أرشيف الوسم: بسام جابر أحمد

آية التطهير

mini-logo

آية التطهير

الكاتب: بسام جابر أحمد

==============

الطَّهارةُ شرطٌ أساسيٌّ من شروطِ الإيمانِ، بدليلِ قولِهِ تعالى: (لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَّهَّرون)، وللطَّهارةِ ظاهرٌ وباطنٌ، فظاهرُها طهارةُ الجسمِ من النَّجاسةِ، وباطنُها طهارةُ النَّفسِ من الأخلاقِ الرَّديئةِ والشَّهواتِ الدَّنيئةِ والعلائقِ الدُّنيويَّةِ، وقد جَمَعَ أهلُ البيتِ (ع) الطَّهارةَ الظَّاهرةَ والباطنةَ، حيثُ أنزلَ اللهُ سبحانه وتعالى فيهم آيةَ التَّطهير خاصَّةً.

وكان رسولُ اللهِ (ص) يمرُّ ببابِ بيتِ فاطمةَ (ع)، فإذا خرجَ إلى صلاةِ الصُّبحِ يقول: (هُبُّوا للصَّلاةِ يا أهلَ البيتِ: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، وقد جاءَ أنَّ الرِّجسَ هو الشَّكُّ والشِّركُ أعاذَنا اللهُ وإياكم من الشكِّ والشِّركِ بعدَ الهُدَى واليَقينِ.

نَزَلَتْ هذه الآيةُ في أهلِ البيتِ (ع)، لا يشارِكُهُم فيها أحدٌ، ولكنَّ فئةً من المسلمينَ يُشاركونَ معهم نساءَهُ، وبعضُهم يَخصُّونَها بِهِنَّ، وقد جاءَ عن زيد بن علي زين العابدين (ع) أنَّه قال: (إنَّ قومًا جُهَّالاً من النَّاسِ يَزعمونَ أنَّه إنَّما أرادَ اللهُ بهذه الآية أزواجَ النَّبيِّ وقد كذبوا وأَثِموا، فلو عَنَى أزواجَ النَّبيِّ لقالَ: لِيُذهبَ عنكنَّ الرِّجسَ ويُطَهِّرَكُنَّ تطهيرًا)؛ أي لو خاطبَ اللهُ بها نساءَ رسول الله (ص) لأَتى بضميرِ التَّأنيثِ، ولكنَّ اللهَ أتى بضميرِ التَّذكيرِ، وخَصَّها بأصحابِ الكساءِ، حيث أدخلَ رسولُ اللهِ (ص) في بيتِ أمِّ سَلَمَة (ع) تحتَ الكساءِ عليًّا والحسنَ والحسينَ وفاطمةَ (ع) ثم قال: (اللهمَّ إنَّ لكلِّ نبيٍّ ثَقَلاً، وهؤلاءِ أهلُ بيتي وثَقَلي الذينَ وَعَدتَّني فيهم).

ووردَ عن الإمام الباقرِ (ع) قوله: (نزلَتْ آيةُ التَّطهيرِ في رسولِ اللهِ وعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين، فقالت أمُّ سَلَمَة: وأنا معهم يا رسولَ الله؟ فقالَ لها: أَبْشِري يا أمَّ سَلَمة فإنَّكِ على خيرٍ).

وقد حدَّدَ القرآنُ الكريمُ أكثرَ من مرَّةٍ مَن هم أهلُ البيتِ (ع)، وكلُّنا يعرفُ ما جاءَ في أخبارِ آيةِ المباهلةِ: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، حيثُ جاءَتْ جماعةٌ من نصارى نجران لِيُحاجُّوا النبيَّ (ص) في المسيح (ع)، فأتَوا رسولَ اللهِ وقد غَدَا مُحتَضِنًا الحسينَ، آخِذًا بيدِ الحسن، وفاطمةُ تمشي خلفَهُ، ثمَّ الإمامُ علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ، والرَّسولُ (ص) يقولُ: (إذا أنا دَعَوتُ فَأمِّنوا). فقالَ أسقفُهُم: يا معشرَ النَّصارى! إنِّي لأرى وجوهًا لو سألوا اللهَ تعالى أن يُزيلَ جبلاً من مكانه لأزالَهُ، فلا تُباهِلوا فَتَهلَكوا. فَأذعَنوا لرسولِ الله (ص) وَبَذَلوا له الجزيةَ، فقال (ص): (والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لو باهَلوا لَمُسِخوا قِرَدةً وخنازيرَ، ولاضْطَّرَمَ عليهم الوادي نارًا، ولاسْتَأْصَلَ اللهُ نجرانَ وأهلَهُ)، وجاءَ في تفسير الآيةِ عن جابرَ (ع): (أنفسَنا رسولُ اللهِ وعلي، وأبناءَنا الحسن والحسين، ونساءَنا فاطمة).

كما قالَ الإمام الرِّضا (ع): (إنَّ اللهَ أعطى محمَّدًا وآلَ محمَّدٍ فضلاً، إنَّ اللهَ لم يُسَلِّمْ على آلِ أحدٍ من الأنبياءِ)، فقال تعالى: (سلامٌ على نوحٍ في العالمين)، وقال: (سلامٌ على إبراهيم) ولم يقل: سلامٌ على آلِ إبراهيم، وقال: (سلامٌ على إل ياسين) يعني آل محمد، لقولِ الإمام الصادق (ع): (ياسين محمَّد، وإل ياسين آلُ محمَّد).

 

الروح والنفس والجسم

mini-logo

الروح والنفس والجسم
بقلم الكاتب: بسام جابر أحمد

إنَّ مسألةَ الرُّوحِ والنَّفسِ والجسمِ لم تَحْظَ بسعادةِ الصِّيانةِ عن الأيدي العابثةِ، ونكادُ لا نَعثرُ على إنسانٍ لا رأيَ لَهُ في هذه المسألةِ، وهذا لم يكنْ مجرَّدَ مصادفةٍ، بل هو أمرٌ يَنتهي إلى سببٍ عقائديٍّ.
إنَّ مسألةَ الرُّوحِ والنَّفسِ والجسمِ من المسائلِ التي يَتَعرَّضُ لها كلُّ إنسانٍ، وهي أنَّ الرُّوحَ موجودٌ مَرمُوزٌ غيرُ مَرئِيٍّ، ولِغَايَةٍ ما احْتَجَبَ تحتَ سِتَارِ الجسمِ، وَوُضِعَ على وَجهِها سِتَارُ الجسمِ، وليسَ الجسمُ سوى سِتَارٍ ظاهريٍّ، لكنَّ النَّفسَ هي التي تَقومُ بِتَصرُّفاتٍ ونشاطاتٍ من وراءِ هذا السِّتَارِ الخارجيِّ.
فالنَّفسُ مَسْكَنُ المِحَنِ والبَلايا، والرُّوحُ مَلِكٌ والجسم هو القَصْرُ المَلَكِيُّ، وقد يَهْتَمُ هذا الخيالُ بالقَصْرِ اهتمامًا بَالِغًا بينما يَتْرُكُ الرُّوحَ بدونِ اهتمامٍ، وقد نُقِلَ عن الفيلسوفِ العظيمِ أفلاطون في نظريَّتِهِ قولُهُ: (إنَّ الرُّوحَ جَوهرٌ قَديمٌ موجودٌ قبلَ وجودِ الجسم، يَنزِلُ عن مَقَامِهِ الشَّامِخِ ويَلِجُ في الجسم).
هذهِ هي الفكرةُ القائلةُ بانفصالِ الرُّوحِ عن الجسم جَوهَرِيًّا، وأنَّ علاقةَ أحدِهِما بالآخرِ اعتباريَّةٌ وعَرَضِيَّةٌ، كالَّراكِبِ وما يَركَبُهُ، وتوجدُ بينهما علاقةٌ جوهريَّةٌ وطبيعيَّةٌ تُوَحِّدُهُما في إطارِ جَوهَرٍ مُوَحَّدٍ.
كما جاءَ المعلِّمُ الأوَّلُ أرسططاليس بعدَ الفيلسوفِ العظيمِ أفلاطون بنفسِ نظريَّتِهِ هذهِ تجاهَ الرُّوحِ، فقالَ بانفِصَالِ الشُّؤونِ الرُّوحيَّةِ عن الشُّؤونِ الجسميَّةِ رغمَ وحدةِ الجسمِ والرُّوحِ.
إنَّ المعلِّمَ الأوَّلَ أرسططاليس تَوَجَّهَ إلى إثباتِ الوحدةِ بينَ الرُّوحِ والجسمِ، وعلى هذا بَنَى نظريَّتَهُ المعروفةَ: الصُّورة والمادَّة، بينما الفيلسوفُ العظيمُ أفلاطون قد تَبَنَّى الإثنينيَّةَ والانفصالَ بينهما.
فالمعلِّمُ الأوَّلُ أرسططاليس يَرَى أنَّ العلاقةَ بين الرُّوحِ والجسمِ علاقةُ صورةٍ ومادَّةٍ، فنظريَّةُ الصُّورةِ والمادَّةِ التي أوجَدَها المعلِّمُ الأوَّلُ أرسططاليس نفسُهُ هي أنَّ القوَّةَ العاقلةَ لِكَونِها قوَّةٌ مُجَرَّدَةٌ- صورةٌ- تكونُ مع المادَّةِ لا في المادَّةِ.
إنَّ فلسفةَ المعلِّمِ الأوَّلِ أرسططاليس تَرَى أنَّ الرُّوحَ حَادِثَةٌ، وهي في بدايةِ الأمرِ قوَّةٌ بِحَقٍّ، وتقومُ الرُّوحُ بإيصالِ معلوماتِها من القوَّةِ إلى الفعلِ، أمَّا الاثنينيَّةُ والانفصالُ بينَ الرُّوحِ والجسمِ فَتُوجَدُ في فلسفةِ الفيلسوفِ العظيمِ أفلاطون، ومع ذلكَ فإنَّ هناكَ وِئَامًا واقعيًّا جوهريًّا بين الفلسفتين، تُبيِّنُهُ العلاقةُ الطَّبيعيَّةُ بين الرُّوحِ والجسمِ.
فهناكَ اختلافٌ ومُبَايَنَةٌ بين الرُّوحِ والجسمِ، ولكنَّ هناكَ رابطًا بينهما، فهذانِ المَوجودان المُتَغايرانِ قد وَصَلا إلى ذُروَةِ التَّباينِ ولكنَّهما تَحَقَّقَا في مَوجودٍ مُوَحَّدٍ، ومن هنا تأتي النَّفسِ لتكونَ من الأمورِ الفعليَّةِ، ولتُوضِّحَ العلاقةَ بين الرُّوحِ والجسمِ.
إنَّ البحثَ عن هذهِ المسألةِ خارجٌ عن نطاقِ البشرِ، فالبحثُ في حقيقةِ النَّفسِ والعلاقةِ بينها وبينَ الجسم، لم يصلْ إلى مرحلةٍ حاسمةٍ لِحَدِّ الآنِ، إلاَّ أنَّ الجهدَ المبذولَ في هذهِ المسألةِ من جَميعِ جِهَاتِها، وبالأخصِّ من جهةِ علمِ النَّفسِ والفيزيولوجيا وعلمِ الحياةِ، قد أسفرَ عن نتائجَ مُدهِشَةٍ وعظيمةٍ بالنِّسبةِ للعلاقةِ بينَ الرُّوحِ والجسمِ وماهيَّةِ الرُّوحِ، لا يمكنُ فَهمُها إلاَّ بالعروجِ لمفهومِ النَّفس الذي أوضحَهُ الإسلامُ وفلاسفتُهُ العظماء من العلويِّين.
فقد وردَ في فلسَفَتهم أنَّ العقولَ الفعّالةَ هي كلماتُ الله العُليا، والنّفوسَ المُدبِّرةَ هي كلماتُهُ الوُسطى، والنّفوسَ البشريّةَ هي كلماتهُ الدّنيا، وقد قالَ رسولُ اللهِ (ص): (أعوذُ بكلماتِ اللهِ التّامّاتِ من شرِّ ما خلقَ وذرأَ وبَرأَ) إشارةً إلى العقولِ الفَعَّالَةِ الكاملةِ التَّامَّةِ لا إلى النُّفوسِ والأجرَامِ.
ولنتساءَلَ قليلاً حولَ نشأةِ النَّفسِ، هذه المُعضلةُ التي أربَكَتْ جميعَ النَّاسِ، ولكنْ إذا كانَ الإنسانُ منذُ البدءِ قد سعَى لِوَعي وجودِهِ ومعرفةِ الحقيقةِ التي تُنظِّمُ هذا الوجودَ، وكانت معرفةُ النَّفسِ علَّةَ الوجودِ الإنسانيِّ على كوكبِ الأرضِ، أفلا تكونُ غايةَ هذا الوجودِ والقصدَ منهُ أيضًا، وقد قال أميرُ المؤمنين الإمام علي علينا من ذكره السَّلامُ: (معرفةُ النَّفسِ أنفعُ المَعَارِفِ)؟
إنَّ حكمةَ اللهِ في خلقِ الرُّوحِ سرٌّ غامضٌ، فلا سبيلَ إلى الوقوفِ على حقيقتِها والوصولِ إلى معرفةِ كُنهِها. ولكنَّ لقضيَّةِ الإيجادِ حكمتانِ تَخُصَّانِ الخلقَ فَحَسْب: الأولى: هي نِعمةُ الوجودِ؛ أي نقلُ الخلقِ من حالةِ اللَّاوجوِد أو العدمِ إلى حالةِ الوجودِ. والثَّانيةُ: هي نِعمةُ المعرفةِ؛ أي أنَّ اللهَ خلقَ الخلقَ ليُكرِّمَهم بمعرفةِ تجلّياتهِ سبحانه وتعالى.
فَمَا أكملَ الإنسانَ لو عَرفَ قدرَ نفسِهِ ومَلَكَ أمرَهُ وكَتَمَ سِرَّهُ ولم يتعدَّ طَورَهُ، ولَزِمَ مركزيَّةَ حقيقةِ الاعتدالِ، وتَحَقَّقَ بحقيقةِ الإطلاقِ في الجمعِ والكمالِ، فالخيرُ والشّرُّ حقيقةً راجعانِ إلى وجودِ الخلقِ كما قال تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ).
وقد حصلَ الاختلافُ في معرفةِ أوَّلِ ما يلزمُ الإنسانَ، فقومٌ قالوا: (أوَّلُ ما يَلزَمُ الإنسانَ مَعرفَةُ نَفسِهِ)، وقومٌ قالوا: (أوَّلُ ما يَلزمُ الإنسانَ معرفةُ رَبِّهِ)، مع أنَّهُ ليسَ بين القولَين مُنافاةٌ، لأنَّهم عَنَوا بالأوَّلِ من حيثُ التَّرتيبُ، وبالثَّاني من حيثُ الشَّرفُ والفَضلُ، فمعرفةُ اللهِ جلَّ جلالُهُ أعظمُ الأشياءِ وأجلُّ العلومِ وألطَفُها، وقد قالَ الحكماءُ: (مَن عَرفَ نفسَهُ تَأَلَّهَ)، فالتّوحيدُ يُحقِّقُ أنَّ اللهَ مُبْدِعُ الأحدِ وخالقُ الواحِدِ، فالأحَدُ حَدٌّ من حُدُودِهِ، والواحدُ عَبْدٌ من عَبيدِهِ.
إنَّ معرفةَ النَّفسِ إمَّا مُساويةٌ لمعرفةِ الرّبِّ أو أنَّها مقدِّمةٌ لها بنحوٍ تكون متِّصَلةً، فَمَا لم يَصِلِ الإنسانُ إلى مقامِ معرفةِ النَّفسِ لا يمكنُ أن يَصِلَ إلى مقامِ مَعرفةِ الرَّبِّ الذي هو من مقاماتِ التَّوحيدِ في الرُّبوبيَّةِ.
فمعرفةُ الرَّبِّ مبنيَّةٌ على أساسِ معرفةِ النَّفسِ، ولكنَّ معرفةَ النَّفسِ ليست بهذه السُّهولةِ، والنَّفسُ الإنسانيَّةُ لها مراتبُ لا حَدَّ لها ولا عَدَّ في عالمِ السُّلوكِ.
وقد وردَ عن أميرِ المؤمنين الإمام علي علينا من ذكره السَّلامُ: (المعرفةُ بالنَّفسِ أنفعُ الـمَعْرِفَتَين)، فالـمُرَادُ بالـمَعْرِفَتَين: المعرفةُ بالآياتِ الأنفسيَّةِ والمعرفةُ بالآياتِ الآفاقيَّةِ في قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، وقوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، فالسَّيرُ الأنفُسِيُّ بعدَ السَّيرِ الآفَاقِيِّ، فَمَعرفةُ الآياتِ مُوصِلَةٌ إلى معرفةِ اللهِ، أي أنَّهُ للرِّوايَةِ معنًى آخرَ مُسْتَخْرَجٌ من نتائجِ الأبحاثِ الحقيقيَّةِ في علمِ النَّفسِ، وهو أنَّ النَّظرَ في الآياتِ الآفاقيَّةِ والمعرفةَ الحاصلةَ في ذلكَ نَظَرٌ فِكْرِيٌّ وعِلْمٌ حُصُوليٌّ، أي أنَّ المعرفةَ الـمُتَجِلِّيَةَ هي نَظَرٌ شُهُوديٌّ وَرُؤيةٌ حُضُوريَّةٌ.
ولكنَّ معرفةَ النَّفسِ تَتَحصَّلُ حينَ الوصولِ إلى مقامِ النَّفسِ الـمُطمَئِنَّةِ، وهي قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) وفي هذا المقامِ يأتي قولُ الرَّسولِ (ص): (أعرفُكُم بنفسِهِ أعرفُكُم بربِّهِ).

براءة سلمان الفارسي

mini-logo

براءة سلمان الفارسي

بقلم الكاتب: بسام جابر أحمد

منذُ أيَّام وقعَ بين يديَّ مقالٌ يؤذي المشاعرَ لِمَا فيهِ من التَّزويرِ والقوميَّةِ العرجاء التي يفكِّرُ بها البعض، وهو بعنوان: “خيانة سلمان الفارسي”!!

وفحوى المقال أنَّ “حشدًا من المتظاهرينَ الإيرانيِّينَ المحتجِّينَ على تدهورِ الأوضاعِ الاقتصاديَّةِ في إيران، أضرمَ النَّارَ في تمثالِ الفارسيِّ. وانتقدَ بعضُ النَّاشطينَ بشدَّةٍ دورَ الفارسيَّ في تاريخِ إيرانَ، معتبرينَ أنَّه خانَ الفرسَ باتِّباعِهِ الإسلامَ قبل 14 قرنا”!!

هناكَ من يستثمرُ النَّزعاتِ القوميَّةَ والعرقيَّةَ لتشويهِ التَّاريخِ وإحداثِ الفوضى، وهذا أمرٌ لا يمكنُ السُّكوتُ عنه، لأنَّ السُّكوتَ عنه يعني مساهمةً وقبولاً فيه، فلماذا لم تتَّخذِ السُّلطاتُ الدِّينيَّةُ والسِّياسيَّةُ موقفًا في مواجهةِ هذا الحدثِ، الذي لا يخصُّ الشِّيعةَ أو غيرهم، بقدرِ ما يخصُّ الإسلامَ عمومًا لأنَّ سيِّدنا سلمان الفارسي (ع) يُعتَبرُ عمودًا راسخًا من أعمدة الإسلامِ والإنسانيَّةِ جمعاء، رغمًا عن أنوفِ كلِّ الحاسدينَ له، وهو لا يخصُّ الفرسَ وحدَهم بقدرِ ما يخصُّ الإسلامَ والإنسانيَّةَ جمعاء.

حيث وردَ في الرِّواياتِ الصَّادقةِ أنَّ سيِّدنا سلمانَ دخلَ يومًا مجلسَ رسولِ اللهِ (ص)، فإذا هو غاصٌّ بوجوهِ الجُلَساء من قريشَ، فَتَخطَّاهم جميعًا وقعدَ في صدرِ المجلسِ، وتحرَّكتْ الغطرسةُ القريشيَّةُ في النُّفوس، فإذا بعضُهم يقول له: مَن أنتَ حتَّى تتخطَّانا؟ ويقولُ آخر: ما حَسَبُكَ وما نَسَبُكَ؟

فَعَلَتِ الابتسامةُ الطَّريَّةُ بالوداعةِ ثغرَ سلمانَ وقالَ بأناةٍ: (أنا ابنُ الإسلامِ، كنتُ عبدًا فأعتَقَنِي اللهُ بمحمَّدٍ، وَوَضيعًا فَرَفَعَنِي اللهُ بمحمَّدٍ، وفقيرًا فأغناني اللهُ بمحمَّدٍ، فهذا حَسَبِي وهذا نَسَبِي)، فقال سيِّدنا محمَّد (ص): (صَدَقَ سلمانُ، صَدَقَ سلمانُ، صَدَقَ سلمانُ، مَن أرادَ أن ينظرَ إلى رجلٍ نُوِّرَ قلبُهُ بالإيمانِ فَلْيَنظرْ إلى سلمان).

فهذا سيِّدنا سلمان الفارسيُّ الذي لا يمكننا أن نسمحَ لأحدٍ أن يتجرَّأ عليه متمثِّلينَ بدفاعِ نبيِّ الرَّحمةِ عنه، ويكفيه قوله (ص): (أنا سابقُ العربِ إلى الجنَّةِ، وسلمانُ سابقُ الفرسِ إلى الجنَّةِ.. إنَّ الجنَّة لأكثرُ شوقًا إلى سلمانَ من سلمانَ إلى الجنَّةِ، وإنَّ الجنَّةَ لأكثرُ عشقًا لسلمانَ من سلمانَ إلى الجنَّةِ)، وهو الموسومُ بالمحمَّديِّ لقول الإمام الباقر (ع): (قولوا: سلمان المحمَّدي، ذلكَ رجلٌ منَّا أهل البيتِ).

ولكلِّ هذهِ القيمِ والرِّفعةِ التي يتَّصفُ بها كانَ يليقُ به وصفُ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي علينا من ذكرِهِ السّلامُ بقولِهِ: (ذلكَ امرؤٌ منَّا أهل البيتِ، مَن لكم بمثلِ لقمانَ الحكيم، عَلِمَ العلمَ الأوَّلَ والعلمَ الآخرَ، وقرأ الكتابَ الأوَّلَ والكتابَ الآخرَ، وكان بحرًا لا يَنزِفُ).

ومَن كان بهذهِ المنزلةِ لابدَّ أن يعرفَ أنَّ أقوامًا من أصحابِ القوميَّات سيحاولون النَّيلَ من استقامَتِهِ فَرَدَّ عليهم بقوله وكفاهُ ردًّا: (إنَّ النَّسَبَ لا يقدِّسُ أحدًا، إنَّما يقدِّسُ الإنسانَ عملُهُ).

الشر وعلاقته بالسحر والشعوذة

mini-logo

الشر وعلاقته بالسحر والشعوذة

الكاتب: بسام جابر أحمد
==============

بالرَّغم مِن أنَّها مسألةٌ ليسَتْ بحاجةٍ إلى إقامةِ الدَّليلِ على صِحَّتِها وَضرورَتها، إلا أنَّنا نُضطرُّ إلى التَّحدُّثِ عنها في هذا الزَّمنِ الذي خُلِطَتْ فيه معاني التَّبرُّكِ بكراماتِ المتَّقينَ مع السِّحرِ والشَّعوذةِ لأتباعِ الشَّياطينِ.

لابد قبل البدء بهذا الموضوع من التعريج على ازدياد السِّحرِ والشَّعوذةِ من خلال السيطرة على عقول البسطاء والعامة من الناس، بعدَ أن كانت مقتصرةً على ساحرٍ في منطقة، ودجالٍ في أخرى، وأصبحَ الناسُ مهووسونَ بالحاج فلان على محطة أولى، والشيخ فلان في منطقة ثانية، وذاك الذي شفي من مرضٍ مستعصٍ بالعلاج الفلاني في منطقة ثالثة، فيقولون: هذا يعالجُ بالعسل والقرآن، وهذا صدقت نبوءته، وذاكَ يعرفُ الغيبَ ويكشف المستور، فسبحانَ اللهِ! كأنَّ هؤلاءِ يريدونَ أن يثبتوا الحجةَ على السَّادة المؤمنين المكرَّمين من قبل الله سبحانه تعالى.

وأستغربُ كلَّ الغرابةِ من هذا الذي ادعى المكاشفة أمام البسطاء، وبدأ يغمضُ عينيه ليبحرَ في عالم الغيب ويقولَ لهذا الإنسان البسيط الغافل: (ابنتكَ متعبةٌ منذ سنوات، ومنذ أن كانت في بطنِ أمها، وهذا بسبب كتابة على عظم حيوان موجودٍ في بئر على سبيل المثال، فاجمع كذا وكذا واقرأ كذا وكذا فتشفى).

هذه هي لعبة الدعاية القذرة عند المحتالين، والتي تهدف إلى تسطيحِ الفكرِ، وتهميش درجةِ الوعي إلى حد كبير، ونذكِّرُ هؤلاء بقوله تعالى: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ).

من هذا المنطلق وجبَ علينا أن نعيَ مزاعمَ وأكاذيبَ وحيلَ أهلِ السحر والشعوذة.

إنَّ أثرَ السحرِ والشَّعوذةِ بَيِّنٌ في البلادِ التي يَكْثُرُ فيها ضُعَفَاءُ العقولِ المُنْهَمِكُونَ في المَعَاصِي، لأنَّ النفوس الكافرة تتحرك بجهلها، كما تتحرَّكُ النفوسُ المؤمنة بعقلها، ومحالٌ في منطق العقل أن يكون الله قد أبدعَ شرًّا محضًا، لكنَّ عدمَ قبولِ الخيرِ الإلهيِّ أدَّى لوجودِ الشَّرِّ.

والشَّرُّ وجودٌ طارئٌ وليدُ الخطيئةِ، والخطيئةُ وليدةُ الجهلِ، وقد وردَ عن الإمام الصادقِ (ع) قوله: (إنَّ إبليسَ هو الجهل، ومنه خُلِقَ الشكُّ والحيرةُ والمعصيةُ والظلمةُ، لأنَّهُ ظلمَ نفسَه، فهو بحالِه ليس فيه شيءٌ من النورِ والعلمِ، بل مظلمٌ لا يخرج عن الظلمةِ والإنكارِ والجحودِ والكفرِ، ولا يرجعُ ولا يطيعُ إلى أبد الآبدينَ ودهرِ الدّاهرينَ)، وفي موضعٍ آخرَ: (خلقَ الشكَّ من التوقُّفِ، وخلقَ النارَ من الشكِّ، وخلقَ إبليسَ وذُرِّيتَه من النارِ في الأظلّةِ والأشباحِ، وخلقَ أبدانَهم من الطينِ)، فبيّنَ الصادقُ (ع) أنَّ إبليسَ خُلِقَ من النارِ فهي عِلَّتُه، وعلَّةُ النارِ الشكُّ، وعلّةُ الشكِّ الجهلُ، بدليل قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، فاللهُ أمرَ الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى وقال: أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار تأكل الطين، فحينَ ذلكَ أخرجَهُ من رحمته، وهي نار الشكِّ والجهل والمعصية، وعلى هذا نقولُ: إنَّ إبليسَ أصلُ كلِّ شرٍّ وظُلمةٍ، وينبوعُ كلِّ شكٍّ وحيرةٍ وكفرٍ، وقد سمِّيَ إبليس لأنه أبلسَ بكفره وشرِّه وعدم فعل الخير.

والكافر يُنقَلُ إلى دركات جهنم، وذلك بعد أن يُنكِرَ جميعَ حقوق الله تعالى ويجحدها ويكفر بها، ويقيم جميع وجوه الباطل ويُقِرُّها ويَعمَلُ بها، فَيُرَكَّبُ في سائر أصناف السلسلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه بقوله: (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ)، فإذا حلَّ في كلِّ سلسلةٍ يكرُّ فيه سبعين مرة، ولا يعود أبدًا إلى أحسن تقويمِ لقول الإمام الصادق (ع): (الكافر إذا رُكِّبَ في المسوخية لا يركَّبُ في صورة الإنسانية أبدًا).

وقد وردت الآيات الكثيرة التي تؤكد تكرار عذاب الكافرين منها قوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ)، فالجلود التي يبدلها هي أنواع العذاب.

وكذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ)، وقوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ)، وهو التنقل في طبقات جهنم.

ومثله قوله تعالى: (قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً، أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) يريد الذهب والفضة والحديد والحجر الصلد والخشب اليابس والجوهر الذي يخرط.

إن الإنسان واقعٌ ما بين عالم الشياطين والجن وعالم الملائكة. فالشياطين ذكرت في كتاب الله في قوله تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، والنزغ هو الإزعاجُ وأوَّلُ الوسوسةِ، أي نَالَكَ من الشيطانِ وسوسةٌ في القلب، كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)، ومعنى تخبَّطه الشيطان أي مَسَّهُ بأذى.

وفي قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) ارتباط بقول رسول الله (ص): (لولا أنَّ الشياطين يحومونَ على قلوب بني آدم لأرادوا النَّظرَ إلى ملكوت السموات).

عدا عن أنه جاء في الإصحاح السابع عشر من إنجيل متى: جاءَ رجلٌ قد صُرِعَ ابنُهُ إلى تلاميذِ المسيحِ فلم يقدِروا أن يُشفوهُ، فأتَوا به للمسيحِ فأخرجَ منهُ الشيطانَ، فأقبلَ التلاميذُ إلى يسوع وقالوا: لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟ فقال: لعدمِ إيمانكم، فالحقَّ أقول لكم: لو كان لكم إيمانٌ مثلَ حبَّةِ خردلٍ لَكنتم تقولون لهذا الجبلِ انتقلْ من هنا إلى هناك فينتقلُ.

وقد يسمى الشيطان قريناً كما في قوله تعالى: (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا)، وقوله تعالى: (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) حيث جاء في تفسير الصافي: قرينُهُ هو الشيطانُ الموكَلُ عليه.

أما الجن فقد اختلف العلماء في أصلهم، فمنهم منا قال: الجنُّ ولدُ الجان وليسوا شياطين ويدخلون الجنة. ومنهم من قال- وهو الأصح-: مِنَ الجن المؤمنُ والكافر كما الإنس.

كما وردَ في اللغةِ: جَنَّ الشيءَ أي سَتَرَهُ، وفي الاصطلاحِ أنَّ الجن هم النفوس المفارقة للأبدان بحسب الخير والشر لذلكَ هما صنفان، وقالت بوجودهم الكتب السماوية والأنبياء، وسُمُّوا بالجنِّ من الاختفاء والمُساترة عن الأبصار، لذلك سمِّيَ الطفلُ في رحم أمه جنينًا؛ أي مُتَوَارٍ في بطنِ أمِّهِ.

وقد أوضحت فلاسفةُ العلويَّة أنَّ الصِّنفَ الأولَ منهم هم الجن المحمودون الذين أرسلَ اللهُ تعالى إليهم رسوله بالهدى ودين الحق، لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، أي (ليعرفونِ)، وهم الذين جنوا العلم واقتبسوا النور، وأما الصنف الثاني منهم فهم الجن المذمومونَ، وهم كل شيطانٍ رجيمٍ سواءَ كانَ إنسيًا أو جنيًا لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ)، فمثلما ترى شياطينَ الإنس منهمكين في معاصي الشركِ والتَّعطيلِ، ترى شياطينَ الجنِّ في أماكن الخراب والفلوات والنجاسات والحمامات والمزابل والقمامات والمقابر وشيوخٍ تقترنُ بهم الشياطينُ كالذينَ ذكرناهم في بدايةِ الحديثِ وأمثالهم من الذين ذكرهم تعالى بقوله: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ).

وعلى هذا فالسِّحْرُ من الصِّنفِ الثاني صناعةٌ وتسخيرٌ وَسُرْعَةٌ وَخِفَّةٌ، لأنَّهُ تَخييلٌ وتَضْليلٌ وليسَ لَهُ وَاقِعٌ وَحَقيقةٌ، وهو فِعْلٌ يُؤَثِّرُ في عَالَمِ الطَّبْعِ تأثيرًا خارجيًا بِسَبَبِ القوَى الطّبيعيَّةِ، وهو مُسْتَمَدٌّ من الجنِّ المذمومِ والأرواحِ الخبيثةِ. ومن أساليبه المرفوضةِ قرآنيًا الاستحضارُ والتَّنْجِيمُ والكَهَانَةُ والحيلَةُ، وَكُلُّهُمْ خِداعٌ وَتَمْويهٌ لا حقيقةَ لَهَا، فالاستِحْضَارُ هو تَلْبيسُ الرُّوحِ بِبَدَنِ صَبِيٍّ أو امرأةٍ وَكَشْفِ الغَائِبِ على لِسَانِهِ، كما يحصلُ هذه الأيام بحجة كشف سرقة معينة أو البحث عن غرض ضائع أو ما شابه ذلك، أما الكَهَانَةُ فهي علمُ الشيطان، وهي عَمَلٌ يوجِبُ طاعَةَ القرينِ لَهُ لِيَأتوهُ بالأخبارِ، وتَحْدُثُ في وجوهٍ عِدَّةٍ لا داعي لذكرها بالتفصيل.

واللهُ بَعَثَ إبراهيمَ وَمُوسَى وبقية الأنبياءِ والرسلِ مُبْطِلاً لِمقَالَتِهمِ بدليل قول الإمام الصادق (ع): (كَثُرَت السَّحَرَةُ بَعْدَ نوحٍ فَبَعَثَ الله مَلَكَين لإبطالِ سِحْرِهِم ورَدِّ كَيْدِهِمْ فَتَلَقَّى النَّبيُّ إدريسُ هذا العلم منهما وأدَّاهُ إلى عبادِ الله لِيُبْطِلوا السِّحرَ ونَهَاهُم أن يَسْحَروا بِهِ النَّاسَ).