أرشيف الوسم: النصيرية

العلوية في التاريخ

hesham

العلوية في التاريخ

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

 

زعمَ غيرُ واحد منَ الكتَّابِ القُدامى والجددِ أنَّ العلويَّةَ كسائرِ المذاهبِ الإسلاميَّةِ منْ إفرازاتِ الصِّراعاتِ السياسيَّةِ، في حين يذهبُ البعضُ الآخرُ إلى القول بأنَّه نتاجُ الجدالِ الكلاميِّ والصِّراعِ الفكريِّ. فأخذوا يبحثونَ عن تاريخِ نشوئِهِا وظهورها في السَّاحةِ الإسلاميَّةِ، وكأنَّهم يلتقونَ بوصفها ظاهرةً جديدةً وافدةً على المجتمع الإسلامي، ويعتقدونَ بأنَّ القطَّاعَ العلويَّ- وإنْ كان من جسم الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ- قد تكوَّنَ على مرِّ الزمنِ نتيجةَ أحداثٍ وتطوُّراتٍ سياسيَّةٍ أو اجتماعيَّةٍ فكريَّةٍ أدّت إلى تكوينِ هذا المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير، ومن ثمَّ اتَّسعَ ذلك الجزء بالتَّدريجِ.

ولعلّ هذا التَّصوُّرَ الخاطئَ لمفهومِ العلويَّةِ هو ما دفع أصحابَ هذهِ الطُّروحاتِ إلى التَّخبُّط والتعثُّرِ في فهمهم لحقيقةِ نشوء العلويَّة، وفي محاولاتِهم الراميَّةِ لتقديم التَّفسيرِ الأصوب، ولو أنَّ أُولئك الدَّارسينَ شَرَعُوا في دراستهم لتاريخ هذه النَّشأةِ من خلال الطُّروحات العقائديَّةِ والفكريَّةِ التي بُنِيَتْ عليها العلويَّةُ لأدركوا بوضوحٍ ودون لبسٍ أنَّها لا تؤلِّفُ في جوهرِ تكوينها وقواعدِ أركانها إلاَّ الامتدادَ الاصيلَ والحقيقيَّ للفكرِ العقائديِّ للدينِ الإسلاميِّ المحمَّديِّ والذي قامَ عليه كيانُهُ.

إنَّ هذا الاعتقادَ يظـهرُ بأوضحِ صورةٍ من خلال الالتفافِ والمبايعةِ للوصيِّ ففي ذلك أوضحُ المصاديقِ على حقيقة هذا النُّشوءِ الذي اقترنَ بنشوءِ وتبلورِ الفكرِ الإسلاميِّ الكبير، والذي لابدَّ له من الاستمرار والتَّواصلِ والتَّكاملِ حتّى بعد صاحبِ الرسالةِ، والذي ينبغي له أنْ يكونَ الاستمرارَ الحقيقيَّ لتلك العقيدةِ السماويَّةِ.

فإذا اعتبرنا بأنَّ المذهبَ يرتكزُ أساسًا في استمرارِ القيادةِ بالوصيِّ، فلا نجدُ له تاريخًا سوى تاريخِ نشوءِ الإسلام، والنُّصوصُ الواردةُ عن رسولِهِ (ص) متوفِّرةٌ في وصاية الإمامِ عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلام، وإذا كانت تلك النُّصوصُ من القوَّةِ والحجِّيَّةِ التي لا يَرقى إليها الشَّكُّ، وتعدُّ وبدون تردُّدٍ ركائزَ عقائديّةً أرادَ أنْ يُثبِّتَ أُسُسَها رسول الله (ص)، فهي بلا شكٍّ تدلُّ وبوضوحٍ على أنَّ هذه الاستجابةَ استمرارٌ حقيقيٌّ لما سبقها في عهد رسولِ الله (ص)، وإذا كانَ كذلك فإنَّ جميع من استجابوا لرسول الله (ص)، وانقادوا له انقيادًا حقيقيًّا، يُعدُّونَ بلا شكٍّ روَّادَ العلويَّةِ الأوائل وحاملي بذوره، فالعلويَّةُ هم المسلمونَ ومن تبعهم بإحسانٍ في الأجيالِ اللاحقةِ، مِن الذين بَقَوا على ما كانوا عليه في عصرِ الرَّسولِ في أمرِ القيادَةِ، ولم يغيِّروه، ولم يتعدُّوه إلى غيره، ولم يأخذُوا بالمصالحِ المزعومةِ في مقابل النُّصوصِ، وصاروا بذلك المصداقِ الأبرزَ لقوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَيِ الله ورَسُولِهِ واتَّقُوا الله إنَّ الله سَميعٌ عَليمٌ).

إنَّ الآثارَ المرويَّةَ في حقِّ العلويَّةِ عن لسان النبيِّ الأكرم- والذين هم بالتالي عَلَويَّةٌ لرسول الله (ص)- تَرفعُ اللِّثامَ عن وجهِ الحقيقةِ، وتُعرِبُ عن التفافِهَا حول الوصيِّ، فقد كانوا معروفينَ في عصرِ الرِّسالةِ، وإنَّ النَّبيَّ الأكرم وصفَهم في كلماتِهِ بأنَّهُم الفائزونَ.

وهذه النُّصوص المتضافِرَةُ الغنيَّةُ عن ملاحظةِ أسنادها، تُعرِبُ عن كونِ الإمام عليٍّ علينا من ذكره السَّلام متميِّزٌ بقربِهِ من النبيِّ (ص)، وبأنَّ له أصحابًا وأتباعًا، ولهم مواصفاتٌ وسماتٌ كانوا مشهورين بها، في حياة النبيِّ وبعدها، وكان (ص) يشيد بهم ويبشِّرُ بفوزهم، وهم- بلا ريبٍ- ليسوا بخارجين قَيدَ أُنْمُلَةٍ عن الخطِّ النَّبويِّ المبارك للفكرِ الإسلاميِّ العظيمِ، والذي يؤكِّدُ على حقيقة العلويَّةِ ونشوئها الذي لا يفترق عن نشوءِ الدِّين واستقرارِهِ.

فبعد هذه النصوص لا يصحُّ لباحثٍ أن يلتجِئَ إلى فروضٍ ظنِّيَّةٍ أو وهميَّةٍ في تحديد تكوُّنِ العلويَّةِ وظهورها.

 

العلويَّةُ في كلماتِ المؤرِّخينَ وأصحابِ الفرقِ:

لقد غلبَ استعمالُ لفظِ العلويَّةِ بعد عصرِ الرَّسولِ (ص) تبعًا لمن يوالي الإمام عليّ علينا من ذكره السلام ويعتقدُ بإمامتِهِ ووصايتِهِ، ويظهرُ ذلك من خلال كلماتِ المؤرِّخينَ على القوم ببيعتِهِ.

كما أنَّ حقيقةَ استخلافِ النَّبيِّ له أمستْ فكرةً عقائديَّةً ثابتةً في النُّفوسِ والقُلوبِ، وتضاعفَ عددُ المؤمنين بها له على مرورِ الأيَّامِ، ورجعَ الكثيرُ من المسلمين إلى الماضي القريب، واحتشدَتْ في أذهانهم صورٌ عن مواقفِ النبيِّ (ص)، تلك المواقف التي كان يصرِّحُ فيها باستخلافِ الإمام عليٍّ من بعده تارةً، ويلمِّحُ فيها أُخرى، فالتفُّوا حول الإمام عليٍّ علينا من ذكره السلام وأصبحوا من الدُّعاةِ الأوفياء له في جميع المراحل التي مرَّ بها.

وإذا كان العنصرُ المقوِّمُ لإطلاق كلمةِ العلويَّةِ هو اتِّباعُ الإمام عليّ علينا من ذكره السلام بعد النبيّ الأكرم (ص) في الخلافة والوصاية، فإنّه من غيرِ المنطقيِّ محاولةُ افتراضِ علَّةٍ اجتماعيَّةٍ أو سياسية أو كلاميَّةٍ لتَكَوُّنِ هذه الفرقة.

ومن أجل أنْ ترتسمَ في الأذهانِ الصُّورةُ واضحةً عن مجسِّدي هذه التسمية في تلك الحقبةِ البعيدة في التَّاريخ الاسلامي والملاصِقَةِ لعصرِ الرَّسالةِ الأوَّلِ، نستعرض جملةً من روُّادِ هذا الميدانِ المقدَّسِ والذين يُعَدُّون بحقٍّ أوائلَ حَمَلَةِ هذه التَّسمية المباركة على وجه الإجمالِ.

فأتباعُ الإمام عليٍّ علينا من ذكره السلام ينقسمون إلى الأصفياءِ، ثمّ الأصحابِ والأولياءِ. وفي مقدِّمتهم سيدنا سلمان الفارسي، والمقداد، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأبي ذر الغفاري، وعمّـار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيّوب الأنصاري.

عليهم سلام الله اجمعين.

فمن أرادَ التَّفصيلَ والوقوف على حياتِهِم فليرجع إلى الكتبِ المؤلَّفةِ، ولكن بعينٍ مفتوحةٍ وبصيرةٍ نافذةٍ.

 

العلوية في العصر الأُموي:

إنَّ الهجمةَ الشَّرسةَ التي كانت تستهدفُ استئصالَ النَّهجِ العلوي والقضاءَ عليه قد أخذتْ أبعادًا خطيرةً وداميةً بعد عهد رسول الله (ص)، وخاصَّةً إبَّانَ الحكمين الأُموي والعباسي، فقد شَرَعَ أعداءُ الإمامِ وخصومُ العلويَّةِ إلى التعرُّضِ الصَّريحِ بالقتلِ والتَّشريدِ لأنصارِ العلويَّةِ والمنتسبينَ إليها، إلاّ أنَّ هذا لمْ يمنَعِ البعضَ ممَّن وقفوا موقفًا باطلًا ومنحرفًا من الإمام عليِّ علينا من ذكره السلام من التَّعبيرِ عن سرورهم من هذا الأمر الجَلَلِ.

أمَّا معاوية فلا مناصَ من القول بأنُّه أكثرُ المستبشرينَ بهذا الأمر، حيثُ يمثِّلُ الإعلانَ الرَّسميَّ لبدء الحملة الشَّرسةِ والمعلَنَةِ لاستئصال أتباع الإمام علي علينا من ذكره السلام وأنصارِهِ.

وتوالتِ المجازرُ بعد معاوية إلى آخرِ عهد الدَّولةِ الأُمويَّة، فلمْ يكنْ للعلويَّةِ في تلك الأيّام نصيبٌ سوى القتل والنَّفي والحرمان. وهذا هو الذي نستعرضه على وجه الإجمال، حتّى يقفَ القارئُ على أنَّ بقاءَ العلويَّةِ في هذه العصور المظلِمَةِ كان معجزةً من معاجزِ الله سبحانه، كما يتوضَّحُ له مدى الدَّورِ الذي لعبَهُ العلويَّةُ في الصُّمودِ والكفاحِ والرَّدِّ على الظَّلَمَةِ وأعوانِهِم.

وإليكم بعضَ الوثائق من جرائِمِ معاوية وأتباعه، ولعلَّ المرء يصابُ بالذُّهولِ وهو يتأمَّلُ أسماء الصَّحابَةِ والتَّابعين ذوي المنازلِ الرَّفيعةِ والمكانة السَّامية والدَّورِ الجليل في خدمة الإسلام وأهلِهِ، كيف استشهدوا في سبيل ولايتهم لعلي علينا من ذكره السلام، فاستشهدوا لا لشيٍء إلاَّ لأنَّهم علويَّةُ الإمام عليّ علينا من ذكره السلام، ومن أبرزِ رجالِ الحقِّ الذين ضَحَّوا في سبيل نهج العلوية:

  1. مالك الأشتر: ملكُ العرب، وأحدُ أشرفِ رجالاتها وأبطالها، كان شهمًا مطاعًا وكان قائدَ القوَّاتِ العلويَّةِ. قتله معاوية بالسمِّ في مسيره إلى مصر.
  2. رشيد الهجري: كان من تلاميذِ الإمام وخواصِّه، عرضَ عليه زيادُ البراءةَ واللَّعنَ فأبى، فقطع يديه ورجليه ولسانه.
  3. قنبر مولى أمير المؤمنين: رُوِيَ أنَّ الحجَّاجَ قال لبعض جلاوزته: أُحبُّ أن أُصيبَ رجلًا من أصحاب أبي تراب فقالوا: ما نعلم أحدًا كان أطول صحبة له من مولاه قنبر. فبعثَ في طلبه، فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم، قال له: ابرأ من دين عليّ. فقال له: هل تَدُلَّني على دينٍ أفضل من دينه؟ قال: إنِّي قاتلكَ فاختر أيَّ قتلةٍ أحبّ إليك. قال: أخبرني أمير المؤمنين أنّ ميتَتِي تكون ذبحًا بغير حقٍّ. فأمر به فذبح.
  4. كميل بن زياد: وهو من خيارِ العلويَّةِ وخاصّة أمير المؤمنين، طلبَهُ الحجَّاج فهرب منه، فَحَرمَ قومَهُ عطاءَهُم، فلمّـا رأى كميل ذلك قال: أنا شيخٌ كبيرٌ وقد نفد عمري ولا ينبغي أنْ أكون سببًا في حرمانِ قومي. فجاء للحجَّاج، فلمّـا رآه قال له: كنت أحبُّ أن أجدَ عليك سبيلًا، فقال له كميل: لا تبرق ولا ترعد، فوالله ما بقي من عمري إلاّ مثل الغبار، فاقضِ فإنَّ الموعدَ لله عزّ وجلّ، وبعد القتلِ الحسابُ. وقد أخبرني أمير المؤمنين أنَّك قاتلي. فقال الحجّاج: الحجَّةُ عليك إذن. فقال كميل: ذلك إنْ كانَ القضاءُ لكَ. قال: بلى، اضرُبُوا عنقَهُ.

هذا غيضٌ من فيضٍ وقليلٌ من كثيرٍ ممَّا جناه الأمويُّون في حقِّ العلويَّةِ طوال فترة حكمهم وتولِّيهم لدفَّةِ الأُمورِ وزمامِ الحكمِ، وتالله إنَّ المرء ليُصابُ بالغثيانِ وهو يتأمَّلُ هذه الصَّفحاتِ السَّوداءِ التي لا تُمحى من ذاكرة التَّاريخِ وكيف لُطِّخت بالدِّماءِ الطَّاهرةِ المقدَّسةِ والتي أُريقَتْ ظلمًا وعدوانًا وتجنِّيًا على الحقِّ العلويِّ وأهلِهِ.

 

العلويَّةُ في العصرِ العبَّاسيِّ:

دارَ الزَّمانُ على بني أُميَّةَ، وقامَت ثوراتٌ عنيفةٌ ضدَّهم أثناءَ حُكمِهم المَلَكِيِّ، إلى أن قَضَتْ على آخرِ ملوكِهم (مروان): (فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ لله رَبّ العالَمِينَ)، وامتطَى ناصيةَ الحُكمِ بعدَهم العبَّاسيُّون، والذين تَسَربَلُوا بِشِعارِ مظلوميَّةِ أهلِ البيتِ للوصولِ إلى سُدَّةِ الحكمِ وإزاحةِ خصومِهم الأُمويِّين عنها، بَيْدَ أنَّهم ما أنِ استقرَّ بهم المقامُ وثَبتَتْ لهم أركانُهُ حتَّى انقلَبوا كالوحوشِ الكاسرةِ في محاربَتِهم للعلويِّينَ وتَشريدِهم وتَقتِيلِهم، فكانوا أسوأَ من أسلافِهم الأُمويِّينَ وأشدَّ إجرامًا.

ولا يعرفُ التَّاريخُ أُسرةً كالأُسرةِ العلويَّةِ بلغَتْ الغايةَ من شَرَفِ الأرومَةِ، ضَلَّ عنها حقُّها، وجاهدَت في سبيلِ اللهِ حَقَّ الجهادِ من الأعصارِ، ثمَّ لم تَظفرْ من جهادِها المريرِ إلاَّ بالحَسَرَاتِ، ولم تعقبْ من جهادِها إلاَّ العَبَرَاتُ، على ما فَقَدَتْ من أبطالٍ أَسَالُوا نفوسَهم في ساحِ الوَغَى، راضيةٌ قلوبُهم مطمئنَّةٌ ضمائرُهم، صافَحوا الموتَ ببسالةٍ فائقةٍ، وتلقَّوهُ بصبرٍ جميلٍ يثيرُ في النَّفسِ الإعجابَ والإكبارَ، ويشيعُ فيها ألوانَ التَّقديرِ والإعظامِ.

وقد أسرفَ خصومُ هذه الأُسرةِ الطَّاهرةِ في محاربَتِها، وأذاقوها ضُروبَ النّكالِ، وصَبُّوا عليها صنوفَ العذابِ، ولم يَرقبوا فيها إلاًّ ولا ذِمَّةً.

نعم، لقد اقترنَ تاريخُ العلويَّةِ بأنواعِ الظُّلمِ والنّكالِ، والقتلِ والتَّشريدِ، بحيثُ لم تَشهَدْهُ أيَّةُ طائفةٍ أُخرى من طوائفِ المسلمينَ. بلى، لم يَرَ الأُمويُّونَ ولا العباسيُّونَ ولا الملوكُ الغزاةُ ولا السَّلاجقةُ ولا مَن أتَى بعدَهم أيَّةَ حرمةٍ لنفوسِهم وأعراضِهم وعلومِهم ومكتباتِهم، فحينَ كان اليهودُ والنَّصارى يَسرحونَ ويَمرحونَ في أرضِ الإسلامِ والمسلمينَ، وقد كَفِلَ لهمُ الحُكَّامُ حرِّيَّاتِهم باسمِ الرَّحمةِ الإسلاميَّةِ، كانَ العلويُّون يُؤخَذونَ تحتَ كلِّ حجرٍ ومَدَرٍ، ويُقتَلونَ بالشُّبهةِ والظِّنَّةِ، وتُشرَّدُ أُسرَهم، وتُصَادَرُ أموالُهم، ولا يَجِدونَ بُدًّا من أن يُخفوا كثيرًا من عقائدِهم خوفَ النّكالِ والقتلِ، وبأيدٍ وقلوبٍ نُزِعَتْ منها الرَّحمةُ. فلا تثريبَ إذنْ على العلويِّ أمامَ هذه الوحشيَّةِ المُسرِفَةِ من أن يَتَعاملَ بالتَّقيَّةِ.

هذا هو طغرل بيك أوَّلُ ملكٍ من ملوكِ السَّلاجقةِ الذي وردَ بغدادَ سنةَ 447هـ، وشنَّ على العلويَّةِ حملةً شعواءَ، وأمرَ بإحراقِ مكتبةِ العلويَّةِ.

ولعلَّ القارئَ الكريمَ إذا تأمَّلَ بتدبُّرٍ وَتَأَنٍّ إلى جملةٍ ما كُتِبَ وأُلِّفَ من المراجعِ التَّاريخيَّةِ- وحتَّى تلكَ التي كُتِبَتْ في تلكَ العصورِ التي شهدَتْ هذه المجازرَ المتلاحقَةَ، والتي بلا أدنى شكٍّ كان أغلبُها يُجاري أهواءَ الأُسَرِ الحاكمةِ آنذاكَ- فإنّه سيجدُ بوضوحٍ أنَّ بقاءَ العلويَّةِ حتَّى هذهِ الأزمنةِ من المعاجزِ والكراماتِ وخوارقِ العاداتِ، كيفَ وإنَّ تاريخَهم كان سلسلةً من عمليَّاتِ الذَّبحِ والقتلِ والقمعِ والاستئصالِ والسَّحقِ والإبادةِ حيث تضافرَتْ قوى الكفرِ والفسقِ على إهلاكِهم وقطعِ جذورِهم، ومع ذلك فقد كانت لهم دولٌ ودويلاتٌ، ومعاهدُ وكلِّيَّاتٌ، وبلدانٌ وحضاراتٌ، وأعلامٌ ومفاخرُ، وعباقرةٌ وفلاسفةٌ، وفقهاءٌ، ومحدِّثونَ، ووزراءٌ وسياسيُّونَ.

نعم إنَّ ذلك من فضلِهِ سبحانَهُ لِتَعَلُّقِ مشيئَتِهِ على إبقاءِ الحقِّ في ظلِّ قيامِ العلويَّةِ طيلةَ القرونِ بواجبِها، وهو الصُّمودُ أمامَ الظلمِ، والتَّضحيةُ والفداءُ للمبدأ وقد قال سبحانَهُ: (إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشرونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَينِ وإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَروا بِأِنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ).

ولا يفوتنَّكَ أخي القارئُ الكريمُ أنَّ ثوراتِهم المتعاقبةَ على الحكوماتِ الظَّالمةِ الفاسدةِ الخارجةِ عن حدودِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ العظيمةِ هي التي أدَّتْ إلى تشريدِهم وقتلِهم والفتكِ بهم، ولو أنَّهم ساوموا السُّلطةَ الأُمويَّةَ والعبَّاسيَّةَ، لكانوا في أعلى المناصبِ والمدارجِ، لكنَّ ثوراتِهم لم تكن عنصريَّةً أو قوميَّةً أو طلبًا للرِّئاسةِ، بل كانت لإزهاقِ الباطلِ ورفعِ الظُّلمِ عن المجتمعِ، والدَّعوةِ إلى إعلاءِ كلمةِ اللهِ وغيرِ ذلكَ ممَّا هو من وظائفِ العلماءِ العارفينَ.

 

فرضيَّاتٌ خاطئةٌ وهميَّةٌ:

لقد تقدَّمَ الحديثُ منَّا في الفقراتِ السَّابقةِ حولَ ما يمكنُ تسميتُهُ بنشأةِ العلويَّةِ، والتي تُبيِّنُ لنا بوضوحٍ أنَّهُ لا فصلَ هنا بين النَّشأتَينِ، نشأةِ الإيمانِ، ونشأةِ العلويَّةِ، وأنَّهما وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ، إلاَّ أنَّ هناكَ جماعةً من المؤرِّخينَ وكُتّابِ المقالاتِ مِمَّنْ قادَهُم الوهمُ وسوءُ الفهمِ إلى اعتبارِنا أمرًا حادثًا وطارئًا على المجتمعِ الإسلاميِّ، فأخذوا يُفَتِّشونَ عن بدءِ العلويَّةِ ومصدرِها، وأشدُّ تلك الظُّنونِ عدوانيَّةً ما تلوكُهُ أشداقُ بعضِ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ من اتِّهامِ كلِّ مَن دَعَا إلى الإمامِ عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ بالإمامةِ، وإلى النَّبيِّ (ص) بالرَّجعةِ، وبما أنَّ لهذا الموضوعِ أهميَّةً خاصَّةً لِمَا احتلَّهُ من المساحةِ الواسعةِ في أذهانِ العديدِ من السُّذَّجِ والسَّطحيِّينَ، فإنَّا لا نكتفي ببيانِ توهُّمٍ واحدٍ، بل نأتي على ذكرِ كلِّ تلكَ الادِّعاءاتِ واحدةً بعدَ الأخرى، مع رعايةِ التَّسلسلِ الزَّمنيِّ.

وليسَ بِخَافٍ على أحدٍ مَدَى الانعطافةِ الخطيرةِ التي حدثَتْ في تاريخِ الإسلامِ عقبَ انتهاءِ مؤتمرِ سقيفةِ بني ساعدة، وما ترتَّبَ عليه من نتائجَ وقراراتٍ خطيرةٍ.

نعم إنَّ هذا الأمرَ لابدَّ وأن يستوقفَ كلَّ ذي لُبٍّ وعقلٍ مستنيرٍ، كما أنَّ الاستقراءَ المتأنِّي لأحداثِ السَّقيفةِ قد أوضحَ وبقوَّةٍ وجودَ تيَّارٍ قويٍّ عارضَ مقرَّراتِ هذا المؤتمرِ، وهذا الموقفُ تبنَّتْهُ جملةٌ من وجوهِ الصَّحابةِ ومُتَقدِّميها، وعَمَدَتْ إلى التَّذكيرِ بوجودِهِ والإجهارِ بِهِ، ولعلَّ تمسُّكَ هذه الثًّلَّةِ من الصَّحابةِ بموقفها من بيعةِ الإمامِ دونَ غيرِهِ هو ما دفعَ بعضَ المؤرِّخينَ إلى الذَّهابِ بأنَّ العلويَّةَ كانت وليدةَ الصِّراعِ من هذا المؤتمرِ ونتاجَ مَخَاضِهِ، وأنْ يَليهم آخرونَ يتعمَّدونَ بهذا الرَّأي ويُرَتِّبونَ من خلالِهِ تصوُّرَاتِهم وأفكارَهم، فيتشعَّبَ ذلكَ إلى جملةٍ واسعةٍ من المتبنَّيَاتِ غير الواقعيَّةِ والقائمةِ على أرضٍ واسعةٍ من الأوهامِ والاسترسالِ غيرِ المنطقيِّ.

ولعلَّ هذا التصوُّراتِ تعتمدُ في فهمِها أساسًا لبدءِ نشأةِ العلويَّةِ على ما رَواهُ الطَّبريُّ وغيرُهُ عن مجرياتِ هذا المؤتمرِ وما ترتَّبَ عليه من نتائج، دونَ أن تمدَّ بصرَها إلى أبعد من هذهِ النُّقطةِ اللامعةِ التي أعْمَتْهُم عن التأمُّلِ في أبعادِها.

وهكذا فَمِن خلالِ هذهِ النُّصوصِ المتقدِّمةِ وغيرِها اعتقدَ البعضُ أنَّ بدءَ العلويَّةِ ونشأتَها كان في تلكَ اللحظاتِ الحرجةِ في تاريخِ الإسلامِ، متناسينَ أنَّ ما اعتمدوهُ في بناءِ تصوُّراتِهم هو ما يَنقضُها ويثبتُ بطلانَها، فالمتأمِّلُ في هذه النُّصوصِ يظهرُ له وبوضوحٍ أنَّ فكرةَ العلويَّةِ ليست وليدةَ هذا الظَّرفِ المعقَّدِ وثمرةَ اعتلاجِهِ، بقدرِ ما تؤكِّدُ على أنَّ هذه الفكرةَ كانت مُختَمِرَةً في أذهانِهم ومركوزةً في عقولِهم ولسنينَ طوالٍ من حياةِ النَّبيِّ (ص)، فلمَّا رأتِ العلويَّةُ انصرافَ الأمرِ إلى جهةٍ لم تكنْ في حساباتِهم ولا في حدودِ تَصوُّرَاتِهم، وانحسارَهُ عمَّا كان معهودًا به إليهم، عَمَدُوا إلى التمسُّكِ به بالاجتماعِ في بيتِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ، والإعلانِ صراحةً عن موقِفهم ومُعتَقَدِهم.

وكان من المنطقِ والحكمةِ أن يجتمعَ رأيُ هذه الجماعةِ- التي تؤلِّفُ خلاصةً غنيَّةً من متقدِّمي الصَّحابةِ- على هذا الأمرِ في تلكَ اللَّحظاتِ المضطربةِ والمليئةِ بالمفاجآتِ، وأن يترتَّبَ عليه موقفٌ موحَّدٌ ثابتٌ، فهذا الأمرُ يدلُّ بوضوحٍ على أنَّه ما كان وليدَ يومِهِ ونتاجَ مخاضِهِ.

وممَّا يؤكِّدُ ذلك ويقوِّي أركانَهُ ما نقلته جميعُ مصادرِ الحديثِ المختلفةِ من نداءاتِ رسولِ اللهِ (ص) وتوصياتِهِ بحقِّ الإمام عليّ وعترتِهِ (ع) في أكثرَ من مناسبةٍ ومكانٍ، وما كان يشيرُ إليهِ (ص) من فَضلِ عترتِهِ ومكانَتِهم، والتَّأكيدِ على وجوبِ ملازَمَتِهم، وفي هذا دلالةٌ لا تَقبَلُ النَّقضَ على أنَّ العلويَّةَ ما كانت وليدةَ السَّقيفةِ أو رَدَّةً رافضةً آنيَّةً لمجرياتِ أحداثِها، بل إنَّ هذا الوجودَ يَمتدُّ عمقًا مع نشأةِ الإسلامِ واشتدادِ عودِهِ في زمنِ النَّبيِّ محمَّد (ص) وحياتِهِ المباركةِ المقدَّسةِ.

فقد بُثَّ الدُّعاةُ في البلادِ الإسلاميَّةِ، وأشيرَ عليهم الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكرِ، فَمَالَ إليهم وتبعَهم على ذلكَ جماعاتٌ من المسلمين، ومنهم الصَّحابيُّ الكبيرُ والتَّابعيُّ الصَّالحُ من أمثالِ أبي ذر، وعمَّـار بن ياسر، ومحمَّد بن حذيفة، ومحمَّد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الأشتر، إلى غيرهم من أبرارِ المسلمينَ وأخيارِهم.

فأمَّا محمَّد بن أبي بكر: فأُمُّهُ أسماءُ بنتُ عُمَيس الخثعميَّة، تزوَّجَها أبو بكر بعد استشهادِ جعفر بن أبي طالب، فولدَتْ له محمَّدًا في حجَّة الوداعِ بطريقِ مكَّة، ثم نشأَ في حِجْرِ الإمام علي، وشهدَ معه حربَ الجملِ، كما شهدَ صفِّينَ، ثمَّ وُلِّيَ مصرَ عن الإمام عليّ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ إلى أن قُتِلَ فيها بهجومِ عمرو بن العاص عليها.

وأمَّا صعصعة بن صوحان العبدي: فقد أسلمَ على عهدِ رسولِ الله (ص) وكان خطيبًا مفوَّهًا، شهدَ صفِّين مع الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ. ولمَّا استولى معاويةُ على العراقِ نفاهُ إلى البحرين وماتَ فيها.

وأمَّا مالك الأشتر: فهو مالك بن الحرث النَّخعي، وهو من ثِقَاتِ التَّابعين، شهدَ وقعةَ اليرموكِ، وصحبَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ في الجملِ وصفِّينَ، وَلاَّهُ على مصرَ سنة (38هـ) ولمَّا وصلَ إلى القلزمِ دَسَّ إليه معاويةُ السُّمَّ بواسطةِ أحدِ عملائِهِ فتوفِّيَ مسمومًا.

وأمَّا أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري فهو من السَّابقينَ إلى الإيمانِ، وأوَّل المسلمينَ، وقد قال فيه الرَّسول (ص): (ما أَظَلَّتِ الخضراءُ وما أقلَّتِ الغبراءُ أصدقَ لهجةٍ من أبي ذر).

وأمَّا عمَّار بن ياسر فقد كان من والِدَينِ مؤمنينِ حتَّى قالَ لهم الرَّسول (ص): (صبرًا آل ياسرَ إنَّ موعِدَكُمُ الجنَّة)، كما قالَ عنه الرَّسول (ص): (عمَّارُ مُلِئَ إيمانًا حتَّى مَشاشِهِ).

وكذلكَ كان عمرو بن الحمق الخزاعي من أجِلاَّءِ الرَّسولِ (ص) والمُحدِّثِين. فهؤلاء باختصارٍ هم بعضُ الأجِلاَّءِ الذين نُسِبُوا إلى العلويَّةِ.

 

افتراق الأمَّة الإسلاميَّة:

النَّماذجُ التي قالتْ إنَّها الفرقةُ النَّاجيةُ لم تكن أدلَّتُهم إلاَّ دَعاوى مجرَّدةً وأدلَّةً ملفَّقةً، لا تستندُ إلى حجَّةٍ صحيحةٍ ولا إلى برهانٍ مستقيمٍ.

إنَّ العلويَّةَ هي الفرقةُ الحقَّةُ وإنَّ عقائدَهم سمحةٌ وسهلةُ القبولِ لكلِّ ذي عقلٍ حكيمٍ وذوقٍ سليمٍ، وتجدُ عندهم لكلِّ مسألةٍ من المسائلِ ولكلِّ مبدأ في العقائدِ تفسيرًا شافيًا كافيًا، في الوقتِ الذي لا تجدُ لها حلاًّ عند أهل السُّنَّةِ والشيعةِ وغيرهم، وهو قوله تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ).

ويُعتبرُ عنصرُ العموميَّةِ والشُّمولِ الذي تتميَّزُ به تعاليمُ الدِّينِ العلويِّ المحمَّديِّ من أبرزِ العناصرِ والمقوّماتِ التي تمنحُ هذا الدِّينَ المقدَّسَ قابليةَ الدَّيمومةِ والبقاءِ ومواكبةِ السُّلوكِ الإنسانيِّ المتحرِّكِ والمتغيِّرِ باستمرار، فقد أُريدَ لهذا الدينِ أن يمتدَّ في أفقِ الحياةِ إلى حيث اللَّحظاتِ الأخيرةِ بالرؤيةِ الواضحةِ والتَّكليفِ المشخِّصِ والموقفِ العمليِّ المحدَّدِ الشَّاملِ لقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ).

ولنا أن نقطعَ بأنَّ سرَّ هذا الشُّمولِ والاستيعابِ في هذا الدِّينِ يكمنُ في انبثاقِ تعاليمِهِ وقوانينِهِ من صاحب الكمالِ المطلقِ واتِّصاله بالقدرةِ الإلهيَّةِ، فالقُوَّةُ المعصومةُ المطلقةُ هي صاحبةُ الدَّورِ الوحيدِ في صياغةِ الرُّؤيةِ والوقائعِ، وقد كانت هذه العصمةُ المجسِّدَ الأولَ لهذه الغايةِ، والملبِّي الأمثلَ لذلكَ الغرضِ المرتجى والهدفِ المرسومِ.

وبمجرَّدِ اطلاعِكَ على عقيدةِ العلويَّةِ في هذا الصَّددِ يرتاحُ ضميرُكَ ويسلِّمُ عقلُكَ بقبولِ تأويلِ الآياتِ القرآنيَّةِ بعيدًا عن أيِّ تشبيهٍ أو تعطيلٍ.

ولنا أن نستدلَّ على أحقيَّةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ بعدَّةِ أدلَّةٍ:

  1. أخبرَ النبيُّ (ص) أنَّ النَّجاةَ منحصـرةٌ بالتَّمسُّكِ بالكتابِ والأئمة (ع) بقوله (ص): (إنِّي مُخلفٌ فيكم الثَّقلين كتابَ اللهِ وعترَتي أهلَ بيتي لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكتُم بهما، وإنَّهما لن يَفترقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوضَ)، ولا ريبَ أنَّ البعضَ لم يتمسَّكوا بأهلِ البيتِ، فوجبَ بمقتضى ذلكَ الحديثِ وقوعُهم في الضَّلالِ، أمَّا العلويةُ النصيريةُ فاتَّبعوهم واتَّخذوهم أئمَّةً، فكانوا بذلكَ هم النَّاجونَ دون غيرهم.
  2. أخبرَ الإمام علي علينا من ذكره السلام في أحاديثَ كثيرةٍ أنَّ الأئمَّةَ (ع) الذينَ يكونُ بهم الدِّينُ قائمًا عزيزًا ومنيعًا وأمرَ الناسَ بهم هم إثنا عشـرَ كلُّهم من قريش، لذلك تجدُ أنَّ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ تعتقدُ بإثني عشر إمامٍ بدءًا بمحمد (ص) وانتهاء بالقائم المهدي (ع).
  3. إنَّ العلويَّة النُّصيريَّةَ خالصةٌ من الأباطيلِ في الفروعِ والأصولِ ولا بأسَ بأن نذكرَها مجملةً، فكلُّ مَن كانَ منصفًا واطَّلعَ على المذاهبِ بتأمُّلٍ يجدُ أنَّ العلويَّة النُّصيريَّة هي واجبةُ الاتِّباعِ لموافَقَتِها الأدلَّةَ الصَّحيحةَ وبُعدِها عن البدعِ.
  4. لقد أثبتَ علماءُ العلويَّةِ نهجَ أهلِ البيتِ، ورَدُّوا على خصومِهم، وفَنَّدُوا آراءَ المذاهبِ الأخرى، وهم في ذلكَ ألزَموا أنفسَهم بألاَّ يَحتجُّوا إلاَّ بمَا وَرَدَ في المصحفِ الشريفِ وأحاديثِ الخصومِ الذين لمَّا أعياهُم الدَّليلُ الصَّحيحُ في نقدِ العلويَّة النُّصيريَّةِ عَمَدوا مع بالغِ الأسى إلى تضعيفِ أحاديثِنا، وعَمَدُوا إلى اختلاقِ الأكاذيبِ على النُّصيريَّةِ بِمَا لا يقولونَ وَبِمَا ليسَ فيهم، وهذا ناشئٌ عن عدم الدَّليلِ عندهم على صحَّةِ مذاهبِهم، فلم نجدْ في رَدِّهم علينا إلاَّ السُّبابَ والشَّتمَ المقذعَ.
  5. المعروفُ أنَّ المذاهبَ المعروفةَ المجتهدةَ نشأت كلُّها بعد انتهاءِ القرنِ الثاني من الهجرة، وإذا كانت قد نشأتْ في عصورٍ متأخرةٍ فلابدَّ أن يكونَ الحقُّ في غيرِها قبلَ نشوئِها، ولابدَّ أنْ تكونَ هناكَ فرقةٌ من فرقِ هذه الأمةِ على الحقِّ من زمانِ الأنبياءِ إلى قيامِ الساعةِ، لذلكَ كان الحقُّ منحصـرًا في العلويَّةِ النُّصيريَّةِ لأنَّها الفريدة بين كلِّ المذاهبِ الإسلاميَّةِ التي امتدَّتَ من حياة الأنبياءِ إلى العصورِ المتأخِّرةِ.
  6. إنَّ علماءَ العلويَّةِ ناظروا خصومَهم في التَّوحيدِ فكانت الحُجَّةُ معهم والغَلَبَةُ لهم على غيرهم، وعلماءُ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ كانوا وما يزالونَ يدعونَ أربابَ المذاهبِ للمناظرةِ ثقةً منهم بأنَّ ما عندهم هو الحقُّ وما عليه غيرُهم هو الباطلُ، والباطلُ لا يزهقُ الحقَّ لقوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ).

 

لكلِّ ما سبقَ نجدُ أنَّ الأدلَّةَ الصَّحيحةَ الثَّابتةَ كلُّها ترشدُ إلى العلويَّة الحقِّ لقوله تعالى: (وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)، وأمَّا باقي المذاهبِ فلم يقمْ على صِحَّتها دليلٌ صحيحٌ معتبَرٌ، وكلُّ ما ذكروهُ لا يَعدو كونَهُ مجرَّدُ دَعاوى لا تستندُ إلى برهانٍ صحيحٍ، ولا تنهضُ بها حجَّةٌ تامَّةٌ.

ولا يخفى أنَّنا بحاجةٍ إلى تكريسِ الجهودِ ومضاعَفَتِها نحو الإفهامِ المناسبِ لعقائدِنا العلويَّةِ الحقَّةِ ومفاهيمها الرَّفيعةِ، ممَّا يستدعي الالتزامَ الجادَّ بالبرامجِ والمناهجِ العلويَّةِ التي تُوجِدُ حالةً من المفاعلةِ الدَّائمةِ بينَ الناسِ وقيمها الحَقَّةٍ.

وليكن الهمُّ الأوَّلُ والأخيرُ للعالمِ هو تعريفُ الحقيقةِ والحفاظُ عليها للوصولِ للحكمِ في منابعِهِ الأصليَّةِ، وبيانُهُ دونَ اهتمامٍ بكثرةِ البهرجةِ وحبِّ الظُّهورِ وغيرِ ذلكَ من مغرياتِ الدُّنيا الزَّائلةِ ودواعي الشَّيطانِ المهلكةِ، فَعِزُّ الدُّنيا وفخرُها إلى انقطاعٍ، وزينتُها ومالُها إلى زوالٍ، وقد قال تعالى: (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).

موقفنا من أبي الخطَّاب

hesham

موقفنا من أبي الخطَّاب

بقلم الباحث الديني هشام أحمد صقر

بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ واختلافِ الأمَّةِ ظهرَ من الكُتَّابِ مَن أفسدَ وفَرَّقَ بين المسلمين وبَثَّ روحَ الكراهيَّةِ والأحقادِ، قسَّمَ المجتمعَ إلى أتباعِ أشخاصٍ، وقد قلبوا بتقسيماتِهم الحقَّ باطلاً والباطلَ حقًّا، وكانت غايتُهُم ذَمَّ مَن كان مقرَّبًا من الأئمَّةِ المعصومين (ع)، وحمدَ مَن كان من عامَّةِ صحابَتِهم، تمامًا كما حصلَ مع أصحابِ رسولِ الله (ص) المقرَّبين والعامَّةِ.
وقد برز منهم سعد الأشعري القمي في كتابَيهِ (الردُّ على الغلاة) و(المقالات والفِرَق)، والشهرستاني في كتابه (الملل والنِّحل)، والغضائري في كتابه (مجمع الرجال)، والنجاشـي في كتابه (رجال النجاشـي)، والطوسي شـيخ الطائفة الشيعية في كتابه (الغيبة)، والكشـي في كتابِهِ (اختيار معرفة الرجال)، وأورَدُوا في كتبِهم القميئةِ فتنًا وإساءةً لسادةِ القومِ دون أيِّ إثباتٍ، ومن هؤلاء السَّادة سيِّدنا أبي الخطَّاب محمد بن أبي زينب الكاهلي الذي اتَّهموهُ حسب زعمهم “بتأليهِ الإمامِ الصَّادقِ (ع)، واعتبارِ طينَتِهِ من طينةٍ أخرى غيرِ طينةِ البشرِ، وأنَّ الأئمَّةَ (ع) كانوا أنبياء وأنَّ الحسنَ والحسينَ وأولادَهما أبناءُ اللهِ وأحباؤهُ، وأنَّهُ وأتباعَهُ أخرجوا الإمامة عن أولاد علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في أعصارِ زعمائهم، ما دَعَا الإمامَ الصَّادقَ (ع) إلى التَّبرُّؤ منه وأمرِ أصحابِهِ بالبراءةِ منه”!! إلى غير ذلكَ من الافتراءاتِ التي لا يصدِّقُها إلاَّ كلُّ مفتونٍ مغبون.

فَمِمَّا رواهُ سيِّدنا الحسينُ بن حمدانَ الخصيبيُّ (ع) في كتابِ الهدايةِ الكبرى عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) قوله: (أبو الخطاب عَيْبَةُ عِلمِنا وموضعُ سِرِّنَا، وهو الأمينُ على أخبارِنا).
هذه المكانةُ الرَّفيعةُ التي نالَها سيِّدنا أبو الخطَّاب أثارَتْ حقدَ وحسدَ المنافقينَ الذينَ لم ينالوا هذه المكانةَ كزرارة بن أعين وأبو بصير الثقفي وأبو بكر الحضرمي ومحمد بن أبي يعفور ومحمد بن مسلم الثقفي وعامر بن جذاعة وكثير بياع النوى وبُرَيد العِجلي وحجر بن زائدة، الذين انطبق عليهم قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً)، فأثاروا حولَهُ شبهاتٍ وأكاذيبَ لفَّقوها فاعتُقِلَ في دارٍ تدعى دارَ الرِّزقِ في الكوفةِ، فزارَهُ آنذاك سيِّدنا المفضَّل بن عمر وأصحابُهُ، وكان وقتَها من المقرَّبينَ للإمامِ الصَّادق (ع)، ودخلوا عليه فوجدوهُ ساجداً يدعو.

إلاَّ أنَّ كلَّ هذا الإيمانِ والتَّوحيد زادَ حَسَدَهم وأحقادَهم فأكثروا في لعنِهِ في المجتمعِ لتنفيرِ النَّاسِ منه وتأليبِهم عليه، فقد حَسَدُوهُ على نعمةِ اللهِ عليهِ وكانوا فيهِ كما قال الله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، فجاءَ أصحابُ الإمامِ الصَّادقِ (ع) فحذَّرهم من الانجرارِ وراءَ لعنِهِ لأنَّهُ انجرارٌ وراءَ الحاسدِ له زرارةَ وأتباعُهُ، وهم مقصِّرو الشِّيعةِ الذينَ أظهروا ولايةَ أهلِ البيتِ وأساؤوا للصَّحابةِ الميامين، وزُرَارَة معروفٌ بِقِلَّةِ أدبِهِ وكذبِهِ على لسانِ الإمام واختلافه مع خواصِّ الإمام كهشام بن الحكم وحمران بن أعين والمفضل بن عمر (ع).

من ألقاب سيد الأوصياء

hesham

من ألقاب سيد الأوصياء

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

من الألقابِ التي لُقِّبَ بها مولانا سيد الأوصياء علينا من ذكره السلام لقب “أصلَعِ قريش”. وهذا اللَّقبُ صحيحٌ مُثبَتٌ لدينا ولدى غيرنا، ومن أشهرِ الرِّواياتِ التي ذكرَتْهُ عن سيد الأوصياء علينا من ذكره السلام أنَّه لمَّا رَجِعَ من وقعةِ الخوارجِ نَزَلَ يُمنى السَّوَادِ فقال له راهبٌ: لا ينزلُ هاهنا إلاَّ وصيُّ نبيٍّ يقاتلُ في سبيلِ اللهِ. فقال مولانا: فأنا سيِّدُ الأوصياءِ وصيُّ سيِّدِ الأنبياءِ. قال الرَّاهبُ: فإذَنْ أنتَ أصلعُ قريشَ وصيُّ محمَّدٍ، خُذْ عليَّ الإسلامَ إنِّي وجدْتُ في الإنجيلِ نَعْتَكَ وأنت تَنزِلُ أرضَ براثا بيتِ مريمَ وأرضَ عيسى (ع).

إنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ بعيدونَ كلَّ البعدِ عن معرفةِ أسماءِ سيد الأوصياء علينا من ذكره السلام لأنَّهم انشغلوا عنه بغيرِهِ، أمَّا الشِّيعةُ فلم يختلفوا جوهريًّا عن أقرانِهم من السُّنَّةِ لأنَّهم أهلُ قشورٍ، وإن تسألْهم عن سببِ التَّسميةِ فلا إجابةَ لديهم سوى ما جاءَ عندَ المجلسي في بحارِ الأنوارِ وعند بن شهرآشوب المازندراني في مناقب آل أبي طالب: (وسمُّوهُ أصلعَ قريشٍ من كثرةِ لبسِ الخوذِ على الرأسِ)!!

وهل يُعقَلُ أن ينالَ سيد الأوصياء علينا من ذكره السلام ألقابًا من دونِ معانٍ، ولمجرَّدِ الشَّكلِ والهيئةِ؟؟

وقد رويَ في الأثرِ الصَّالحِ أنَّهُ في يومِ الحربِ وحينَ تكونُ الأرضُ سوداءَ بالخيَّالةِ والرَّجَّالةِ، إذا برزَ إليها سيد الأوصياء علينا من ذكره السلام اشتبكتِ الخيَّالةُ والرَّجَّالةُ، فتقولُ العربُ: ما لِلأرضِ قد تَصَلَّعَتْ؟ فيُقال: قد برزَ إليها أصلعُ قريشَ، لأنَّهُ الفارسُ الذي لا يُهزَمُ، والذي لا فارسَ قبله ولا بعدَهُ ولا مثلَهُ.

إنَّنا في نهجنا العلويِّ النُّصيريِّ نتبحَّرُ علمًا ومعرفةً، ونغوصُ في أسبابِ هذه الأسماءِ، وهذه التَّسميةٌ التي دلَّتْ على أنَّهُ أميرُ كلِّ أميرٍ ولا أميرَ فوقَهُ أتَتْ في عدَّةِ معانٍ:

أوَّلها أنَّ (أصلعَ قريش) يعني أطهرَ بيتٍ في قريشَ لأنَّهُ تمامُ طهارةِ الحاجِّ حلقُ الرَّأسِ، وهو أن لا يدخلَ البيتَ إلاَّ كما أمرَ اللهُ تعالى بقوله: (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ)، فأُريدَ به أطهرَ بيتٍ بقريشَ؛ أي أنَّه الأطهرُ ومَن عرفَهُ طَهُرَ من نجاسةِ الشَّكِّ والشِّركِ.

وثانيها أنَّ (أصلعَ قريش) يعني أنَّهُ عالمُ قريش، لأنَّ العالمَ عندَ العربِ كان في زمانِهِ يَحلقُ رأسَهُ، وبقيَّةُ القومِ يبقونَ بِشَعرِهِم، ليُعرَفَ مِن بينهم بِحَلقِ رأسِهِ، وكانَ مولانا علينا من ذكره السلام عالمَ العربِ؛ أي أنَّه الأعلمُ بما كانَ وما يكون وهو الذي سَمَّى نفسَهُ على المنبرِ أرسطوطاليس فقال: (لِكُلِّ أمَّةٍ أرسطوطاليس، وأنا أرسطوطاليس كلِّ أرسطوطاليس، وأنا أرسطوطاليس هذهِ الأمَّةِ)؛ أي: لكلِّ أمَّةٍ عالمٌ، وأنا عالِمُ كلِّ عالِمٍ، وأنا عالمُ هذهِ الأمَّةِ.

وثالثها أنَّ (أصلعَ قريش) يعني مَلِكَهم، لأنَّ الملكَ منهم كان يحلقُ رأسَهُ، أي أنَّه المَلِكُ الذي لا يُحصى ملكُهُ لأنَّهُ مَلَكَ الإيمانَ كلَّهُ، وقد دلَّ على ذلكَ رسولُ اللهِ (ص) يومَ الخندقِ وقد برزَ سيد الأوصياء إلى عمرو بن ودٍّ العامري فقال (ص): (برزَ الإيمانُ كلُّهُ إلى الشِّركِ كُلِّهُ).

السؤال السابع والستون حول الاحتفال بالمناسبات الدينية

images

السُّؤالُ السَّابع والسِّتُّون: كيف يحتفلُ العلويون النُّصيريُّون بالمناسباتِ الدينيَّةِ السَّعيدةِ والحزينة؟

الجوابُ السَّابع والسِّتُّون بإذنِ الله:

إنَّ التَّغييبَ الذي ألقى بظلالِهِ على مجتمعنا العلويِّ النُّصيريِّ جعلَهُ عُرضةً للأقاويلِ والشَّائعاتِ من قبلِ المغرضين، حيث نسبوا لنا زورًا ما لا يليقُ بنا من طرقٍ احتفاليَّةٍ غريبةٍ وسلبيَّةٍ قد يمارسُها غيرنا، وقد تكونُ من ابتداعِ الخيالِ الحاقد، لذلكَ كانَ من الطَّبيعي أن يتساءل الكثيرون هذا السُّؤال، وكان لزامًا علينا أن نجيبَ بما فتحَ اللهُ على بصيرتنا من القولِ السَّديد، مع ملاحظة الفوارقِ الكبيرةِ بين ما يقيمُهُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ من موالدِ الإنشادِ ومآتمِ البكاءِ، وبين ما نقيمُهُ نحن من إحياء الأمرِ العظيمِ امتثالاً لقولِ الإمام جعفر الصَّادق (ع) عندما قال: (أحيوا أمرَنا، رَحِمَ اللهُ مَن أحيا أمرَنا)، فقيل: وكيف يُحيَى أمرُكُم؟ قال: (أن تتعلَّمُوا علومَنا وتعلِّموها لمُستحقِّيها، فإنَّ النَّاسَ لو عَلِمُوا محاسنَ كلامِنا لاتَّبعونا).

هكذا نحنُ نُحيي المناسباتِ الدِّينيَّةَ بالصَّلاةِ والتَّذاكرِ بالعلومِ الدِّينيَّةِ لتُقبَلَ أعمالُنا بمقدارِ معارفِنا، ونحنُ في ذلك نمتثلُ لقولِ سيِّدتنا فاطمةَ الزَّهراء (ع): (جعلَ اللهُ معرفَتَهُ تطهيرًا لكم من الشِّركِ، والصَّلاةَ تنزيهًا لكم عن الكِبرِ، والزَّكاةَ تزكيةً للنَّفسِ ونماءً في الرِّزقِ، والصِّيامَ تثبيتًا للإخلاصِ، والحجَّ تشييدًا للدِّين).

فأبناءُ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ السَّائرينَ على الصِّراطِ المستقيمِ لا يتوانَونَ عن حضورِ مجالسِ العلمِ ليتعلَّموا الآدابَ والعلومَ الدِّينيَّةَ وأصولَ الفقهِ إحياءً لأمرِ اللهِ وأنبيائِهِ وأئمَّتِهِ، هذا الأمرِ العظيمِ الذي حَثَّ على طلبِ العلمِ، حتَّى اعتبرَهُ حقًّا مشروعًا لكلِّ مؤمنٍ، وقد قالَ الإمام الصادق (ع): (واللهِ ما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أفضلَ من أداءِ حقِّ المؤمن)، وأولُ حقٍّ للمؤمنِ حثُّهُ على تحصيلِ العلم، واعتبارُهُ فريضةً لازمةً عليه لقولِ رسول الله (ص): (طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلمٍ، ألا إنَّ اللهَ يحبُّ بُغاةَ العلمِ)، والحديثُ هنا ليس فقط محصورًا بالعلومِ الدُّنيويَّةِ، إنَّما هناكَ تركيزٌ على العلومِ الإلهيَّةِ، لِمَا فيها من الشَّرَفِ والعظمةِ والفائدةِ، لذلك قال رسول الله (ص): (اطلبوا العلمَ ولو في الصِّينِ)، وليس الصِّين هنا بلدًا، إنَّما هو رمزٌ للحدِّ الذي يتوقَّفُ عندَهُ علمُ العلماءِ، وهو الغايةُ الكليةُ لِمَن يريدُ بلوغَ المعرفة.

وثاني حقٍّ للمؤمنِ بعدَ دخوله مدينةَ العلم هو حضُّهُ على التَّفقُّهِ في دينِهِ، لقوله تعالى: (لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ)، وقول الإمام الصادق (ع): (إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا فقَّهَهُ في الدِّينِ، ولا خيرَ في مَن لا يتفقَّهُ مِن أتباعِنا)، فالخيرُ هو الثَّوابُ، وهو مرتبطٌ بالفقهِ كما العملُ مرتبطٌ بالعلمِ لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (الحقَّ أقولُ لكم إنَّ الذي يذهبُ لِيُصلِّي بدونِ تدبُّرٍ يَستهزئُ باللهِ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس والستون حول ميلاد المسيح

images

السُّؤال الخامس والسِّتُّون: هل ينظرُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لميلادِ السَّيِّدِ المسيحِ (ع) كما تنظرُ إليهِ المذاهبُ الأخرى؟ أم كما ينظرُ إليهِ المسيحيُّونَ أنفسُهم؟

 

الجوابُ الخامسُ والسِّتُّونَ بإذنِ اللهِ:

لابدَّ في البدايةِ من الإشارةِ إلى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) سُمِّيَ مسيحًا كما وردَ عن الموالي (ع) لأنَّ في كلِّ شيءٍ منه مسحةً، وليسَ فيه مسحةً من غيرِهِ، وقيلَ أنَّهُ سُمِّيَ مسيحًا لأنَّه كان يمسحُ كلَّ ذي عاهةٍ بيدِهِ فيبرأَ، وقيلَ أنَّهُ كان ممسوحًا ليسَ لهُ ما للرِّجالِ ولا ما للنِّساءِ، لأنَّهُ لاهوتٌ ماثلَ النَّاسوتيِّين كأمثالِهم ليفهموا عنه، وكلُّ ذلكَ لإثباتِ الحجَّةِ عليهم، فقد مَسَحَ العالمَ بأسماءٍ وهيئاتٍ ومسحَ نفسَهُ باسمٍ وهيئةٍ لتَقْرُبَ الصُّورَةُ من الصُّورةِ فلذلك سُمِّيَ مسيحًا.

نحن العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لا نجسِّدُ سيِّدنا المسيح (ع) بشرًا فنوقعُ عليه الولادةَ البشريَّةَ كما تفعلُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ، بل نرفعُهُ كما أمرنا (ع) بقوله: (مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي). كذلك لا نجسِّدُ الإلهَ الآبَ فنساويهِ بالمألوهِ الابنِ كما يفعلُ النَّصارى، بل ندركُ منزلةَ الابنِ الأعظم من بارئِهِ الآبِ الوهَّابِ، وما خَصَّهُ به من قدرتِهِ لقوله (ع): (الحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ، إِنْ عَلِمْتُمْ هَذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ).

إنَّ الابنَ في نهجنا العلويِّ النُّصيريِّ غيرُ الآبِ، كما أنَّ الرَّسولَ غيرُ المرسِلِ، فالابنُ ليسَ هو الآبُ بذاتِهِ، بل إنَّ الابنَ له آبٌ أوجدَهُ ومُرسِلٌ أرسلَهُ ومكوِّنٌ كوَّنَهُ، وهذا يعني أنَّ الابنَ ليسَ هو الإلهُ المعبودُ، بل هو عبدُهُ ونبيُّهُ ورسولُهُ الذي أرسلَهُ بالهدى ودينِ الحقِّ إلى أهلِ الحقِّ والجحودِ لقوله (ع): (الكلامُ الذي تسمعونَهُ ليسَ لي بل للآبِ الذي أرسلَني).

ولطالَما صرَّح سيِّدنا المسيحُ (ع) وشَهِدَ أنَّهُ رسولُهُ وعبدُهُ المُفتَقِرُ إليهِ، وأنَّه إلهُهُ الذي يدعوهُ وَيَتضرَّعُ إليهِ ويُناجيهِ لِكَشفِ ضُرِّهِ، وينتصرُ به على أعدائِهِ في مَلمَّاتِهِ، كما في قوله تعالى على لسان المسيح: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)، وقوله عزَّ وجلَّ: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)، وكذلك ما جاء في الإنجيلِ على لسانِ سيِّدنا المسيح (ع): (الذي يؤمنُ بي ليسَ يؤمنُ بي بلْ بالذي أرسلَني).

وقد أوضحَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) خطأ مَن اعتقدَ أنَّ الابنَ إلهٌ كالآبِ، علمًا أنَّ المشبِّهينَ اعتقدوا بذلك تقليدًا ولم يتفقَّهُوا فيهِ من أهلِ العلمِ، فمَن زعمَ أنَّ الابنَ والآبَ جوهرٌ واحدٌ وقالَ بإلهينِ اثنينِ، فقد جعلَهُما قديمينِ وهذا ممَّا لا تقبلُهُ العقولُ، لقوله تعالى: (وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ)، فمنَ الشِّركِ أن يُساوى الابنُ بالآبِ، والعبدُ بالمولى، والمألوهُ بالإلهِ، وهذا ما نهى عنه تعالى بقوله: (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)، حتى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) أشارَ لذلكَ قائلاً: (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ)، فمَن لم يُخلِّصِ الابنَ من الآبِ لم يعبدْ شيئًا.

كما جاءَ في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ) نهيٌ للمؤمنينَ أن يُساووا بين الابنِ والآبِ، وهو الغلوُّ في الابنِ لأنَّه قد اشتبَهَ على المشبِّهين قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (كلُّ مَن رَآني فقد رَأى اللهَ)، لذلك قال عزَّ وجلَّ: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)؛ أي كفرَ من قالَ إنَّ الآبَ هو الابنُ، وهذا ليسَ إسقاطًا لمنزلةِ الابنِ لقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) أن تجعلوهُ مخلوقًا يجري عليه ما يجري على المخلوقين، لذلك لا نقولُ إنَّ الابنَ مخلوقٌ إجلالاً وإعظاماً، ولكنْ نقول إنَّ الآبَ فوقَهُ، وهو معنى قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أنا والأبُ واحدٌ… وهو أعظمُ من الكلِّ).

فالآبُ أحدٌ فوقَ كل شيءٍ ولا شيءَ معه، أبدعَ الابنَ وهو المسيحُ (ع) عبدُهُ القائمُ بقسطِهِ، وأجرى على يدِهِ الخلقَ والرِّزقَ والحياةَ لقوله تعالى على لسانه: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

ولابدَّ للمؤمنِ أن يعرفَ أنَّ طريقَ الوصولِ للمسيحِ (ع) لا يكونُ إلاَّ من خلال روحِ القُدُسِ الذي خاطبَ مريمَ العذراءَ وبشَّرَها كما جاءَ في الآيةِ: (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، وكذلك جاءَ في الإنجيل الخطابُ لها: (اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ) وهذا دليلٌ على أنَّ معرفةَ الابنِ لا يُدخَلُ إليها إلاَّ من معرفةِ روحِ القُدُسِ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ)، فالأجلانِ في التأويلِ هما روحُ القُدُسُ والابنُ، ومثالُهُما تبشيرُ سيِّدنا يوحنَّا المعمدان بظهورِ المخلِّصِ سيِّدنا المسيح (ع)، فإذا قُضِيَ هذان الأجلانِ فلا عدوانَ: أي ليس فوقَهُما إلاَّ الآبُ، وهو الغايةُ لمن أرادَ النَّجاةَ.

ومَن أرادَ النَّجاةَ تمسَّكَ بالعروةِ الوثقى التي هي ولايةُ الوصيِّ، ومن تخلَّفَ عن هذه الولايةِ كانَ من أهلِ الباطلِ لقولِ الإمامِ جعفر الصادق (ع): (لقد ارتقيتُم إلى درجةٍ ما فوقَها مرقاةٌ، ما بعدَ معرفةِ اللهِ ورسولِهِ إلاَّ الباطلُ فماذا تطلبونَ؟)، دليلاً على أنَّ جميعَ الأنبياءِ أشاروا إلى الأوصياءِ، فسيِّدنا عيسى اعترفَ لوصيِّهِ شمعون الصَّفا وهو المكنَّى (بطرس) بقوله: (أنتَ صَخْرَتي وعليكَ أَبنِي كَنيسَتِي)، فأقرَّ أنَّه الملتجأُ إليهِ والموثوقُ بِهِ، كما سيِّدُنا محمَّد (ص) أشارَ إلى وصيِّهِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، وأعلنَ وصرَّحَ بأنَّهُ الوليُّ بقوله: (أينَ مُنجِزُ وعدي؟ أينَ قاضي ديني؟ أين مُفَرِّجُ الهمِّ عني؟ أين عليٌّ وصيِّي؟)، فنسألُ الله أن يثبِّتنا على هذه الولايةِ ويجعلنا من السَّالكين على سبيل النَّجاةِ إلى أبدِ الآبدين.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد