أرشيف الوسم: بهجت سليمان

حكاية طواقي اليهود بين حافظ الأسد وهنري كيسنجر

501

حكاية طواقي اليهود بين حافظ الأسد وهنري كيسنجر

بقلم: د. بهجت سليمان

  • بَعْدَ انتهاء حرب تشرين عام 1973 ، وإيقاف ” أنور السادات ” للحرب مع ” إسرائيل ” دون التنسيق مع سورية .. استمرّ الجيش السوري بحرب استنزافيّة مع الإسرائيليين ..

  • وبَعْدَ اتفاق وزير الخارجية الأميركي الشهير ” هنري كيسنجر ” مع ” السادات ” على ” فَصْلِ القوّات ” على الجبهة المصرية ..

  • قام ” كيسنجر بعشرات الزيارات إلى دمشق والتقى الرئيس ” حافظ الأسد ” من أجل القيام بفصل قوات على الجبهة السورية مُشابِهٍ لما جرى على الجبهة المصرية ..

  • وكان موقفُ الرئيس الأسد مُنْطَلِقاً من ضرورة انسحاب القوّات الإسرائيلية المحتلّة من كامل ” الجيب ” الذي تمكنت القوات الإسرائيلية من احتلاله ، بَعْدَ غدر السادات بسورية ، وتَوَقُّفِهِ عن القيام بأيّ نشاط ميداني ، منذ عبور الجيش المصري لقناة السويس في اليوم الأوّل للحرب ، ولمدّة أسبوعٍ كامل ، تَفَرَّغت فيه ” إسرائيل ” للجبهة السورية ، ممّا أمّن لها الفرصة المناسبة لتحقيق خروقات على الجانب السوري . .

  • وكانت مفاوَضاتُ ” كيسنجر ” مع ” الأسد ” شاقّةً ومُضْنِيةً له ، بإعْترافه ، لِأنّ الأسد رفَضَ القيام بِأيّ عملية فصل للقوّات ، إلاّ بانسحاب ” إسرائيل ” من كامل الجيب المحتلّ حينئذ ، وكذلك الإنسحاب من مدينة ” القنيطرة ” المحتلّة عام ” 1967 ” كأساسٍ وشَرْطٍ ل فصل القوّات .. وكان ذلك يستدعي انسحاب القوات الإسرائيلية لمسافة ” 16 ” ستّة عشر كيلو متر .

  • وبَعْدَ أكثر من دزينتين من لقاءات ل ” كيسنجر ” مع رئيسة الحكومة الصهيونية حِينَئِذٍ ” غولدا مائير ” التي قالت لكيسنجر : من الواضح أنَّ حافظ الأسد ، لن يقبل بأيّ فصل للقوات ، إلاّ إذا انسحَبْنا مسافة ” 16 ” كيلو متر ” ولذلك لا بُدّ لنا من الإنسحاب ..

  • وطار ” كيسنجر ” إلى دمشق ، ليلتقي مع الرئيس الأسد ، من إجل إبْلاغه بموافقة ” غولدا مائير ” على الإنسحاب ..

  • ويقول كيسنجر : لقد فَكَّرْتُ وأنا في طريقي إلى دمشق ، بأنْ أُبْلِغَ الرئيس الأسد ، بِأنّ ” غولدا مائير ” وافقت على الإنسحاب لمسافة ” 8 ” ثمانية كيلو متر ، لكي أحتفظ لنفسي ب المناورة مع ” الأسد ” الذي أتْعَبَني وأرْهَقَني ، قَبْلٓ إعلامه بالموافقة على ال ” 16 ” كيلومتر ..
    وهذا ما حصل فِعْلاً ، حيث قال كيسنجر للأسد : لك عندي خَبَرٌ طَيِّب ، فقد وافقت غولدا مائير على الإنسحاب لمسافة ” 8 ” كيلو متر ..

وإذا بالرئيس الأسد ينتفض غَضَباً ويقول لكيسنجر :

( أبداً ، هي وافَقَتْ على ” 16 ” كم )

ويقول كيسنجر : فَأُصِبْتُ بالذّهول ، إِذْ كيف لحافظ الأسد أن يعرف بأنها وافقت فِعْلاً؟ .. وكان لا بُدّ لي أَنْ أعترف بذلك ، لِأنّه صحيح .. وجرى بعدئذٍ فصل القوّات على الجبهة السورية .

  • ويقول كيسنجر ، بِأنّه رُغْمَ مضيّ سنوات طويلة على تلك الحادثة ، بقيَ يتساءل بينه وبين نفسه ، كيف لحافظ الأسد أن يعرف ما لم يسمعه إلاّ هو ومائير فقط !! .

  • وبَعْدَ ذلك بحوالي خمسة عشر عاماً في عام ” 1988 ” ، كان كيسنجر ، خارج السلطة ، وقام بجولة التقى فيها حسني مبارك والملك حسين ، ثم زار دمشق ، والتقى بالرئيس حافظ الأسد ، وقال لِنَفْسِهِ : أنّها الفرصة المناسِبة لكي أسأل الرئيس الأسد ، كيف عٓرَف ذلك ؟

و جاء جوابُ الرئيس حافظ الأسد ل كيسنجر ، عَبْرَ حكايَةٍ رواها له الرئيس الأسد كما يلي :

[ يوجد في دمشق أسواق تجارية قديمة ، وكان فيها تُجّارٌ دمشقيّون وتُجّارٌ يهود ، يعملون ك جيران .. فاشتكى تاجِرٌ يهودي لجارِهِ الشامي بِأنّ لديه كميّة كبيرة من ” السّتيانات ” النسائية ، مضى على عَرْضِها في مَتْجَِرِهِ شهورٌ عديدة ، دون أن يُباعَ منها شيء ، وأنّه لا يدري ماذا سيفعل بها . فقال له التاجر الشامي : بكم تبيعها لي ؟ فأجابه التاجر اليهودي : خُذْها بنصف سعرها ، وخَلِّصْني منها ..
وفِعْلاً قام بِشِرائها ..

وبَعْدَ أسبوعين ، سألُ التاجرُ اليهودي ، جارَهُ الشامي : ماذا فَعَلَتَ ب ” السّتيانات ” ؟

فأجابه : لقد بِيَعَتْ كُلٌُها . فقال له اليهودي : كيف بِيعَتْ ؟ فأجابه الشامي : لقد قَصَصْتُها وبِعْتُها ” طواقي لليهود ” . ]

وهنا ضَحِكَ كيسنجر عميقاً ، فقال له الرئيس حافظ الأسد : لأنٌني كنت أعرف بِأنّ الإسرائيليين بحاجة لفصل قوات على الجبهة السورية ، لكي يُرَسّخوا فَصْلَ القوّات على الجبهة المصرية ، ولكي تتوقّف حربُ الإستزاف عليهم من جانبنا ..
وهذا يعني أنَّ الإسرائيليين مضطَرّون للموافقة على الإنسحاب ” 16 ” كيلومتر وليس ” 8 ” كيلومتر فقط .

القائد الخالد كان يقرأ القادم في كتاب مفتوح

501

القائد الخالد كان يقرأ القادم في كتاب مفتوح

بقلم: د . بهجت سليمان

[ لقاء في عام 2000 مع ” د . أسامة الباز ” مدير مكتب الرئيس المصري للشؤون السياسية ]

في منتصف عام 2000 وبعد التحاق القائد الخالد حافظ الأسد بالرفيق الأعلى ، بفترة قصيرة .
كان الدكتور ” أسامة الباز ” وكيل وزارة الخارجية المصرية ” ومدير مكتب الرئيس المصري للشؤون السياسية ” أسامة الباز ” بزيارة إلى دمشق..

وقد أعلمني السيد ” علي عبد الكريم ” مديرعام وكالة سانا ” الجديد حينئذ ، ومدير مكتب سانا السابق في ” القاهرة ” بوجود الدكتور الباز مع زوجته في دمشق ، فدعوتهما للعشاء مع السيد علي عبد الكريم وزوجته ، في مطعم ” الدوار ” بفندق ” الشام ” بدمشق …

وخلال العشاء ، روى لي الدكتور الباز ، الرواية التالية :

في منتصف عام 1987 وقبيل نهاية الحرب العراقية – الإيرانية ، كلفني الرئيس حسني مبارك ، بنقل رسالة للرئيس حافظ الأسد .. وكانت تباشير عودة العلاقات بين سورية ومصر ، في ذروتها ..
وبعد أن انتهيت من نقل رسالة الرئيس مبارك للرئيس الأسد ، قلت للرئيس الأسد : سيادة الرئيس ، هناك سؤال يشغلني دائماً ، فهل تسمح لي بتوجيهه لسيادتكم ؟
فأجابه الرئيس الأسد : أسأل ما تريد ياأسامة.

فقلت له : سيادة الرئيس الأسد ، من المعروف عنك شخصياً ، مدى وطنيتك وعمق عروبتك.. ولكن ما يحيّرني ، منذ سنوات ، هو كيف يمكن لرجل قائد عروبي مثلكم ، أن يقف مع الفرس ضد العرب ، في الحرب العراقية – الإيرانية ؟

فابتسم الرئيس الأسد وقال لي : ياأسامة ، وهل تعتقد بأنه لو كانت الحرب حقاً ، عربية – فارسية ، ولو بنسبة واحد بالمئة .. هل كان يمكن لي أن أقف إلاّ في الجانب العربي ؟!
هذه الحرب ، ياأسامة ، لا علاقة للعرب ولا للعروبة بها ، بل هي حرب شخصية ل ” صدام حسين ” على حساب العرب والعروبة ، وضد ثورة إيرانية وليدة ، انتقلت بإيران من خانة التبعية ل ” إسرائيل ” إلى خانة العداء لها .

وفور الإنتهاء الذي بات وشيكاً من هذه الحرب ، سوف يعمل ” صدام ” على تشكيل ” مجلس تعاون ” شبيه بمجلس التعاون الخليجي ، وقد يسميه ” مجلس تعاون عربي ” لكي يكون غطاءً له ، من أجل الإستمرار بالحرب ، ولكن على جبهة ثانية ، هذه المرة .

فقلت له : أيّ جبهة ثانية ، ياسيادة الرئيس ؟

فأجابني : جبهة الخليج العربي ، وقد يبدأ بالكويت .

حينئذ – حسب قول الدكتور الباز – قلت بيني وبين نفسي ” ِضيعانك ياحافظ الأسد ، لأن ذلك لا يمكن ورودُهُ في عَقْلٍ سليمِ التفكير ” !!
وانتهى لقائي مع الرئيس الأسد ، وأنا أفكّر أثناء عودتي إلى القاهرة ، بكيف يمكن التفكير باحتمال قيام ” صدام حسين ” بغزو الخليج ، وهي الدول التي وقفت معه ومَوّلت حربه ودعمته بكل ما تستطيع طيلة فترة الحرب مع إيران !!!!

وبعد ثلاث سنوات ، وفي الخامس والعشرين من تموز عام 1990 ، كلّفني الرئيس مبارك ، بحمل رسالة للرئيس ” صدام حسين ” ينقل له فيها تخوّف ” الكويت ” من احتمال قيام العراق بشن حرب عليها ..
فأجابني الرئيس ” صدام ” : هذه أوهام في عقول الكويتيين ..
وهم الذين يتَعَدّون على العراق ، و يسرقون نفطه في المنطقة الحدودية المشتركة ..
و سَلِّمْلي علي سيادة الرئيس مبارك ، وطَمْئِنْهُ بأنه لا وجود لدينا في العراق ، لأيّ شيء من تلك الأوهام .
وفور عودتي للقاهرة ، نقلْتُ جوابه للرئيس مبارك .

وبعد ذلك بأسبوع واحد فقط ، وبعد منتصف ليلة الواحد من آب ، وفي الساعة الواحدة من صبيحة الثاني من آب ، جرى إعلامنا في مصر ، بأن الجيش العراقي في طريقه إلى الكويت ، وهو على وشك احتلالها ..

وأكملَ الدكتور ” أسامة الباز ” حديثه لي بقوله : لم يخطر لي في تلك اللحظة ، إلاّ الرئيس حافظ الأسد وما قاله لي منذ ثلاث سنوات ، عندما استهجنْتُ قوله ذاك .. وقلت لنفسي – كما يقول الباز – :

( ياسبحان الله ، واللهِ ، كأنّ حافظ الأسد كان يقرأُ في كتابٍ مفتوح .. وكُلّ ما قاله قد حدث ، مما لم نكن نراه جميعاً . )

القائد حافظ الأسد يحذرهم من حرب الكويت- حكاية أولى

501

القائد حافظ الأسد يحذرهم من حرب الكويت- حكاية أولى

بقلم: د . بهجت سليمان

في خريف عام 2000 ، اتّصل معي الوزير السابق والسفير المزمن ومعاون وزير الخارجية حينئذ ” د . عيسى درويش ” ليقول لي بِأنٰ النائب الكويتي وصاحب ورئيس تحرير جريدة ” القبس ” الكويتية ” محمد جاسم الصقر : أبوجاسم ” ، موجود بزيارة رسمية في دمشق ، ويريد اللقاء معك ..

وعندما التقينا ودعوته على الغداء في أحد مطاعم ” فندق المريديان ” بادَرْتُهُ بالحديث قائلاً : ماذَا حدثَ يا ” أبو جاسم ” بصداقتك المعروفة مع الرئيس العراقي ” صدّام حسين ” منذ غزوه للكويت في عام 1990 ؟

فأجابني بِحَسْرَة : لقد كنتُ قريباً منه جداً ، وكُنّا نعتبره ” حارس البوّابة الشرقية ” ووَقَفْنا معه في الحرب العراقية – الإيرانية ، ولكنّه قابَلَ المعروفَ بالإساءة ..
ثم بدأ ” أبو جاسم ” بالرواية التالية :

كنتُ في عام 1986 بزيارة في بغداد ، وأجْرَيْتُ مقابلةً صحفيّة طويلة مع الرئيس ” صدّام حسين ” نَشَرْتها على صفحات جريدة ” القبس ” التي أمتلكها وأرأس تحريرها ، وجاء في المقابلة اتهامات عديدة وجهها الرئيس صدام حسين للرئيس حافظ الأسد ..
وبعد فترة من العام نفسه عام 1986 قمت بزيارة إلى دمشق والتقيت بالرئيس حافظ الأسد ، وأجريت معه مقابلة مطولة أيضاً ..
ومما قاله لي الرئيس حافظ الأسد حينئذ ، خارج المقابلة ، بأن صدام لا يخوض معركة عربية ولا عراقية ولا بعثية ، بل يخوض معركته الشخصية التي أراد منها أن يكون بديلاً لشاه إيران ..
و أنه بعد انتهاء حربه مع إيران ، سوف يتجه للقيام بحرب أخرى باتجاه الخليج العربي وخاصة باتجاه الكويت ، و حينئذ ستجدوننا إلى جانبكم .

وطبعا – يقول ” أبو جاسم ” – استغربت كلام الرئيس حافظ الأسد ، واعتبرته كلاماً ثأرياً ناتجاً عن كراهيته للرئيس صدام ، ولم أتوقف عند ذلك الكلام ، بل ولم أعره أية أهمية .

وبعد ذلك بأربع سنوات ، وفي صبيحة الثاني من آب عام 1990 ، جرى تماماً ما قاله الرئيس الأسد ، ممالم يكن يخطر ببال أحدٍ منّا في الكويت ولا في الخليج .

وتذكرته في تلك اللحظة ، وقلت لنفسي إن من حق الرئيس الأسد ، عليَّ ، أن أعتذر له ، بل أن أبكي أمامه ، لأننا كنا مخطئين بحقه .

وبعد ذلك بتسعة أيام ، انعقد مؤتمر قمة عربي بالقاهره في 11 آب 1990 ، لمناقشة الغزو العراقي للكويت ، فسافرت إلى القاهرة ، واتصلت بالصديق القديم ” جبران كورية ” مدير المكتب الصحفي في رئاسة الجمهورية السورية ، ورجوته أن يؤمن لي لقاء ولو لدقائق قليلة مع الرئيس حافظ الأسد .
فاعتذرَ الصديق ” جبران كورية ” لأن الرئيس متعب .. فقلت له : أرجوك أعلمه بأنني لن آخذ من وقته إلا أقل من خمس دقائق .
وحددوا لي موعداً بعد الحادية عشرة ليلاً ، في جناح الرئيس الأسد بالفندق ، ودخلت لرؤيته ، وكانت آثار التعب والإرهاق تبدو عليه وهو مضطجع في السرير .
ووقفت أمامه باستعداد ، دون أن أتكلم كلمة واحدة ، و فاضت عيناي بالدموع .

فقال لي الرئيس الأسد : لم أكن أتمنّى حدوث ماكنت أتوقّع حدوثه ، مما قلته لك قبل أربع سنوات.. ولكن طالما أنه قدحدث ، فعلينا الآن أن نتعامل معه بما هو كفيل بوضع حد لهذا العدوان .
ويكمل ” أبو جاسم ” حديثه قائلاً : لم أنبس ببنت شفة ، وبقيت واقفاً ، واغرورقت عيناي بالدموع مرة ثانية ، و حَيَّيْتُ الرئيس وخرَجْتُ خارج الغرفة .