشَبَةٍ)، لِنَفي أن يكونَ هو الـمَصلوبُ.
أمَّا نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ الموحِّدونَ فلا نَبكي على المقتولِ في كربلاء لأنَّ اللهَ رَفَعَ الإمامَ الحسينَ علينا سلامُهُ إليهِ كما رفعَ النَّبيَّ عيسى المسيحَ (ع) إليهِ، ولا نَحزنُ على انتصارِ الحقِّ على يَزيدَ بن معاوية لعنهما الله ممتثلينَ لقولِ اللهِ: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
وستَبقى لعنةُ الإمامِ الحسينِ علينا سلامه تلاحقُ الوهَّابيِّين والإخوانَ المسلمينَ وأتباعَهم الملاعين، وستمحوهُهم من الوجودِ كما مَحَتْ سابقًا حُكمَ بني أميَّةَ الشَّجرة الملعونة في القرآن.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثاني والعشرون بعد المئة حول إجلال الحسين عن القتل

images

السؤال الثَّاني والعشرونَ بعدَ المئةِ: ما موقفُ النُّصيريَّةِ ممَّن يقولُ بقتلِ الإمامِ الحسينِ علينا سلامُهُ؟

الجوابُ الثَّاني والعشرونَ بعدَ المئةِ بإذنِ اللهِ:
انطلاقًا من قولِ رسولِ اللهِ (ص): (إنَّ للحسين في جواهرِ المؤمنينَ معرفةٌ مَكتومَةٌ)، نجدُ أنَّ الإمامَ الحسينَ له خصوصيَّةٌ في اشتباهِ القومِ به، وأن ما حدثَ معهُ في قصَّةِ القتلِ والعطشِ وقطعِ الرأسِ والدَّمِ كانَ اختبارًا لم ينجحْ فيهِ إلاَّ المؤمنونَ، لأنَّهم يعرفونَ الحقَّ ويُقرُّونَ له، علمًا أنَّ الحقَّ ظاهرٌ للجميعِ إلاَّ أن مَن أنكرَ سيبقى مُنكِرًا إلى يومِ الدِّينِ.
فالمؤمنونَ أقرُّوا أن النَّمرودَ لا يستطيعُ أن يحرقَ رسولَ الولايةِ إبراهيمَ الخليل علينا سلامُهُ وكان قولُهُ تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ)، وأنَّ الرُّومانَ لا يستطيعونَ أن يَصلبوا النَّبيَّ المسيحَ (ع) بل شُبِّهَ لهم عندما رفعَهُ اللهُ إليهِ فقال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)، وكذلكَ أقرُّوا أنَّ بني أميَّةَ لا يستطيعونَ قتلَ الإمامِ الحسينِ علينا سلامُهُ، وهذا يجري على كلِّ المعصومينَ.
فمَن يكذِّبُ قولَ أمير المؤمنينَ الإمام علي (م): (يا سلمانُ و يا جندبُ، ميِّتُنا إن ماتَ لا يَموتُ، مَقتولَنا إن قُتِلَ لا يُقتَلُ، ولا تَلِدُنا النِّساءُ ولا نَدخلُ في الأرحامِ، ولا يَجري علينا ما يَجري على سائرِ الخلقِ)، يكذِّبُ اللهَ لا محالةَ.
وهذا النَّصُّ مُحكَمٌ لا يحتملُ الاشتباهَ في التأويلِ، فهو يفرِّقُ بينَ ما ظهرَ من حالِ الموتِ والقتلِ والولادةِ والحالاتِ البشريَّةِ، وبينَ وجوبِ تنزيههم عنها لأنَّهم المعصومونَ، وبهذا المعنى رَوَى الإمام علي (م) عن النَّبيِّ محمَّد (ص) أنَّهُ قال: (يموتُ مَن ماتَ منَّا وليسَ بِمَيِّتٍ، ويَبْلى من بَلِيَ منَّا وليسَ بِبَالٍ)، وأتبَعَهُ بقولِهِ: (فَلاَ تَقُولُوا بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ، فَإنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيَما تُنْكِرُونَ)، فالسنَّةُ الحشويَّةُ والشِّيعةُ المقصِّرةُ والمتشيِّعون المرتدُّون أنكروا العصمةَ المطلقةَ للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ (ع)، فوقعَ فيهم قوله تعالى: (بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ).
وعندما نَفَى أميرُ المؤمنينَ الإمامُ علي (م) الموتَ عن الأئمَّةِ من بعدِهِ في قولِهِ: (يَموتُ مَن ماتَ منَّا وليسَ بميِّتٍ، ويَبقى مَن بَقِيَ منَّا حجَّةً عليكم)، كانَ يؤكِّدُ أنَّ الموتَ لا يقعُ عليهم تنزيهًا، وأنَّ دوامَ الحجَّةِ قائمٌ إلى قيامِ السَّاعةِ بعدَ الأئمَّةِ من خلالِ وجودِ رسلِ النُّورِ (ع).
وما يجري على الأئمَّةِ علينا سلامُهُم يجري على الإمام الحسينِ علينا سلامُهُ، ولذلكَ نبَّهَ الإمامُ موسى الكاظمِ علينا سلامُهُ بقولِهِ: (مَن زارَ الحسينَ عارفًا بِحَقِّهِ غَفَرَ اللهُ له ما تقدَّمَ من ذَنبِهِ ومَا تَأخَّرَ)، وحقُّهُ أن نعصِمَهُ عمَّا لا يليقُ به من القتلِ والعطشِ والدَّمِ وقطعِ الرَّأسِ والتَّمثيلِ وما إلى ذلكَ، وهو ما أكَّدَ علينا سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبي (ع) بقوله:
(أيُّها الزَّائرونَ مَشهَدَ نورٍ … لِحُسينٍ ظَفِرْتُم بالسُّرورِ
ولَعَمري لقد سُعِدْتُم وفُزْتُمْ … بالذي ليسَ مثلَهُ في الدُّهورِ
فلَعَمري لقد حَويتُم وحِزْتُمْ … شَرَفًا باذِخًا وفخرَ الفَخورِ).
فمعرفةُ أنَّ الإمامَ الحسين علينا سلامُهُ لا يُقتَلُ ولا تَطالُهُ أيدي أعداءِ اللهِ هي معرفةُ حقِّهِ التي تغفرُ الذُّنوبُ وتعطي الشَّرفَ والفخرَ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السادس والثمانون حول عدم البكاء على الحسين

images

السُّؤال السَّادسُ والثَّمانون: هل يبكي العلويُّونَ على الحسينِ كما يَفعَلُ الشِّيعةُ في أيَّامِ عاشوراءَ؟

 

الجوابُ السَّادسُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:

حقيقةُ التَّوحيدِ عندَنا كعلويِّينَ هي الإخلاصُ للإمامةِ كَغَايةٍ، والتَّمسُّكُ بالرِّسالةِ كَطَريقةٍ، فعندما نتحدَّثُ عن الإمامةِ، نتحدَّثُ عن مقامٍ غيرِ الرِّسالةِ، نتحدَّثُ عن مقامٍ أعلى منها، ولكنَّ الشِّيعةَ ساوَت الإمامةَ مع الرِّسالةِ فأخطأتْ، والسُّنَّةَ جعلَتِ الإمامةَ أدنى من الرِّسالةِ فأخطأتْ.

والنَّبيُّ يُعلِنُ للخلقِ مقامَ الإمامةِ كما فعلَ سيِّدُنا محمَّد (ص) عندَ إعلانِهِ إمامةَ سيِّدِ الوصيِّينَ وأميرِ المؤمنينَ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في قوله له: (أنتَ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بَعدِي)، وقوله في حديثِ الغديرِ مشهورٌ وكافٍ لتَكتملَ رسالتُهُ، لأنَّهُ (ص) قال: (أنا الـمُنذِرُ وعليُّ الهادي، وبكَ يا عليُّ يَهتَدِي الـمُهتَدونَ مِن بَعدي).

والإمامةُ تتطلَّبُ شروطاً أهمُّها العصمةُ، بدليلِ قوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، هذهِ العصمةُ حقيقةٌ موجودةٌ عند كلِّ الأئمَّةِ (ع)، وقد ورد عن الإمام الجوَّادِ (ع) قوله: (أَمَا عَلِمْتُم أنَّ أهلَ هذا البيتِ لَيسُوا خَلْقًا من هذا الخَلْقِ، أَمَا عَلِمْتُم أنَّ رسولَ اللهِ بَايَعَ الحسنَ والحسينَ وَهُما صَبيَّانِ).

كما وردَ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاس أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ (ص) يقولُ عن نفسِهِ وعن الحسنِ والحسينِ والتِّسعَةِ من بَعدِ الحسينِ أنَّهم (مُطَهَّرونَ مَعصومونَ)، فَحَقَّتِ الإمامةُ للحسنِ والحسينِ (ع) كما صَحَّت لِمَن أتَى بَعدَهُما من الأئمَّةِ حيثُ قالَ أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ لهما: (أنتُما سَيِّدَا شبابِ أهلِ الجنَّةِ، إمامانِ معصومانِ حَفِظَكُما اللهُ ولعنةُ اللهِ على مَن عَادَاكُما).

والسؤالُ الذي نطَرَحَهُ هنا: كيف تمَّ عند الشِّيعةِ الربطُ بين ضعف وعجز الأئمَّةِ وعِصمَتِهم؟

لقد أخطأت الشِّيعةُ عندما اعتقدَتْ أنَّ الإمامَ يمكنُ أن يُحِسَّ بما يُحِسُّ به البشـرُ، وَيُعاني ما يُعانيهِ البشـرُ، ويَتألَّمُ لِمَا يَتألَّمُ منه البشـرُ، فَوَصلَتْ إلى نَتيجةِ أنَّ للأئمَّةِ خصائصُ جسميَّةٌ بشـريَّةٌ، وأنَّ الأئمَّةَ يعيشونَ نقاطَ الضَّعفِ البشـريِّ!! وأنَّ هناكَ نقصًا تكوينيًّا في الشَّخصيَّةِ الإماميَّة!!

إنَّ الإمامَ هو كلُّ مَن ائتَمَّ به القوم واقتَدوا بقولِهِ وفعلِهِ، فهو يعني المثالَ والقدوةَ والمقصودَ، وهكذا نرى كعلويينَ الإمامَ الحسينَ (ع) قائدًا مُجسِّدًا لكلِّ القِيَمِ الخيِّرَةِ والأخلاقِ السَّاميةِ، ممثِّلاً للحقِّ ضِدَّ الباطلِ، وللعدالةِ ضدَّ الظُّلمِ، وللهدايةِ ضدَّ الضَّلالةِ، وللتَّوحيدِ ضدَّ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ.

ونحنُ لا نغالي به كما فعلَتِ الشِّيعةُ، فالشِّيعةُ غالَتْ بالإمامِ الحسين (ع) كم غالَتِ النَّصارى بسيِّدنا المسيح (ع) عندما أفرطوا بتسليمِهمْ له ورفعوهُ إلى درجةٍ عظيمةٍ، ثمَّ ناقَضوا أنفسَهم وفرَّطوا به، واللهُ تعالى يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً)، ولهذا قالَ سيِّدنا المسيح (ع): (ملعونٌ كلُّ مَن مَاتَ مُعَلَّقًا على خَشَبَةٍ)، لنفي أن يكونَ هو المصلوبُ. فنحنُ لا نبكي على الإمامِ الحسينَ (ع) لأنَّ اللهَ- بمعتَقَدِنا العلويِّ- رَفَعَهُ إليهِ كما رفعَ عيسى (ع) إليهِ بالحجَّةِ الواضحةِ البيِّنةِ، ولكنَّ الشِّيعةَ اقتدوا بالمنكرينَ لِرَفعِ عيسى (ع) إلى اللهِ، ولم يَقبلوا برفعِ الحسينِ (ع) إليهِ، ولهذا يبكونَ عليهِ ويلطمونَ أنفسَهم في عاشوراء.

وهذا يعني أنَّ فكرَنا العلويَّ اقتضَى أن نرتقي في التماسِ الدُّروسِ من الأئمَّةِ (ع)، ومنهم الإمامُ الحسينُ (ع) الذي تميَّزَتْ خطبُهُ بالدَّعوةِ إلى عبادةِ اللهِ حقَّ عِبَادَتِهِ، هذهِ العبادةُ تتطلَّبُ صِحَّةً في العقيدةِ التَّوحيديَّةِ، وهو الأمرُ الذي أكَّدَ عليهِ الإمامُ الحسين (ع) مِرارًا وتكرارًا، فقد كان لَهُ دورٌ بارزٌ في محاربةِ أصحابِ العقيدةِ الـمُشبِّهَةِ الـمُشركَةِ، والذين سُمُّوا بالمارقينَ، فقال (ع): (أيَّها النَّاسُ اتَّقُوا المارِقَةَ الذين يُشبِّهونَ اللهَ بأنفُسِهم، يُضَاهِئُونَ قولَ الذين كَفَرُوا من أهلِ الكتابِ، بل هُوَ اللهُ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

وتابعَ الإمامُ الحسين (ع) على نهجِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في توحيدِ الباري، إذ أثبتَ وجودَ اللهِ لِخَلقِهِ في قوله: (هوَ في الأشياءِ كائِنٌ لا كَينونَةَ مَحظورٍ بها عَليهِ، ومن الأشياءِ بائنٌ لا بينونةَ غائبٍ عنها)، وأقامَ ميزانَ الحقِّ في قوله: (احتَجَبَ عن العقولِ كما احتَجَبَ عن الأبصارِ، وَعَمَّنْ في السَّماءِ احتجابَهُ عمَّنْ في الأرضِ) لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ). ثمَّ أَفْرَدَ ذاتَ الباري عَزَّ عِزُّهُ عن الصِّفاتِ المحسوسةِ في قوله (ع): (لا يُوصَفُ بِشَيءٍ من صِفاتِ الخَلائقِ)، وعن الأفعالِ المعقولةِ في قوله: (ما يُتَصَوَّرُ في الأوهامِ فهو خِلافُهُ)، لأنَّ جميعَ ما أوجدَهُ من أسماء وصفاتٍ وأفعالٍ في الخَلْقِ إنَّما هي مِن صُنْعِهِ جَلَّ وَعَلا وليسَتْ سَابقةً لَهُ، دليلُ ذلكَ في قوله (ع): (بِهِ تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بها يُوصَفُ، وبِهِ تُعقَلُ الـمَعَارِفُ لا بها يُعقَلُ).

فَمَن كانَ يرى الإمامَ الحسينَ (ع) وفق هذهِ الرُّؤيةِ الجليلةِ لا يبكيهِ ولا يفرِّطُ به ولا يُخفِّضُ مقامَهُ، بل على العكس، يَحمدُ ربَّهُ دائمًا على هذا الانتماءِ العلويِّ الحسينيِّ الشَّريفِ، ويعملُ جاهدًا ليحافظَ على نفسِهِ من عَبَثِ البدعِ وعشوائيَّةِ الشُّبهاتِ وفَوضى الانحرافِ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس والستون حول ميلاد المسيح

images

السُّؤال الخامس والسِّتُّون: هل ينظرُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لميلادِ السَّيِّدِ المسيحِ (ع) كما تنظرُ إليهِ المذاهبُ الأخرى؟ أم كما ينظرُ إليهِ المسيحيُّونَ أنفسُهم؟

 

الجوابُ الخامسُ والسِّتُّونَ بإذنِ اللهِ:

لابدَّ في البدايةِ من الإشارةِ إلى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) سُمِّيَ مسيحًا كما وردَ عن الموالي (ع) لأنَّ في كلِّ شيءٍ منه مسحةً، وليسَ فيه مسحةً من غيرِهِ، وقيلَ أنَّهُ سُمِّيَ مسيحًا لأنَّه كان يمسحُ كلَّ ذي عاهةٍ بيدِهِ فيبرأَ، وقيلَ أنَّهُ كان ممسوحًا ليسَ لهُ ما للرِّجالِ ولا ما للنِّساءِ، لأنَّهُ لاهوتٌ ماثلَ النَّاسوتيِّين كأمثالِهم ليفهموا عنه، وكلُّ ذلكَ لإثباتِ الحجَّةِ عليهم، فقد مَسَحَ العالمَ بأسماءٍ وهيئاتٍ ومسحَ نفسَهُ باسمٍ وهيئةٍ لتَقْرُبَ الصُّورَةُ من الصُّورةِ فلذلك سُمِّيَ مسيحًا.

نحن العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لا نجسِّدُ سيِّدنا المسيح (ع) بشرًا فنوقعُ عليه الولادةَ البشريَّةَ كما تفعلُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ، بل نرفعُهُ كما أمرنا (ع) بقوله: (مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي). كذلك لا نجسِّدُ الإلهَ الآبَ فنساويهِ بالمألوهِ الابنِ كما يفعلُ النَّصارى، بل ندركُ منزلةَ الابنِ الأعظم من بارئِهِ الآبِ الوهَّابِ، وما خَصَّهُ به من قدرتِهِ لقوله (ع): (الحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ، إِنْ عَلِمْتُمْ هَذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ).

إنَّ الابنَ في نهجنا العلويِّ النُّصيريِّ غيرُ الآبِ، كما أنَّ الرَّسولَ غيرُ المرسِلِ، فالابنُ ليسَ هو الآبُ بذاتِهِ، بل إنَّ الابنَ له آبٌ أوجدَهُ ومُرسِلٌ أرسلَهُ ومكوِّنٌ كوَّنَهُ، وهذا يعني أنَّ الابنَ ليسَ هو الإلهُ المعبودُ، بل هو عبدُهُ ونبيُّهُ ورسولُهُ الذي أرسلَهُ بالهدى ودينِ الحقِّ إلى أهلِ الحقِّ والجحودِ لقوله (ع): (الكلامُ الذي تسمعونَهُ ليسَ لي بل للآبِ الذي أرسلَني).

ولطالَما صرَّح سيِّدنا المسيحُ (ع) وشَهِدَ أنَّهُ رسولُهُ وعبدُهُ المُفتَقِرُ إليهِ، وأنَّه إلهُهُ الذي يدعوهُ وَيَتضرَّعُ إليهِ ويُناجيهِ لِكَشفِ ضُرِّهِ، وينتصرُ به على أعدائِهِ في مَلمَّاتِهِ، كما في قوله تعالى على لسان المسيح: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)، وقوله عزَّ وجلَّ: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)، وكذلك ما جاء في الإنجيلِ على لسانِ سيِّدنا المسيح (ع): (الذي يؤمنُ بي ليسَ يؤمنُ بي بلْ بالذي أرسلَني).

وقد أوضحَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) خطأ مَن اعتقدَ أنَّ الابنَ إلهٌ كالآبِ، علمًا أنَّ المشبِّهينَ اعتقدوا بذلك تقليدًا ولم يتفقَّهُوا فيهِ من أهلِ العلمِ، فمَن زعمَ أنَّ الابنَ والآبَ جوهرٌ واحدٌ وقالَ بإلهينِ اثنينِ، فقد جعلَهُما قديمينِ وهذا ممَّا لا تقبلُهُ العقولُ، لقوله تعالى: (وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ)، فمنَ الشِّركِ أن يُساوى الابنُ بالآبِ، والعبدُ بالمولى، والمألوهُ بالإلهِ، وهذا ما نهى عنه تعالى بقوله: (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)، حتى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) أشارَ لذلكَ قائلاً: (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ)، فمَن لم يُخلِّصِ الابنَ من الآبِ لم يعبدْ شيئًا.

كما جاءَ في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ) نهيٌ للمؤمنينَ أن يُساووا بين الابنِ والآبِ، وهو الغلوُّ في الابنِ لأنَّه قد اشتبَهَ على المشبِّهين قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (كلُّ مَن رَآني فقد رَأى اللهَ)، لذلك قال عزَّ وجلَّ: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)؛ أي كفرَ من قالَ إنَّ الآبَ هو الابنُ، وهذا ليسَ إسقاطًا لمنزلةِ الابنِ لقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) أن تجعلوهُ مخلوقًا يجري عليه ما يجري على المخلوقين، لذلك لا نقولُ إنَّ الابنَ مخلوقٌ إجلالاً وإعظاماً، ولكنْ نقول إنَّ الآبَ فوقَهُ، وهو معنى قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أنا والأبُ واحدٌ… وهو أعظمُ من الكلِّ).

فالآبُ أحدٌ فوقَ كل شيءٍ ولا شيءَ معه، أبدعَ الابنَ وهو المسيحُ (ع) عبدُهُ القائمُ بقسطِهِ، وأجرى على يدِهِ الخلقَ والرِّزقَ والحياةَ لقوله تعالى على لسانه: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

ولابدَّ للمؤمنِ أن يعرفَ أنَّ طريقَ الوصولِ للمسيحِ (ع) لا يكونُ إلاَّ من خلال روحِ القُدُسِ الذي خاطبَ مريمَ العذراءَ وبشَّرَها كما جاءَ في الآيةِ: (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، وكذلك جاءَ في الإنجيل الخطابُ لها: (اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ) وهذا دليلٌ على أنَّ معرفةَ الابنِ لا يُدخَلُ إليها إلاَّ من معرفةِ روحِ القُدُسِ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ)، فالأجلانِ في التأويلِ هما روحُ القُدُسُ والابنُ، ومثالُهُما تبشيرُ سيِّدنا يوحنَّا المعمدان بظهورِ المخلِّصِ سيِّدنا المسيح (ع)، فإذا قُضِيَ هذان الأجلانِ فلا عدوانَ: أي ليس فوقَهُما إلاَّ الآبُ، وهو الغايةُ لمن أرادَ النَّجاةَ.

ومَن أرادَ النَّجاةَ تمسَّكَ بالعروةِ الوثقى التي هي ولايةُ الوصيِّ، ومن تخلَّفَ عن هذه الولايةِ كانَ من أهلِ الباطلِ لقولِ الإمامِ جعفر الصادق (ع): (لقد ارتقيتُم إلى درجةٍ ما فوقَها مرقاةٌ، ما بعدَ معرفةِ اللهِ ورسولِهِ إلاَّ الباطلُ فماذا تطلبونَ؟)، دليلاً على أنَّ جميعَ الأنبياءِ أشاروا إلى الأوصياءِ، فسيِّدنا عيسى اعترفَ لوصيِّهِ شمعون الصَّفا وهو المكنَّى (بطرس) بقوله: (أنتَ صَخْرَتي وعليكَ أَبنِي كَنيسَتِي)، فأقرَّ أنَّه الملتجأُ إليهِ والموثوقُ بِهِ، كما سيِّدُنا محمَّد (ص) أشارَ إلى وصيِّهِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، وأعلنَ وصرَّحَ بأنَّهُ الوليُّ بقوله: (أينَ مُنجِزُ وعدي؟ أينَ قاضي ديني؟ أين مُفَرِّجُ الهمِّ عني؟ أين عليٌّ وصيِّي؟)، فنسألُ الله أن يثبِّتنا على هذه الولايةِ ويجعلنا من السَّالكين على سبيل النَّجاةِ إلى أبدِ الآبدين.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد