أرشيف الوسم: الوهابية

السؤال الحادي عشر بعد المئة حول دعائم الإسلام عند النصيرية

images

السُّؤالُ الحادي عشرَ بعدَ المِئَةِ: هذا السُّؤالُ دائمًا يوجِّهُهُ إليَّ مجهولونَ تحتَ مُسمَّياتٍ وهَّابيَّةٍ على مواقعِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ: إذا كُنْتُمْ أيُّها النُّصيريَّةُ تَدَّعونَ أنَّكم مسلمونَ، فمَا هي دَعَائِمُ دينِكُم؟

الجوابُ الحادي عشرَ بعدَ المِئَةِ بإذنِ اللهِ:
مع أنَّ هذا السُّؤالَ تشكيكيٌّ، ودائمًا ما يَصِلُني بصِيَغٍ مختلفةٍ قائمةٍ على التَّشكيكِ وعدمِ التَّصديقِ، إلاَّ أنَّه لابدَّ من الإجابةِ عليه، لا ليُؤمِنَ الوهابيُّونَ الـمُشَكِّكونَ بنا، لقوله تعالى: (وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)، إلاَّ أنَّ رَدَّنا هو حجَّةٌ عليهم أنَّهم سمِعوا الجوابَ ولم يُؤمِنوا كما فعلَ أجدادُهم مع رسولِ اللهِ (ص)، وحجَّةٌ لنا أنَّنا لم نَسكُتْ حينَ وَجَبَ الكلامُ.
كَفانَا فَخرًا أنَّنا العلويُّون الذين يُمَثِّلونَ أصلَ الإسلامِ، والجعفريُّونَ الذين يُمَثِّلونَ الشَّرعَ المحمَّديَّ، والنُّصيريُّونَ الذين يُمَثِّلونَ فِكرَهُ السَّويَّ، والخصيبيُّونَ الذين يُمَثِّلونَ فلسَفَتَهُ العميقةَ، وعلى هذا فدعائمُ الدِّينَ عندنا هي دعائمُ الإسلامِ الذي لم يبقَ عندَهم منهُ إلاَّ رَسمُهُ.

قيلَ لمولانا الإمام الصَّادقِ (ع): أخبرني بدَعائِمِ الإسلامِ التي لا يَسَعُ أحدٌ التَّقصيرَ عن معرفةِ شيءٍ منها، والتي مَن قَصَّرَ عن معرفتِها والعملِ بها فَسُدَ دينُهُ ولم يَقبَلِ اللهُ منهُ عَمَلَهُ، ومَن عَرَفَها وعَمِلَ بها صَلُحَ لَهُ دِينُهُ وقُبِلَ منهُ عَمَلُهُ!!
فقال الإمامُ الصَّادقُ (ع): (شَهادَةُ أن لا إلهَ إلاَّ الله، والإيمانُ بأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ).

توضيح: هَل تُقبَلُ شَهادَتُهم للهِ دونَ معرفَتِهِ؟ إذن شهادَتُهُم باطلةٌ. وكيفَ يُؤمنونَ بالنَّبيِّ محمَّدٍ (ص) رسولاً وهُم يجعلونَهُ بشرًا مثلهم يخطئُ وينسَى ويَسهو ويحبُّ النِّساءَ ويَعصي اللهَ؟
نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ نَشهَدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله شهادةً للحقِّ المَشْهُودِ كما وصفَها مولانا أميرُ المؤمنين (م) بقولِهِ: (شَهَادَةُ إِيمَانٍ وإِيقَانٍ وإِخْلاصٍ وإِذْعَانٍ)، ولذلكَ لا يدخلُ الشَّكُّ قلوبَنا لقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، ونحن نشهَدُ أنَّ سيِّدَنا النَّبيَّ محمَّد (ص) رسولُ اللهِ، الـمُنَزَّهَ عمَّا لا يليقُ بهِ من الحالاتِ البشريَّةِ بدليل قولِ الإمامِ الرِّضا (ع) لسائلٍ سألَ عن الآياتِ المتشابهةِ: (ويحَكَ، اتَّقِ اللهَ ولا تنسبْ إلى أنبياءِ اللهِ الفواحشَ، ولا تتأوَّلْ كتابَ اللهِ برأيكَ).

وتابعَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): (والإقرارُ بما جَاءَ بهِ من عندِ اللهِ).

توضيح: جاءَ رسولُ اللهِ (ص) بالكتابِ الذي لا ريبَ فيهِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن الـمُنكَرِ، وهُم شكُّوا بهذا الكتابِ وتَخَلَّفوا عنه، لقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا)، فهو القانونُ الحاكمُ والدُّستورُ النَّاظِمُ والصِّدِّيقُ الأكبرُ والفاروقُ الأعظمُ بينَ الحقِّ والباطلِ، ونَرَاهُم نَهَوا عن المعروفِ وهو أميرُ المؤمنينَ (م)، وأمَروا بالـمُنكَرِ وهم أعداؤُهُ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) حينَ سُئِلَ: ما الأمرُ بالمعروفِ؟ فقال (ع): (المعروفُ أميرُ المؤمنينَ علي)، قيلَ: فمَا الـمُنكَرُ؟ قالَ (ع): (اللَّذانِ ظَلَماهُ حَقَّهُ). ولقدَ وقعَ فيهم قوله تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)، فأبَاحُوا قتلَ العلويُّةِ النُّصيريَّةِ الـمُوَحِّدَةِ.

وتابع الإمامُ الصَّادقُ (ع): (والولايةُ التي أمرَ اللهُ عزَّ وَجَلَّ بها رسولَهُ).

توضيح: فأينَ هؤلاءِ من ولايَةِ أميرِ المؤمنينَ (م) حينَ أمرَ اللهُ رسولَهُ (ص) تَبليغَها في حجَّةِ الوداعِ فقالَ تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، فقد أنكرُوها وتولَّوا عنها.

فقيلَ للإمامِ الصَّادقِ (ع): هل في الولايةِ فَضلٌ تُعرَفُ بهِ؟ قال (ع): نَعَمْ، قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، وقال رسولُ اللهِ (ص): (مَن مَاتَ لا يَعرِفُ إمامَ زمانِهِ ماتَ مِيتَةً جاهليَّةً)، وكان رسولُ اللهِ (ص) وكان الإمامُ علي (م). فقال الآخرونَ: كان مُعاويةُ!!
وتابع الإمامُ (ع): ثم كانَ الحسنُ (ع) ثم كانَ الحُسَينُ (ع). فقالَ الآخرونَ: يزيدُ بن معاويةَ والحُسينُ ولا سواءَ.

توضيح: لقد وضَّحَ اللهُ أنَّ الولايةَ للهِ ورسولِهِ وأولي الأمر، فأشرَكَ هؤلاء بدليلِ قولِهِ تعالى: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)، كما أنَّهم أشرَكوا تعاليمَ التَّلمودِ اليهوديِّ بتعاليمِ القرآنِ الكريمِ، فإن قُلنا لهم ارجعوا إلى القرآنِ الكريمِ كَفَروا به، وإنْ دَعَاهُم شيوخُهم الوهابيُّونَ إلى تعاليمِهم التَّلمودِيَّةِ آمَنوا بها، كما فعلَ أسلافُهم حينَ رَفَضُوا قولَ رسولِ اللهِ (ص): (مَن أرادَ الحَقَّ فَليَنظُرْ إلى عَلِيٍّ، عَليٌّ مع الحَقِّ حَيثُ كانَ)، وقوله (ص): (يا عليُّ، حَربُكَ حَربي وسِلْمُكَ سِلمِي)، فكيفَ جازَ لهم أن يُوالُوا معاويةَ بن أبي سفيان لِيُضَيِّعوا فضلَ الولايةِ للإمامِ علي (م)!؟ ويَجعلوا من معاويةَ الزِّنديقَ وَلِيًّا لَهُم وهو الذي حاربَ الإمامَ علي (م) وبالتَّالي حاربَ رسولَ اللهِ (ص)؟
وكيفَ جازَ لهم أن يُسَاووا بينَ ريحانَتي رسولِ اللهِ (ص) وهما الإمامان الحسن والحسين (ع)، وبين الزِّنديقِ اللَّعينِ يزيدِ بن معاويةَ فقالُوا: (لا سواءَ) تقيَّةً ليُخْفُوا أسرارَ دينِهم في عبادَةِ يزيد التي دَانَ بها جَدُّهم الأكبرُ ابنُ تيميَّةَ (لع)!!

هذهِ هي دَعائِمُ الدِّينِ عندنا ولكنَّهم لا يَعلَمون لقوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال العاشر بعد المئة حول تحطيم جناحي النملة الشيعية

images

السُّؤالُ العاشرُ بعدَ المئةِ: هل قرأتَ كتابَ (جناحا النَّملةِ) للكاتبِ الشِّيعي (عبد الله الجعفري) الذي يتهجَّمُ فيهِ على سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ (ع)؟ وكيفَ نردُّ عليه؟

الجوابُ العاشرُ بعدَ المئةِ بإذن اللهِ:
ما زالَ دأبُ مشائخِ الفِرَقِ الأخرى هو النَّيلُ من فِرقَتِنا العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الخصيبيَّةِ التي لم يُنصِفْها التَّاريخُ ولن يُنصِفَها طالَما هناكَ إجماعٌ من مشائخِ الفِرَقِ الأخرى على تكفيرِها!!
أطَلَّ علينا في الآونةِ الأخيرةِ أحدُ مشائخِ الشِّيعةِ المِهذارِ (عبد اللهِ الجَعفري)، ليحاولَ النَّيلَ منَّا بكتابٍ مسمومٍ أسماهُ (جناحا النَّملة) فيهِ من التَّخبُّطِ والغباءِ الفكريِّ ما يكفي للتَّعبيرِ عن الحقدِ الشِّيعيِّ الدَّفينِ تجاهَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الخصيبيَّةِ التي لم تحملْ يومًا لواءَ العداءِ والتَّكفيرِ لأحدٍ.
لكنَّنا اليومَ مُلزَمونَ بالدِّفاعِ عن نَهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ لأنَّ هذا هو الجهادُ الذي أُمِرنا به في رَدِّ كيدِ الكائدينَ وحقدِ الحاقدينَ وإيضاحِ صورةِ الحقِّ لأهلِ اليقينِ، وإعلاءِ كلمتِهِ تعالى شاءَ مَن شاءَ وأبى مَن أبى.

لقد كتبتُ كثيرًا في هذا الإطارِ، ولكنَّني سأفنِّدُ افتراءاتِ هذا الكاتبِ المِهذار علينا علَّها تُبيِّنُ مدى الحقدِ الذي يحملُهُ لنا أولئكَ في صدورِهم دونَ أيِّ مُبرِّرٍ، حيثُ يتَّهمنا هذا المِهذار بما وقعَ به بنفسِهِ عندما يقولُ مُستَهزِئًا: (أنا على ثقةٍ من علمٍ وتجربةٍ أنَّ هؤلاء النُّصيريَّةِ لا يهتمُّونَ بالشَّواهدِ الصَّريحةِ لأنَّهم رَضِعوا حليبَ التَّأويلِ الفوضويِّ من اليَناعِ!! وهم يُوافقونَ على وصفِ القرآنِ بالإفكِ والأساطير!! ويزوِّرونَ الوقائعَ ويقلبونَ الحقائقَ ويحرِّفونَ الكلامَ!! ويزعمونَ أنَّ ما جرى في عهدِ الرَّسولِ والإمامِ تراجيديا وحبكةٌ تمثيليَّةٌ!! وهم يزعمونَ أنَّ النَّبيَّ مسحورٌ)!!
مَن الذي يُؤَوِّلُ بشكلٍ فوضويِّ وبدونِ شواهدَ صريحةٍ: أنتَ أم نحنُ أيُّها المأبونُ المأفونُ؟
انظرْ إلى روايتكم الـمَحبوكةِ تَمثيليًّا في كتابكم (الأصول السِّتَّةَ عشر): (إنَّ اللهَ ينزلُ في يومِ عرفةَ في أوَّلِ الزَّوالِ إلى الأرضِ على جَمَلٍ أفرَقٍ يُصَالُ بِفَخديهِ أهلَ عرفاتَ يمينًا وشمالاً!!)، وهي غيضٌ من فيَضِ افتراءاتِكم وأساطيرِكُم واشتباهاتِكم. وسأعرضُ ردًّا على كتابِكَ السَّقطِ بعضَ شَواهِدِنا الصَّريحةِ التي تُحَطِّمُ جناحَي النَّملةِ الشِّيعيَّةِ التي اخْتَلَقْتَها في مَزَاعِمِكَ الخبيثةِ الكاذبةِ:

1- يقولُ في معرضِ حديثِهِ مُستهزئًا بها: (هل يجوزُ التَّعاملُ مع التَّوحيدِ على أنَّهُ أوجُهٌ؟ وكلُّ مؤمنٍ يستطيعُ أن يختارَ الوجهَ الذي يُناسِبُ عقلَهُ)!!؟
إنَّهُ يحاولُ أن يُوهِمَ القارئَ أنَّنا لا نعتمدُ على كتابِ اللهِ ولا كلامِ أهلِ العصمةِ!! وأنَّ كلاًّ منَّا يفهمُ التَّوحيدَ كما يحلو له ويناسبُ عقلَهُ!! فما هذا الغباءُ في طَرحِ التُّهمةِ وكأنَّهُ يعيشُ في قفصِ حقدِهِ الأرعَنِ. ألم يسمعْ هذا المخبولُ أنَّ هناكَ وجوهًا عامَّةً وخاصَّةً نأخذُ بها جميعًا لقولِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع): (إنَّ كتابَ اللهِ على أربعةِ وجوهٍ: العبارةُ والإشارةُ واللَّطائفُ والحقائقُ: فالعبارةُ للعَوَامِّ والإشارةُ للخَوَاصِّ واللَّطائفُ للأولياءِ والحقائقُ للأنبياءِ).

2- يقولُ في كتابِهِ مُتَّهِمًا إيَّانا: (هناكَ عليٌّ ظاهرٌ هو علي بن أبي طالب بصفاتِهِ الجسميَّةِ المعروفةِ، وهناكَ عليٌّ باطنٌ هو اللهُ تعالى، وأنَّ عليًّا الظَّاهرَ مجرَّدُ إمامٍ واللهُ هو عليُّ الباطنُ)!!؟
ما هذا الإسفافُ الذي يَتَقَوَّلُهُ هذا المِهذار؟ يخجلُ الأولادُ الصِّغارُ أن يُفكِّروا بهذهِ الطَّريقةِ، ولا يوجدُ علويٌّ نُصيريٌّ خصيبيٌّ على وجهِ الأرضِ يقولُ هذه العباراتِ أو يعتقدُ بها أو يقسمُ ذاتَ اللهِ إلى قسمَينِ (إمامٍ وإلهٍ!!).
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
نحن ندحضُ افتراءَ هؤلاءِ المفترينَ بقولِ رسولِ اللهِ (ص): (كنتُ أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ، يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النورُ ويقدِّسُهُ قبل أن يخلقَ اللهُ آدمَ بألفِ عامٍ)، فالذَّاتُ الإلهيَّةُ لا يكمنُ بداخلِها شيءٌ ولا يخرجُ منها شيءٌ، وهذا التَّبعيضُ لا نؤمنُ به إطلاقًا امتثالاً لقولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (ليسَ في الأشياءِ بوالجٍ ولا عنها بخارجٍ) نفيًا للحلولِ والتَّبعيضِ.
فهناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ إجلالِ وتعظيمِ أميرِ المؤمنينَ الإمام علي (م) لِمَا يمتلكُهُ في وجودِهِ من الصِّفاتِ الكماليَّةِ، وبين تجسيدِ الألوهيَّةِ في جسمٍ بشريٍّ كما يلصقونَ بنا زورًا!! فمَن ذا الذي يقدر أن يبلغُ شأنَ أميرِ المؤمنين الإمام علي (م) وهو الذي قال فيه رسولُ اللهِ (ص): (عليٌّ بابُ علمي، ومبيِّنٌ لأمَّتي ما أُرسِلتُ به من بعدي، حبُّهُ إيمانٌ وبغضُهُ نفاقٌ)، كما قال له (ص): (أنت الصِّدِّيقُ الأكبرُ، وأنتَ الفاروقُ الأعظمُ الذي يفرِّقُ بين الحقِّ والباطلِ)، أفَبَعدَ هذا شكٌّ في المقامِ الرَّفيعِ لأمير المؤمنين الإمام علي (م)!؟
لكن أن نُتَّهمَ بتجسيدِ الألوهيَّةِ في جسمٍ عليٍّ البَشَريَّ فهذا منافٍ للتَّوحيدِ لأنَّنا في نهجِنا العلويِّ لَسنا معطِّلينَ نَنفي وجودَ الإلهِ، ولا مجسِّمينَ نجسِّدُ الإلهَ في جسمٍ، بل موحِّدينَ يَقينًا لقولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (مَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ وَرَجِعَ بنفي فذلكَ معطِّلٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بصورةٍ فذلك مُجسِّمٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بحيرةٍ فذلكَ مُوحِّدٌ).

3- يحاولُ هذا المِهذار أن يَنسُبَ لنا أنَّنا نسعى للتَّرويجِ لوجودِ غلوٌّ محمودٍ، لِنُبَرِّرَ- حسبَ زعمِهِ- غلوَّنا بالإمامِ عليِّ (م) ناسبًا زورًا لسيِّدنا الخصيبيِّ (ع) أنَّهُ قال: (هناكَ غلوٌّ محمودٌ ومذمومٌ)!! وهو يبرِّرُ هذا بأنَّهُ لا يمكنُ تصوُّرُ وجودُ غرورٍ محمودٍ وظلمٍ محمودٍ وفاحشةٍ محمودةٍ وعقوقٍ محمودٍ وسُحتٍ محمودٍ وشركٍ محمود!!
يبدو أنَّ حقدَهُ لم يُنقِذْهُ من الغرقِ في أوهامٍ اختلَقَها لِيَرُدَّ عليها، فهل من عاقلٍ علويٍّ نُصيريٍّ خصيبيٍّ يعتقدُ بوجودِ فاحشةٍ محمودةٍ أو عقوقٍ محمودٍ أو سُحتٍ محمودٍ أو شركٍ محمودٍ حتَّى يكونَ هناكَ غلوٌّ محمودٌ!!؟
إنَّ هذا المِهذار يحاولُ أن يُبرِّرَ الغلوَّ المحمودَ بتفسيرِهِ الواهي لقولِ مولانا الإمامِ علي (م): (هَلَكَ فيَّ رجلان: مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ) ليقولَ في تفسيرِهِ السَّخيفِ: (الغلوُّ المحمودُ هو المبالَغَةُ في حبِّ أميرِ المؤمنينَ، والمذمومُ بمعنى التأليهِ)!!
ويتَّضِحُ غلوُّ الشِّيعةِ في الإمامِ علي (م) من خلال قولِ المِهذار عبد الله الجعفري نفسِهِ: (إنَّ الإمامَ علي له قَدْرٌ، وهذا القدرُ هو حدودُ البشريَّةِ من ولادةٍ ونموٍّ وزيادةٍ ونُقصانٍ ومرضٍ وشهوةٍ وحاجةٍ للغذاءِ وحاجةٍ لإطراحِ الفَضَلاتِ ثمَّ الموتِ أخيرًا!! كلُّ هذا عَرَضَ للإمامِ حقيقةً كما يعرضُ لنا تمامًا)!!
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
كم هو غَريبٌ أن نُتَّهمَ كعلويِّينَ نُصيريِّينَ بالغُلُوِّ لإقرارِنا بما جاءَ في كتابِ اللهِ من عصمةٍ مطلقةٍ تكوينيَّةٍ للأنبياءِ والرُّسلِ، في الوقتِ الذي يَتَسابقُ فيه كثيرٌ من علماءِ الشِّيعةِ لتطبيقِ مفاهيمِ الغلوِّ الحقيقيِّ في معتقداتِهم بقصدَ حَصرَ الإمام عليٍّ (م) بالحدودِ البشريَّةِ القاصِرَةِ الضَّعيفةِ. فَمِنْ مَصَاديقِ الغلوِّ أن يجعلوا الأنبياءَ والرُّسُلَ والأئمَّةَ والبشرَ شركاءَ للهِ في كلِّ شيءٍ ثم يُفرِّطوا بهم إلى درجةِ البشريَّةِ المساويةِ لنا، وكأنَّ اللهَ تعالى حَلَّ فيهم أو اتَّحَدَ بهم لِحِينٍ ثم أعادَهم إلى بشريَّتِهم بازدواجيَّةٍ فكريَّةٍ وانفصامٍ اعتقاديٍّ غريبٍ، وهذا ما لا يمكن أن يَتَفَوَّهَ به المسلمُ العلويُّ النُّصيريُّ قطُّ..
كلُّ هذا الانحرافِ والغلوِّ الذي اتَّصفَ به كثيرٌ من أصحابِ هذه المغالاةِ جعلَهم يُمَوِّهُونَ أنفسَهم بالافتراءِ علينا وَمُحارَبَتِنا في الماضي والحاضر، لأنَّنا رَفَضْنا أن نُسايرَهم أو نُسَاوِمَهم على عقيدةِ الإسلامِ الحقَّةِ وَعِصْمَةِ الأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسُلِ (ع) فقط دونَ غيرهم.
نحنُ- كعلويِّينَ نُصيريِّينَ- لا يُمكننا أن نُقيِّمَ الإمامَ علي (م) من هذه المناظيرِ التي تسلبُهُ حقَّهُ، لأنَّنا نعتمدُ على النَّصِّ الذي كرَّمَهُ وأعطاهُ المقامَ الذي يجبُ أن نعرفَهُ فيه، فهو الوليُّ في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ). وهو الإمام المُبينُ في قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقولِهِ: (إنَّ عليًّا الإمام الذي أحصى اللهُ تباركَ وتعالى فيهِ علمَ كلِّ شيءٍ). وهو الكتابُ في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) والذي فسَّرَهُ الإمامُ الباقرُ (ع) بقولِهِ: (الكتابُ أميرُ المؤمنينَ لا شَكَّ فيهِ هدًى للمتَّقين). وهو بابُ مدينةِ العلمِ التي لا يُؤتى إليها إلاَّ من البابِ في قولِ رسولِ اللهِ (ص): (أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها). وهو ميزانُ الحقِّ الذي حدَّدُ رسولُ اللهِ (ص) بقوله: (عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ يَدورُ مَعَهُ حيثُما دارَ). وهو الذي كانَ محمَّدٌ (ص) الأقربَ إليهِ بقوله (ص): (أنا من عليٍّ وعليٌّ منِّي، وعليٌّ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بَعدي). ومع ذلكَ فلا يَســتوي مع الرَّســولِ (ص) في درجةٍ واحدةٍ أو مقامٍ واحدٍ، فـمقامُـهُ من محمَّد (ص) كمقامِ شمعون الصَّفا (م) من المسيح (ع) الذي قال له: (أنتَ الصَّخرةُ وعليكَ أَبني كَنيستي). ومَن كان بهذه الصِّفاتِ الاستثنائيَّةِ لا يمكنُ أن يكونَ مساويًا لبقيَّةِ البشرِ بل هو نورٌ لقول رسول اللهِ (ص) المُسنَدِ لسلمان الفارسي (ع) الذي قال: (سمعتُ حبيبي محمَّد يقول: كنت أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النُّورُ ويقدِّسُهُ قبلَ أن يخلقَ آدمَ بأربعةَ عشرَ ألف عامٍ، فلمَّا خلقَ آدمَ أودَعَ ذلكَ النُّورَ في صُلبِهِ، فلم يزلْ أنا وعلي في شيءٍ واحدٍ حتى افترقنا في صلبِ عبدِ المطَّلبِ، ففيَّ النُّبوَّةُ وفي عليٍّ الإمامةُ).

4- يستنكرُ علينا هذا المِهذار قولَنا بعصمةِ الأنبياءِ التَّكوينيَّةِ مُحتجًّا بقولهِ تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) قائلاً: (إنَّ هذا القولَ صريحٌ في المعصيةِ والغوايةِ الـمُستَتبَعَةِ عنها!! وإنَّ يوسفَ ليس إلاَّ رجلاً في دمِهِ هرمونُ الذُّكورَةِ كما هو شأنُ سائرِ الرِّجالِ!!)، فيا وَيحَهُ ما أقذّرَ تفكيرَهُ.
ويكفي للرَّدِّ عليهِ القولُ:
إنَّ نبيَّنا آدمَ الجليلَ المعصومَ (ع) لا يخطئُ ولا يعصي ربَّهُ وهو الذي سجدَتْ له الملائكةُ سجودَ طاعةٍ لأنَّهُ أعلى منها قَدْرًا ورتبةً، وهو المذكور في قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، وقوله: (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ). أمَّا آدمُ العاصي الذَّميمُ (لع) فهو الذي عَصَى رَبَّهُ وتَجبَّرَ وتكبَّرَ واتَّبعَ الشَّيطانَ، وهو المذكورُ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).
أمَّا فيما يتعلَّقُ بمولانا الوصيِّ يوسف (م) فاللهُ تعالى رَفَعَهُ عمَّا يقولُ الـمُغالونَ الـمُسقِطونَ لقَدْرِهِ إلى بشريَّتِهم الجسمانيَّةِ فقال تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، ولم يقلْ: رجولةً وفحولةً!! والدليل على رفعَتِهِ وولايَتِهِ التَّكوينيَّةِ قولُ نسوَةِ مصر: (حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) ليأتي هذا المِهذارُ فيزعمَ بجهلِهِ أنَّهُ رجلٌ كسائرِ الرِّجالِ!!

5- يَتوهُ هذا المِهذار في معرضِ كتابِهِ فيقعُ في شَرِّ أفكارِهِ عندما يتساءَلُ أيُّهما أسبَقُ في الوجودِ؟ فيُجيبُ نفسَهُ بقولِهِ الـمَفتونِ: (البشريَّةُ قبلَ النُّورانيَّةِ والجسدُ قبلَ الرُّوحِ!!)، مُؤَوِّلاً حسبَ رأيهِ السَّخيفِ قوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)!!
ما هذا الغباءُ الـمُستَفحِلُ في نفسِهِ الخبيثةِ؟
كيفَ يقولُ أنَّ البشريَّةَ قبلَ النُّورانيَّةِ واللهُ تعالى قد أكَّدَ وجودَ النُّورانيَّةِ- وهي عالمُ الملائكةِ- قبلَ البشرِيَّةِ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ)؟ ألم يقرأ قولَ رسولِ اللهِ (ص): (أوَّلُ ما خُلِقَ نُورِي، ثم فُتقَتْ منهُ أنوارُ أهلِ بيتي، فلم نَزَلْ نتردَّدُ في النُّورِ حتَّى وصَلْنا حجابَ العظمةِ في ثمانينَ ألفِ سنةٍ، ثم خلقَ الظِّلالَ من أنوارِنا)؟ أَلَمْ يقرأَ أنَّ رسولَ اللهِ (ص) كانَ قبلَ أن يخلقَ اللهُ آدمَ (ع) بدليلِ قوله (ص): (كنتُ أنا وعلي نورًا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ، يسبِّحُ اللهَ ذلكَ النورُ ويقدِّسُهُ قبل أن يخلقَ اللهُ آدمَ بألفِ عامٍ)؟
وكيفَ يزعمُ أنَّ الجسدَ قبلَ الرُّوحِ وقد أوضحَ تعالى أنَّ الرُّوحَ أسبقُ في قوله: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، وقوله سبحانه في سورة مريم: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)؟ ألم يقرأ قولَ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (خَلَقَ اللهُ الرُّوحَ بلا بَدَنٍ)؟ هل يُدرِكُ هذا الـمُشرِكُ الرُّوحَ كما يُدرِكُ الجسدَ مخالفًا قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)؟

6- يفتري علينا هذا المِهذار حينَ يقول: (إنَّ هؤلاء النُّصيريَّةِ يُشبهونَ الوهَّابيَّةَ في معتقداتِهم)!!
سنثبتُ بالشَّواهدِ والأدلَّةِ ما يُثبِتُ التقاءَ الشِّيعةِ مع الوهابيَّةِ في عددٍ من النَّقاطِ:
إنَّ تَجسيمَ الإلهِ عندَ ابن تيميَّة في أقوالِهِ الـمَشبوهَةِ: (إنَّ اللهَ يجلسُ على العرشِ، وقد أخلى مكانًا يَقعدُ فيه معهُ رسولُ اللهِ… إنَّ محمَّدًا يُجلِسُهُ ربُّهُ على العرشِ معهُ… إذا جلسَ اللهُ على الكرسيِّ سُمِعَ له أطيطٌ كأطيطِ الرَّحلِ الجديدِ!!)، وعندَ تلميذِهِ ابنِ القيِّمِ الجوزيَّة في قولِهِ الـمَشبوهِ: (إن اللهَ يُجْلِسُ رسولَهُ معهُ على العرشِ.. ولا تُنكِرُوا أنَّهُ قاعدٌ ولا تُنكِرُوا أنه يُقعِدُهُ!!)، يتوافقُ مع تَجسيمِ الإلهِ عندَ الشِّيعةِ في كُتُبِهم المأثورةِ، كأقوالِ ميرزا محمَّد تقي الـمَشبوهِ: (إنَّ اللهَ تعالى يَزورُ الحسينَ ويُصافِحُهُ ويقعدُ معهُ على سريرٍ… يَزورُهم الرَّبُّ تعالى ويُصافِحُهم ويَقعدونَ معه على سريرٍ واحدٍ لاتِّحَادِ حُكْمِ العبوديَّةِ مع حُكْمِ الرُّبوبيَّةِ!!)، وقولِ صدرِ الدِّين الشِّيرازي الـمَشبوهِ: (النَّارُ لا تزالُ متألِّمَةً لِمَا فيها من النَّقصِ وعدمِ الامتلاءِ حتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ قَدَمَهُ فيها، وهي إحدى تينكَ القدمَين المَذكورَتَين في الكرسيِّ!!)، وقولِ الطباطبائي الـمَشبوهِ: (إنَّ اللهَ وَضَعَ القدمَ على النَّارِ!!).
نحنُ نردُّ عليهم بقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع) الصَّريحِ بقوله: (إنَّ الغُلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، وبقولِ سيِّدنا الخصيبيِّ (ع) في مواجهةِ شُبهَةِ التَّجسيمِ: (وَلا تَجَسَّمَ في جِسمٍ أحاطَ بِهِ… جَلَّ المُهَيمِنُ عَن تَحديدِ ذي حَدَدِ)، فاللهُ تعالى لا يمكنُ أن يكونَ جسمًا لقول الإمام الصَّادق (ع): (إنَّ الجسمَ مَحدودٌ مُتَنَاهٍ، وهو مُجَسِّمُ الأجسامِ).
إلاَّ أنَّ الخلافَ الوحيدَ بين الوهابيَّةِ والشِّيعةِ هو على الرَّبِّ الذي يتوجَّهونَ إليهِ بالعبادةِ، فابنُ تيميَّةَ ومَن تَبِعَهُ من الوهَّابيَّةِ كانوا على مذهبِ الفرقةِ اليزيديَّةِ الـمُغالِيَةِ برَبِّهم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (لع) الذي أشارَ إليه ابنُ تيميَّةَ بقولِهِ المَشبوهِ: (إنَّ النَّبيَّ يذكرُ أنَّهُ رأى ربَّهُ في صورةِ شابٍّ مُوفرٍ رِجلاهُ في خضرٍ علَيه نَعْلانِ مِن ذهب على وجْهِهِ فِراشٌ مِن ذهَب).
في الوقتِ الذي خالَفَهم دُعاةُ المذهبِ الشِّيعيِّ الذينَ زَعَموا أنَّ الإمامَ الحسينَ (ع) يملكُ طَبيعَتِينِ: الأولى نورانيَّةٌ قبلَ الخلقِ عندما يَرفعونَه إلى مقامِ صاحبِ الملكوتِ الأعلى، والثَّانيةُ بشريَّةٌ بعدَ الخلقِ عندما يُخضِعونَهُ لطبيعةٍ بشـــريَّةٍ ضعيفةٍ تجعلُهُ واقعًا تحتَ الذَّبحِ كما أوقعَ النَّصــارى سيِّدنا المسيحَ (ع) تحتَ الصَّلبِ، وهذا طعنٌ بِعِصـمَتِهما، وعليهم وَقَعَ قولُ رسولِ اللهِ (ص): (ما عَرَفَ اللهَ مَن شبَّهَهُ بالخَلقِ، ولا وحَّدَهُ مَن نَسَبَ إليهِ ذنوبَ العبادِ).
ولذلكَ فإنَّنا- كعلويِّينَ نُصيريِّينَ خصيبيِّينَ- عندما نقولُ: (لَسنا فرعًا من الشِّيعةِ) لا نقصدُ أنَّنا غيرُ موالينَ للأئمَّةِ المعصومينَ (ع) كما يُحَوِّرُ كلامَنا بعضُ المِهذارينَ والـمُقَصِّرينَ، بل نقصدُ أنَّنا لسنا على المذهبِ الشِّيعيِّ الـمُبتَدَعِ، وقد فرَّق سيِّدُنا الخَصيبيُّ (ع) بيننا وبينهم فقال: (فَلَشَتَّانَ بينَ مَن عَرَفَ الحَقَّ.. ومَن كانَ جَاهِلاً بالأمورِ)، فالجاهلونَ بالأمورِ هُم الشِّيعةُ الـمُقَصِّرَةُ الذين ذكرَهُم بقوله: (وَبَاكٍ يَبكِي على رَبِّهِ.. لَسْتُ بحَمْدِ اللهِ مِن حِزْبهِ.. يَبكِي على الـمَقتولِ في كَرْبَلا.. لا خَفَّفَ الرَّحْمَنُ عن كَربِهِ.. مُعتَذِرًا من سُوءِ أفعَالِهِ.. وَعُذرُهُ أعظمُ من ذَنبِهِ).

وبالنتيجةِ: هل يكونُ المِهذار عبد الله الجعفري إلاَّ كأسلافِهِ من أمثالِ القمِّيِّ والطُّوسيِّ والكشِّيِّ والحلِّيِّ والشَّهرستاني والأشعريِّ والنَّجاشيِّ والطبريِّ والنُّوبختيِّ وابن الغضائريِّ والمفيدِ وأقرانِهَ اليومَ من أمثالِ عبد الحليمِ الغِزِّيِّ وياسر الحبيب وكمالِ الحيدريِّ وياسر العودة وعلي الكوراني العامليِّ وأحمد فوزي الـمٌلقَّبِ بالإمامي أسألُ اللهَ أن يُبرِّئنا منكم إلى يومِ القيامةِ والدِّينِ.

وفي الختامِ لا يَسَعُني إلاَّ القولُ:
عندما ينظرُ الجاهلُ إلى جوهرةٍ يستخفُّ بها لأنَّ عقلَهُ لا يحملُها، ويبدأ بانتقادِ إشعاعِها لأنَّهُ لا يستطيعُ أن يُقَدِّرَهُ فيزعمُ أنَّهُ يُحرِقُ العَينَينِ.

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الدكتور أحمد أديب أحمد

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

كتاب

لقاءات وحوارات

مع الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

  • تمهيد
  • الصراع.. والضحايا الشباب
  • الشيعة والعلوية
  • تصريح جديد عن ظاهرة المدعوين باسم (العلويون الجدد)
  • حوار شامل حول عقائد العلويين في سورية
  • لسنا فرعًا من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة
  • تفنيد ادعاءات الكاذبين حول ظهور المهدي المنتظر
  • لا فرق بين الجعفرية والنصيرية الخصيبية جوهريًا
  • التنوع المذهبي حالة طبيعية وراقية
  • شهادة الحق أساس النهج العلوي النصيري
  • المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله
  • نحن نمارس الشريعة ونعقل الحقيقة ونفي بالعقود
  • نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم
  • الخمرة عند العلوية النصيرية
  • العبادة لله لا للمدعين الربوبية؟
  • أين المفترين من علومنا التوحيدية ورياضياتنا التجريدية؟
  • لا نعتقد بالثالوث المتعدد ولا بتجسيم الألوهية
  • احذروا المواقع المشبوهة التي تدعي العلوية
  • الاستيعاب الديني والفتنة
  • الغلو هو أن تجعل الأنبياء والرسل والأئمة بشرًا خطائين
  • لا قيمة لجهادك إن كنت مجاهدًا دون أن تكون موحدًا
  • العلوية.. نهج التوحيد وميزان الحق
  • مرجعيتنا لا يمكن أن تكون مرجعية بشرية.. بل معصومة
  • التزامنا أفشل محاولات التزوير لنهجنا (العلوي)
  • أصالة العلويين في دحض شبهات التكفيريين
  • الحاجة إلى ثورة إسلامية على التاريخ الأسود والمعتقدات البالية
  • نحن ضد تربيب الأشخاص البشريين وتعظيمهم إلى درجة العصمة
  • متى يتخلصون من عبادة الأشخاص
  • تليين الحجر أسهل من إقناع الجاهلين
  • التقية الدينية بين المعتقد السري والافتراءات الوهابية
  • زيارة أضرحة الأولياء تعظيم لشعائر دين الله
  • باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر إسلام تايمز
  • دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود
  • لا تغلوا في دينكم
  • الخاتمة

interviews

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

السؤال الخامس والعشرون حول مفهوم الدولة الإسلامية

images

 

السُّؤال الخامس والعشرون: هل يؤيِّدُ العلويُّونَ مفهومَ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ على غرارِ إيران؟

 

الجواب الخامس والعشرون بإذن الله:

هناك فرقٌ بين مفهومِ الدَّولةِ والأمَّةِ، فالسُّنَّةُ سَعَوا لتحقيقِ مفهومِ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ من خلالِ تجربتين: الأولى هي حكمُ الوهابيَّةِ، والثَّانيةُ هي حكمُ الإخوانِ المسلمين، وهذه تجاربُ فاشلةٌ لأنَّها قائمةٌ على الحروبِ والدَّمِ، فهي لا تعتمدُ التَّعاليمَ الإسلاميَّةَ المحمَّديَّةَ بقدرِ ما تعتمدُ تعاليمَ ابن تيميَّةَ ومحمد بن عبدِ الوهَّاب، وتطبِّقُ مفاهيمَ دولةِ بني أميَّةَ الطَّاغيةِ على الحقِّ.

أمَّا الشِّيعةُ فقد كرَّسوا مفهومَ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ من خلالِ تجربةِ إيران ما بعدَ الثَّورةِ الإسلاميَّةِ التي قادَها الإمامُ الخمينيُّ، لكنَّها اليومَ تجربةٌ فاشلةٌ لأنَّها لم تلتزم تعاليمَهُ بعدما دخلَتْ عليها نفاقاتُ السِّياسةِ والتي كان للإصلاحيِّين دورٌ كبيرٌ فيها، فأقصِيَ الكثيرُ من تعاليمِ الإمامِ الخمينيِ في مقابلِ تمريرِ مصالحَ سياسيَّة، وكمثالٍ على ذلك نتساءَل: لو كانَ الإمامُ الخميني حاضرًا هل كانَ ليَقبلَ هذا التَّقاربَ الإيرانيَّ التُّركيَّ، أو الإيرانيَّ الأمريكيَّ!؟

أجزمُ أنَّهُ لم يكن ليحدثَ ما يحدثُ، وهذا يقعُ على عاتقِ القيادةِ الدِّينيَّةِ الحاليَّةِ في أن تصحِّحَ المسارَ لإعادةِ نجاحِ مفهومِ الدَّولةِ بعيدًا عن اجتهاداتِ أهلِ السِّياسيَّةِ، ولأنَّ هذا شبهُ مستحيلٍ بدونِ وجودِ إمامٍ معصومٍ، فإنَّ مفهومَ الدَّولة الإسلاميَّةِ مفهومٌ غير ناجحٍ ولا يمكنُ تطبيقُهُ إلاَّ على النَّموذجِ الذي طرحَهُ الفيلسوفُ العظيمُ أفلاطون في جمهوريَّتِهِ أو النَّموذجِ الذي طرحَهُ الفيلسوفُ العظيمُ الفارابي في مدينتِهِ الفاضلةِ، وهذا مستحيلُ التَّحقيقِ على الأرضِ.

نحنُ كعلويِّينَ لا نتطلَّعُ لدولةٍ إسلاميَّةٍ لأنَّها لا يمكنُ أن تنجحَ بانتفاءِ العصمةِ عن الحاكمِ لها، عدا عن أنَّ الدَّولةَ لها مفهومٌ توسُّعيٌّ تبشيريٌّ لنشرِ الدَّعوةِ على عكسِ الأمَّةِ التي تحملُ مفاهيمَ الانتماءِ والولاءِ، ولهذا رفضَ المجاهدُ الشَّيخُ صالح العلي (ق) إقامةَ دولةٍ للعلويِّين، كما لم يلجأ القائد الخالد حافظ الأسد (ق) لتحويلِ سوريَّة إلى دولةٍ علويَّةٍ كما يحاولُ أعداؤها التَّرويج، فنحنُ نؤمنُ بمفهومِ أمَّةِ الحقِّ التي ذُكرتْ في القرآنِ الكريمِ بقولِهِ تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، فالأمَّةُ جاءت بمعنى الإمام في قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وجاءَت بمعنى الجماعةِ في قولِهِ: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)، ولو كانوا قلَّةً على عكسِ مفهومِ الكثرةِ الذي تسعى له الدَّولة، فنحنُ لا نطمحُ لبناءِ دولةٍ إسلاميَّةٍ بمقدارِ ما نهدفُ لنكونَ أمَّةً صالحةً كما وصفَنا تعالى بقوله: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، ولو قلَّ عددُنا لقولِ رسولِ اللهِ (ص) لرجلٍ سألَهُ عن جماعةِ أمَّتِهِ فقال: (جماعةُ أمَّتِي أهلُ الحقِّ وإنْ قلُّوا)، وهؤلاء هم المقبولونَ لقولِ سيِّدنا شمعونَ الصَّفا وصيِّ سيِّدنا المسيح (ع): (بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ الْوُجُوهَ، بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر “إسلام تايمز”

ahmad

باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر “إسلام تايمز”
==========

دمشق (اسلام تايمز) – في ظلِّ المتناقضاتِ الكثيرةِ التي تحيطُ بمعلوماتِنا عن النُّصيريَّةِ، خاصَّةً مع بروزِ شخصيَّاتٍ دينيَّةٍ وعلمانيَّةٍ توضِّحُ أنَّهم أرقى ممَّا يُحكى عنهم بأنَّهم مجرَّدُ فرقةٍ باطنيَّةٍ لهم تعاليمٌ سريَّةٌ وطقوسٌ خاصَّةٌ يحيطُ بها الغموضُ، كان هناكَ العديدُ من الحواراتِ حولَ مجموعةٍ من عقائدِهم، وكيفَ يفكِّرون ويفسِّرون ويَتعبَّدونُ اللهَ سبحانَهُ وتعالى.

وكان لإسلام تايمز هذا الحوارُ الخاصُّ مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي أكَّدَ أنَّ النَّاسَ يجبُ أن يَقرؤوا عن العلويِّينَ كما يتحدَّثونَ عن أنفسِهم، لا كما تحدَّثَ الحاقدونَ عنهم، وأنَّ الحاقدينَ أخفوا الفضائلَ حقدًا وتزويرًا للتَّاريخِ، والخائفينَ أخفوا الفضائلَ جُبنًا وتزويرًا للتَّاريخِ، لذلكَ فإنَّهم لا يَقبلونَ من أحدٍ أن يُكفِّرَهم كعلويِّين. وهذا نصُّ الحوار:

 

إسلام تايمز: في البدايةِ دكتور أحمد، ما هو سببُ الغموضِ الكبيرِ الذي يلفُّ الفرقةَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ؟

الدكتور أحمد: الغموضُ لا يتعلَّقُ بالفرقةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ نفسِها رغمَ ارتقاءِ تعاليمِها إلى ما فوقَ أذهانِ السَّطحيِّينَ والحشويِّينَ، لكنَّ الغموضَ الذي يُعاني منه الجميعُ تجاهَنا هو أنَّهم لا يقرؤونَ، مع أنَّه يُقالُ أنَّنا أمَّةُ (اقرأ)، لكنَّ الأكثريَّةَ لا تقرأُ. واسمحُوا لي أن أبدأَ بتساؤلٍ هنا: هل يجوزُ بحكمِ العقلِ والمنطقِ والدِّينِ أن يأتيَ الوحيُ إلى الرَّسولِ الأعظمِ (الأمِّيِّ الجاهلِ وفقَ مفهومِ الجاهلينَ!!!) فترتعدَ فرائصَهُ خوفًا من جبريلَ!! ويأمرَهُ جبريلُ بقولهِ: (اقرأ) فيرفضُ النَّبيُّ المعصومُ ليقول: (ما أنا بقارئٍ)!!!؟

هذا الإسفافُ التَّاريخيُّ والتَّفسيريُّ بحقِّ النَّبيِّ الأميِّ؛ الذي أمَّ أمَّةَ الإسلامِ وقادَهم لمعرفةِ ربِّهم، ثمرتُهُ ما نجدُهُ من جهلٍ وتَقوقعٍ وتَمذهبٍ وتعصُّبٍ في مجتمعاتِنا بشكلٍ عام. فمن أهمِّ أدلَّةِ عظمِ شأنِ القراءةِ أنَّ أوَّلَ ما خاطبَ به الخالقُ العظيمُ رسولَهُ الكريمَ هو قولهُ في سورةِ العلقِ: (اقرأ)، وجاءَ عن الإمامِ محمَّد الباقرِ (ع): (إنَّها أوَّلُ سورةٍ نزلَتْ)، حيث قال (ع): (نزلَ جبريلُ على محمَّد فقالَ: يا محمَّد اقرَأ)، وهذا على حسبِ الرِّوايةِ ودليلهُ في قولِ الإمامِ محمَّد الجوَّاد (ع): (والله لقد كان رسولُ اللهِ يقرأ ويكتبُ باثنينِ وسبعينَ- أو قال: بثلاثٍ وسبعينَ لسانًا- وإنَّما سُمِّيَ الأمِّيُّ لأنَّهُ كانَ من أهلِ مكَّةَ، ومكَّةُ من أمَّهاتِ القُرَى، وذلك قوله تعالى: لِتُنْذِرَ أمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَها)، هذا وإنَّ السيّدَ محمَّد الممجَّدَ (ص) أَجَلُّ من أنْ يفتقرَ إلى القراءةِ، بل هو على سبيلِ حثِّ الغيرِ على القراءةِ التي بها يُدركُ النَّاسُ الحقيقةَ، إذ قال تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً).

 

إسلام تايمز: فما هو المطلوبُ برأيكَ من النَّاسِ حتَّى يَتَعرَّفوا على العلويِّينَ بحقيقتِهم؟

الدكتور أحمد: عليهم أن يَقرؤوا عن العلويِّينَ كما يتحدَّثُ العلويُّونَ عن أنفسِهم، لا كما تحدَّثَ الحاقدونَ عنهم، هذا إذا رَامُوا الحقيقةَ مجرَّدَةً، لأنَّ القراءةَ كفيلةٌ بأنْ تجعلَهم مع تراثِنا الصَّـافي لا عليه، فالقراءةُ سبيلُ العلمِ، والعلمُ الصَّحيحُ هو ما عرَّفهُ الإمام الصَّادقُ (ع) نقلاً عن رسولِ اللهِ بقوله (ص): (مَنْ تَعَلَّمَ للهِ وعلَّمَ للهِ دُعِيَ في ملكوتِ السَّماواتِ عَظيمًا)، وقوله (ص): (اطلبُوا العلمَ ولو بالصِّينِ)، والصِّينُ لا يقصدُ به البلدُ المعروفُ، إنَّما أرادَ به السَّفرَ في طلبِ العلمِ والصِّيانةِ لعلمِ الحقِّ وكتمانِهِ لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (لا تطرَحُوا دررَكُم قُدَّامَ الخنازيرِ لئلَّا تدوسَها بأرجلِها وتَلتفتَ فَتُمَزِّقَكُمْ)، فحفظُ السِّرِّ أمرٌ معهودٌ عند جميعِ المللِ والفقهاءِ والعلماءِ، ومِن ذلكَ ما قالَهُ ابنُ سينا لتلميذِهِ: (إنْ أذعْتَ هذا العلمَ أو أضعْتَهُ فاللهُ بيني وبينكَ، فهذا العلمُ أكثرُهُ إشارةٌ).

 

إسلام تايمز: هل يمكنُنا القولُ: أنتَ كباحثٍ علويٍّ جريءٍ خرجَ من الصَّمتِ إلى الكلامِ تعرَّضْتَ إلى معارضةٍ من قبلِ النَّاسِ على كتاباتِكَ وحواراتِكَ؟

الدكتور أحمد: لا يخلو الأمرُ من وجودِ العاقلينَ والجاهلينَ، فالعاقلونَ المطمئنَّةُ قلوبُهم تنسابُ المعرفةُ في صدورِهم كالماءِ العذبِ السَّلسالِ، فيَحيَونَ بها لقوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). ولكنْ بالمقابلِ هناكَ من الجاهلينَ مَن يرفضُ القراءةَ وينصِّبُ نفسَهُ ناقدًا لمقالةِ مَن هو أعلمُ منهُ فيُشعِلُ فتنةً، وكانَ مِن الأسلمِ لو أنَّهُ التزمَ قولَ سقراطِ الحكيم: (لو سَكَتَ مَن لا يَعلمُ لَسَقطَ الاختلافُ). وهناك مَن لا يكتبُ ولا يستطيعُ أن يكتبَ ولكنَّهُ ينتقدُ مَن يكتبُ تعطيلاً للعملِ، فلا هم يعملونَ ولا يريدونَ لأحدٍ أن يعملَ مع أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ). وهناكَ مَن يجهلُ ويتطاولُ على مَن يَعلمُ وقد قالَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): (ليسَ لمَنْ لا يعلمُ حجَّةً على مَن يعلمُ، ولا حجَّةَ للجاهلِ على العالمِ). وهناكَ مَن هو مخطئٌ ومنحرفٌ فيأتي إلى أهلِ العلمِ المستقيمينَ ليَحرِفَ مسارَهم القويمَ وفقَ اعوجاجِهِ ناسيًا قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ). وهناكَ الأكثريَّةُ الخائفونَ بسببِ جهلِهم وظنًّا منهم أنَّه لا يجوزُ الدِّفاعُ عن النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ، فإذا علَّمتَهم على قدرِ استطاعتِهم انتفضُوا وقالوا لكَ: (مَهْ، اصمُتْ هذا ليسَ مكانَ هذهِ الأحاديثِ، لا داعي لإشعالِ فتنةٍ!!!؟).

 

إسلام تايمز: ما هو إذن ردُّكَ على كلِّ هؤلاء؟

الدكتور أحمد: أقولُ لهم: لكلِّ مقامٍ مقالٌ، فما كانَ يتحدَّثُ به رسولُ اللهِ (ص) مع أميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ كان أخصَّ ممَّا يتحدَّثُ به أمامَ بقيَّةِ أصحابِهِ، وما كانَ يتحدَّثُ به أميرُ المؤمنينَ مع خواصِّ أصحابِهِ كان أرقى ممَّا يتحدَّثُ به أمامَ عامَّةِ النَّاسِ، لكنَّ خصوصيَّةَ الحديثِ الرَّاقي لم تمنَعْهُ من الحديثِ أمامَ النَّاسِ وتعليمِهم وتثقيفِهم والارتقاءِ بهم ضمنَ حدودِ تكليفِهم لقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)، وكانَ من أعظمِ التُّراثِ الفكريِّ التوحيديِّ كتابُ (نهجِ البلاغةِ) وفيه من العلومِ التَّوحيديَّةِ ما ظهرَ وبطنَ، فهل كان غيرُ جائزٍ أن نتحدَّثَ فيه؟ وكذلكَ القرآنُ الكريمُ بكلِّ ظاهرِهِ وباطنِهِ، هل هو مُحَرَّمٌ الحديثُ فيه؟ أم كلٌّ يأخذُ من القرآنِ والنَّهجِ بحسبِ استطاعتِهِ.

 

إسلام تايمز: لكن لماذا يخافُ البعضُ كما ذكرتَ؟ هل لديكم تعاليمُ سرِّيَّةٌ يخافونَ أن تبوحَ بها للنَّاسِ؟

الدكتور أحمد: للأسف إنَّ مقولةَ الخائفينَ للأسفِ تؤكِّدُ ادِّعاءَ أعدائِنا أنَّنا فرقةٌ باطنيَّةٌ لنا تعاليمُنا السِّرِّيَّةُ والتي كانت بوابةً لاتِّهامِنا بما ليسَ فينا كأن يقولوا: هؤلاء يعبدونَ البشرَ!! وهؤلاء يدَّعونَ أنَّ الوحيَ قد أخطأ ونزلَ على محمَّد بدلاً من عليٍّ!! وأنَّهم يحلِّلونَ نساءَهم وغلمانَهم…..!!

إنَّ حديثَهم بهذهِ الطَّريقةِ يؤكِّدُ نظرةَ المجتمعِ وفقَ أقوالِ الحاقدينَ، وبهذا فإنَّهم- بقصدٍ أو بدونِ قصدٍ- يضربونَنا بسيفٍ قاطعٍ يقطعونَ به أعناقَنا. لذلكَ كانت الحواراتُ والمناقشاتُ العلميَّةُ الدينيَّةُ الرَّاقيةُ تعريفًا حقيقيًّا بنا. فالخائفونَ هم قسمانِ: الأوَّلُ هم بعضُ العلويِّينَ الجاهلينَ بأمورِ دينِهم والذين يخافونَ من كشفِ جهلِهم أمامَ الآخرينَ فيفضِّلونَ الصَّمتَ، والثَّاني هم من أبناءِ المذاهبِ الأخرى الذين يخافونَ أن يشرقَ هذا النُّورُ العلويُّ السَّاطعُ فيُطفِئَ سطوتَهم وتَرَبُّعَهم على عرشِ تمثيلِ الإسلامِ، وكأنَّ الموضوعَ هو موضوعُ منافسةٍ دنيويَّةٍ على سيادةٍ أو رئاسةٍ!!

 

إسلام تايمز: ما الذي شجَّعَكَ على كسرِ حاجزِ الصَّمتِ والحديثِ في خطوةٍ جريئةٍ؟

الدكتور أحمد: الخوفُ لا يصنعُ مجدًا ولا ينصرُ حقًا، فالكلُّ يتكلَّمُ ولو كانَ على باطلٍ، فَمَا بالُ أهلِ الحقِّ صامتينَ!؟ إنَّ الصَّامتينَ كالفارغينَ الذين لا يمتلكونَ فكرًا ولا دينًا.

فلنفرضْ جَدَلاً أنَّ محاورينا نعتُوا النَّبيَّ بالجهلِ والغوايةِ والنِّسيانِ والعصيانِ!! هل نقولُ لهم: معكم حقٌّ!!؟ أيَّةُ حجَّةٍ سنقدِّمُها دليلاً على عصمةِ نبيِّ الرَّحمةِ (ص)؟ هل سنقولُ لهم: دينُنا سرِّيٌّ وتعاليمُنا خاصَّةٌ!!؟ كيف سنردُّ على وهابيٍّ يأتي إلينا بعشراتِ الأحاديثِ عن محمَّد (الشَّبِقْ جنسيًّا!!!)؟

هذا يعني أنَّ على الجميعِ أن يتصالحُوا مع أنفسِهم، فالخائفونَ أو المُنتقدونَ لا يَنتقدونَني فحسب، بل ينتقدونَ منهاجَ الأنبياءِ والمرسلينَ الذي نمتثلُ له جميعًا، كما كانَ بعضُ الخائفينَ ينتقدونَ الرَّسولَ (ص) ويقولونَ له: ما لَكَ ولِقُريشَ، دَعْهُمْ ولا تناقشْهم فلن يؤمنوا لك!! فهل خالفَ الرَّسولُ أمرَ ربِّهِ بنشرِ الرِّسالةِ واستجابَ للخائفينَ على مصالحِهم وحياتِهم آنذاكَ؟

وكما كان بعضُ الخائفينَ ينتقدونَ أميرَ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ فيقولون له: لماذا أنت ذاهبٌ لمحاربةِ معاوية؟ هل هناك داعٍ لشقِّ الصُّفوفِ يا سيِّدنا؟ فقال لهم: (إِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ والْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ واللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ. يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ ولا رِجَالَ). فهل يقالُ هكذا كلامٌ للإمامِ؟ أم أن الأوجبَ لو أنَّهُ قيلَ لمعاويةَ الذي بِفِتْنَتِهِ شقَّ الصُّفوفَ وهو الذي قال: (ما وجدْتُ طريقًا لتخريبِ الإسلامِ إلاَّ الدُّخولَ فيهِ)، فذهبَ الإمامُ لِيَرأَبَ الصَّدْعَ ويحمي ما تَبَقَّى من الأمَّةِ الإسلاميَّةِ؟

وكما كان بعضُ الخائفينَ قد انتقدوا مولانا الحسينَ (ع) فقالوا له: لا داعي لتَخرُجَ على الحاكمِ يزيد فلستَ قادرًا على الانتصارِ عليه، وسوفَ تتسبَّبُ بشقِّ الصُّفوفِ وقتلِ الأبرياءِ من أجلِ السُّلطةِ!! ألأنَّهم خائفونَ على حياتِهم تطاولوا على مولانا الحسين بدلَ أن يجاهِدُوا معه ضدَّ يزيدَ الشَّيطانِ اللاعبِ مع القرودِ والنَّاكحِ للغلمانِ والقابضِ على السُّلطةِ بالسَّيفِ، فَخَذَلُوا الإمامَ الحسينَ الذي قال: (لعنةُ اللهِ على النَّاكثينَ الذينَ ينقضونَ الأيمانَ بعدَ توكيدِها)، وبقيَ يجاهدُ مع أصحابِهِ الذين ارتَقَوا شهداءَ، ورُفع مولانا الحسينُ إلى ربِّهِ، وندمَ الخائفونَ المتخاذلونَ وسيبقونَ كذلك أبدَ الدَّهرِ نادمينَ.

إنَّ الخائفينَ دومًا كانوا يتحاملونَ على أصحابِ الأئمَّةِ وعلى سادتِنا الثِّقاةِ لأنَّهم كانوا يَذكرونَ فضائلَ أهلِ البيتِ ومعجزاتِ الإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ، بحجَّةِ أنَّ هذا سيزيدُ عداءَ المعادينَ لهم ويجعلَهم موضعَ شُبهَةٍ!! ومستقرًّا لسيوفِهم!!؟ لذلكَ انتقدوا كتابَ (الهداية الكبرى) لسيِّدنا الأجلِّ الخصيبيِّ في عصرِهِ، لأنَّه لم يَسْتَحِ من إظهارِ معاجزِ أميرِ المؤمنينَ ومناقبِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، فتحدَّثَ كيفَ رُدَّتِ الشَّمسُ للإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ، وكيف شَقَّ القمرَ، وكيف كلَّمَ الأمواتَ، وكيف أخبرَ عن الغيبيَّاتِ، فهل هذا سِرٌّ يخشاهُ الخائفونَ وهو حاصلٌ على رؤوسِ الأشهادِ ومُعلَنٌ في كتابِ الهدايةِ الكبرى وكثيرٍ من الكتبِ التَّاريخيَّةِ؟ ألم يرَ الجميعُ هذه المعجزاتِ بعيونِهم؟ أم أن رؤيَتَها كانت حكرًا على محمَّدٍ وعليٍّ وبعضِ المقرَّبين منهم؟ ألم يكن التَّبليغُ للقاصي والدَّاني في يومِ الغديرِ أثناءَ حجَّةِ الوداعِ حين قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فبلَّغَ الرَّسولُ (ص) الولايةَ لأميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ وقال: (اللهمَّ وَالِ مَن وَالاهُ وعادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَن نَصَرَهُ واخْذُلْ مَن خَذَلَهُ)؟

إنَّ الحاقدينَ أخفَوا الفضائلَ حقدًا وتزويرًا للتَّاريخِ، والخائفينَ أخفَوا الفضائلَ جُبنًا وتزويرًا للتَّاريخِ، فلماذا يساهمُ الخائفونَ دائمًا بدعمِ الحاقدينَ بدلَ دعمِ أهلِ اليقينِ؟

 

إسلام تايمز: ربَّما أنَّ مَن يعارضونَ الحديثَ يعتقدونَ أنَّك تبيحُ الأسرارَ العلويَّةَ للنَّاسِ، وهذا لا يجوزُ برأيهم لأنَّكم فرقةٌ باطنيَّةٌ كما يقالُ!! ماذا تقولُ في هذا؟

الدكتور أحمد: ليسَ الأمرُ كما يظنُّ الكثيرونَ بأنَّنا فرقةٌ باطنيَّةٌ كما شاعَ عن الفِرَقِ الباطنيَّةِ التي انتشرَتْ بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ (ع) وانحرفَتْ عن النَّهجِ الإماميِّ القويمِ، لكنَّنا نلتزمُ تعاليمَ الأئمَّةِ المعصــومينَ، وندركُ أنَّ مَن على قلوبِهم أقفالٌ لن يَكتَشِــفُوا سـرَّ اللهِ لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (سِرُّ اللهِ مبثوثٌ بين خلقِهِ لا يعرفُهُ أكثرُهم، ولو أرادَ لَعَرَّفَهُم). لكنْ هنا وجبَ أن أنوِّه إلى أنَّ السِّرِّيَّةَ لا تكونُ بالعاداتِ والتَّقاليدِ والطُّقوسِ بل هي علومٌ ربَّانيَّةٌ لا يَهِبُها اللهُ إلاَّ لأهلِها نُطقًا وفَهمًا، أمَّا مَن لم يكنْ من أهلِها فلَنْ يستطيعَ حَمْلَها لقولِ أميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ: (إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ، ولا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وأَحْلامٌ رَزِينَةٌ)، فَعَدَمُ المجاهرَةِ بالسِّرِّ واجبٌ أقامَهُ كبارُ رجالِ الدِّينِ الإسلاميِّ والمسيحيِّ والموسويِّ وكبارِ الفلاسفةِ والحكماءِ البالغينَ والعلماءِ المحقِّقينَ، وهو معنى التَّقيَّةِ التي أُمِرْنا أن نلتزمَ بها في قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إنَّ احتمالَ أمرِنا ليسَ معرفتَهُ وقبولَهُ، إنَّما احتمالُ أمرِنا هو صونُهُ وسترُهُ عمَّن ليسَ من أهلهِ)، فالتزمَ أهلُ الإيمانِ بها، وخالفَها المبذِّرونَ الذينَ قالَ تعالى فيهم: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، ولكنَّ النَّاسَ لم تُدرِكْ أن هؤلاءِ الْمُبَذِّرِينَ لم يستطيعوا أن يَبوحوا بالأسرارِ الحقيقيَّةِ لأنَّهم لم يَصِلُوا إليها كونَهم ليسُوا من أهلِها، ولكنَّهم حاولوا أن يَنشروا ما عرفوهُ وفهموهُ بمقدارِ أمخاخِهم المسطَّحَةِ المحجوبةِ عن الأمرِ العظيمِ، فَبَقِيَ الأمرُ محميًّا لقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيرُ المَاكِرِينَ). فنحنُ لَسْنا ممَّنْ يقولُ بغباءٍ: أنَّ العلويَّ مؤمنٌ، وأنَّ السُّنِّيَّ والشِّيعيَّ والمسيحيَّ كفَّارٌ!! ولا نقبلُ من أحدٍ أن يُكَفِّرَنا كعلويِّينَ، وهذا يعني أنَّ السِّرَّ ليسَ موجودًا بين أيدي العامَّةِ سواءَ كانوا من العلويِّينَ أو مِن غيرهم، بل هو إشراقاتٌ ربَّانيَّةٌ اختصَّ بها عبادَهُ المخلصينَ أصحابَ الكراماتِ والبراهينِ في أيِّ زمانٍ ومكانٍ وُجدوا، لأنَّهم دائمًا الحُجَّةُ على مَن أنكرَ والمَحَجَّةُ لِمَنْ آمنَ وصَدَّقَ كما قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ).

مصدر : اسلام تايمز