أرشيف الوسم: النصيرية

السؤال الثاني والثمانون حول الفرق بين التجلي والحلول

images

السُّؤال الثَّاني والثمانون: هل التَّجليِّ الذي تتحدَّثُ عنه النُّصيريَّةُ هو حلولُ اللهِ بالبشرِ كنزولِهِ في جسدِ علي؟

 

الجوابُ الثَّاني والثمانون بإذنِ اللهِ:

إنَّ للمؤمنِ على المؤمنِ حقوقًا، منها النَّصيحةُ والتَّنبيهُ من الوقوعِ في الأخطارِ والشُّرورِ، وأعظمُ الشَّرِّ ما كان في الدِّينِ والعقيدةِ، لذلكَ لَزِمَ التَّنبيهُ إلى ما قامَ به أهلُ الحلولِ، وإلى ما تحتويهِ كتبُهم ومراجعُهم الخاصَّةُ من أمورٍ وضعَها سادَتُهم ويجبُ مراجعتُها والتَّدقيقُ فيها والبراءةُ منها، وسأوضِّحُ في هذا الجوابِ بعضًا من شُبُهاتِهم وَبِدَعِهِم التي نُسِبَتْ زورًا وبُهتانًا لنَهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ، وسأوضِّحُ بالشَّرحِ الدَّقيقِ المعاني الحقيقيَّةَ للأقوالِ المَعصومَةِ التي يجبُ ألاَّ تُؤخَذَ على ظاهرِ الكلامِ لقولِ سيِّدنا المسيحِ (ع): (لا تَحكُمُوا حسبَ الظَّاهرِ ولكنْ احكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا).

يزعمُ الحلوليُّونَ أنَّهم يَكتسبونَ مَعرِفَتهم بالوحي لا بالطُّرُقِ والحقائقِ، فَهُم لا يَستَدِلُّونَ بالقرآنِ ولا بالأخبارِ المُتواتِرَةِ عن النَّبيِّ والأئمَّةِ (ع)، لذلك ضَلَّ أهلُ الحلولِ عن فَهْمِ إثباتِ المَشهودِ الموجودِ لِيُثبِتُوا حسبَ زعمِهم (حلولَ اللهِ بالكائناتِ العاقلةِ وغيرِ العاقلةِ، فَكُلُّ كائنٍ يَرَى اللهَ تعالى كَهَيئَتِهِ إنَّما أكبرُ وأعظمُ، فالبشرُ يَرَاهُ بَشَرًا أكبرَ وأعظمَ!! والحيوانُ والنَّباتُ والجمادُ يَرَونَهُ حَيَوانًا ونباتًا وجَمَادًا أكبرَ وأعظمَ!!).

ومن أعلامِ بدعةِ الحلولِ السَّابقين (سنان قزحل وسراج الدين العاني وعلي بن قرمط وعلي بن كشكة العشيري وزيد الحاسب وإسماعيل بن خلاَّد وإسحاقَ الأحمر)، حيث قالوا في بعض بِدَعِهم: (إنَّ اللهَ حَلَّ في جميعِ الأشياءِ كالبقرِ والحيوانِ والكلابِ والخنازيرِ…!!)، وها هم أهل الحلولِ المتأخِّرين الذين تَنَزَّلُ عليهم الشَّياطينُ، تَرَاهُم في كلِّ وَادٍ يَهيمُ، يتحدَّثُون في كلِّ علمٍ، ولكنَّ حديثَهم سَطحيٌّ ضَحْلٌ، وَعَرْضٌ سَاذَجٌ مَبتورٌ، وهو حديثُ مَن قَرأَ شيئًا عن الموضوعِ وَأَلَمَّ ببعضِ الشَّيءِ، ثمَّ صَبَّهُ في قالبٍ خطابيٍّ لِيَستعرضَ به أمامَ حَفنَةٍ من العوامِّ، يُبهِرُها صَدَى سُمعَتِهِ وَصِيتُهُ وجَلَبَةُ خَيلِهِ وَخُدَّامِهِ أكثرُ ممَّا يُفْقَهُ من قولِهِ وحديثِهِ.

لقد خرجَ أهل الحلولِ عن نهجِ الحقِّ حين قالوا: (لا هيولى إلَّا حقٌّ، ولا حقَّ إلَّا تابعٌ لهَيولى، وكلُّ حقٍّ لا يَتبعُ هيولى ليس حقًّا!!)؛ أرادوا بذلك حلولَ اللهِ في كلِّ الهيئاتِ والأشكالِ حسب شُروحاتِهِم، فكلُّ ما نَرَاهُ من صُورٍ وهيئاتٍ- وفق زعمِهم- قد حَلَّ اللهُ فيها لإثباتِ وجودِهِ، سواءَ كان ذلك في البشرِ أم في الحيوانِ أم النَّباتِ أم الجماد، إذ كلُّ موجودٍ يراهُ مثلَهُ بهيئةٍ أكبرَ وأعظمَ، فمثلاً البشرُ يرونَهُ بشرًا أضخم، والضِّفدعُ يراهُ ضفدَعًا أكبر، والشَّجرةُ تراهُ شجرةً أكبر، معاذَ الله من هذا الحلولِ الشَّيطانيِّ الرَّجيمِ!!

إنَّ هؤلاء الحلوليِّينَ لم يَفقَهوا ما رُويَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) حين قيل له: يا سيِّدي، اللهُ في كلِّ مكانٍ أو في مكانٍ دونَ مكانٍ؟ فقال: (بَلْ في كلِّ مكانٍ). قيل: فهو في الجمادِ والنَّباتِ؟ فقال: (ليسَ هوَ فيهِ كالشَّيءِ في الشَّيءِ حُلولاً، ولا هو خارجٌ منهُ كالشَّيءِ في مكانٍ دونَ مكانٍ مُباينًا). قيل: نعم فَمَثِّلْ لي ذلكَ. قالَ: (ضَوءُ الشَّمسِ يَطلُعُ على الجِيَفِ ويُظِلُّ النُّطَفَ). قيل: أَوَمُحْتَجِبٌ هو؟ فقال: (أَوَمُحْتَجِبٌ ضوءُ الشَّمسِ عن الخَلقِ؟). قيل: لا. قال: (وكذلكَ هو). قيل: فَظَاهِرٌ هو كضوءِ الشَّمسِ؟ قال: (فَضَوءُ الشَّمسِ تَرَاهُ الأبصارُ وَتَحويهِ؟). قيل: لا. قال: (وكذلك هو). قيل: فما يَضُرُّهُ مُلامَسَةٌ؟ قال: (أفَيَضُرُّ الشَّمسَ طُلُوعُها على الجِيَفِ؟). قيل: لا. قال: (وكذلك هو).

إنَّ هذا القولَ يؤكِّدُ أنَّ التَّجلِّي لا يعني حلولاً في الكائناتِ كما يزعمُ أهلُ الحلولِ، وبالتَّالي كما يتَّهمُنا السُّنَّةُ والشِّيعةُ، بل هو دلالةٌ على وجودِ الحقِّ إثباتًا للحجَّةِ وإيضاحًا للمَحَجَّةِ، لقول أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (إنَّ الصَّنعَةَ على صَانِعِها تَدُلُّ)، فالحقُّ تعالى واجبُ الوجودِ لِذَاتِهِ لِكَونِ عَدَمِ وُجودِهِ يَعدمُ جميعَ المُحدَثاتِ، وَبِفَيضِ وُجودِهِ تَنمو سائرُ الموجوداتِ من الخَلقِ والنَّباتِ.

وهكذا جَرَّ أهلُ الحلولِ أنفسَهُم بأنفسِهِم ليفضحُوا شركَهُم حين زَعَمُوا أنَّ (ليلةَ القدرِ هي اجتماعُ الواحدِ والوحدانيَّةِ بالأحدِ!!)، فهل يقبلُ العارفُ في نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ أن يحلَّ عالَمُ الأسبابِ وعالَمُ الكَشْفِ بالحقِّ عزَّ وجلَّ!؟

وأيَّةُ شَيْطَنَةٍ سيطرَتْ على أهلِ الحلولِ حين فسَّرُوا قوله تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقوله سبحانه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، فزَعَمُوا شارحينَ الآيتين بقولهِم المَشبوهِ: (شَارَكَ اللهُ الرَّسولَ وَشَاطَرَهُ بالعبوديَّةِ كإشراكِ الطَّاعَةِ!!)، مخالفينَ ما وردَ في مُحكَمِ نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ أنَّ اللهَ أمرَ بالسُّجودِ سجودَ طاعةٍ للنَّبيِّ آدم (ع) في قولِهِ تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، ولكنَّه أمرَ بعبادةِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ في قوله سبحانَهُ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وقولِهِ: (وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)، فالطَّاعةُ جائزةٌ للرَّسولِ وَمَن يَخْتَصُّهُ اللهُ بِهَا، لأنَّ اللهَ أَقَامَ رَسولَهُ فِي خَلقِهِ، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ، وَالدُّعَاءَ إِلَيهِ دُعَاءً إِلَيهِ، فلْنَتَقَيَّدْ بأحكامِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ والعِترَةِ، وفي ذلكَ الرَّحمَةُ وتمامُ النِّعمةِ، وَقَد قرنَ سبحانَهُ طَاعَتَهُ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ، وَذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى قُربِ الحبيبِ من رَبِّهِ. أمَّا العبادةُ فغيرُ جائزةٍ إلَّا للحقِّ جلَّ وَعَلا، لذلكَ أُطْلِقَ الكفرُ على مَن يَعبُدُ الرَّسولَ دونَ المُرسِلِ، وأُطلِق الشِّركُ على مَن يَعبدُ الرَّسولَ والمُرسِلَ، وشُهِدَ بالتَّوحيدِ لِمَن عَبَدَ المُرسِلَ دونَ الرَّسولِ.

وقد وجدنا أهلَ الحلولِ قد غرقُوا أكثر فأكثر في شيطَنَتِهِم ليفسِّرُوا أقوالَ المعصومين بفهمِهِم الإنكاريِّ، فقد أوردوا القولَ المشبوهَ: (لا خَلا ولا مَلا بين الحقِّ والعقلِ أي ليس بين نورِهِ ومقامِهِ إلَّا ذَاتُهُ!!) جاعلينَ مقامَ الحقِّ هو العقلُ، وهذا من أفكارِ الحلوليِّين الذينَ اعتبرُوا أنَّ روحَ العقلِ مقامُ الحقِّ!! ولم يفهم أهلُ الحلولِ أنَّ قُرْبَ العقلِ من الحقِّ ليس حلولاً، بل يعني أنَّهُ لا واسطةَ بين الحقِّ والعقلِ، لقولِهِ تعالى في الحديثِ القدسيِّ مخاطبًا العقلَ: (وَعِزَّتي وَجَلالي ما خَلَقْتُ خَلقًا أقربَ إليَّ منكَ، ولكَ أظهَرْتُ خَلقِي وبكَ آخذُ عليهم عَهدِي وبكَ أُعطِي وبكَ أَحكُمُ وبكَ أمضِي، ما وَصَلَ إليَّ مَن جَحَدَكَ ولا احتجبَ عنِّي مَن عَرَفَكَ، رَضِيتُكَ للعالَمِينَ نورًا وَبِحُكمِي فيهم مُدَبِّرًا).

إنَّ شركَ أهلِ الحلولِ جعلَهُم أيضًا مشركينَ بعبادةِ الأسماءِ الحسنى فها هم قد قالوا قولَهُم المشبوهَ: (اسمُ الله ذاتُهُ!!) غافلين عمَّا قاله الإمامُ الصَّادق (ع): (إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، فلو كانَ الاسمُ هو المُسَمِّي لَكَانَ كلُّ اسمٍ إلهًا، ولكنَّ اللهَ مَعنى يُدَلُّ عليهِ بهذِهِ الأسماءِ وكلُّها غيرُهُ)، فَلَو قُلْنَا أنَّ الذَّاتَ الإلهيَّةَ هي الأسماءُ الحسنى فلا يجوزُ من الحكمةِ عبادةُ اسمٍ، كما أنَّه تعالى لم يقل: (اللهُ هو الأسماءُ الحُسنَى)، بل قال: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)؛ أي يميلونَ عن الحقِّ في أسمائِهِ.

لكلِّ ما سبقَ نؤكِّدُ أنَّ البحثَ عن مشكلةِ الخلطِ بينَ العلويَّةِ والحلوليَّةِ عندَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ تُشَكِّلُ أكبرَ عدوٍّ يُهدِّدُنا، وَتُعطي صورةً مشوَّهَةً عنَّا، لذلكَ فإنَّ بحوثَ الحاقدينَ التي تناولَتْ نهجَنا العلويِّ الإسلاميِّ على ذلكَ المَسْلكِ الغريبِ، لن يجعلَها تدرِكُ عَقَائِدَنا إلَّا كمَا صَوَّرَها وَرَسَمَها لهم أباليسُهم، لذلكَ نقولُ للباحثِ المُنصفِ في نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ: يَنبغي أنْ تتعرَّفَ عليه كما هُوَ في حَقيقتِهِ وعندَ أهلِهِ من السَّادَةِ الثِّقاةِ الميامينِ المَشهودِ لهم بالعلمِ والمعرفةِ والتُّقى واليقينِ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

الفيلسوف العلوي أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني

hesham

الفيلسوف العلوي أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني
الباحث الديني: هشام أحمد صقر

ولد الفيلسوفُ العلويُّ العظيمُ أبو سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني في مدينة طبرية سنة 358 هـ- 969 م، وإليها نِسبَتُه، والتقى الفيلسوفُ بالعالمِ العلويِّ العظيمِ أبي الحسين محمَّد بن علي الجِلِّي، ثم رحل إلى حلب سنة 376 هـ، ثم انتقل إلى اللاَّذقية والتفَّ حولَهُ مَن فيها من العلويِّين، واستمرَّ في دَعوتِهِ وإرشادِهِ وجهادِهِ العلويِّ حتَّى وفاته في اللاَّذقية عام 426 هـ- 1035 م، ودُفِنَ فيها.
أبو سعيد الميمون بن القاسم الطبراني عَلَمٌ من أعلام الفرقة العلويَّةِ النُّصيريَّة الخصيبيَّة، قادَ الفرقةَ العلويَّةَ بعد أستاذِهِ العالمِ محمَّد بن علي الجلِّيِّ بعد منتصفِ القرنِ الرَّابعِ للهجرةِ وأوائلِ القرنِ الخامسِ، جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، وكان مؤدَّبًا بآدابِ الإسلامِ مُمتَثِلًا لأوامرِ اللهِ ورسولِهِ وآلِ بيتِهِ الطَّاهرين، ومنتهيًا عن نواهيهم باعترافِ العلماءِ والفقهاءِ والسَّادةِ الثِّقاةِ القائمينَ على التَّنظيمِ مِمَّن جَاؤوا بعدَهُ وكان لهم دورٌ جهاديٌّ أو فقهيٌّ أو عقائديٌّ حتَّى لُقِبَّ بالشَّيخِ المجاهدِ، وكذلك لُقِّبَ بالفَقيهِ.
اعتمدَ فلسَفَتَهُ كلُّ فلاسفةِ وعلماءِ النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ حتى عَصرِنا هذا، كيفَ لا!؟ وهوَ العالمُ المجاهدُ الذي جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، المؤدَّبُ المنهيُّ عن محارمِ اللهِ، الذي واجَهَ المنحرفينَ الذين عَرفَوا الحقَّ وأنكروهُ، فقد قَمَعَ المشركينَ ونكَّسَ رأي المنافقين، واعترفَ بفضلِهِ مَن كانَ في عصرِهِ وبعدَهُ من المؤمنين، وله في التَّوحيدِ والعلمِ رتبةٌ لا يُنكِرُها إلاَّ مَن كان من حزبِ المنافقين والمارقين.
لقد كان السَّيِّدُ أبو سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني ولا زال فيلسوفًا عارفًا، ومتكلِّمًا عالمًا، زاهدًا في الدنيا، صادقًا في الرِّواية، دأبُه تحصيلُ العلومِ الدينيَّةِ ونشرُ المعارفِ الربَّانيَّةِ، وهذا جهادٌ كبيرٌ وفضلٌ عظيمٌ له منذ أيَّامه حتَّى أيَّامنا هذه استحقَّ من خلالِهِ أن يكونَ خليفةً لأهل العصمةِ.
ففلسفتُهُ في التَّوحيدِ تشهدُ أنَّهُ عالمٌ عظيمٌ، وفقيهٌ كاملٌ، وحكيمٌ بارعٌ لبسَ من الصِّفاتِ الحسنَةِ أكملَها، ومن الفضائلِ العليا أعلاها، وبلغَ من التَّقوى عِزَّها، ومن الفضيلةِ مَجدَها، ومن العبادةِ قَلبَها، عرفَ الحقَّ وجاهدَ لإعلاءِ كلمتهِ، وردَّ حجَّةَ المُبطِلين المشبِّهينَ والمنكرين المعطِّلينَ في كلِّ زمان ومكان، حيث واجه أهلَ التَّعطيلِ في زمنه وردَّ عليهم مُبطِلًا دَعواهم فيما ذهبوا إليه واستوجبوا الانقسامَ والانفصالَ في أواخرِ حياتِهِ، فهوَ العارفُ بأسرارِ التَّأويلِ، المُطهَّرِ من رجسِ الأباطيل، المُتَرفِّعِ عن العقائدِ الباطلةِ المموَّهةِ بالتَّشبيهِ والتَّعطيلِ، فَمَن وقفَ على مضمونِ كلامهِ وعرفَ مكنونَ مُرامهِ، فازَ بالسَّهمِ المُعَلَّى، وبلغَ المقصدَ الأعلى.
وهناك الكثيرُ من الشَّهاداتِ التي أوردَها المؤرِّخونَ بحقِّهِ، ولكنَّنا نكتفي بالشَّهادةِ الكبرى، وهي تلكَ العلومُ والمعارفُ اللَّدنيَّة التي تركَها مسطورةً في مقالاتِهِ واحتجاجاتهِ، ولسنا نقبلُ شهادةً من أحدٍ بعد شهادةِ العالِمِ أبي الحسين محمد بن علي الجلِّيِّ حين قالَ في وصيَّتِهِ: (وصيَّتي إليكَ يا أخي، أسعدكَ اللهُ سعادةَ أهلَ الصَّفاءِ، ولا عَدَلَ بنا عن الحقِّ الذي ما فيه خفاء… واعلمْ أيُّها الأخُ المباركُ السَّعيدُ الموفَّقُ الرَّشيدِ…) إلى نهايةِ الوصيَّةِ البالغةِ ثبَّتنا اللهُ على ما فيها من معاني التَّوحيدِ ومباني الآدابِ. فالعالِمُ الجلِّيُّ صاحبُ الاستحقاقِ بالتَّأييدِ الإلهيِّ والتَّسديدِ الرَّبَّانيِّ لأنَّهُ كانَ من أفقهِ طلاَّبِ السَّيِّدِ الخصيبيِّ (ع).
وقد نالَ الفيلسوفُ الطَّبرانيُّ الحظوةَ الرَّفيعةَ عند العالمِ الجِلِّيِّ، وعايشَ الأحداثَ الجِسَامَ التي ألمَّتْ بالأمَّةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ في القرنِ الرابعِ والعقدَين الأوَّلَين من القرنِ الخامسِ الهجريِّ حيث كثرت الصِّراعاتُ المذهبيَّةُ بين أبناءِ الدِّين الإسلاميِّ.
وانطلاقًا من هذا الخُلُقِ النَّبيلِ والأدبِ الرَّفيعِ، ومن قوله تعالى: (وعبادُ الرَّحمنِ الذي يمشونَ على الأرضِ هونًا وإذا خاطبهم الجاهلونَ قالوا سلاما)، فإنَّ التُّهمةَ الموجَّهَةَ للسَّيِّدِ أبي سعيد على أنَّهُ حاخامٌ جاءَ لتخريبِ الإسلامِ كما زعمَ المغرضونَ، لَهِيَ أقلُّ شأنًا من الرَّدِّ عليها والوقوفِ عندها، وهذه تهمةٌ تُعبِّرُ عن أصولِ ومعدنِ مَن أطلَقَها من المُتشيِّعينَ الجُدُدِ لَعَنَهم اللهُ، فقد تعرَّضَ السَّيِّدُ الميمون سرورُ بن القاسم الطَّبرانيِّ الهمذانيِّ لأشرسِ حملةِ تشويهٍ في هذهِ الأيامِ من قبلِ المنحرفينَ المتشيِّعينَ الجدُدِ المأجورين الذين تنتشرُ كتبُهم في الأسواقِ وعلى مواقعِ الإنترنيت المدسوسةِ التي تدَّعي العلويَّةَ ولا علاقةَ لنا بها لا هي ولا مَن يكتبُ بها، ومن هؤلاءِ المنحرفينَ الجدد: (فضل خاسكة وعبد الكريم جامع ومحمد علي إسبر) وغيرهم مِن الذين يجبُ التَّحذير منهم كيلا يظنَّ القارئُ أنَّهم علويُّون يمثِّلون العلويَّةَ الحقَّةَ.
ويجبُ علينا أنْ نصحِّحَ المسار امتثالًا لأوامرِ مولانا أمير المؤمنينِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (وأْمُرْ بالمعروف تكنْ من أهلهِ، وأنكرِ المنكرَ بيدكَ ولسانكَ، وباينْ مَنْ فَعَلهُ بجُهدِكَ)، وقوله: (أيُّها المؤمنونَ إنَّهُ من رأى عدوانًا يُعمَلُ بهِ، ومنكرًا يُدعى إليه فأنكَرَهُ بقلبهِ فقدْ سلمَ وبرئَ، ومَنْ أنكرهُ بلسانهِ فقد ًاجِرَ وهو أفضلُ من صاحبهِ، ومن أنكرهُ بالسَّيفِ لتكونَ كلمةَ اللهِ هي العليا وكلمة الظَّالمينَ هي السُّفلى فذلكَ الذي أصابَ سبيلَ الهدى وقامَ على الطَّريقِ ونوَّرَ في قلبهِ اليقين)، ورأفةً بالمُقصِّرينَ من أبناءِ هذه الفرقةِ لقولِهِ: (المسلمُ مرآةُ أخيه فإذا رأيتم من أخيكم هفوةً فلا تكونوا عليه إلبًا وأرشدوهُ وانصحوا له وترفَّقوا به)، فقد زاغتْ أبصارُهم وخدعتهم ضلالةُ أولئكَ الأفَّاكينَ الذين لا يقبلونَ العلمَ الإلهيَّ.
فادِّعاؤهم أنَّ السَّيِّدَ الطَّبرانيَّ يروي رواياتٍ إسرائيليَّةٍ لتثبيتِ تهمةِ أنَّهُ حاخامٌ هو ادِّعاءٌ كاذبٌ، وسيكتشفُ ذلكَ من يقفُ على ما وردَ في الأثرِ عن السَّيِّد أبي سعيدِ بقولِهِ: (ذمَّ اللهُ اليهودَ في القرآنِ في مائةٍ وثمانين موضعًا، والنَّصارى في ثمانين موضعًا….. فهذه الأفعالُ ونظائرها ممَّا يوجبُ ذمَّهُم، لأنَّها أسبابُ البعدِ عن اللهِ وعن طريقِ الحقِّ)، وقوله: (لا تجوزُ إمامةُ المسيحيُّ ولا الإسرائيليُّ بمسلمٍ ولو كان عالمًا لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا).
واللاَّفتُ للنَّظرِ أنَّ السيد الطبرانيَ كانَ يعلمُ أنَّ هناكَ من سيحيكُ هذه الأكاذيبَ الملفَّقَةَ، فدافعَ عن نفسهِ بقولِهِ: (وقلَّما يخلُصُ مؤلِّفُ كتابٍ من حسودٌ يحسدهُ، وباحثٍ عن خطيئةٍ يرصدُهُ، لأنَّ أهلَ الحسدِ يكتمونَ المحاسنَ ويبدونَ المساوئ جهرًا، وبهِ نستعيذُ ممَّن حسدَ ونستعين على من رصدَ، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعمَ المولى ونعمَ النَّصير).
إنَّ السَّببَ في هذه الحملةِ هي الإحراجُ الذي سبَّبه لهم هذا المجاهدُ العظيم بتوحيدهِ الذي ينحدرُ عن الأئمَّةِ المعصومين (ع)، وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ التي تُشكِّلُ صفعةً قاتلةً لِمَن يحاولونَ عَلَنًا التَّشكيكَ في هذهِ العقيدةِ، وسأدرِجُ من أقوالِ السيدِ الطبراني والعالم الجلي، وهما من أساطينِ العلومِ، ما فيه غذاءٌ للقلوبِ الصَّافيةِ وبلاءٌ للنُّفوسِ المريضةِ بداءِ الجهالةِ لقولِهِ تعالى: (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ).
فالسيدُ الطَّبراني من أكبرِ الدَّاعينَ إلى الإسلامِ دعوةَ حقٍّ، لقوله تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ)، حيث يقول السيدُ الطَّبراني: (إنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ دَعَوا إلى دينِ الإسلامِ… وَقَدْ شَهِدَ القرآنُ المجيدُ بأنَّ الأنبياءَ والمرسلينَ كانوا مسلمينَ، وأن المؤمنينَ الذين كانوا في زمنِ نوح وإبراهيم ويعقوب ولوط وموسى وسليمان وعيسى مسلمون… وَصَحَّ وَثَبَتَ أنَّ الإسلامَ هو الإقرارُ… والإيمانَ هو التَّصديقُ بهِ بحقيقةِ المعرفةِ، وإنِ اختَلَفَتِ الشَّرائعُ في التَّحريمِ والتَّحليلِ، ففي الحقيقةِ غيرُ مختلفةٍ لأنَّ الأنبياءَ أشاروا إلى ربٍّ واحدٍ، ليسَ بينهم في عبادةِ ربِّهم اختلافٌ ولا فرقٌ).
والأنبياءُ عندَ السيدِ الطَّبراني معصومونَ عصمةً كاملةً مطلقةً تكوينيَّةً عن كلِّ ما وردَ بالذَّمِّ والوعدِ والوعيدِ والزَّجرِ والتهديدِ في القرآنِ الكريمِ، كقوله تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، فالمخاطبةُ بالمعصيةِ، والأكلِ من الشجرةِ، والمخالفةِ والهبوطِ من الجنَّةِ ببني البشر لائقةٌ، وعليهم عائدةٌ، وهم المعنيُّونَ بها، وما هذا التأويلُ إلاَّ ممَّا تعلَّمَهُ من السيد الخصيبي (ع) الذي وردَ عنهُ في الأثرِ أنَّ مَن عَقِلَ عن مَولاهُ، وَعَرَفَ حقيقةَ التَّنزيلِ والتأويلِ لم يَنسُبْ هذه الآياتِ ونظائرَها إلى الأنبياءِ.
وكيفَ لا يكونُ النبيُّ معصومًا عصمةً كاملةً مطلقةً تكوينيَّةً وقد قال تعالى له: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، فهو الدَّاعي بالسِّرِّ والجهرِ إلى توحيدِهِ، وهو الشَّاهدُ والنَّذيرُ لقولِهِ تعالى: (هذا نَذيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى) أرادَ به أنَّهُ هو الـمُنذِرُ الأولُ والآخِرُ.
والمتمعِّنُ في توحيدِ السيد الطَّبراني والعالمِ الجلِّي يلحَظُ أنَّهما نَهَلا علومَهُما من الحضرةِ العلويَّةِ والنَّبعِ المحمَّديِّ والسَّلسالِ الإماميِّ، وفي أقوالِهِما أكبرُ الإثباتِ على أنَّهما كانا على نهجِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام، والرسول وآلِهِ البَرَرَةِ (ع)، فقد توجَّهَا بالعبادةِ إلى الإلهِ الأحدِ الفردِ الصَّمد سماءً وأرضًا لقوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وقد وردَ في الأثرِ عن السيد الطَّبراني قوله: (إنَّ الـمُلكَ لا يجوزُ أن يَملِكَهُ وَيُدبِّرَهُ إلا واحدٌ، ولو جازَ أن يكونا اثنينِ أحدُهما في السَّماءِ والآخرُ في الأرضِ لَفَسَدَ الـمُلكُ وَبَطُلَتِ الحكمةُ)، ولذلكَ قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)، وهذهِ الآياتُ كما قال السيد الطَّبراني: (تشيرُ إلى أنَّ الإيمانَ لا يكونُ إلا بإشراقِ نورٍ إلهيٍّ يفيضُ على الأكوانِ، فَتُقَادُ منه النُّفوسُ الصافيةُ المستعدَّةُ لقبولِ قولِ المنادي الذي هو الدَّاعي من مكانٍ قريبٍ، فَيُشرِقُ عنه التَّصديقُ الخالصُ من الارتياب).
وهذا كمالُ الإيمانِ واتِّباعُ البيانِ في الفقهِ العلويِّ، فمِن صفةِ الحكيمِ أن لا يَعبُدَ إلا موجودًا، لأنَّ مَن غابَ فلا يُعاين، يُوشِكُ أن لا يكونَ شيئًا، وقد أكَّدَ السيد الطَّبراني أنَّ اللهَ لو لم يَدعُ إلى نفسِهِ لما صحَّ الوجودُ ولا أقامَ الحجَّةَ على الخلقِ، وإنَّما كانَ ذلكَ ليُؤخَذَ بآدابِهِ وآثارِهِ، ولكنَّهُ عزَّ وجلَّ امتحنَ العالمَ ليؤمنَ به مَن يؤمنُ، ويكفرَ به مَن يكفرُ.
وهذا الإثباتُ والإقرارُ هو جوهرُ المعرفةِ التي اعتقدَ بها العالمُ الجلِّيُّ، وما هذا الاعتقادُ إلا اتِّباعٌ ويقينٌ بمقالةِ المعصومين، فهذه المعرفةُ وهذا التوحيدُ لا يكونان إلاَّ عندَ الاولياءِ البالغينَ المعرفةَ لذلكَ وردَ عن السيد الطَّبراني أنَّ الحقَّ سبحانَهُ وعظُمَ شأنُهُ، أوجدَ خَلقَهُ نفسَهُ، وَدَلَّهُمْ على ذاتِهِ، فَنَاجاهُمْ خطابًا واضحًا، وَنُطقًا بيِّنًا، وَعِيَانًا وَوُجُودًا، فَدَعاهُم إلى ربوبيَّتِهِ والإقرارِ بوحدانيَّتِهِ، فأقرَّ مَن أقرَّ باختيارِهِ، وأنكرَ مَن أنكرَ باختيارِهِ.
وهذا إن دلَّ على شيءٍ، فإنَّهُ يدلُّ على عقيدةٍ صحيحةٍ وإيمانٍ عظيمٍ لا يصلُهُ إلا مَن ثَبتَ على الصِّراطِ المستقيم، وهذا التَّوحيدُ له شروطٌ معرفيَّةٌ يجبُ فهمُها، تتلخَّصُ في قولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (مَن وَصَفَهُ فقد شبَّهَهُ، وَمَن لم يَصِفْهُ فقد نَفَى وجودَهُ)، لأنَّهُ سبحانَهُ وتعالى (جلَّتْ ذاتُهُ وعَلَتْ، وعنِ الصِّفاتِ امتَنَعَتْ) وهذا هو الحقُّ الذي أوضحَهُ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام بقوله في إحدى خطبِ نَهج البلاغة: (مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، ومَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ)، وقوله في خطبةٍ أخرى: (مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، ولا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، ولا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، ولا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وتَوَهَّمَهُ).
والتَّشبيهُ هنا يقتضي الشِّركَ لقول الإمامِ الرَّضا (ع): (مَن شبَّهَ اللهَ تعالى بخلقِهِ فهو مشركٌ)، وهذا ما كانَ واضحًا في قولِهِ (ع): (إنَّما وقعَ الشَّبهُ في الأجناسِ، وليسَ هو من جنسِهم)، فقيل له: أَوَ يخلقُ خلقًا يستترُ به فيتكلَّم منه؟- إشارةً إلى قولِ الحلوليِّينَ- فأجاب (ع): (هذا ما لا يمكنُ أن يحوِّلَ نفسَهُ عن هيئَتِهِ)، ولكنَّهُ سبحانَهُ أتاهم من حيثُ يعرفون.
فاللهُ تعالى كما قال السيد الطَّبراني: (كان قبل الوقتِ لا منعوتًا ولا موصوفًا ولا مُسَمًّى… كانَ ولا مكانَ يُقصَدُ منهُ إليهِ، ولا نعتَ موجود، ولا وقتَ محدود، ولا أجَلَ ممدود)، وحينَ سُئلَ الإمامُ الرِّضا (ع): هل خلا المسمِّي من اسم وقتًا ما؟ أجاب: (أجل قبلَ الوقتِ كانَ ليسَ بمحسوسٍ ولا مدروكٍ ولا يُدرِكُهُ العقلُ ولا يَخطرُ على الفكرِ)، واللهُ لا يقعُ عليه اسمٌ ولا صفةٌ ولا حدٌّ، لذلك قال أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام شعرًا:
كيفيَّةُ المرءِ ليسَ المرءُ يدركُها… فكيفَ كيفيَّةُ الجبَّارِ في القدمِ
العجزُ عن دركِ الدَّرَّاكِ إدراكُ… والبحثُ في سرِّ ذاتِ اللهِ إشراكُ
وهو معنى قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، فليسَ يُدرِكُهُ الخَلقُ إدراكَ إحاطةٍ، ولكنَّهُ يدركُ أبصارَ الخلائقِ جميعًا من غيرِ فَواتِ شيءٍ منها، ولا يَغرُبُ عليهِ كَونُها، لأنَّهُ مُكوِّنُها ومكوِّنُ كَيانِها, ومكوِّنُ المكانِ لها.
وهنا نفهم معنى قول السيد الطَّبراني: (فتقدَّسَ مَن هو دليلُ الأدلَّةِ على وجودِهِ، وهادي الهداةِ إلى توحيدِهِ، تاهَ مَن زعمَ أنَّهُ بغيرِهِ عرفَهُ، وضلَّ مَن بصفاتِ نفسِهِ وصَفَهُ، جلَّ مَنِ القدرةُ صِفَتُهُ والمشيئةُ فطرَتُهُ، عزَّ عن المساواةِ لخلقِهِ وبريَّتِهِ) ، ولذلك كان السيد الطَّبراني يحذِّرُ من الخطأ في التَّوحيدِ عندما أوردَ قول الإمام الصادق (ع): (مَن زعمَ أنَّ ما رآهُ بعضًا فقد بعَّضَ اللهَ)، إذ (به تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بها يُوصَفُ، وبه يُعرفُ العقلُ لا بالعقلِ يُعرَف) كما قال أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام، فالتَّوهُّمُ لا يجري على الإلهِ لقولِ الإمام الصادق (ع): (كلُّ ما توهَّمتَ وخطرَ في بالك شيءٌ فالأزلُ أعلى منه).

ومن هنا يمكن القول: إذا كانَ علم الحقائق من أعظمِ أمَّهاتِ الإيمانِ وأصولهِ، فإنَّ أشرفَ تحقيقٍ في هذا المرام ما جاءَ في فلسفةِ الفيلسوفِ العلويِّ العظيمِ أبي سعيد ميمون بن القاسم الطَّبراني، ففلسفته قرَّةُ عيونِ الكرامِ، ومعدنُ الجواهرِ في رياضِ الجنانِ، ونهجُ البيانِ لتفهُّمِ معاني القرآنِ، والكلامُ الواضحُ والدَّليلُ اللاَّئحُ في الحقِّ والبرهانِ، والسِّرُّ المصونُ على مرِّ الزَّمانِ، إذ هي رواياتُ العالم الجلِّيِّ عن السَّيِّدِ الخصيبيِّ (ع)، وهي قواعدٌ يقتدي بها العالمُ ويستضيءُ بنورها الإمامُ الحاكمُ، ولا يقفُ عليها جاهلٌ ولا ظالمٌ، لأنَّها بحاجةٍ إلى فهم المعاني، والغوصِ في حقيقةِ المباني، لكثرةِ ما فيها من الجواهرِ النَّفيسةِ والأسرارِ العويصةِ، فصريرُ أقلامِ العلماءِ يخرقُ الحجبَ، وينتهي إلى ما بين يدي اللهِ.
وقد كانَ قولُ الحقِّ واجبًا أدَّاهُ السيد الطبراني بكلِّ أمانةٍ، امتثالًا لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (وما أخذ اللهُ عهدًا على الجُهُّالِ أنْ يتعلَّموا إلاَّ وأخذَ على العلماءِ سبعينَ عهدًا أنْ يُعلِّموا)، فالعالمُ هو الدَّاعي للحقِّ لقولهِ تعالى: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به)، ولكنَّ النَّاسَ في أيامنا ابتعدوا عن هذا القانونِ الخصيبيِّ الرَّفيعِ، وهمَّشوا وجودَهُ، فضاعت الحقائقُ النَّاظمةُ للعلاقاتِ الدينيَّةِ وتفكَّكَ البنيانُ المرصوصُ.
ولو أنَّهم انتهجوا نهجه والتزموا ما فيه من التَّعاليمِ لما كانَ الوضعُ قد آلَ لِمَا هو عليه الآنَ من الانحرافِ والابتعادِ عن الدِّينِ والزُّهدِ فيهِ، ولمَا وجدَ المغرضونَ المرتدُّونَ الفرصةَ سانحةً ليفسدوا في الدِّين كما قال تعالى: (والذين ينقضونَ عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقهِ ويقطعونَ ما أمرَ اللهُ بهِ أنْ يوصلَ ويُفسدونَ في الأرضِ أولئك لهم اللَّعنةُ ولهم سوءُ الدَّارِ).

السؤال الواحد الثمانون حول حركة رجال القائم في سورية

images

السُّؤال الحادي والثمانون: هل من توضيحٍ حولَ حركةِ رجالِ القائمِ الـمَزعومة في سورية؟ مَن هو مؤسِّسها؟ وما هي معتقداتُها وأهدافُها؟

الجوابُ الحادي والثمانون بإذنِ اللهِ:

بَعْدَ البَحثِ والتَّمحيصِ والاستدلالِ والاستعلامِ كانت نتيجةُ ما اكتشفْتُ من مؤامرةٍ خبيثةٍ ضِدَّ نهجِنا العلويِّ مؤلمةً وجارحةً، إذْ لا أحدَ على دِرَايَةٍ بما يُحَاكُ لهذا النَّهجِ على يدِ مجموعةٍ يَزعمونَ لأنفسِهم التَّميُّزَ عن النَّاسِ، وهدفُهُم سَحْقُ وتدميرُ نَهجِنا المعصومِ بعقائدِهِ ورموزِهِ ومرجعيَّاتِهِ وكلِّ مقدَّساتِهِ، زاعمينَ أنَّ كلَّ سادَتِنا العلماءِ على خطأ، وهم وحدَهُم على صَوَابٍ!!

لذا وَجَبَ الرَّدُّ والإيضاحُ امتثالاً للنَّصِّ المعصومِ القاضي بوجوبِ الجهادِ والرَّدِّ على بِدَعِ الحائدينَ والمارقينَ والخارجينَ عن الدِّينِ، مستمِدًّا قوَّتِي من إيماني باللهِ وَرَسولِهِ وَثِقَتي بسَلامَةِ طريقِ الجهادِ الصَّعبِ رغمَ وُعُورَتِهِ، وَاضِعًا نَصْبَ عينيَّ قولَ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَىُ لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَة شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ)، والحمدُ للهِ الذي هَدَانا وَمَا كنَّا لِنَهتدي لولا أنْ هَدَانا اللهُ.

لقد نشطَ في العقودِ الأخيرةِ أتباعُ الـمُدَّعي (ديب أحمد ديب) الملقَّبِ (ديب العيسى) وهو من محافظة حمص في سورية، والذي رتَّبهم إلى ثَلاثمائة وثلاثة عشر رجلٍ هم رجالُ القائمِ حسب ادِّعائهم الكاذبِ،!! مع تأكيدِنا أنَّ رجالَ القائمِ المهديِّ المنتَظَرِ الحقيقيِّينَ هم مِنَ الصَّفوةِ الذين يَظهرونَ معه، وليسوا من أهلِ البشرِ المقصِّرينَ الضُّعفاء!!!

إنَّ هذه الفئةَ الضَّالَّةَ الـمُدَّعِيَةَ تَزعُمُ أنَّها مُؤلَّفَةٌ من ثَلاثمائة وثلاثة عشر رجلٍ هم رجالُ القائمِ المهديِّ المنتَظَرِ (ع)، والذين يُعاينونَ ماهيَّةَ الذَّاتِ الإلهيَّةِ المجرَّدَةَ اليومَ عِيَانًا بِعُيونِهِم، وَيَرونَ ربَّهم كَشْفًا بحقيقةِ ذَاتِهِ في كلِّ وقتٍ وكلِّ حينٍ نهارًا وليلًا، وأنَّ هذا الرَّبَّ هو هذا الضِّياءُ النَّهاريُّ الذي يَملأ الكونَ الواسعَ، فهو الذَّاتُ الإلهيَّةُ بحقيقَتها وماهيَّتِها!!

إنَّ الـمُدَّعي (ديب العيسى) هو صاحبُ المناظرةِ المعروفةِ مع رجل الدِّين الشِّيعيِّ (محمد سعيد فضل الله)، وهو لم يكتَفِ فقط بِهَتْكِ الأستارِ في مناظَرَتِهِ، بل تعدَّى ذلك لاختلاقِ بِدْعَتِهِ الجديدةِ التي مرَّ عليها أكثرُ من عشرينَ عامًا تَسرَحُ وتمرَحُ في ظلِّ صمتِ مَشَائخِ الدُّنيا الذينَ عَرفُوهُ وقابَلوهُ ولم يَردُّوا عليه.

وللمُدَّعي (ديب العيسى) مجموعةٌ من الكتبِ المشبوهةِ التي تناول فيها علمَ الأعدادِ بالقياسِ الـمُخالِفِ لعلومِ الأئمَّةِ (ع)، فَعِلمُ الأعدادِ له أسرارُهُ الخفيَّةُ المتعلِّقَةُ بكلامِ اللهِ تعالى، وليس بأيَّةِ عبارةٍ تطرقُ المسامِعَ، وكمثالٍ على ذلكَ القياسِ العدديِّ قياسُهُ بقولِهِ الـمَشبوهِ: (خيرُ الكلامِ ما قَلَّ ودَلَّ. قلَّ= دلَّ= 10 و0+1=1 الله الواحد!!)، وقوله الـمَشبوهِ: (سرُّ الحير وما حوى الحير. حير 8+10+8=26، 6+2=8 حمالة العرش!!)، وقياسُهُ بقوله: (افهَمْ ترشدْ. افهم 18 لفظ الجلالة الله ترشد!!).

وقد تَعلَّقَ القياسُ الفكريُّ لدى المدَّعي (ديب العيسى) برَبطِهِ المشبوهِ بين توحيدِنا العلويِّ الإسلاميِّ من جهةٍ، وشركِ الدِّياناتِ الوثنيَّةِ من جهةٍ أخرى، إضافةً إلى ربطِهِ ما بين نهجِنا وعقيدةِ التَّلمودِ الصهيونيِّ بطريقةٍ مَشبوهةٍ، عدا عن ربط نهجِنا بنظريَّاتِ الغربِ التي تتعلَّقُ بالمادَّةِ حتى لو لم تُثبَتُ صحَّتُها، مُفتَعِلاً كلَّ هذا الرَّبطِ لإبرازِ مهاراتِهِ التَّلبيسيَّةِ في ظاهرِ الأمر، لكنَّ الحقيقةَ هي أنَّهُ حاولُ نَسْفَ أُسُسِ نهجِنا العلويِّ الإسلاميِّ من الدَّاخلِ.

ومن هرطقاتِ المدَّعي (ديب العيسى) في هذا المجالِ هرطَقَتُهُ بقولِهِ: (في جنوبِ حِمصَ قريةُ آبِل تَذكيرًا للبشرِ بالخيرِ هابيلَ وَصِرَاعِهِ مع الشَّرِّ قابيل!!)، وهرطَقَتُهُ بقولِهِ: (إنَّ الملوكَ والرُّؤساءَ نسخةٌ طبقُ الأصلِ عن الآلهةِ الأوَّلينَ وإلى يومِنا هذا يُقَامُ لهم التَّقديسُ والتَّكريم!!)، وهرطَقَتُهُ بقولِهِ: (إنَّ عالمَ السَّماءِ شَعبُ اللهِ الـمُختَارِ كان عنهم شَعبُنا السَّامي الذي كانَ منهُ الأنبياءُ!!)، وهرطَقَتُهُ بقولِهِ: (البرهان: هي رب، والبر الرَّحيمُ هو الحاضرُ الموجودَ!!)، وهرطَقَتُهُ بقولِهِ: (كيفَ يتمُّ لعنُ الظُّلمةِ: بإشعالِ الضَّوءِ؛ النَّار!!).

أمَّا الطَّامَةُ الكبرى في كُتبِ المدَّعي (ديب العيسى) المشبوهةِ فهي تَنَاوُلُه للعلومِ التَّوحيديَّةِ بكلِّ إشهارٍ لشِركِه وإنكارِه دونَ حياءٍ، وذلكَ لأنَّهُ اعتبرَ أنَّ التَّفَقُّهَ في الدِّينِ درجةً سلوكيَّةً لا درجةً معرفيَّةً، وتطاولَ على علمائنا الأجلاَّءِ حينَ قال: (إنَّ السَّادةَ الشُّيوخَ يجبُ احترامُهُم وَتَقديرُهُم لأنَّهم آمَنوا إيمانَ ثِقَةٍ بالتَّجلِّي أنَّه نورُ الحقِّ فَوَجَبَ تَقديسُهم لإقامَتِهِم إقامةَ الشَّريعةِ والصَّلاةَ في الـمَيَاقيتِ وَتَشريعَ الزَّواجِ والواجباتِ، فَإنَّ شُيوخَنا عَبَدُوا الحقَّ بالثِّقةِ فَتَفانَوا بِحُبِّهم وَمُوالاتِهم للحقِّ، فَكَيفَ لو عَرفوهُ وَشَاهَدُوا الأقربَ إليهم من حَبلِ الوريدِ!!)، حيث ادَّعى أنَّ اللهَ هو الوسْعُ السَّماويُّ ضوءُ النَّهارِ في قولِهِ الـمَشبوهِ: (حقيقةُ الوسْعِ السَّماويِّ الذي تراهُ هو اللهُ!!)، مُحْتَجًّا بأنَّ: (النُّورَ الذي تَراهُ من الشَّمس هو عينُ الحقِّ!!).

واعتبرَ أنَّ الغيبَ المنيعَ هو هذا الضِّياءُ الواسعُ الذي نراهُ في النَّهارِ قائلاً أنَّ: (كلُّ إنسانٍ يَعيشُ بِنُورِ اللهِ ولا يَعرِفُهُ إلَّا عارِفُهُ!!)، مُحتَجًّا بقولِهِ الـمَشبوهِ: (إنَّ الغيبَ الذي هو ماهيَّةُ اللهِ هو الضَّوءُ أمامَ العَينِ!!)، مُعتَبِرًا أنَّ البشرَ: (رَأَوا اللهَ ولم يَعرِفوهُ فابتَعَدُوا عن الأقرَبِ إليهم من حَبلِ الوريدِ!!)، مُفَسِّرًا حسبَ بدعَتِهِ: (أنَّ النُّورَ الذي تَظنُّهُ العامَّةُ أنَّهُ من الشَّمسِ حقيقتُهُ ذاتُ اللهِ تَعَالى!!)، ولم يَسبقْهُ إلى هذه البدعةِ المشبوهةِ أحدٌ من أصحابِ البِدَعِ السَّابقينَ.

وأنَّى له أن يُثْبِتَ شُبهَتَهُ الـمُماثِلَةَ لشبهةِ أهلِ التَّعطيلِ أصحابِ الإفكِ والزُّورِ، إذ يزعُمُ المدَّعي (ديب العيسى) أنَّهُ يشيرُ إلى الغيبِ ويشهَدُ له في قولِهِ الـمَشبوهِ: (لِيَصحَّ الوجودُ الـمُتَنَزِّهُ وَتَثْبُتَ شهادَةُ الغَيبِ الذي لا تَلحَقُهُ الصِّفاتُ والنُّعوتُ وإليهِ الإشارَةُ!!)، علمًا أنَّ الإشارةَ والشَّهادةَ لا تكونُ للغيبِ بل للمَشهودِ الموجودِ لقولِهِ تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ).

وهوَ يزعمُ أنَّهُ (يَرَى نورَ الشَّمسِ فَيَشهدُ حقيقةَ اللهِ!!)، ونحنُ نردُّ عليه بأنَّ الشَّهادةَ لا تكونُ إلَّا لتجلِّياتِ الجمالِ والجلالِ، وأيُّ ادِّعاءٍ عدا ذلك باطلٌ، فمَعرِفَةُ الـمُثبِتين تكونُ بمُعاينَةِ تجلِّياتِ الجمالِ والجلالِ، فإذا حَقَّقُوا ما عايَنوهُ من سِمَاتِ الـمُتَجلِّي كُتِبَتْ شَهَادَتُهُم فَشَهِدُوا على الحقيقةِ لا على الـمَجَازِ إثباتًا وَحَقًّا وَيَقينًا، لأنَّ الشُّهادَةَ هي الحضورُ مع الـمُعاينَةِ بالحِسِّ، بينما الغيبُ هو كلُّ ما غَابَ عن الحِسِّ والعَقلِ، ففي الوقتِ الذي يُصبِحُ فيهِ الغَيبُ مُدرَكًا بالعَقلِ أو موصوفًا بالحسِّ فإنَّهُ لا يَعودُ بَعدَها غَيبًا، لذلك فإنَّنا مكلَّفونَ بمعرفةِ تجلِّياتِ الجمالِ والجلالِ فقط لقوله تعالى: (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ)، أمَّا أن يكلِّفَنا الله بإدراكِ الغيبِ فهذا مُحَالٌ لعدمِ قُدرَتِنا على الإحاطةِ بكنهِ الذَّات الإلهيَّةِ. وهذا التَّكليفُ هو التَّكليفُ الحقيقيُّ في قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلَّا مَا آتَاهَا) من معرفةِ تجلِّياتِ الجمالِ والجلالِ، وليس كما ادَّعى (ديب العيسى) أنَّهُ (عرفَ الوسعَ السَّماويَّ المقصودَ بقولِهِ تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلَّا وُسْعَهَا!!)، لأنَّ المعرفةَ تكونُ للتَّجلِّي الـمُعايَنِ بأعيان الموجوداتِ على حسب ما تَقتَضيهِ قابليَةُ كلِّ هيئةٍ لكلِّ موجودٍ.

هذا يعني أنَّ صاحبَ البدعةِ (ديب العيسى) خالفَ كلَّ ما جاءَ عن الأئمَّةِ المعصومينَ وسادَتِنا الثِّقاةِ الذينَ أكَّدوا أنَّ حدودَ المخلوقِ أن يعرفَ تجلِّياتِ الجمالِ والجلالِ ويشهدَ أنَّها غايةُ معرِفَتِهِ، لأنَّه حرَّفَ الحقيقةَ في قوله المشبوهِ: (أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله، هوَ الوسعُ الوجوديُّ الذي يعيشُ فيه الإنسانُ وَيَنظُرُ وَيَسمَعُ فيه فقد صَارَ من أهلِ الأعرافِ!!)، وهذا يعني أنَّه أوقَعَ اللهَ تحت الحدِّ والتَّحديدِ ضمن هذا الكونِ وهذا الغلافِ الجويِّ لكوكبِ الأرضِ، فمَا بالُهُ شيطانُهُ قد غَرَّهُ حين ادَّعى إدراكَ الغيبِ المنيعِ الـمُعبَّرِ عنه بلفظِ (هُوْ) في دعاءِ الإمامِ الحسينِ (ع): (يا مَن لا يعلَمُ ما هُوْ إلَّا هُوْ، ولا كيفَ هُوْ إلَّا هُوْ)، عبارةً صريحةً وواضحةً عن عجزِ كلِّ الموجوداتِ عن معرفةِ كُنهِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ، وهذا يثُبِتُ أنَّ المدَّعي (ديب العيسى) ادِّعى الألوهيَّةِ لنفسِهِ بزعمِهِ علمَ الـ(هُوْ)، فثَبَتَتِ الحجَّةُ عليهِ بأنَّه فاسقٌ.

في نهاية هذا الجوابِ المختصرِ لابدَّ أن نذكرَ أنَّ هذه الجماعة المنحرفةَ تعتمدُ في علومِها وفقهِها على مؤلَّفاتٍ مشبوهَةٍ أحاطوها بِهَالةٍ مُزَيَّفَةٍ من القداسةِ، وأضافوا على ذلكَ أنَّها تأتي بعد كلامِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) من حيثُ المرتبةُ، وأنَّهُ لا يجوزُ الطَّعنُ فيها، وأنَّ كلَّ ما فيها صحيحٌ، وهذا من مُسلَّمَاتِ الأمورِ التي لا تَقبلُ المناقشةَ فيها.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

الطرائق الوجودية في الفلسفة العلوية

hesham

الطرائق الوجودية في الفلسفة العلوية

الباحث الديني: هشام أحمد صقر

القُرآنُ هَوَ الدَّليلُ إلى خيرِ سبيلٍ, فيهِ التَّفصيلُ والتَّحصيلُ, دليلُ المَعرِفَةِ لِمَن عَرف النِّسبةَ الوجودَيَّةَ, خاصَّةً في هَذا الزَّمانِ الذي كَثُرَت فيهِ الآراءُ والأهواءُ, فالنَّاسُ مُختَلِفو النَّزعاتِ مُتَبايِنُو الأغراضِ, لذا وَجَبَ علينا إزالَةُ الأباطِيلِ وإبعادُ الأضاليلِ مِن خِلالِ الامتِثالِ لِقولِ رسُولِ اللهِ (ص): (أفضلُ العِبادَةِ معرفتُهُ) فما علاقَةُ العِبادَةِ بمعرفةِ النِّسبةِ الوُجودِيَّةِ؟
إنَّ الإيمانَ بحضورِ النِّسبةِ الوُجودِيَّةِ هو الأصلُ في التَّحَقُّقِ لأنها ميزانُ الوجودِ, فَمُطلَقُ الوجودِ لَهُ حَدٌّ وجوبيٌّ ممنوعٌ وحَدٌّ وجوبيٌّ كَشْفِيٌ مُعبَّرٌ عنه بطَرائق وجوديَّةٍ مُتَعَدِّدةٍ تَقتَصِرُ على مماثلةِ أكوانِ الخَلائِقِ ونَظَراتِهِم لِهُ, حيث أنَّ الخلقَ يَصِفُ ويُسَمِّي عالمَ الحقيقةِ هذا بِمَرَاتِبَ مُتَنَوِّعَةٍ عائِدَةٍ للخَلقِ, لأنَّ عالمَ الحقيقةِ بِجَوهَرِهِ لا رَسمَ لَه ولا خَبَرَ عَنهُ, ولا هو أسماءٌ ولا صِفاتٌ ولا أفعالٌ، بل هوَ واجِبُ التَّنزيهِ بَعدَ إثباتِ وُجودِهِ لأنَّنَا غيرُ مُكَلَّفينَ مِنَ الله ِتَعالى بِمَعرِفَةِ جَوهَرِ واجِبِ الوُجودِ لأنَّ ذلكَ مُستَحيلٌ, ولا يَعلَمُ هَذا الكُنْهَ رسُولٌ ولا نَبِيٌّ ولا وَلِيٌّ ولا أحدٌ مِنَ المَوجوداتِ, لِقَولِ أميرِ المُؤمنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (مَن تَفَكَّرَ في الذَّاتِ فقد ألحدَ وتَزَندَقَ).
وَمَن يَنظُرُ إلى وجودِ المقاماتِ الكلِّيَّةِ السَّماويَّةِ والأرضيَّةِ مِن حيثُ تَحديدُها وتَعيينُهَا فهوَ ناظِرٌ إلى الأسماءِ والصِّفاتِ والأفعَالِ المُتَعَدِّدَةِ، لأنَّ تَعَدُّدَ المَقاماتِ راجِعٌ إلى تَعَدُّدِ صِفَاتِ عالمِ الحقيقةِ لا إلى جَوهَرِ واجِبِ الوُجودِ لِقَولِهِ تَعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا), ولِقولِ الإمامِ الصّادقِ (ص): (إنَّ الله َتَجَلَّى في الكَلامِ والكِتابِ ولكِنَّكُم لا تَفقَهونَ), فَكَيفَ تَجَلَّى اللهُ في الكَلام؟
إنَّ الكَلامَ هُوَ قيمةٌ تَوَاصُلِيَّةٌ بينَ الشُّعوبِ جميعًا لِقَولِهِ تَعَالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) فالحُرُوفُ تَنطِقُ بالتَّوحيدِ إثباتًا وتَنزِيهًا وتَنفي التَّشبيهَ والتَّعطيلَ, لأنَّ الحُروفَ فيهَا دلالاتٌ على الوَحدانِيَّةِ والانفِرادِ وقِيامِ الحَقِّ بالاستِغناءِ عَمَّا سَوَّاهُ مِن أسماءٍ وصفاتٍ وأفعالٍ لا كَمَا زَعَمَ المُشَبِّهونَ بِفَهمِهِم الخَاطِئ، حيثُ زَعَمُوا أن الحَقَّ الجوهريَّ جِسمٌ وشيءٌ بِجَوهَرِهِ, فَوَقَعُوا بالشِّركِ والتَّجسيمِ والقِياسِ ونَسوا قولَ أميرِ المُؤمنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (لا تَقيسوا بِالدِّينِ فَإنَّ أمرَ اللهِ لا يُقاسُ).
أمَّا أهلُ الإيمانِ الحَقيقِيِّ فيَعتَقِدونَ أنَّ الحَقَّ الجوهريَّ لَيسَ بداخِلٍ تحتَ الحُروفِ دُخولَ تشبيهٍ وحُلولٍ لأِنَّها آلَةٌ لِلنّطقِ وَالدَّلالَةِ؛ أي آلةٌ لِلوُجودِ وَالاستِدلالِ فَقَط, وَأنَّ الحَقَّ الجوهريَّ لَيسَ خارِجًا عَنِ الحُروفِ خُروجَ تَعطيلٍ وَإلحادٍ, وَهذا الاعتِقادُ الإيمانِيُّ مُستَنِدٌ لِقَولِ أميرِ المُؤمِنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (لَيسَ في الأشياءِ بِوالِجٍ وَلا عَنها بِخارِجٍ), فالحُروفُ وَالأعدادُ إذَنْ مُختَلِفَةٌ وَمُتَبايِنَةٌ كَمِثالِ الأسماءِ الحُسنى الَّتي يُسَمَّى بِها الحقُّ الجوهريُّ لُطفًا وَإيناسًا بِخَلقِهِ في قَولِهِ تَعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوه بِهَا), حيثُ لَم يَقُلِ: (اللهُ الأسماءَ الحُسنى)، كما قالَ: (ادعوهُ) وَلَم يَقُلْ: (اعبُدوهُ أوِ اعلَموهُ).
وَقَد سُمِّيَ سيِّدنا المَسيحُ (ع) الكَلِمَةُ لِقَولِهِ تَعالى: (إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) فَاللهُ تَعالى كانَت أولى وَدائِعِهِ لِسَيِّدِنا عيسى (ع) التَّكوينُ, وَلَم يَستَودِعْهُ الغَيبَ، لِقَولِهِ تَعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)، وَقَولِ أميرِ المُؤمِنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (أشهَدُ أنَّ مَن ساواكَ بِشَيءٍ مِن خَلقِكَ فَقَد عَدَلَ بِكَ، وَالعادِلُ بِكَ كافِرٌ), فَالكَلِمَةُ مُؤَلَّفَةٌ مِن عِدَّةِ حُروفٍ مُتَنَوِّعَةٍ مُشتَقَّةٍ وَهِيَ إشارةٌ لحَقيقَةِ سيِّدنا المَسيحِ (ع) وهو النِّسبةُ الحقيقيَّةُ الجامعةُ، وَلَيسَت حَقيقَةً للآبِ سبحانَهُ، لأِنَّ الآبَ مُجَرَّدٌ بِذاتِهِ عَنِ الاشتِقاقِ وَالتَّحديدِ وَالتَّشبيهِ.
وقد سُئِلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): فَلَم يَزَلْ مُتَكَلِّمًا؟ فقال (ع): (الكلامُ صفةٌ مُحدَثَةٌ وكانَ اللهُ ولا مُتَكَلِّمًا)؛ أي: هل الحقُّ الجوهريُّ قبلَ الخَلقِ صفةٌ وبعدَ الخلقِ صفةٌ؟ فنقول: تَنَزَّهَ في ذاتِهِ قبلَ الخلقِ عن الصِّفَةِ لأنَّ الصِّفاتِ هي نِسَبٌ مضافةٌ وليست جوهرًا للحقِّ الجوهريِّ، وأمَّا قولُهُ: (كانَ اللهُ ولا مُتَكَلِّمًا)؛ أي: كانَ اللهُ بلا صفةٍ، ثم وُصِفَ لِتَتمَّ معرفةُ وجودِهِ وليَستَدِلَّ الخلقُ عليهِ.

العلوية في التاريخ

hesham

العلوية في التاريخ

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

 

زعمَ غيرُ واحد منَ الكتَّابِ القُدامى والجددِ أنَّ العلويَّةَ كسائرِ المذاهبِ الإسلاميَّةِ منْ إفرازاتِ الصِّراعاتِ السياسيَّةِ، في حين يذهبُ البعضُ الآخرُ إلى القول بأنَّه نتاجُ الجدالِ الكلاميِّ والصِّراعِ الفكريِّ. فأخذوا يبحثونَ عن تاريخِ نشوئِهِا وظهورها في السَّاحةِ الإسلاميَّةِ، وكأنَّهم يلتقونَ بوصفها ظاهرةً جديدةً وافدةً على المجتمع الإسلامي، ويعتقدونَ بأنَّ القطَّاعَ العلويَّ- وإنْ كان من جسم الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ- قد تكوَّنَ على مرِّ الزمنِ نتيجةَ أحداثٍ وتطوُّراتٍ سياسيَّةٍ أو اجتماعيَّةٍ فكريَّةٍ أدّت إلى تكوينِ هذا المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير، ومن ثمَّ اتَّسعَ ذلك الجزء بالتَّدريجِ.

ولعلّ هذا التَّصوُّرَ الخاطئَ لمفهومِ العلويَّةِ هو ما دفع أصحابَ هذهِ الطُّروحاتِ إلى التَّخبُّط والتعثُّرِ في فهمهم لحقيقةِ نشوء العلويَّة، وفي محاولاتِهم الراميَّةِ لتقديم التَّفسيرِ الأصوب، ولو أنَّ أُولئك الدَّارسينَ شَرَعُوا في دراستهم لتاريخ هذه النَّشأةِ من خلال الطُّروحات العقائديَّةِ والفكريَّةِ التي بُنِيَتْ عليها العلويَّةُ لأدركوا بوضوحٍ ودون لبسٍ أنَّها لا تؤلِّفُ في جوهرِ تكوينها وقواعدِ أركانها إلاَّ الامتدادَ الاصيلَ والحقيقيَّ للفكرِ العقائديِّ للدينِ الإسلاميِّ المحمَّديِّ والذي قامَ عليه كيانُهُ.

إنَّ هذا الاعتقادَ يظـهرُ بأوضحِ صورةٍ من خلال الالتفافِ والمبايعةِ للوصيِّ ففي ذلك أوضحُ المصاديقِ على حقيقة هذا النُّشوءِ الذي اقترنَ بنشوءِ وتبلورِ الفكرِ الإسلاميِّ الكبير، والذي لابدَّ له من الاستمرار والتَّواصلِ والتَّكاملِ حتّى بعد صاحبِ الرسالةِ، والذي ينبغي له أنْ يكونَ الاستمرارَ الحقيقيَّ لتلك العقيدةِ السماويَّةِ.

فإذا اعتبرنا بأنَّ المذهبَ يرتكزُ أساسًا في استمرارِ القيادةِ بالوصيِّ، فلا نجدُ له تاريخًا سوى تاريخِ نشوءِ الإسلام، والنُّصوصُ الواردةُ عن رسولِهِ (ص) متوفِّرةٌ في وصاية الإمامِ عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلام، وإذا كانت تلك النُّصوصُ من القوَّةِ والحجِّيَّةِ التي لا يَرقى إليها الشَّكُّ، وتعدُّ وبدون تردُّدٍ ركائزَ عقائديّةً أرادَ أنْ يُثبِّتَ أُسُسَها رسول الله (ص)، فهي بلا شكٍّ تدلُّ وبوضوحٍ على أنَّ هذه الاستجابةَ استمرارٌ حقيقيٌّ لما سبقها في عهد رسولِ الله (ص)، وإذا كانَ كذلك فإنَّ جميع من استجابوا لرسول الله (ص)، وانقادوا له انقيادًا حقيقيًّا، يُعدُّونَ بلا شكٍّ روَّادَ العلويَّةِ الأوائل وحاملي بذوره، فالعلويَّةُ هم المسلمونَ ومن تبعهم بإحسانٍ في الأجيالِ اللاحقةِ، مِن الذين بَقَوا على ما كانوا عليه في عصرِ الرَّسولِ في أمرِ القيادَةِ، ولم يغيِّروه، ولم يتعدُّوه إلى غيره، ولم يأخذُوا بالمصالحِ المزعومةِ في مقابل النُّصوصِ، وصاروا بذلك المصداقِ الأبرزَ لقوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَيِ الله ورَسُولِهِ واتَّقُوا الله إنَّ الله سَميعٌ عَليمٌ).

إنَّ الآثارَ المرويَّةَ في حقِّ العلويَّةِ عن لسان النبيِّ الأكرم- والذين هم بالتالي عَلَويَّةٌ لرسول الله (ص)- تَرفعُ اللِّثامَ عن وجهِ الحقيقةِ، وتُعرِبُ عن التفافِهَا حول الوصيِّ، فقد كانوا معروفينَ في عصرِ الرِّسالةِ، وإنَّ النَّبيَّ الأكرم وصفَهم في كلماتِهِ بأنَّهُم الفائزونَ.

وهذه النُّصوص المتضافِرَةُ الغنيَّةُ عن ملاحظةِ أسنادها، تُعرِبُ عن كونِ الإمام عليٍّ علينا من ذكره السَّلام متميِّزٌ بقربِهِ من النبيِّ (ص)، وبأنَّ له أصحابًا وأتباعًا، ولهم مواصفاتٌ وسماتٌ كانوا مشهورين بها، في حياة النبيِّ وبعدها، وكان (ص) يشيد بهم ويبشِّرُ بفوزهم، وهم- بلا ريبٍ- ليسوا بخارجين قَيدَ أُنْمُلَةٍ عن الخطِّ النَّبويِّ المبارك للفكرِ الإسلاميِّ العظيمِ، والذي يؤكِّدُ على حقيقة العلويَّةِ ونشوئها الذي لا يفترق عن نشوءِ الدِّين واستقرارِهِ.

فبعد هذه النصوص لا يصحُّ لباحثٍ أن يلتجِئَ إلى فروضٍ ظنِّيَّةٍ أو وهميَّةٍ في تحديد تكوُّنِ العلويَّةِ وظهورها.

 

العلويَّةُ في كلماتِ المؤرِّخينَ وأصحابِ الفرقِ:

لقد غلبَ استعمالُ لفظِ العلويَّةِ بعد عصرِ الرَّسولِ (ص) تبعًا لمن يوالي الإمام عليّ علينا من ذكره السلام ويعتقدُ بإمامتِهِ ووصايتِهِ، ويظهرُ ذلك من خلال كلماتِ المؤرِّخينَ على القوم ببيعتِهِ.

كما أنَّ حقيقةَ استخلافِ النَّبيِّ له أمستْ فكرةً عقائديَّةً ثابتةً في النُّفوسِ والقُلوبِ، وتضاعفَ عددُ المؤمنين بها له على مرورِ الأيَّامِ، ورجعَ الكثيرُ من المسلمين إلى الماضي القريب، واحتشدَتْ في أذهانهم صورٌ عن مواقفِ النبيِّ (ص)، تلك المواقف التي كان يصرِّحُ فيها باستخلافِ الإمام عليٍّ من بعده تارةً، ويلمِّحُ فيها أُخرى، فالتفُّوا حول الإمام عليٍّ علينا من ذكره السلام وأصبحوا من الدُّعاةِ الأوفياء له في جميع المراحل التي مرَّ بها.

وإذا كان العنصرُ المقوِّمُ لإطلاق كلمةِ العلويَّةِ هو اتِّباعُ الإمام عليّ علينا من ذكره السلام بعد النبيّ الأكرم (ص) في الخلافة والوصاية، فإنّه من غيرِ المنطقيِّ محاولةُ افتراضِ علَّةٍ اجتماعيَّةٍ أو سياسية أو كلاميَّةٍ لتَكَوُّنِ هذه الفرقة.

ومن أجل أنْ ترتسمَ في الأذهانِ الصُّورةُ واضحةً عن مجسِّدي هذه التسمية في تلك الحقبةِ البعيدة في التَّاريخ الاسلامي والملاصِقَةِ لعصرِ الرَّسالةِ الأوَّلِ، نستعرض جملةً من روُّادِ هذا الميدانِ المقدَّسِ والذين يُعَدُّون بحقٍّ أوائلَ حَمَلَةِ هذه التَّسمية المباركة على وجه الإجمالِ.

فأتباعُ الإمام عليٍّ علينا من ذكره السلام ينقسمون إلى الأصفياءِ، ثمّ الأصحابِ والأولياءِ. وفي مقدِّمتهم سيدنا سلمان الفارسي، والمقداد، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأبي ذر الغفاري، وعمّـار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيّوب الأنصاري.

عليهم سلام الله اجمعين.

فمن أرادَ التَّفصيلَ والوقوف على حياتِهِم فليرجع إلى الكتبِ المؤلَّفةِ، ولكن بعينٍ مفتوحةٍ وبصيرةٍ نافذةٍ.

 

العلوية في العصر الأُموي:

إنَّ الهجمةَ الشَّرسةَ التي كانت تستهدفُ استئصالَ النَّهجِ العلوي والقضاءَ عليه قد أخذتْ أبعادًا خطيرةً وداميةً بعد عهد رسول الله (ص)، وخاصَّةً إبَّانَ الحكمين الأُموي والعباسي، فقد شَرَعَ أعداءُ الإمامِ وخصومُ العلويَّةِ إلى التعرُّضِ الصَّريحِ بالقتلِ والتَّشريدِ لأنصارِ العلويَّةِ والمنتسبينَ إليها، إلاّ أنَّ هذا لمْ يمنَعِ البعضَ ممَّن وقفوا موقفًا باطلًا ومنحرفًا من الإمام عليِّ علينا من ذكره السلام من التَّعبيرِ عن سرورهم من هذا الأمر الجَلَلِ.

أمَّا معاوية فلا مناصَ من القول بأنُّه أكثرُ المستبشرينَ بهذا الأمر، حيثُ يمثِّلُ الإعلانَ الرَّسميَّ لبدء الحملة الشَّرسةِ والمعلَنَةِ لاستئصال أتباع الإمام علي علينا من ذكره السلام وأنصارِهِ.

وتوالتِ المجازرُ بعد معاوية إلى آخرِ عهد الدَّولةِ الأُمويَّة، فلمْ يكنْ للعلويَّةِ في تلك الأيّام نصيبٌ سوى القتل والنَّفي والحرمان. وهذا هو الذي نستعرضه على وجه الإجمال، حتّى يقفَ القارئُ على أنَّ بقاءَ العلويَّةِ في هذه العصور المظلِمَةِ كان معجزةً من معاجزِ الله سبحانه، كما يتوضَّحُ له مدى الدَّورِ الذي لعبَهُ العلويَّةُ في الصُّمودِ والكفاحِ والرَّدِّ على الظَّلَمَةِ وأعوانِهِم.

وإليكم بعضَ الوثائق من جرائِمِ معاوية وأتباعه، ولعلَّ المرء يصابُ بالذُّهولِ وهو يتأمَّلُ أسماء الصَّحابَةِ والتَّابعين ذوي المنازلِ الرَّفيعةِ والمكانة السَّامية والدَّورِ الجليل في خدمة الإسلام وأهلِهِ، كيف استشهدوا في سبيل ولايتهم لعلي علينا من ذكره السلام، فاستشهدوا لا لشيٍء إلاَّ لأنَّهم علويَّةُ الإمام عليّ علينا من ذكره السلام، ومن أبرزِ رجالِ الحقِّ الذين ضَحَّوا في سبيل نهج العلوية:

  1. مالك الأشتر: ملكُ العرب، وأحدُ أشرفِ رجالاتها وأبطالها، كان شهمًا مطاعًا وكان قائدَ القوَّاتِ العلويَّةِ. قتله معاوية بالسمِّ في مسيره إلى مصر.
  2. رشيد الهجري: كان من تلاميذِ الإمام وخواصِّه، عرضَ عليه زيادُ البراءةَ واللَّعنَ فأبى، فقطع يديه ورجليه ولسانه.
  3. قنبر مولى أمير المؤمنين: رُوِيَ أنَّ الحجَّاجَ قال لبعض جلاوزته: أُحبُّ أن أُصيبَ رجلًا من أصحاب أبي تراب فقالوا: ما نعلم أحدًا كان أطول صحبة له من مولاه قنبر. فبعثَ في طلبه، فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم، قال له: ابرأ من دين عليّ. فقال له: هل تَدُلَّني على دينٍ أفضل من دينه؟ قال: إنِّي قاتلكَ فاختر أيَّ قتلةٍ أحبّ إليك. قال: أخبرني أمير المؤمنين أنّ ميتَتِي تكون ذبحًا بغير حقٍّ. فأمر به فذبح.
  4. كميل بن زياد: وهو من خيارِ العلويَّةِ وخاصّة أمير المؤمنين، طلبَهُ الحجَّاج فهرب منه، فَحَرمَ قومَهُ عطاءَهُم، فلمّـا رأى كميل ذلك قال: أنا شيخٌ كبيرٌ وقد نفد عمري ولا ينبغي أنْ أكون سببًا في حرمانِ قومي. فجاء للحجَّاج، فلمّـا رآه قال له: كنت أحبُّ أن أجدَ عليك سبيلًا، فقال له كميل: لا تبرق ولا ترعد، فوالله ما بقي من عمري إلاّ مثل الغبار، فاقضِ فإنَّ الموعدَ لله عزّ وجلّ، وبعد القتلِ الحسابُ. وقد أخبرني أمير المؤمنين أنَّك قاتلي. فقال الحجّاج: الحجَّةُ عليك إذن. فقال كميل: ذلك إنْ كانَ القضاءُ لكَ. قال: بلى، اضرُبُوا عنقَهُ.

هذا غيضٌ من فيضٍ وقليلٌ من كثيرٍ ممَّا جناه الأمويُّون في حقِّ العلويَّةِ طوال فترة حكمهم وتولِّيهم لدفَّةِ الأُمورِ وزمامِ الحكمِ، وتالله إنَّ المرء ليُصابُ بالغثيانِ وهو يتأمَّلُ هذه الصَّفحاتِ السَّوداءِ التي لا تُمحى من ذاكرة التَّاريخِ وكيف لُطِّخت بالدِّماءِ الطَّاهرةِ المقدَّسةِ والتي أُريقَتْ ظلمًا وعدوانًا وتجنِّيًا على الحقِّ العلويِّ وأهلِهِ.

 

العلويَّةُ في العصرِ العبَّاسيِّ:

دارَ الزَّمانُ على بني أُميَّةَ، وقامَت ثوراتٌ عنيفةٌ ضدَّهم أثناءَ حُكمِهم المَلَكِيِّ، إلى أن قَضَتْ على آخرِ ملوكِهم (مروان): (فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ لله رَبّ العالَمِينَ)، وامتطَى ناصيةَ الحُكمِ بعدَهم العبَّاسيُّون، والذين تَسَربَلُوا بِشِعارِ مظلوميَّةِ أهلِ البيتِ للوصولِ إلى سُدَّةِ الحكمِ وإزاحةِ خصومِهم الأُمويِّين عنها، بَيْدَ أنَّهم ما أنِ استقرَّ بهم المقامُ وثَبتَتْ لهم أركانُهُ حتَّى انقلَبوا كالوحوشِ الكاسرةِ في محاربَتِهم للعلويِّينَ وتَشريدِهم وتَقتِيلِهم، فكانوا أسوأَ من أسلافِهم الأُمويِّينَ وأشدَّ إجرامًا.

ولا يعرفُ التَّاريخُ أُسرةً كالأُسرةِ العلويَّةِ بلغَتْ الغايةَ من شَرَفِ الأرومَةِ، ضَلَّ عنها حقُّها، وجاهدَت في سبيلِ اللهِ حَقَّ الجهادِ من الأعصارِ، ثمَّ لم تَظفرْ من جهادِها المريرِ إلاَّ بالحَسَرَاتِ، ولم تعقبْ من جهادِها إلاَّ العَبَرَاتُ، على ما فَقَدَتْ من أبطالٍ أَسَالُوا نفوسَهم في ساحِ الوَغَى، راضيةٌ قلوبُهم مطمئنَّةٌ ضمائرُهم، صافَحوا الموتَ ببسالةٍ فائقةٍ، وتلقَّوهُ بصبرٍ جميلٍ يثيرُ في النَّفسِ الإعجابَ والإكبارَ، ويشيعُ فيها ألوانَ التَّقديرِ والإعظامِ.

وقد أسرفَ خصومُ هذه الأُسرةِ الطَّاهرةِ في محاربَتِها، وأذاقوها ضُروبَ النّكالِ، وصَبُّوا عليها صنوفَ العذابِ، ولم يَرقبوا فيها إلاًّ ولا ذِمَّةً.

نعم، لقد اقترنَ تاريخُ العلويَّةِ بأنواعِ الظُّلمِ والنّكالِ، والقتلِ والتَّشريدِ، بحيثُ لم تَشهَدْهُ أيَّةُ طائفةٍ أُخرى من طوائفِ المسلمينَ. بلى، لم يَرَ الأُمويُّونَ ولا العباسيُّونَ ولا الملوكُ الغزاةُ ولا السَّلاجقةُ ولا مَن أتَى بعدَهم أيَّةَ حرمةٍ لنفوسِهم وأعراضِهم وعلومِهم ومكتباتِهم، فحينَ كان اليهودُ والنَّصارى يَسرحونَ ويَمرحونَ في أرضِ الإسلامِ والمسلمينَ، وقد كَفِلَ لهمُ الحُكَّامُ حرِّيَّاتِهم باسمِ الرَّحمةِ الإسلاميَّةِ، كانَ العلويُّون يُؤخَذونَ تحتَ كلِّ حجرٍ ومَدَرٍ، ويُقتَلونَ بالشُّبهةِ والظِّنَّةِ، وتُشرَّدُ أُسرَهم، وتُصَادَرُ أموالُهم، ولا يَجِدونَ بُدًّا من أن يُخفوا كثيرًا من عقائدِهم خوفَ النّكالِ والقتلِ، وبأيدٍ وقلوبٍ نُزِعَتْ منها الرَّحمةُ. فلا تثريبَ إذنْ على العلويِّ أمامَ هذه الوحشيَّةِ المُسرِفَةِ من أن يَتَعاملَ بالتَّقيَّةِ.

هذا هو طغرل بيك أوَّلُ ملكٍ من ملوكِ السَّلاجقةِ الذي وردَ بغدادَ سنةَ 447هـ، وشنَّ على العلويَّةِ حملةً شعواءَ، وأمرَ بإحراقِ مكتبةِ العلويَّةِ.

ولعلَّ القارئَ الكريمَ إذا تأمَّلَ بتدبُّرٍ وَتَأَنٍّ إلى جملةٍ ما كُتِبَ وأُلِّفَ من المراجعِ التَّاريخيَّةِ- وحتَّى تلكَ التي كُتِبَتْ في تلكَ العصورِ التي شهدَتْ هذه المجازرَ المتلاحقَةَ، والتي بلا أدنى شكٍّ كان أغلبُها يُجاري أهواءَ الأُسَرِ الحاكمةِ آنذاكَ- فإنّه سيجدُ بوضوحٍ أنَّ بقاءَ العلويَّةِ حتَّى هذهِ الأزمنةِ من المعاجزِ والكراماتِ وخوارقِ العاداتِ، كيفَ وإنَّ تاريخَهم كان سلسلةً من عمليَّاتِ الذَّبحِ والقتلِ والقمعِ والاستئصالِ والسَّحقِ والإبادةِ حيث تضافرَتْ قوى الكفرِ والفسقِ على إهلاكِهم وقطعِ جذورِهم، ومع ذلك فقد كانت لهم دولٌ ودويلاتٌ، ومعاهدُ وكلِّيَّاتٌ، وبلدانٌ وحضاراتٌ، وأعلامٌ ومفاخرُ، وعباقرةٌ وفلاسفةٌ، وفقهاءٌ، ومحدِّثونَ، ووزراءٌ وسياسيُّونَ.

نعم إنَّ ذلك من فضلِهِ سبحانَهُ لِتَعَلُّقِ مشيئَتِهِ على إبقاءِ الحقِّ في ظلِّ قيامِ العلويَّةِ طيلةَ القرونِ بواجبِها، وهو الصُّمودُ أمامَ الظلمِ، والتَّضحيةُ والفداءُ للمبدأ وقد قال سبحانَهُ: (إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشرونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَينِ وإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَروا بِأِنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ).

ولا يفوتنَّكَ أخي القارئُ الكريمُ أنَّ ثوراتِهم المتعاقبةَ على الحكوماتِ الظَّالمةِ الفاسدةِ الخارجةِ عن حدودِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ العظيمةِ هي التي أدَّتْ إلى تشريدِهم وقتلِهم والفتكِ بهم، ولو أنَّهم ساوموا السُّلطةَ الأُمويَّةَ والعبَّاسيَّةَ، لكانوا في أعلى المناصبِ والمدارجِ، لكنَّ ثوراتِهم لم تكن عنصريَّةً أو قوميَّةً أو طلبًا للرِّئاسةِ، بل كانت لإزهاقِ الباطلِ ورفعِ الظُّلمِ عن المجتمعِ، والدَّعوةِ إلى إعلاءِ كلمةِ اللهِ وغيرِ ذلكَ ممَّا هو من وظائفِ العلماءِ العارفينَ.

 

فرضيَّاتٌ خاطئةٌ وهميَّةٌ:

لقد تقدَّمَ الحديثُ منَّا في الفقراتِ السَّابقةِ حولَ ما يمكنُ تسميتُهُ بنشأةِ العلويَّةِ، والتي تُبيِّنُ لنا بوضوحٍ أنَّهُ لا فصلَ هنا بين النَّشأتَينِ، نشأةِ الإيمانِ، ونشأةِ العلويَّةِ، وأنَّهما وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ، إلاَّ أنَّ هناكَ جماعةً من المؤرِّخينَ وكُتّابِ المقالاتِ مِمَّنْ قادَهُم الوهمُ وسوءُ الفهمِ إلى اعتبارِنا أمرًا حادثًا وطارئًا على المجتمعِ الإسلاميِّ، فأخذوا يُفَتِّشونَ عن بدءِ العلويَّةِ ومصدرِها، وأشدُّ تلك الظُّنونِ عدوانيَّةً ما تلوكُهُ أشداقُ بعضِ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ من اتِّهامِ كلِّ مَن دَعَا إلى الإمامِ عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ بالإمامةِ، وإلى النَّبيِّ (ص) بالرَّجعةِ، وبما أنَّ لهذا الموضوعِ أهميَّةً خاصَّةً لِمَا احتلَّهُ من المساحةِ الواسعةِ في أذهانِ العديدِ من السُّذَّجِ والسَّطحيِّينَ، فإنَّا لا نكتفي ببيانِ توهُّمٍ واحدٍ، بل نأتي على ذكرِ كلِّ تلكَ الادِّعاءاتِ واحدةً بعدَ الأخرى، مع رعايةِ التَّسلسلِ الزَّمنيِّ.

وليسَ بِخَافٍ على أحدٍ مَدَى الانعطافةِ الخطيرةِ التي حدثَتْ في تاريخِ الإسلامِ عقبَ انتهاءِ مؤتمرِ سقيفةِ بني ساعدة، وما ترتَّبَ عليه من نتائجَ وقراراتٍ خطيرةٍ.

نعم إنَّ هذا الأمرَ لابدَّ وأن يستوقفَ كلَّ ذي لُبٍّ وعقلٍ مستنيرٍ، كما أنَّ الاستقراءَ المتأنِّي لأحداثِ السَّقيفةِ قد أوضحَ وبقوَّةٍ وجودَ تيَّارٍ قويٍّ عارضَ مقرَّراتِ هذا المؤتمرِ، وهذا الموقفُ تبنَّتْهُ جملةٌ من وجوهِ الصَّحابةِ ومُتَقدِّميها، وعَمَدَتْ إلى التَّذكيرِ بوجودِهِ والإجهارِ بِهِ، ولعلَّ تمسُّكَ هذه الثًّلَّةِ من الصَّحابةِ بموقفها من بيعةِ الإمامِ دونَ غيرِهِ هو ما دفعَ بعضَ المؤرِّخينَ إلى الذَّهابِ بأنَّ العلويَّةَ كانت وليدةَ الصِّراعِ من هذا المؤتمرِ ونتاجَ مَخَاضِهِ، وأنْ يَليهم آخرونَ يتعمَّدونَ بهذا الرَّأي ويُرَتِّبونَ من خلالِهِ تصوُّرَاتِهم وأفكارَهم، فيتشعَّبَ ذلكَ إلى جملةٍ واسعةٍ من المتبنَّيَاتِ غير الواقعيَّةِ والقائمةِ على أرضٍ واسعةٍ من الأوهامِ والاسترسالِ غيرِ المنطقيِّ.

ولعلَّ هذا التصوُّراتِ تعتمدُ في فهمِها أساسًا لبدءِ نشأةِ العلويَّةِ على ما رَواهُ الطَّبريُّ وغيرُهُ عن مجرياتِ هذا المؤتمرِ وما ترتَّبَ عليه من نتائج، دونَ أن تمدَّ بصرَها إلى أبعد من هذهِ النُّقطةِ اللامعةِ التي أعْمَتْهُم عن التأمُّلِ في أبعادِها.

وهكذا فَمِن خلالِ هذهِ النُّصوصِ المتقدِّمةِ وغيرِها اعتقدَ البعضُ أنَّ بدءَ العلويَّةِ ونشأتَها كان في تلكَ اللحظاتِ الحرجةِ في تاريخِ الإسلامِ، متناسينَ أنَّ ما اعتمدوهُ في بناءِ تصوُّراتِهم هو ما يَنقضُها ويثبتُ بطلانَها، فالمتأمِّلُ في هذه النُّصوصِ يظهرُ له وبوضوحٍ أنَّ فكرةَ العلويَّةِ ليست وليدةَ هذا الظَّرفِ المعقَّدِ وثمرةَ اعتلاجِهِ، بقدرِ ما تؤكِّدُ على أنَّ هذه الفكرةَ كانت مُختَمِرَةً في أذهانِهم ومركوزةً في عقولِهم ولسنينَ طوالٍ من حياةِ النَّبيِّ (ص)، فلمَّا رأتِ العلويَّةُ انصرافَ الأمرِ إلى جهةٍ لم تكنْ في حساباتِهم ولا في حدودِ تَصوُّرَاتِهم، وانحسارَهُ عمَّا كان معهودًا به إليهم، عَمَدُوا إلى التمسُّكِ به بالاجتماعِ في بيتِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ، والإعلانِ صراحةً عن موقِفهم ومُعتَقَدِهم.

وكان من المنطقِ والحكمةِ أن يجتمعَ رأيُ هذه الجماعةِ- التي تؤلِّفُ خلاصةً غنيَّةً من متقدِّمي الصَّحابةِ- على هذا الأمرِ في تلكَ اللَّحظاتِ المضطربةِ والمليئةِ بالمفاجآتِ، وأن يترتَّبَ عليه موقفٌ موحَّدٌ ثابتٌ، فهذا الأمرُ يدلُّ بوضوحٍ على أنَّه ما كان وليدَ يومِهِ ونتاجَ مخاضِهِ.

وممَّا يؤكِّدُ ذلك ويقوِّي أركانَهُ ما نقلته جميعُ مصادرِ الحديثِ المختلفةِ من نداءاتِ رسولِ اللهِ (ص) وتوصياتِهِ بحقِّ الإمام عليّ وعترتِهِ (ع) في أكثرَ من مناسبةٍ ومكانٍ، وما كان يشيرُ إليهِ (ص) من فَضلِ عترتِهِ ومكانَتِهم، والتَّأكيدِ على وجوبِ ملازَمَتِهم، وفي هذا دلالةٌ لا تَقبَلُ النَّقضَ على أنَّ العلويَّةَ ما كانت وليدةَ السَّقيفةِ أو رَدَّةً رافضةً آنيَّةً لمجرياتِ أحداثِها، بل إنَّ هذا الوجودَ يَمتدُّ عمقًا مع نشأةِ الإسلامِ واشتدادِ عودِهِ في زمنِ النَّبيِّ محمَّد (ص) وحياتِهِ المباركةِ المقدَّسةِ.

فقد بُثَّ الدُّعاةُ في البلادِ الإسلاميَّةِ، وأشيرَ عليهم الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكرِ، فَمَالَ إليهم وتبعَهم على ذلكَ جماعاتٌ من المسلمين، ومنهم الصَّحابيُّ الكبيرُ والتَّابعيُّ الصَّالحُ من أمثالِ أبي ذر، وعمَّـار بن ياسر، ومحمَّد بن حذيفة، ومحمَّد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الأشتر، إلى غيرهم من أبرارِ المسلمينَ وأخيارِهم.

فأمَّا محمَّد بن أبي بكر: فأُمُّهُ أسماءُ بنتُ عُمَيس الخثعميَّة، تزوَّجَها أبو بكر بعد استشهادِ جعفر بن أبي طالب، فولدَتْ له محمَّدًا في حجَّة الوداعِ بطريقِ مكَّة، ثم نشأَ في حِجْرِ الإمام علي، وشهدَ معه حربَ الجملِ، كما شهدَ صفِّينَ، ثمَّ وُلِّيَ مصرَ عن الإمام عليّ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ إلى أن قُتِلَ فيها بهجومِ عمرو بن العاص عليها.

وأمَّا صعصعة بن صوحان العبدي: فقد أسلمَ على عهدِ رسولِ الله (ص) وكان خطيبًا مفوَّهًا، شهدَ صفِّين مع الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ. ولمَّا استولى معاويةُ على العراقِ نفاهُ إلى البحرين وماتَ فيها.

وأمَّا مالك الأشتر: فهو مالك بن الحرث النَّخعي، وهو من ثِقَاتِ التَّابعين، شهدَ وقعةَ اليرموكِ، وصحبَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ في الجملِ وصفِّينَ، وَلاَّهُ على مصرَ سنة (38هـ) ولمَّا وصلَ إلى القلزمِ دَسَّ إليه معاويةُ السُّمَّ بواسطةِ أحدِ عملائِهِ فتوفِّيَ مسمومًا.

وأمَّا أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري فهو من السَّابقينَ إلى الإيمانِ، وأوَّل المسلمينَ، وقد قال فيه الرَّسول (ص): (ما أَظَلَّتِ الخضراءُ وما أقلَّتِ الغبراءُ أصدقَ لهجةٍ من أبي ذر).

وأمَّا عمَّار بن ياسر فقد كان من والِدَينِ مؤمنينِ حتَّى قالَ لهم الرَّسول (ص): (صبرًا آل ياسرَ إنَّ موعِدَكُمُ الجنَّة)، كما قالَ عنه الرَّسول (ص): (عمَّارُ مُلِئَ إيمانًا حتَّى مَشاشِهِ).

وكذلكَ كان عمرو بن الحمق الخزاعي من أجِلاَّءِ الرَّسولِ (ص) والمُحدِّثِين. فهؤلاء باختصارٍ هم بعضُ الأجِلاَّءِ الذين نُسِبُوا إلى العلويَّةِ.

 

افتراق الأمَّة الإسلاميَّة:

النَّماذجُ التي قالتْ إنَّها الفرقةُ النَّاجيةُ لم تكن أدلَّتُهم إلاَّ دَعاوى مجرَّدةً وأدلَّةً ملفَّقةً، لا تستندُ إلى حجَّةٍ صحيحةٍ ولا إلى برهانٍ مستقيمٍ.

إنَّ العلويَّةَ هي الفرقةُ الحقَّةُ وإنَّ عقائدَهم سمحةٌ وسهلةُ القبولِ لكلِّ ذي عقلٍ حكيمٍ وذوقٍ سليمٍ، وتجدُ عندهم لكلِّ مسألةٍ من المسائلِ ولكلِّ مبدأ في العقائدِ تفسيرًا شافيًا كافيًا، في الوقتِ الذي لا تجدُ لها حلاًّ عند أهل السُّنَّةِ والشيعةِ وغيرهم، وهو قوله تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ).

ويُعتبرُ عنصرُ العموميَّةِ والشُّمولِ الذي تتميَّزُ به تعاليمُ الدِّينِ العلويِّ المحمَّديِّ من أبرزِ العناصرِ والمقوّماتِ التي تمنحُ هذا الدِّينَ المقدَّسَ قابليةَ الدَّيمومةِ والبقاءِ ومواكبةِ السُّلوكِ الإنسانيِّ المتحرِّكِ والمتغيِّرِ باستمرار، فقد أُريدَ لهذا الدينِ أن يمتدَّ في أفقِ الحياةِ إلى حيث اللَّحظاتِ الأخيرةِ بالرؤيةِ الواضحةِ والتَّكليفِ المشخِّصِ والموقفِ العمليِّ المحدَّدِ الشَّاملِ لقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ).

ولنا أن نقطعَ بأنَّ سرَّ هذا الشُّمولِ والاستيعابِ في هذا الدِّينِ يكمنُ في انبثاقِ تعاليمِهِ وقوانينِهِ من صاحب الكمالِ المطلقِ واتِّصاله بالقدرةِ الإلهيَّةِ، فالقُوَّةُ المعصومةُ المطلقةُ هي صاحبةُ الدَّورِ الوحيدِ في صياغةِ الرُّؤيةِ والوقائعِ، وقد كانت هذه العصمةُ المجسِّدَ الأولَ لهذه الغايةِ، والملبِّي الأمثلَ لذلكَ الغرضِ المرتجى والهدفِ المرسومِ.

وبمجرَّدِ اطلاعِكَ على عقيدةِ العلويَّةِ في هذا الصَّددِ يرتاحُ ضميرُكَ ويسلِّمُ عقلُكَ بقبولِ تأويلِ الآياتِ القرآنيَّةِ بعيدًا عن أيِّ تشبيهٍ أو تعطيلٍ.

ولنا أن نستدلَّ على أحقيَّةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ بعدَّةِ أدلَّةٍ:

  1. أخبرَ النبيُّ (ص) أنَّ النَّجاةَ منحصـرةٌ بالتَّمسُّكِ بالكتابِ والأئمة (ع) بقوله (ص): (إنِّي مُخلفٌ فيكم الثَّقلين كتابَ اللهِ وعترَتي أهلَ بيتي لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكتُم بهما، وإنَّهما لن يَفترقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوضَ)، ولا ريبَ أنَّ البعضَ لم يتمسَّكوا بأهلِ البيتِ، فوجبَ بمقتضى ذلكَ الحديثِ وقوعُهم في الضَّلالِ، أمَّا العلويةُ النصيريةُ فاتَّبعوهم واتَّخذوهم أئمَّةً، فكانوا بذلكَ هم النَّاجونَ دون غيرهم.
  2. أخبرَ الإمام علي علينا من ذكره السلام في أحاديثَ كثيرةٍ أنَّ الأئمَّةَ (ع) الذينَ يكونُ بهم الدِّينُ قائمًا عزيزًا ومنيعًا وأمرَ الناسَ بهم هم إثنا عشـرَ كلُّهم من قريش، لذلك تجدُ أنَّ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ تعتقدُ بإثني عشر إمامٍ بدءًا بمحمد (ص) وانتهاء بالقائم المهدي (ع).
  3. إنَّ العلويَّة النُّصيريَّةَ خالصةٌ من الأباطيلِ في الفروعِ والأصولِ ولا بأسَ بأن نذكرَها مجملةً، فكلُّ مَن كانَ منصفًا واطَّلعَ على المذاهبِ بتأمُّلٍ يجدُ أنَّ العلويَّة النُّصيريَّة هي واجبةُ الاتِّباعِ لموافَقَتِها الأدلَّةَ الصَّحيحةَ وبُعدِها عن البدعِ.
  4. لقد أثبتَ علماءُ العلويَّةِ نهجَ أهلِ البيتِ، ورَدُّوا على خصومِهم، وفَنَّدُوا آراءَ المذاهبِ الأخرى، وهم في ذلكَ ألزَموا أنفسَهم بألاَّ يَحتجُّوا إلاَّ بمَا وَرَدَ في المصحفِ الشريفِ وأحاديثِ الخصومِ الذين لمَّا أعياهُم الدَّليلُ الصَّحيحُ في نقدِ العلويَّة النُّصيريَّةِ عَمَدوا مع بالغِ الأسى إلى تضعيفِ أحاديثِنا، وعَمَدُوا إلى اختلاقِ الأكاذيبِ على النُّصيريَّةِ بِمَا لا يقولونَ وَبِمَا ليسَ فيهم، وهذا ناشئٌ عن عدم الدَّليلِ عندهم على صحَّةِ مذاهبِهم، فلم نجدْ في رَدِّهم علينا إلاَّ السُّبابَ والشَّتمَ المقذعَ.
  5. المعروفُ أنَّ المذاهبَ المعروفةَ المجتهدةَ نشأت كلُّها بعد انتهاءِ القرنِ الثاني من الهجرة، وإذا كانت قد نشأتْ في عصورٍ متأخرةٍ فلابدَّ أن يكونَ الحقُّ في غيرِها قبلَ نشوئِها، ولابدَّ أنْ تكونَ هناكَ فرقةٌ من فرقِ هذه الأمةِ على الحقِّ من زمانِ الأنبياءِ إلى قيامِ الساعةِ، لذلكَ كان الحقُّ منحصـرًا في العلويَّةِ النُّصيريَّةِ لأنَّها الفريدة بين كلِّ المذاهبِ الإسلاميَّةِ التي امتدَّتَ من حياة الأنبياءِ إلى العصورِ المتأخِّرةِ.
  6. إنَّ علماءَ العلويَّةِ ناظروا خصومَهم في التَّوحيدِ فكانت الحُجَّةُ معهم والغَلَبَةُ لهم على غيرهم، وعلماءُ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ كانوا وما يزالونَ يدعونَ أربابَ المذاهبِ للمناظرةِ ثقةً منهم بأنَّ ما عندهم هو الحقُّ وما عليه غيرُهم هو الباطلُ، والباطلُ لا يزهقُ الحقَّ لقوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ).

 

لكلِّ ما سبقَ نجدُ أنَّ الأدلَّةَ الصَّحيحةَ الثَّابتةَ كلُّها ترشدُ إلى العلويَّة الحقِّ لقوله تعالى: (وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)، وأمَّا باقي المذاهبِ فلم يقمْ على صِحَّتها دليلٌ صحيحٌ معتبَرٌ، وكلُّ ما ذكروهُ لا يَعدو كونَهُ مجرَّدُ دَعاوى لا تستندُ إلى برهانٍ صحيحٍ، ولا تنهضُ بها حجَّةٌ تامَّةٌ.

ولا يخفى أنَّنا بحاجةٍ إلى تكريسِ الجهودِ ومضاعَفَتِها نحو الإفهامِ المناسبِ لعقائدِنا العلويَّةِ الحقَّةِ ومفاهيمها الرَّفيعةِ، ممَّا يستدعي الالتزامَ الجادَّ بالبرامجِ والمناهجِ العلويَّةِ التي تُوجِدُ حالةً من المفاعلةِ الدَّائمةِ بينَ الناسِ وقيمها الحَقَّةٍ.

وليكن الهمُّ الأوَّلُ والأخيرُ للعالمِ هو تعريفُ الحقيقةِ والحفاظُ عليها للوصولِ للحكمِ في منابعِهِ الأصليَّةِ، وبيانُهُ دونَ اهتمامٍ بكثرةِ البهرجةِ وحبِّ الظُّهورِ وغيرِ ذلكَ من مغرياتِ الدُّنيا الزَّائلةِ ودواعي الشَّيطانِ المهلكةِ، فَعِزُّ الدُّنيا وفخرُها إلى انقطاعٍ، وزينتُها ومالُها إلى زوالٍ، وقد قال تعالى: (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).