أرشيف الوسم: النصيرية

السؤال التاسع والتسعون حولَ يوم النوروز

images

السُّؤالُ التَّاسعُ والتِّسعونَ: ما هو يومُ النَّوروز؟ وهل مِن دَلالاتٍ دينيَّةٍ فيهِ عندَ العلويَّةِ؟

الجوابُ التَّاسعُ والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:
يومُ النَّوروزِ هو بدايةُ السَّنةِ الجديدةِ حسبَ التَّقويمِ الفارسيِّ، حيث يحتفلُ فيهِ سكَّانُ إيران وكردستان وبلدانِ آسيا الوسطى كعيدِ لرأسِ السَّنةِ واحتفالٍ بقدومِ الرَّبيعِ وتجدُّدِ الطَّبيعةِ بعدَ انقضاءِ البردِ.
ويأتي في الرابع من نيسان من كلِّ عام عندَ الانقلابِ الصَّيفيِّ. وقد جاءَ عن الإمام الصَّادق (ع) قوله: (هو اليومُ الذي طلعَتْ فيه الشَّمسُ، وهبَّتْ فيه الرِّياحُ اللَّواقحُ، وخُلِقَتْ فيه زهرةُ الأرضِ، وهو اليومُ الذي أُخِذَ فيه العهدُ لأميرِ المؤمنينَ بغدير خمٍّ، وهو اليومُ الذي يَظهرُ فيه قائمُنا أهلُ البيتِ).
وَسُمِّيَ (نوروز) وهِيَ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ تتألَّفُ من مَقطعين: (نور) وَ(روز) تَعنِي يوم، ومَعناهُ بالعَرَبِيَّةِ: يومُ النُّور، وفسَّرها البعضُ: اليوم الجديد.
حاولَ البعضُ ربطَ هذا اليوم بالدِّياناتِ السُّوريَّةِ القديمةِ الوثنيَّةِ من خلالِ ربطِهِ بتمجيد (عشتار) وصعودِ (بعل) من الجحيمِ إلى عالمِ النُّورِ والخلودِ!! وحاولَ البعضُ ربطَهُ بعبادةِ النَّارِ عندَ المجوسِ!! وهذا غيرُ صحيح عندنا.
حتَّى أنَّ البعضَ حاولوا اتِّهامَ الصَّحابيِّ الجليلِ سَلمَانِ الفَارِسِيّ (ع) بنقلِهِ من بلادِ فارس وإدخالِهِ للإسلامِ، علمًا أنَّ هذا فخرٌ لا عيبٌ، ولابدَّ من التَّذكيرِ في البدايةِ بقولِ رسُولِ اللهِ (ص): (سلمانُ منَّا أهلُ البيتِ)، فقيل له: أَمِنْ بني هاشم؟ فقال: (نَعم، مِن بني هاشم عَلِمَ عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ).
إنَّنا كعلويِّينَ مُسلمين نتجاوزُ في نظرَتِنا الحدودَ الضَّيِّقةَ للشَّرائعِ والمذاهبِ والطَّوائفِ، ونسمو في معارفِنا للبحثِ عن الحقِّ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وننطلقُ في فهمِنا للدِّينِ الحقِّ من كلامِ اللهِ وأقوالِ العترةِ الطَّاهرةِ، وهذا قانونٌ بالنِّسبةِ لنا شاءَ مَن شاءَ وأبى مَن أبى.
ونحنُ نحتفلُ بيومِ النَّوروزِ لأنَّ الإسلامَ لم يعارضِ النَّوروزَ بل أيَّدَهُ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصادقِ (ع): (يوم نوروزٍ هو يومٌ يفضَّلُ على سائرِ الأيامِ كفضلي على سائرِ الخلقِ، وهو نورٌ لمَن عرفَهُ ورُوزٌ يجيرُ من سخطِ اللهِ وعذابِهِ، وهو اليومُ الذي تابَ فيه على آدمَ في قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، وقوله (ع) لسيِّدنا الـمُعَلَّى بن خُنَيس: (إذا كانَ يومُ النَّوروزِ فاغتسِلْ، والبسْ أنظفَ ثيابِكَ، وتطيَّبْ بأطيبِ طيبِكَ)، فالغسلُ في الشَّرعِ هو طهارةُ الجسدِ من الجنابةِ، أمَّا في الحقيقةِ فطَّهارةُ النَّفسِ لا تكونُ إلا بمعرفةِ علومِ أهل البيت (ع).
ففي مثل هذا اليوم- كما وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع)- أسجدَ اللهُ ملائكتَهُ لسيِّدنا آدم (ع)، وأخذَ المواثيقَ على العبادِ أن يعبدوهُ، ونزلَتِ النَّارُ الهائلةُ من السَّماءِ لتتقبَّلَ قربانَ مولانا هابيل (ع)، واستوَتْ سفينةُ سيِّدنا نوح (ع) على الجودي، وجعلَ اللهُ النَّار بَردًا وسَلامًا على خليلهِ إبراهيم (ع)، وعرجَ سيِّدنا محمَّد (ص) إلى السَّماء، وحملَ رسولُ اللهِ (ص) أميرَ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ على منكبيهِ حتى رمى أصنامَ قريش من فوقِ الكعبة فهشَّمَها.
وفي مثل هذا اليوم آنَسَ اللهُ سيِّدنا موسى (ع) من النَّارِ في قوله تعالى: (إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)، ولمَّا أتاها كلَّمَهُ اللهُ منها دلالةً منه أنَّ العبادةَ لَهُ لا لغيرِهِ، أي أنَّ العبادةَ لمَن قال لموسى عندَ المناجاةِ: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، فالعبادةُ للهِ بالإخلاصِ هيَ الدِّينُ الصَّحيحُ الَّذِي ما بعدَهُ لطالِبٍ مَطلَبٌ.
وفي مثل هَذا اليَوم اختَارَ سيِّدنا مُوسَى (ع) مِن قَومِهِ سَبعِين رَجُلاً لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)، فأَخَذَتهُمُ الرَّجفَةُ وَمَاتُوا، فرَشَّ عَلَيهِمُ المَاءَ فأحيَاهُم بِرَشِّ المَاءِ.
وفي مثل هَذا اليَوم وردَ أنَّ قومًا من بني إسرائيلَ خَرَجوا من ديارِهم حذرَ الموتِ، وكانوا زُهاءَ ثلاثينَ ألفٍ، فأماتَهم اللهُ كموتةِ نفسٍ واحدةٍ، فَصَاروا رُفاتًا، ثمَّ مرَّ عليهم رسولُ اللهِ حزقيل (ع) وَنَاجى ربَّهُ في أمرِهم فأوحى اللهُ تعالى إليه ليأخذَ الماءَ وَيرُشَّهُ عليهم، فرَشَّ عليهم الماءَ فأحياهم اللهُ بأمــرِه، وهو قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ).
وفي مثل هذا اليوم نصرَ اللهُ تعالى رسولَهُ وأمَّتَهُ على الأحزابِ في غزوةِ الخندقِ، وسمِّيَ يومَ الأحزابِ، ونزلَتِ الآية: (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا)، حتى أنَّ الصَّحابيَّ الجليلَ عبدَ اللهِ بن مسعود (ع) كان يقرأُ الآيةَ: (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بِعَليِّ)، لأنَّ هذه الغزوةَ لم يحدثْ فيها قتالٌ بعدَ أن قتلَ الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ فارسَ المشركينَ عَمْرو بن ودٍّ العامري، وهزمَ أحزابَهم وهو ابنُ أربعةَ عشرَ عامًا، وفي هذه الحادثةِ قال النَّبي (ص): (برزَ الإيمانُ كلُّهُ إلى الشِّركِ كلِّهِ).
وقد حافَظْنا على استذكارِ ما يرتبطُ بهِ بدليلِ قول الإمام الصَّادق (ع): (إنَّهُ يومٌ من أيَّامنا حَفَظَهُ الفرسُ وضيَّعتموهُ)، ولَطَالما كانَ الأمرُ حقًّا فإنَّ هذا لا يمنعُ من استذكارِهِ والاستفادةِ منه.
ففي يومِ النَّوروزِ أظهرَ اللهُ تعالى رسالةَ الحقِّ في بلادِ فارسَ قبل الإسلامِ، وبعثَ لهم مبشِّرينَ ومُنذِرينَ، لأنَّ اللهَ لم يحصرْ رسالاتِهِ للعربِ، إذْ لا يمنعُ رحمتَهُ عن أحدٍ، ولا يتركُ لأحدٍ حُجَّةً لكي يقول له: لم تَدْعُنَا ولو كنتَ دَعَوتَنَا لأجَبْنَاكَ!!
فاللهُ تعالى بعثَ في بلادِ فارسَ ملكًا اسمُهُ أزدشير بن بابك بن ساسان، وقد ظهرَ في أواخرِ القرنِ الثَّاني للميلادِ، وتُوِّجَ ملكًا وحيدًا لبلادِ فارسَ في الفترة 224-242 م، وتمَّ تَلقيبُهُ بملكِ ملوكِ إيران، وتميَّزَتْ دولتُهُ بتحقيقِ العدلِ والـمُثُلِ الأخلاقيَّةِ والمبادئِ الإنسانيَّةِ في تعاليمِها. وكان من المأثور عنه مبادئُهُ العادلةُ في المُلك حيثُ كانَ يقولُ: (سلطانٌ عادلٌ خيرٌ من مطرٍ وابلٍ). كما أنَّهُ كانَ يحذِّرُ من الانجرارِ وراءَ الدُّنيا، ومن أقوالِهِ في ذلك: (ولا تَركنُوا إلى هذهِ الدُّنيا فإنَّها لا تُبقي على أحدٍ، ولا تَتركوها بلا عملٍ فإنَّ الآخرةَ لا تُنال إلاَّ بها).
كما بعثَ اللهُ بعدَهُ الملكَ سابور بن أزدشير وكانَ على نفسِ النَّهجِ في العدلِ، ومِن تَعاليمِهِ في محاربةِ الفاسدين قوله: (انحطاطُ ألفٍ من العَلِيَّةِ، أحمدُ عاقبةً من ارتفاعِ واحدٍ من السَّفَلَةِ)، وذلكَ لِمَا في استلامِ الفاسدينِ للمناصبِ من كوارثَ قد تَعُمُّ البلادَ. كما أنَّ له من عظيمِ الحكمةِ قوله: (كلامُ العاقلِ كلُّهُ أمثالٌ، وكلامُ الجاهلِ كلُّه آمالٌ)، وهو يتلاقى مع قولهِ تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)، وقولِ سيدنا المسيح (ع) حين سُئلَ: لماذا تكلِّمُهُم بالأمثالِ؟ فأجاب: (لأنَّهُ قد أعطيَ لكم أن تَعرفوا أسرارَ ملكوتِ السَّماواتِ، وأمَّا أولئكَ فلم يُعطَ، فإنَّ مَن له سيُعطى ويُزاد، وأما مَن ليس له فالذي عندَهُ سيُؤخذُ منه).
وامتثالاً لأوامرِ الأئمَّةِ (ع) في إقامةِ أعمالِ هذا اليومِ نصومُ هذا اليومَ ونُحييهِ بالصَّلاةِ والتَّذاكرِ بالعلومِ الدِّينيَّةِ لتُقبَلَ أعمالُنا بمقدارِ معارفِنا، امتثالاً لقولِ سيِّدتنا فاطمةَ الزَّهراء (ع): (جعلَ اللهُ معرفَتَهُ تطهيرًا لكم من الشِّركِ، والصَّلاةَ تنزيهًا لكم عن الكِبرِ، والزَّكاةَ تزكيةً للنَّفسِ ونماءً في الرِّزقِ، والصِّيامَ تثبيتًا للإخلاصِ، والحجَّ تشييدًا للدِّين).
فحضورُ مجالسِ العلمِ لتعلُّمِ الآدابِ والعلومِ الدِّينيَّةِ وأصولِ الفقهِ إحياءٌ لأمرِ اللهِ وأنبيائِهِ وأئمَّتِهِ لقولِ الإمام الصَّادق (ع): (أحيوا أمرَنا، رَحِمَ اللهُ مَن أحيا أمرَنا)، فقيل: وكيف يُحيَى أمرُكُم؟ قال: (أن تتعلَّمُوا علومَنا وتعلِّموها لمُستحقِّيها، فإنَّ النَّاسَ لو عَلِمُوا محاسنَ كلامِنا لاتَّبعونا).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثامن والتسعون حول موضوع الرؤية

images

السُّؤال الثَّامنُ والتِّسعون: ماذا تعني رؤية اللهِ التي يتحدَّثُ عنها العلويُّونَ؟

 

الجوابُ الثَّامنُ والتِّسعون بإذنِ اللهِ:

إنَّ موضوعَ الرُّؤيةِ موضوعٌ شائكٌ تاهَ فيهِ البشرُ منذُ بدأتْ الكتبُ السَّماويَّةُ تتحدَّثُ عنهُ، لأنَّ البشرَ الضُّعفاءَ تمسَّكوا بالمحسوسِ وضيَّعوا المعقولَ، فَعَبَدوا الأصنامَ والنَّارَ والكواكبَ والأبشارَ والملائكةَ والرُّسلَ والأنبياءَ، وضيَّعوا الحقَّ.

ومن ثباتِ بطلانِ عقائدِهم المشبِّهةِ أنَّهم عَبَدوا الزَّائلَ وَتَركوا الباقي، وَعَبدوا الآنيَّ وَتَركوا الدَّائمَ، لأنَّ فكرَهم مَحدودٌ قاصرٌ عن فهمِ التَّوحيدِ.

يُمكننا أن نبدأ انطلاقًا من قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (إنَّ اللهَ تَراهُ في مَملكَتِهِ إلى الأبدِ حيث يكونُ قوامُ سعادَتِنا ومَجدِنا).

فهل اللهُ المقصودُ هو المسيحُ ذاتُهُ؟ أو بتعبيرٍ آخر هل هو النَّبيُّ أيًّا كان النَّبيُّ المقصودُ؟

أم هو النُّورُ المتجلِّي لأهلِ البصائرِ يعرفونَهُ بدلائلِهِ وآياتِهِ، لأنَّهم يدركونَ أنَّهم لا يستطيعونَ رؤيةَ اللهِ كما هو بجلالِ عظمَتِهِ لقولِ أميرِ المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (الْحَمْدُ لله الَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلاَ تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَلاَ تَرَاهُ النَّوَاظِرُ).

فالرُّؤيةُ تكونُ لنورِ تَجلِّيهِ على قدرِ أهلِ العزمِ والبصيرةِ، فمَن ارتقى في عزمِهِ عاينَ ذلكَ النُّورَ لا كما يعاينُهُ مَن هو أدنى منه، فالكلُّ مشتركونَ برؤيةِ النُّورِ الإلهيِّ لقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، لكنْ كلٌّ يبصرُ من ذلكَ النُّورِ معرفةً حسبَ طاقتِهِ، وهذا النُّورُ هو الآياتُ والدَّلائلُ التي ذكرَها تعالى بقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ)، ولو لم تكنْ رؤيةُ الآياتِ شاملةً لانْتَفَتْ الحجَّةُ على الخَلقِ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (ما عُرِفَ مَحفوظٌ وما جُهلَ منبوذٌ، فإذا شَكَّ المرءُ وارتابَ فيما يَرَى فهو فيما لا يَرَى أَشَكُّ وَأَريبْ).

ومن كلامٍ للإمامِ الرِّضا (ع) في مناظرةٍ جرَتْ بينَهُ وبين عمران الصَّابئ، قال عمران: يا مولاي زِدنِي. فقال له (ع): (إيَّاك وقولَ الجُهَّالِ أهلِ العَمَى والضَّلالِ الذين يَزعمونَ أنَّ اللهَ جَلَّ وَتَقدَّسَ موجودٌ في الآخرةِ للحسابِ والثَّوابِ والعقابِ وليسَ بموجودٍ في الدُّنيا للطَّاعةِ والرَّجاءِ، أوَلَم يَعلمِ الجُهَّالُ أنَّهُ إذا كان أهلاً للوجودِ لِخَلقِهِ في الآخرةِ فهو أهلٌ للوجودِ في الدُّنيا، ولو كانَ في وجودُ اللهِ نقصٌ واهتضامٌ في الدُّنيا لَكَانَ كذلكَ في الآخرةِ ولم يوجدْ سُبحانَهُ، ولكنَّ القومَ تَاهوا وَصُمُّوا وَعُمُوا عن الحقِّ من حيثُ لا يعلمونَ وذلكَ قولُهُ سبحانَهُ وتعالى في كتابِهِ المُنزَلِ على نَبيِّهِ المُرسَلِ (ص): (وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)؛ يعني: أعمى عن الحقائقِ الموجودةِ.

فاستِدْلالُنا يكونُ بهدايةِ العقلِ الذي هو أصلُ كلِّ هُدَى، على أنَّ الذي أظهرَ المعجزاتِ والآياتِ وأخبرَ في كتابِهِ العزيزِ بِعِلمِ ما كانَ وما هو كائنٌ، هو ربُّنا ربُّ الأرضِ والسَّماواتِ، وأنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ إليه دَعَوا وبتوحيدِهِ نَطَقوا، وهو الذي وصفَ نفسَهُ بقولِهِ: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

فالحياةُ دليلُ الوجودِ، وهو ضِدُّ العدمِ، لذلك كانت إشارةُ الأنبياءِ وأصحابِ الشَّرائعِ إلى إلهٍ موجودٍ يعرفونَهُ.

مِن هنا نؤكِّدُ أنَّ الدَّليلَ على وجودِ الإلهِ يبدأُ بكتابِ اللهِ تعالى الذي فيه تبيانُ كل شيءٍ كما في قولِهِ عزَّ وجلَّ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)، إشارةً إلى آياتِهِ التي هي دلائلُ وجودِهِ سبحانَهُ.

وكذلكَ نستدلُّ على وجودِ الإلهِ بأحاديثِ رسولِ الله (ص) وأحاديثِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) الواردةِ عن طريقِ أهلِ الولاءِ من علماءِ نَهجِنا العَلويِّ، ولقد أشارَ أميرُ المؤمنينَ الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بقولِهِ: (فأمَّا أولياءُ الحَقِّ فَضِيَاؤهم فيها اليقينُ، وَدَليلُهُم سَمْتُ الهُدَى، وأمَّا أعْدَاءُ اللهِ فَدُعاؤهُم الضَّلالُ، وَدَليلُهُم العَمَى).

ولابدَّ من حُجَّةِ العقلِ التي قال فيها الإمامُ الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

وهذه الأدلَّةُ مقرونةٌ بحكمِ الضَّرورةِ بالولايةِ الصَّادقةِ لأميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّم اللهُ وجهَهُ لقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن أرادَ الحَقَّ فَليَنظُرْ إلى عَلِيٍّ، عَليٌّ مع الحَقِّ حَيثُ كانَ).

وحتَّى ننفي التُّهمةَ الدَّائمةَ بأنَّ العبادةَ لجسدِ عليٍّ، نُورِدُ ما جاء عنه (ص) أنَّه قال يومًا لأصحابِهِ: (إنِّي مؤدبكم بآدابِ اللهِ ورسولِهِ، وهو أنِّي آمُرُكم ألاَّ يقومَ العبدُ إلاَّ لمولاهُ، والولدُ إلاَّ لوالدِهِ، والمتعلِّمُ إلاَّ لـمُعَلِّمِهِ، والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، والصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، واللهُ أمرَنا نحنُ معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ جلَّ اسمُهُ). فأقبلَ أميرُ المؤمنينَ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بعدَ وقتٍ، فلمَّا رآهُ رسولُ اللهِ (ص) قامَ لَهُ وقبَّلَ ما بينَ عينيهِ، فقالَ له أبو دُجانَةَ سمَّاكُ بن خرشنةَ الأنصاري رَضِيَ اللهُ عنهُ: (يا رسولَ اللهِ أنتَ السَّاعةَ تقولُ لنا: إنَّ اللهَ أمرَنا معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ، وأنتَ رَبَّيتَ عليًّا. وقلتَ: لا يقومُ الولدُ إلاَّ لوالدِهِ والمتعلِّمُ إلاَّ لمعلِّمِهِ والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، وأنت أعلمُ من عليٍّ، وعليٌّ عَلِمَ منكَ. وقلتَ: لا يقوم الصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، وقد رأيناكَ قُمتَ لِعَلِيٍّ وأنتَ أكبرُ منهُ؟)؛ وطبعاً كانَ هذا السُّؤالُ تعليمًا كي لا نقعَ بالغلوِّ الذي وقعَ بهِ السُّنَّةُ والشِّيعةُ حينَ أسقطوا الرَّسولَ والأئمَّةَ (ع) من مقامِهم النُّورانيِّ وجعلوهم واقعينَ تحتَ الجسمانيَّةِ البشريَّةِ، وكانَ أبو دجانة يسألُ لِيُعلِّمنا أنَّ هذه التَّساؤلاتِ قد تصدرُ على سبيلِ القياسِ والتَّحيُّرِ عندما يتمُّ أخذُ الأحكامِ بشكلِها الحسِّيِّ الماديِّ، فكانَ جوابُ رسولِ اللهِ (ص) للدَّلالةِ على أنَّ الأمورَ لا تُقاسُ بالمقاييسِ الضَّيِّقةِ: (أنا قمتُ للنُّورِ الذي بين عَينيهِ)، وهذا النُّورُ هو نورُ الولايةِ التي جعلَها اللهُ شرطَ الإيمانِ في قوله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً)، فالولايةُ للهِ الحقِّ، ولكنْ لابدَّ للمؤمنِ من سبيلٍ لبلوغِها، فكانَ هذا السَّبيلُ هو النُّورُ الذي بين عيني أميرِ المؤمنينَ لقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

فرسولُ اللهِ (ص) رأى ذلكَ النُّورَ لا كما رآهُ أبو دجانة، ولا كما نراهُ نحنُ، فكلٌّ يبصِرُ من النُّورِ على حسبِ استطاعتِهِ، والإبصارُ هنا دليلُ المعرفةِ، لأنَّ الكافرينَ لا يبصرونَ رغمَ أنَّهم يرونَه أمامَهم إلاَّ أنهم كما قال تعالى: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السابع والتسعون حول مكان الكعبة الحقيقي

images

السُّؤالُ السَّابعُ والتِّسعونَ: هل صحيحٌ أنَّ الكعبةَ موجودةٌ في العراقِ وليست في الجزيرةِ العربيَّةِ؟ وأنَّ محمَّدًا (ص) من العراقِ؟ وأنَّ مكَّة هي الكوفة؟

 

الجوابُ السَّابعُ والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:

إنَّ هناكَ محاولاتٍ حثيثةً لضربِ التَّاريخِ الإسلاميِّ من جذورِهِ، وبأيدٍ متأسلِمَةٍ رخيصةٍ مأجورةٍ، لأنَّكَ حينَ تضربُ التَّاريخَ وتشكِّكُ فيهِ فإنَّكَ تقضي على الحاضرِ والمستقبلِ.

وهذهِ البدعةُ القائلةُ بأنَّ: سيِّدنا محمَّدًا رسول الله (ص) عراقيٌّ، وأنَّ مكَّةَ هي الكوفةُ، وأنَّ الكعبةَ في الكوفةِ!! إنَّما هي بدعةٌ أطلقَتْها مجموعاتٌ صهيونيَّةٌ جديدةٌ أسْمَتْ نفسَها تسمياتٍ علويَّةً عبرَ صفحاتٍ افتراضيَّةٍ مثل (الشِّيعةُ المتنوِّرون، والمعرفةُ بالنُّورانيَّةِ، والطَّائفةُ العلويَّةُ النُّصيريَّةُ في العراقِ ومصر وفلسطين ووو)، وهي ببدعَتِها هذهِ تتلاقى مع فكرةِ تهويدِ القدسِ، فالمهمُّ عندَ الصَّهيوينَّةِ تكريسُ اليهودِ حكَّامًا للعالمِ، وتحويلُ التَّاريخِ كلِّهِ إلى تاريخٍ يهوديٍّ كاملٍ.

وليست هذهِ المرَّةُ الأولى التي يحاولونَ فيها تشويهَ التَّاريخِ الإسلاميِّ، فهناكَ مَن سَبقَهم وادَّعى أنَّ الكعبةَ موجودةٌ في اليمنِ!! واليومَ يُطِلُّ علينا الـمَدعوُّون (الشِّيعةُ المتنوِّرونَ) من صفحاتٍ تدَّعي أنَّها علويَّةٌ نصيريَّةٌ، والعلويَّةُ النُّصيريَّةُ بريئةٌ منها ومن مقالاتِها ومنشوراتِها المليئةِ بالزِّيفِ العقائديِّ والخلطِ التَّشبيهيِّ، حتَّى لو ادَّعى القائمونَ عليها ولاءَهم ومحبَّتَهم لأميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، فهذا لا ينفي أنَّ ولاءَهم كاذبٌ ومحبَّتَهم مُزيَّفَةٌ كولاءِ الغلاةِ الحلوليِّينَ الذين لم ينقطعْ وجودُهم عبر الزَّمنِ.

هؤلاء (الشِّيعةُ المتنوِّرونَ) أصحابُ (المعرفةِ بالنُّورانيَّةِ) يزعمونَ أنَّهم يفشونَ الأسرارَ!! والحقيقةُ أنَّهم يبتدعونَ مذهبًا جديدًا لضربِ اسمِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ، وبهذا تتمُّ محاصرةُ العلويِّينَ بين مطرقةِ التَّشيُّعِ وسندانِ التَّشويهِ!!

والعاقلُ سيفهمُ أنَّ الأمرَ يعني محاصرةَ العلويِّينَ من جهاتٍ ثلاثةٍ هي:

الجهةُ الأولى: السُّنَّةُ المتشدِّدونَ الذين أعلنوا وما زالوا يُعلنونَ الحربَ على العلويِّينَ لقتلِهم تنفيذًا لفتوى ابن تيميَّة لعنهُ اللهُ.

الجهةُ الثَّانيةُ: الشِّيعةُ المتشدِّدونُ الذين مارسوا طقوسَ التَّبشيرِ من خلالِ حملاتِ التَّشيُّعِ التي انتشرَتْ في العَقدَينِ الأخيرَينِ بشكلٍ فاضحٍ.

الجهةُ الثالثةُ: الصَّهيونيَّةُ التي تستخدمُ أدواتِها، والتي تنقسم إلى قسمين:

الأداةُ الأولى: الصفحاتُ المأجورةُ التي ذكرناها، والتي يديرُها أشخاصٌ من ناصبةِ تونس ومصر والعراق، وهم مسؤولونَ أمامَ مُمَوِّليهم عن تشويهِ التَّعاليمِ العلويَّةِ الأصيلةِ ونشرِها على أنَّها (الدِّينُ العلويُّ الباطنيُّ!!) وذلك لهدفَين: أوَّلهما: تشكيكُ شبابِنا العلويِّ بعقيدَتهم من خلالِ الشَّرخِ القائمِ بينَ ما هم عليه وما يقرؤونَهُ على هذه الصَّفحاتِ. وثانيهما: تأليبُ أبناءِ الطَّوائفِ الأخرى على العلويِّينَ بسببِ الصُّورةِ القاتمةِ التي يصوِّرُها أصحابُ هذه الصَّفحاتِ. وما فَضَحَهم هو دخولُهم على الخطِّ السِّياسيِّ ومحاولةُ الطَّعنِ برموزٍ وطنيَّةٍ عُرِفَتْ بمناهَضَتِها للكيانِ الصَّهيونيِّ كالقائدِ الخالدِ حافظِ الأسد، وسماحةِ الإمامِ الاستثنائيِّ الخُميني، والسيِّدِ الرَّئيس بشَّار الأسد، وقائدِ المقاومةِ السَّيِّد حسن نصر الله.

الاداةُ الثَّانيةُ: المحطَّاتُ الفضائيَّةُ التَّحريضيَّةُ، وخاصَّةً تلكَ التي تذيعُ برامجَ يقدِّمها اللَّعين عبد الحليم الغزِّي واللعينُ ياسر الحبيب، والتي تحاولُ أخذَ التَّعاليمِ المشوَّهةِ التي ينشرُها أصحابُ الصَّفحاتِ المأجورةِ كمادَّةٍ دسمةٍ، بالإضافةِ إلى ما نشرَهُ ونسَبَهُ لنا كلُّ الكاذبينَ من أمثالِ أبي موسى الحريري (سلسلة التُّراث العلوي) ورواء جمال علي وفضل خاسكة وعبد الكريم جامع وشوقي الحداد ومحمَّد علي إسبر وغيرهم، وقد قامَت هذه المحطَّاتُ بتبنِّي هذه المنشوراتِ على أنَّها (الباطنُ) الـمُكتَشَفُ على أيديهم، لتقومَ بضربِ النَّهجِ العلويِّ الإسلاميِّ وتأليبِ كافَّةِ المجتمعاتِ ضدَّهُ.

 

لمواجهةِ هذه الحربِ الكونيَّةِ لابدَ ألاَّ نقفَ مكتوفي الأيدي، فهذا المخطَّطُ الصَّهيونيُّ الخطيرُ هدفُهُ مدمِّرٌ للإسلامِ الحقِّ الذي يشكِّلُ نهجُنا العلويُّ نقطةَ ارتكازِهِ، وهو مدروسٌ ومُنظَّمٌ بعنايةٍ فائقةٍ لا ينتبِهُ إليها ضعفاءُ النُّفوسِ والعقولِ، ولا يمكنُ أن تُوَاجَهَ بالإهمالِ والنَّأي بالنَّفسِ والاختباءِ خلفَ الأصابعِ والنُّواحِ والعويلِ، بل تُواجَهُ بتصحيحِ العقائدِ المنحرفةِ التي ينشرونَها، والرَّدِّ على الأكاذيبِ التي يُلفِّقونَها، لإحقاقِ الحقِّ وإعلاءِ كلمَتِهِ وسَحقِ الباطلِ وجنودِهِ.

 

بعدَ هذا الإيضاحِ، ورغمَ أنَّنا كعلويِّينَ نَتَعالى عن أن نحدِّدَ اللهَ في مكانٍ دونَ مكانٍ، ورغمَ أنَّنا نفهمُ أنَّ بيتَ اللهِ لا يُقصَدُ فيهِ الحجر، سواءَ كانَ في اليمنِ أو العراقِ أو الحجازِ، فإنَّنا نقول: إنَّ بيتَ اللهِ أعلى وأجلُّ من أن تحدِّدَهُ أقلامُ العابثينَ، وأن تُشَكِّكَ فيهِ أفكارُ الحاقدينَ، وإنَّ الحقيقةَ المطلقةَ لا تغيِّرُها الملوِّثاتُ الحسِّيَّةُ التي يتمسَّكُ بها أهلُ الحشو جميعًا.

ولكنْ- للحقيقةِ والتَّاريخ- نؤكِّدُ أنَّ سيِّدنا محمَّد (ص) ظهرَ في أرضِ الحجازِ نبيًّا رسولاً وهذا لا يعيبُهُ. والكعبةُ الشَّريفةُ هي نفسُها التي في أرضِ الحجازِ، وهي تمثيلٌ حسِّيٌّ عن كعبةِ الحقِّ في الوجودِ الحقِّ، وفيها ظهرَ أميرُ المؤمنين الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ مولودًا. وفي مكَّةَ التي هي في شبهِ الجزيرةِ العربيَّةِ اجتمعَ مشركو قريش لاغتيالِ رسالةِ الإسلامِ في اليومِ المعروفِ بيومِ الفِراشِ. ولا يوجدُ فرقٌ كبيرٌ بينَ مَن حاولوا اغتيالَ الإسلامِ يومَ الفراشِ في مكَّةَ، ومَن حاولوا اغتيالَهُ يومَ السَّقيفةِ في المدينةِ المنوَّرَةِ، ومَن حاولوا اغتيالَهُ يومَ عاشوراءَ في الكوفةِ، فمَن حملَ السَّيفَ ضدَّ الحقِّ كمَن اغتصَبَ مقامَ الحقِّ كَمَن أغمدَ سيوفَهُ ولم يَنصرِ الحقَّ ضدَّ الباطلِ، فالطَّهارةُ والنَّجاسةُ لا تتعلَّقُ بالأمكنةِ بل بِمَنْ فيها.

أمَّا تَخَرُّصاتُ أولئكَ المشوِّهينَ للتَّاريخِ فلا صِحَّةَ لها، لأنَّها تخدمُ فقط أهدافَ الصَّهيونيَّةِ التي تسعى لتأكيدِ أنَّ الأرضَ المباركةَ هي فقط (من النِّيلِ إلى الفراتِ)، وقد فَضَحَتْهم أحدُ منشوراتِهم التي تقولُ بمفرداتِ يهوديَّةٍ: (إنَّ مكَّةَ ليستْ مكَّةُ الحجازِ، إنَّما هي أرضُ الرَّبِّ أرضُ الميعادِ وبيتُ المقدسِ الكوفةُ المقدَّسَةُ!!).

واليهودُ دومًا يحاولونَ الزَّعمَ أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) ادَّعى النُّبوَّةَ فيها، كما يحاولونَ اليومَ الزَّعمَ أنَّ سيِّدنا محمَّد (ص) ادَّعى النبوَّةَ فيها وفقَ النَّظريةِ الجديدةِ المشبوهةِ التي تقولُ بأنَّهُ من العراقِ، والتي أرادوها شبهةً روَّجوها عبرَ أدواتِهم. عَدا عن الهدفِ الأكبرِ الذي هو ضربُ التَّاريخِ الإسلاميِّ الذي امتدَّ لأكثرَ من ألفٍ وأربعمئة عامٍ.

وبغضِّ النَّظرِ عن كلِّ التَّشويهِ الذي طالَ الإسلامَ وتعاليمَهُ، والتَّحريفِ الذي طالَ تاريخَنا، إلاَّ أنَّ ضربَ الأصولِ والأسسِ الثَّابتةِ (كالنَّبيِّ والكعبةِ والمدينةِ و…) هدفُهُ القضاءُ التَّامُّ على الإسلامِ مستقبلاً، وهذا لا يختلفُ عن تهويدِ القدسِ، وهدمِ المدنِ الأثريَّةِ وتشويهِ معالمِها وسرقةِ مُقتَنياتِها، لتحقيقِ هدفِ الصَّهيونيَّةِ الأكبرِ وهو سيادةُ اليهودِ وحكمُهم الـمُطلَقُ للعالمِ بعدَ أن يهدموا كلَّ التَّواريخِ، ويُشيعوا أنَّ التَّاريخَ الحقيقيَّ هو تاريخُ اليهودِ، فيكونَ لهم التَّاريخُ والحاضرُ والمستقبلُ، وهذا لم ولن يكونَ طالما أهلُ الحقِّ موجودونَ للمواجهةِ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الثاني والتسعون حولَ الأسماءِ الحسنى ومفهوم العبادة

images

السُّؤالُ الثَّاني والتِّسعونَ: هل يجوزُ للعلويِّ أن تكونَ عبادَتُهُ للأسماءِ الحسنى كالرَّحمنِ والرَّحيمِ والعليمِ والقديرِ و…..؟

الجوابُ الثَّاني والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:
بالتأكيدِ هذا لا يجوزُ، فنحنُ كعلويِّينَ نتميَّزُ بالتَّرفُّعِ عن المحسوسِ، ونصلُ في توحيدِنا إلى مرحلةِ التَّجريدِ الخالصِ بعدَ الإثباتِ، فنحقِّقُ ميزانَ التَّوحيدِ في الإثباتِ والإفرادِ، والذي يفقدُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ- على حَدٍّ سواء- أحدَ كفَّتيهِ.
إنَّ مَن عَبَدَ اللهَ تعالى، وأشارَ لأسمائِهِ الحسنى على أنَّها أسماءُ وصفاتُ اللهِ، وأنَّ اللهَ فوقَها، كانَ موحِّدًا.
أمَّا مَن اعتقدَ أنَّ هناكَ فاصلةً بين اللهِ وأسمائِهِ الحسنى، وجعلَ الأسماءَ الحسنى آلهةً أخرى غيرَ اللهِ عزَّ وجلَّ، فيكون قد فَرَّقَ بين اللهِ وأسمائِهِ الحسنى وهذا هو الضَّلالُ.
ولكن نقولُ: مَن عَبَدَ الأسماءَ الحسنى دونَ اللهِ فقد كفرَ، ومَن عَبَدَ اللهَ والأسماءَ الحسنى فقد أشرَكَ، ومن عَبَدَ اللهَ بحقيقةِ معرفةِ الأسماءِ الحسنى فقد وَحَّدَ.
فلا يجوزُ أن نتَّبعَ ما زَعَمَهُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ من أنَّ (اللهَ هو الأسماءُ الحسنى والأسماءُ الحسنى هي اللهُ!!)، منطلقينَ من فهمِهم الخاطئِ لقوله تعالى: (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى)، فاللهُ تعالى لم يقلْ: ( قُلِ اعبدُوا، وأيًّا ما تعبدُوا)، بل قال: (ادعوا)، أي: خاطِبُوا وتوجَّهوا بالدُّعاءِ باستعمالِ الأسماءِ الحسنى، واقصدُوا بالحقيقةِ للهِ الحقِّ الـمُنَزَّهِ الذي له الأسماءُ الحسنى، وليست هيَ هو في الحقيقة والكُنهِ لقوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى).
اللهُ تعالى عرَّفَنا الأسماءَ الحسنى لإثباتِ الوجودِ، ورفقًا بالعبدِ الطَّائعِ ليتوجَّهَ إليه بها، وذلكَ لعجزِهِ عن الدُّعاءِ من دونِها، فهذا هو قَدْرُ المخلوقِ الضَّعيف، بدليلِ قول الإمام علي زين العابدين (ع): (إلهي لولا الواجبُ من قبولِ أمرِكَ لنزَّهْتُكَ عن ذكري إيَّاكَ، على أنَّ ذكري لكَ بقدري لا بقدرِكَ، وما عسَى أن يبلغَ مِقداري حتَّى أُجعَلَ مَحَلاًّ لِتَقديسِكَ، وَمِن أعظمِ النِّعَمِ علينا جريانُ ذِكْرِكَ على ألسِنَتِنا).
وكمثالٍ توضيحيٍّ على هذا نقول: إنَّ النَّجارَ قد يصنَعُ من الخشبِ كرسيًّا، فالكرسيُّ من الخشبِ صُنِعَتْ وإليهِ ترجعُ، أي أنَّ حقيقةَ الكرسيِّ خشبٌ، وليست حقيقةُ الخشبِ كرسيًّا، بل هو من هيئاتِ الخشبِ بعدَ الصُّنعِ، له طولٌ وعرضٌ وصفةٌ معروفةٌ. وهكذا يمكنُ القول: (إن الكرسيَّ خشبٌ)، ولا يمكنُ القول: (إنَّ الخشبَ كرسيٌّ). فالخشبُ للتَّحقيقِ والكرسيُّ للاستعمالِ.
أمَّا الصَّانعُ فهو النَّجَّارُ، الذي له الفضلُ في الإيجادِ والصُّنعِ، فالاستدلالُ على وجودِ الصَّانعِ يكونُ بآثارِ الصَّنعةِ على المصنوعِ، والصَّانعُ يُدعى باسمِ الصَّانعِ بعدَ الصُّنعِ، ولكنَّه مُنزَّهٌ عن فعلِ الصَّنعةِ؛ وهكذا فإنَّ اللهَ تعالى يُدعى باسمِ الرَّحمنِ الرحيمِ بعدَ وَهْبِ الرَّحمةِ ويُنَزَّهُ عن فعلِ الرَّحمَةِ، ويُدعى باسم العليمِ بعدَ إفاضةِ العلمِ ويُنَزَّهُ عن فعلِ العلمِ، ويُدعى باسمِ القدير بعدَ إظهارِ القدرةِ ويُنَزَّهُ عن فعلِ القدرةِ، حيث وردَ عن سيِّدنا محمد بن سنان الزَّاهري أنَّهُ قال: (كلُّ ما رأيتَ من قدرةٍ فَمِنَ القادرِ لأنَّ القدرةَ لَهُ)، ولم يقل: لأنَّ القدرةَ هو.
كما أنَّ واهبَ الرَّحمةِ أَجَلُّ من الرَّحمةِ نفسِها، ومُفيضَ العلمِ أجلُّ من العلمِ نفسِهِ، ومُظهِرَ القدرةِ أجلُّ من القدرةِ نفسِها، بدليلِ قولِ الإمامِ الباقر (م): (فلا يُوصَفُ بقدرةٍ إلاَّ مَن كانَ أعظمَ من ذلكَ)، كما وردَ في كتاب تحفِ العقولِ عن آلِ الرسولِ (ص) أنه قيل للإمامِ الرِّضا (ع): إنَّ قومًا يقولون: إنَّه عزَّ وجلَّ عالمًا بعلمٍ وقادرًا بقدرةٍ وقديمًا بقدمٍ وسميعًا بسمعٍ وبصيرًا ببصرٍ؟ فقال (ع): (اتَّخَذُوا مع اللهِ إلهًا آخرَ وليسَ هم مِن ولايِتنا على شيءٍ، تَعَالى اللهُ عمَّا يقولُ المُشركونَ والمشبِّهونَ علوًّا كبيرًّا).
ولا يمكنُ أن يكونَ الفعلُ ماهيَّةً لفاعلِهِ؛ أي أن تكونَ: الرَّحمةُ ماهيَّةً للرَّحمنِ الرَّحيمِ، والعلمُ ماهيَّةً للعليمِ، والقدرةُ ماهيَّةً للقديرِ، ففي هذا نَقَضُ ما تمَّ إبرامُهُ وحَلُّ ما تمَّ عَقَدُهُ، وبالتالي هذا هو الشِّركُ الخفيُّ بالأسماء الحسنى بسببِ تعدُّدِ الماهيَّاتِ.
ولا يقالُ بالمقابلِ: (إنَّها غيرُهُ!!)، بمعنى أنَّه لا يقالُ: (إنَّ الرَّحمةَ والعلمَ والقدرةَ لا تدلُّ على اللهِ، لأنَّها صدَرتْ عن غيرِهِ!!)، فنكونَ قد كَفَرْنا من حيثُ آمَنَّا بدينِ الحقِّ ونهجِ الصِّراطِ العلويِّ المستقيمِ.

وهنا نلخِّصُ جوابَنا الصَّحيحَ بالقولِ:
إذا أقررتَ بالرَّحمةِ التي هي فعلُ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، وبالعلمِ الذي هو فعلُ العليمِ، وبالقدرةِ التي هي فعلُ القديرِ، وأنتَ تقصُدُ إثباتَ وجودِ اللهِ الذي له هذه الأسماءُ الحسنى (الرَّحمنُ الرَّحيمُ والعليمُ والقديرُ) فقد حقَّقتَ صِلَتَكَ بمعرفة اللهِ وكنتَ من أهلِ الإقرارِ.
وإذا فصلتَ بينَهم، وجعلتَ الرَّحمنَ الرَّحيمَ غيرَ اللهِ، والعليمَ غيرَ اللهِ، والقديرَ غيرَ اللهِ، فقد توجَّهتَ إلى غيرِ اللهِ وكنتَ من أهلِ الإنكارِ.
أمَّا إذا قلت: إنَّ صفةَ الرَّحمنِ الرَّحيمِ غيرُ صفةِ العليمِ، وغيرُ صفةِ القديرِ، إلاَّ أنَّهم صفاتٌ مختلفةٌ منفصلةٌ لحقيقةٍ واحدةٍ هي اللهُ تعالى، ولكنَّ اللهَ تعالى أجلُّ من هذه الصِّفاتِ المختلفةِ، فقد كنتَ من أهلِ التَّوحيدِ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال التسعون حول نفي التجسيم

images

السُّؤالُ التِّسعون: هل تقصدُ النُّصيريَّةُ بتجلِّي اللهِ نزولَهُ في الأجسامِ؟

الجوابُ التِّسعون بإذنِ اللهِ:
إنَّ عقيدَتنا العلويَّةَ النُّصيريَّةَ الحقَّةَ حُورِبَتْ عبرَ العصورِ لأنَّها كانَتِ الرَّائدةَ في مواجهةِ أهلِ التَّجسيمِ والتَّعطيلِ، وبما أنَّ الأسئلةَ المشكِّكَةَ لا تَنتهي، فإنَّنا ملتزمونَ بالإجابةِ بشكلٍّ دوريٍّ عليها لإيضاحِ الحقيقةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الصَّافيةِ.
لقد اختلطَ الأمرُ على السُّنَّةِ والشِّيعةِ فاتَّهمونا بأنَّ تجلِّي اللهِ عندَنا يعني حلولَهُ في الأجسامِ!! وهذا محالٌ. لكنَّ السَّطحيَّةَ التي اعتادَوا عليها في تناولِ الأمورِ الدِّينيَّةِ جَعَلَتهم لا يفقهونَ معنى التَّجلِّي، ولا يفهمونَ دلالاتِ السُّورِ العظيمةَ في القرآنِ الكريمِ، وكأنَّما وقعَ عليهم قولُهُ تعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون).
إنَّ التَّجلِّي في فكرنا العلويِّ النُّصيريِّ هو للبُرهانِ على وجودِ الحقِّ تَعَالى من خلالِ الدَّليلِ العقليِّ والدَّليلِ الحسِّيِّ، وهكذا فإنَّ الدَّليلَ العقليَّ والدَّليلَ الحسِّيَّ يبرهِنانِ على وجودِ الحقِّ تعالى في حالِ التَّجلِّي لأهلِ العقلِ وأهلِ الحسِّ.
فالحقُّ تعالى لمَّا شاءَ تَكوينَ الشَّيءِ كوَّنَهُ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، ثمَّ أرادَ الخلقَ فكانَ أمرُهُ مُطاعًا لقوله تعالى: (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ)، ثمَّ تَجَلَّى بنفسِهِ لأهلِ العقلِ ولأهلِ الحسِّ بدليلِ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ)، عِلمًا أنَّه في حَقيقتِهِ لا يقعُ تحتَ العقلِ ولا الحسِّ، وهنا نؤكِّدُ على كلمةِ (بنفسِهِ) حتَّى لا يظنَّ القارئُ أنَّهُ تجلَّى بغيرِهِ فيقعَ في الحلولِ والتَّجسيمِ، والدَّليلُ على ذلكَ قوله تعالى: (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، فالتَّجلِّي إذنْ ليسَ حلولاً ولا تجسيمًا، إنمَّا هو دليلُ الوجودِ لقوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ).
ونحنُ نُقِرُّ بوجودِ الحقِّ تَعَالى ونُصرِّحُ بالألفاظِ مع عِلْمِنا بقصورِها لقولِ الإمامِ علي زينِ العابدين (ع): (إلهي لولا الواجبُ من قبولِ أمرِكَ لنزَّهْتُكَ عن ذكري إيَّاكَ، على أنَّ ذكري لكَ بقدري لا بقدرِكَ، وما عسَى أن يبلغَ مِقداري حتَّى أُجعَلَ مَحَلاًّ لِتَقديسِكَ، وَمِن أعظمِ النِّعَمِ علينا جريانُ ذِكْرِكَ على ألسِنَتِنا)، فمعرفَتُنا لوجودِ الحقِّ وإفرادُنا لذاتِهِ عن كلِّ صِفَةٍ مُدرَكَةٍ وَجِهَةٍ مَحدودةٍ، تَجعلُنا نُخرِجُهُ عن الحَدَّينِ؛ حَدِّ التَّشبيهِ بِخَلقِهِ وحَدِّ الإنكارِ لِوجودِهِ، تَعَالى اللهُ عن حَدِّ التَّشبيهِ وَحَدِّ التَّعطيلِ، لأنَّ مَن لم يُخرِجْهُ عن الحَدَّينِ يكونُ قد أدرَكَهُ وَحَصَرَهُ وشَبَّهَهُ بِخَلقِهِ لا مَحالَةَ، فهل يُعقَلُ أنَّ اللهَ إذا أَنْعَمَ علينا بنعمةِ معرفةِ وجودِهِ أن نَجعلَهُ من جنسِ خَلقِهِ ونُشبِّهَهُ بهم ونَحصُرَهُ في الأجسامِ معاذَ اللهِ!!؟
نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ نُنَزِّهُ الحقَّ تعالى في مُواجهَتِنا لأهلِ التَّجسيمِ، وقد وردَ عن الفيلسوفِ العارفِ ابنِ شُعبةَ الحرَّانيِّ قوله: (معرفةُ اللهِ في الأبدانِ كَعِبَادَةِ الأوثانِ). فَلمَّا وَصَمَهُ أهلُ التَّجسيمِ بالأمِّ والأبِ والأولادِ نزَّهناهُ كما نَزَّهَ نفسَهُ بقوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، ولمَّا وَصَمُوهُ بالزَّوجةِ نزَّهناهُ كما قال في كتابِهِ: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً)، ولمَّا جَعَلوا له شريكًا نزَّهناهُ كما قالَ في كتابِهِ: (لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
فلا يقعُ تحتَ التَّجسيمِ مَن كانَ ولا مكانَ ولا دهرَ ولا زمانَ ولا سكونَ ولا حركةَ ولا جوهرَ ولا عرضَ ولا حسَّ ولا جنسَ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لا يُوصَفُ بزمانٍ ولا مكانٍ ولا حركةٍ ولا سكونٍ، بل هو مُوجِدُ الزَّمانِ والمكانِ والحركةِ والسُّكونِ، تَعَالى اللهُ عمَّا يَقولون علوًّا كبيرًا).
ولا يقعُ تحتَ الحصرِ مَن لا يَسَعُهُ مكانٌ ولا يَحصُرُهُ زمانٌ ولا يَختَلِجُ بالأوهامِ ولا تُحَصِّلُهُ معرفةُ الأفهامِ، وقد سُئلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): هل يجوزُ أن نقولَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ في مكانٍ؟ فقال (ع): (سُبحانَ اللهِ وتَعَالى عن ذلكَ، إنَّه لو كانَ في مكانٍ لَكَانَ مُحْدَثًا، لأنَّ الكائنَ في مكانٍ محتاجٌ إلى المكانِ، والاحتياجُ من صِفَاتِ المُحدَثِ لا مِن صِفَاتِ القَديمِ).
ولا يقعُ تحتَ الإدراكِ مَن لا يَقَعُ عليهِ اسمُ شَيءٍ وليسَ لَهُ شَبيهٌ ولا نَظيرٌ ولا مَثيلٌ ولا عَديلٌ، حيث سُئلَ رسولُ اللهِ (ص): ما رأسُ العلمِ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: (معرفةُ اللهِ حَقَّ مَعرفتِهِ). قيل: وما مَعرفةُ اللهِ حَقَّ مَعرفتِهِ؟ قال (ص): (تَعرِفهُ بلا مَثَلٍ ولا شَبَهٍ ولا نِدٍّ، وأنَّهُ واحدٌ أَحَدٌ ظاهرٌ باطنٌ أوَّلٌ آخِرٌ لا كُفوَ له ولا نظيرَ فَذلكَ حقُّ مَعرفَتِهِ).
فسبحانَ اللهِ الذي سَمَا عن مَبلَغِ أقوالِ الواصفين، وَعَلا عن نُطقِ أفواهِ العالِمِين، وَخَفِيَ عن أبصارِ النَّاظرين، فليسَتِ الأبصارُ له بِلاحِظَةٍ، ولا العيونُ له بِرَامِقَةٍ، أعظمُ وأَجَلُّ وأكبرُ مِن أيِّ دَليلٍ عقليٍّ أو حسِّيٍّ يَدلُّ إثباتًا على وجودِهِ، لا يُوصَفُ بِمَوصوفٍ ولا يُقاسُ بالحروفِ، ولا يَعلمُ ما هوْ إلاَّ هوْ، ليسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ، ولا حَدٌّ فَتُضرَبُ بِهِ الأمثالُ.

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد