أرشيف الوسم: حافظ الأسد

حكاية طواقي اليهود بين حافظ الأسد وهنري كيسنجر

501

حكاية طواقي اليهود بين حافظ الأسد وهنري كيسنجر

بقلم: د. بهجت سليمان

  • بَعْدَ انتهاء حرب تشرين عام 1973 ، وإيقاف ” أنور السادات ” للحرب مع ” إسرائيل ” دون التنسيق مع سورية .. استمرّ الجيش السوري بحرب استنزافيّة مع الإسرائيليين ..

  • وبَعْدَ اتفاق وزير الخارجية الأميركي الشهير ” هنري كيسنجر ” مع ” السادات ” على ” فَصْلِ القوّات ” على الجبهة المصرية ..

  • قام ” كيسنجر بعشرات الزيارات إلى دمشق والتقى الرئيس ” حافظ الأسد ” من أجل القيام بفصل قوات على الجبهة السورية مُشابِهٍ لما جرى على الجبهة المصرية ..

  • وكان موقفُ الرئيس الأسد مُنْطَلِقاً من ضرورة انسحاب القوّات الإسرائيلية المحتلّة من كامل ” الجيب ” الذي تمكنت القوات الإسرائيلية من احتلاله ، بَعْدَ غدر السادات بسورية ، وتَوَقُّفِهِ عن القيام بأيّ نشاط ميداني ، منذ عبور الجيش المصري لقناة السويس في اليوم الأوّل للحرب ، ولمدّة أسبوعٍ كامل ، تَفَرَّغت فيه ” إسرائيل ” للجبهة السورية ، ممّا أمّن لها الفرصة المناسبة لتحقيق خروقات على الجانب السوري . .

  • وكانت مفاوَضاتُ ” كيسنجر ” مع ” الأسد ” شاقّةً ومُضْنِيةً له ، بإعْترافه ، لِأنّ الأسد رفَضَ القيام بِأيّ عملية فصل للقوّات ، إلاّ بانسحاب ” إسرائيل ” من كامل الجيب المحتلّ حينئذ ، وكذلك الإنسحاب من مدينة ” القنيطرة ” المحتلّة عام ” 1967 ” كأساسٍ وشَرْطٍ ل فصل القوّات .. وكان ذلك يستدعي انسحاب القوات الإسرائيلية لمسافة ” 16 ” ستّة عشر كيلو متر .

  • وبَعْدَ أكثر من دزينتين من لقاءات ل ” كيسنجر ” مع رئيسة الحكومة الصهيونية حِينَئِذٍ ” غولدا مائير ” التي قالت لكيسنجر : من الواضح أنَّ حافظ الأسد ، لن يقبل بأيّ فصل للقوات ، إلاّ إذا انسحَبْنا مسافة ” 16 ” كيلو متر ” ولذلك لا بُدّ لنا من الإنسحاب ..

  • وطار ” كيسنجر ” إلى دمشق ، ليلتقي مع الرئيس الأسد ، من إجل إبْلاغه بموافقة ” غولدا مائير ” على الإنسحاب ..

  • ويقول كيسنجر : لقد فَكَّرْتُ وأنا في طريقي إلى دمشق ، بأنْ أُبْلِغَ الرئيس الأسد ، بِأنّ ” غولدا مائير ” وافقت على الإنسحاب لمسافة ” 8 ” ثمانية كيلو متر ، لكي أحتفظ لنفسي ب المناورة مع ” الأسد ” الذي أتْعَبَني وأرْهَقَني ، قَبْلٓ إعلامه بالموافقة على ال ” 16 ” كيلومتر ..
    وهذا ما حصل فِعْلاً ، حيث قال كيسنجر للأسد : لك عندي خَبَرٌ طَيِّب ، فقد وافقت غولدا مائير على الإنسحاب لمسافة ” 8 ” كيلو متر ..

وإذا بالرئيس الأسد ينتفض غَضَباً ويقول لكيسنجر :

( أبداً ، هي وافَقَتْ على ” 16 ” كم )

ويقول كيسنجر : فَأُصِبْتُ بالذّهول ، إِذْ كيف لحافظ الأسد أن يعرف بأنها وافقت فِعْلاً؟ .. وكان لا بُدّ لي أَنْ أعترف بذلك ، لِأنّه صحيح .. وجرى بعدئذٍ فصل القوّات على الجبهة السورية .

  • ويقول كيسنجر ، بِأنّه رُغْمَ مضيّ سنوات طويلة على تلك الحادثة ، بقيَ يتساءل بينه وبين نفسه ، كيف لحافظ الأسد أن يعرف ما لم يسمعه إلاّ هو ومائير فقط !! .

  • وبَعْدَ ذلك بحوالي خمسة عشر عاماً في عام ” 1988 ” ، كان كيسنجر ، خارج السلطة ، وقام بجولة التقى فيها حسني مبارك والملك حسين ، ثم زار دمشق ، والتقى بالرئيس حافظ الأسد ، وقال لِنَفْسِهِ : أنّها الفرصة المناسِبة لكي أسأل الرئيس الأسد ، كيف عٓرَف ذلك ؟

و جاء جوابُ الرئيس حافظ الأسد ل كيسنجر ، عَبْرَ حكايَةٍ رواها له الرئيس الأسد كما يلي :

[ يوجد في دمشق أسواق تجارية قديمة ، وكان فيها تُجّارٌ دمشقيّون وتُجّارٌ يهود ، يعملون ك جيران .. فاشتكى تاجِرٌ يهودي لجارِهِ الشامي بِأنّ لديه كميّة كبيرة من ” السّتيانات ” النسائية ، مضى على عَرْضِها في مَتْجَِرِهِ شهورٌ عديدة ، دون أن يُباعَ منها شيء ، وأنّه لا يدري ماذا سيفعل بها . فقال له التاجر الشامي : بكم تبيعها لي ؟ فأجابه التاجر اليهودي : خُذْها بنصف سعرها ، وخَلِّصْني منها ..
وفِعْلاً قام بِشِرائها ..

وبَعْدَ أسبوعين ، سألُ التاجرُ اليهودي ، جارَهُ الشامي : ماذا فَعَلَتَ ب ” السّتيانات ” ؟

فأجابه : لقد بِيَعَتْ كُلٌُها . فقال له اليهودي : كيف بِيعَتْ ؟ فأجابه الشامي : لقد قَصَصْتُها وبِعْتُها ” طواقي لليهود ” . ]

وهنا ضَحِكَ كيسنجر عميقاً ، فقال له الرئيس حافظ الأسد : لأنٌني كنت أعرف بِأنّ الإسرائيليين بحاجة لفصل قوات على الجبهة السورية ، لكي يُرَسّخوا فَصْلَ القوّات على الجبهة المصرية ، ولكي تتوقّف حربُ الإستزاف عليهم من جانبنا ..
وهذا يعني أنَّ الإسرائيليين مضطَرّون للموافقة على الإنسحاب ” 16 ” كيلومتر وليس ” 8 ” كيلومتر فقط .

عندما تكون الإشاعة أقوى من الحقيقة فيمن باع الجولان

501

عندما تكون الإشاعة أقوى من الحقيقة فيمن باع الجولان

بقلم: د. حيدر أحمد عباس

عندما سمعت أن حافظ الأسد باع الجولان ظننت أن وثيقة أممية ظهرت وأن المفاوضات الدولية تدور حولها إلى أن اطلعت على مصادر التلفيقة. والتي تثبت أن الإشاعة بنظر الحاقدين هي أقوى من كل الحقائق التي تجري منذ خمسين سنة أمام الأعين .

هذه الإشاعة أطلقت سابقا ولم يصدقها أحد، ولكن نظرا لأن التركيز عليها كثر بعد اعتراف الرئيس الأمريكي بالجولان لإسرائيل. فالسؤال الأساسي هو لماذا لم تستخرج القيادة الأمريكية أو الإسرائيلية الوثيقة التي بيع بموجبها الجولان، فالمفاوضات جرت مع الأمريكيين علنا. والطريف أنهم يشيعون مرة أنه تم بيعها عام 1969 ومرة أنه تم بيعها عام 1967 وكلاهما قبل أن يصبح حافظ الأسد رئيسا.
لكن تعالوا لننظر الحقيقة فيمن باع الجولان وفلسطين والقدس والعراق والسودان وغيرها!!
صاحب فكرة حرب تشرين على الأرجح هو حافظ الأسد بدليل أنه اختارها في ذكرى يوم ميلاده 6-10-1973 وقد سيطر في بدايتها على الجولان وعلى ما بعد الجولان حتى وصل إلى بحيرة طبرية بمعرفة العالم كله وسبح فيها الجنود السوريون. فلماذا لم تبرز إسرائيل يومذاك وثيقة البيع، ولم تقل له ارجع بجنودك فبهذه الوثيقة أنت بعتنا إياها وسنقدمها لمجلس الأمن وللأمم المتحدة؟

الحقيقة أن الذي باع الجولان وتسبب بقتل آلاف الجنود السوريين هم الحكام العرب وفي مقدمتهم أنور السادات الذي أوقف القتال بعد أسبوع فقط من بداية حرب 1973، وقال للصهاينة: انتهت الحرب.

ومن أجل إيجاد مبرر لوقف الحرب أمام الجنود المصريين الأبطال الذين لم يعد هو نفسه يستطيع إيقافهم وهم منتشون بالنصر، فقد قام أنور السادات بافتعال ما سمي ثغرة الدفرسوار فأتاح للجيش الصهيوني أن يحاصر الجيش المصري رافضا (حسب الفريق: سعد الدين لشاذلي) كل التنبيهات والحلول التي اقترحها القادة قبل الثغرة وبعد الثغرة، فأوجد بذلك حجة لوقف الحرب يقنع بها الناس.

وتبعا لذلك فورا قامت إسرائيل بنقل معظم قواتها التي كانت على الجبهة المصرية إلى الجبهة السورية، وفرح الحكام العرب بهذا الموقف أيما فرح وهم يدعون ان ينتصر الصهاينة على حافظ الأسد عسى أن يسقط النظام السوري “الكافر”.
واستمر حافظ الأسد في مواصلة الحرب لوحده طوال ثمانية أشهر ونجح باستعادة جزء من الأرض المحتلة. وكسر الأسطورة التي يروجها الحكام العرب منذ عشرات السنين بأن الجيش الصهيوني لا يقهر، فقد قهره حافظ الأسد والجيش السوري وحده وانتصر عليه واستعاد محافظة القنيطرة.
ومرت السنون وتوفي حافظ الأسد وهو يتلقى اتصالا من الرئيس اللبناني إميل لحود يهنئه بانتصارهما الجديد على إسرائيل في جنوب لبنان عام 2000. وبعد موت حافظ الأسد القوي انتهز الحكام العرب الفرصة في أول مؤتمر قمة عربية في بيروت 2002 ليعلنوا بلسان ملك السعودية مبادرة السلام العربية وتحظى بتأييد المتآمرين. وتزدهر مسيرة التودد الساداتية لتتحول إلى التودد العربي لإسرائيل رويدا رويدا إلى أن صار اليوم علنيا تحت اسم حلف الناتو العربي الإسرائيلي والذي لم يعد يقتصر على الحكام بل له جمهرة من الفقهاء والزخم الشعبي العربي الذي يؤيده. وانتقاما من حافظ الأسد الذي لطالما حجز بينهم وبين هذا الحلف وبهدف إلباسه ثوب الخيانة مثلهم فقد اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بعدة فيديوات وكلها افتراءات غير موثقة وتغيير للتاريخ وتشويه للحقائق وجحود الإنجازات والبطولات التي حققها ويعرضونها لجيل لم يعاصر تلك الفترة ولا يستطيع أن يمحص تلك الأكاذيب أو يدحض الافتراءات.

القائد الخالد كان يقرأ القادم في كتاب مفتوح

501

القائد الخالد كان يقرأ القادم في كتاب مفتوح

بقلم: د . بهجت سليمان

[ لقاء في عام 2000 مع ” د . أسامة الباز ” مدير مكتب الرئيس المصري للشؤون السياسية ]

في منتصف عام 2000 وبعد التحاق القائد الخالد حافظ الأسد بالرفيق الأعلى ، بفترة قصيرة .
كان الدكتور ” أسامة الباز ” وكيل وزارة الخارجية المصرية ” ومدير مكتب الرئيس المصري للشؤون السياسية ” أسامة الباز ” بزيارة إلى دمشق..

وقد أعلمني السيد ” علي عبد الكريم ” مديرعام وكالة سانا ” الجديد حينئذ ، ومدير مكتب سانا السابق في ” القاهرة ” بوجود الدكتور الباز مع زوجته في دمشق ، فدعوتهما للعشاء مع السيد علي عبد الكريم وزوجته ، في مطعم ” الدوار ” بفندق ” الشام ” بدمشق …

وخلال العشاء ، روى لي الدكتور الباز ، الرواية التالية :

في منتصف عام 1987 وقبيل نهاية الحرب العراقية – الإيرانية ، كلفني الرئيس حسني مبارك ، بنقل رسالة للرئيس حافظ الأسد .. وكانت تباشير عودة العلاقات بين سورية ومصر ، في ذروتها ..
وبعد أن انتهيت من نقل رسالة الرئيس مبارك للرئيس الأسد ، قلت للرئيس الأسد : سيادة الرئيس ، هناك سؤال يشغلني دائماً ، فهل تسمح لي بتوجيهه لسيادتكم ؟
فأجابه الرئيس الأسد : أسأل ما تريد ياأسامة.

فقلت له : سيادة الرئيس الأسد ، من المعروف عنك شخصياً ، مدى وطنيتك وعمق عروبتك.. ولكن ما يحيّرني ، منذ سنوات ، هو كيف يمكن لرجل قائد عروبي مثلكم ، أن يقف مع الفرس ضد العرب ، في الحرب العراقية – الإيرانية ؟

فابتسم الرئيس الأسد وقال لي : ياأسامة ، وهل تعتقد بأنه لو كانت الحرب حقاً ، عربية – فارسية ، ولو بنسبة واحد بالمئة .. هل كان يمكن لي أن أقف إلاّ في الجانب العربي ؟!
هذه الحرب ، ياأسامة ، لا علاقة للعرب ولا للعروبة بها ، بل هي حرب شخصية ل ” صدام حسين ” على حساب العرب والعروبة ، وضد ثورة إيرانية وليدة ، انتقلت بإيران من خانة التبعية ل ” إسرائيل ” إلى خانة العداء لها .

وفور الإنتهاء الذي بات وشيكاً من هذه الحرب ، سوف يعمل ” صدام ” على تشكيل ” مجلس تعاون ” شبيه بمجلس التعاون الخليجي ، وقد يسميه ” مجلس تعاون عربي ” لكي يكون غطاءً له ، من أجل الإستمرار بالحرب ، ولكن على جبهة ثانية ، هذه المرة .

فقلت له : أيّ جبهة ثانية ، ياسيادة الرئيس ؟

فأجابني : جبهة الخليج العربي ، وقد يبدأ بالكويت .

حينئذ – حسب قول الدكتور الباز – قلت بيني وبين نفسي ” ِضيعانك ياحافظ الأسد ، لأن ذلك لا يمكن ورودُهُ في عَقْلٍ سليمِ التفكير ” !!
وانتهى لقائي مع الرئيس الأسد ، وأنا أفكّر أثناء عودتي إلى القاهرة ، بكيف يمكن التفكير باحتمال قيام ” صدام حسين ” بغزو الخليج ، وهي الدول التي وقفت معه ومَوّلت حربه ودعمته بكل ما تستطيع طيلة فترة الحرب مع إيران !!!!

وبعد ثلاث سنوات ، وفي الخامس والعشرين من تموز عام 1990 ، كلّفني الرئيس مبارك ، بحمل رسالة للرئيس ” صدام حسين ” ينقل له فيها تخوّف ” الكويت ” من احتمال قيام العراق بشن حرب عليها ..
فأجابني الرئيس ” صدام ” : هذه أوهام في عقول الكويتيين ..
وهم الذين يتَعَدّون على العراق ، و يسرقون نفطه في المنطقة الحدودية المشتركة ..
و سَلِّمْلي علي سيادة الرئيس مبارك ، وطَمْئِنْهُ بأنه لا وجود لدينا في العراق ، لأيّ شيء من تلك الأوهام .
وفور عودتي للقاهرة ، نقلْتُ جوابه للرئيس مبارك .

وبعد ذلك بأسبوع واحد فقط ، وبعد منتصف ليلة الواحد من آب ، وفي الساعة الواحدة من صبيحة الثاني من آب ، جرى إعلامنا في مصر ، بأن الجيش العراقي في طريقه إلى الكويت ، وهو على وشك احتلالها ..

وأكملَ الدكتور ” أسامة الباز ” حديثه لي بقوله : لم يخطر لي في تلك اللحظة ، إلاّ الرئيس حافظ الأسد وما قاله لي منذ ثلاث سنوات ، عندما استهجنْتُ قوله ذاك .. وقلت لنفسي – كما يقول الباز – :

( ياسبحان الله ، واللهِ ، كأنّ حافظ الأسد كان يقرأُ في كتابٍ مفتوح .. وكُلّ ما قاله قد حدث ، مما لم نكن نراه جميعاً . )

القائد حافظ الأسد يحذرهم من حرب الكويت- حكاية أولى

501

القائد حافظ الأسد يحذرهم من حرب الكويت- حكاية أولى

بقلم: د . بهجت سليمان

في خريف عام 2000 ، اتّصل معي الوزير السابق والسفير المزمن ومعاون وزير الخارجية حينئذ ” د . عيسى درويش ” ليقول لي بِأنٰ النائب الكويتي وصاحب ورئيس تحرير جريدة ” القبس ” الكويتية ” محمد جاسم الصقر : أبوجاسم ” ، موجود بزيارة رسمية في دمشق ، ويريد اللقاء معك ..

وعندما التقينا ودعوته على الغداء في أحد مطاعم ” فندق المريديان ” بادَرْتُهُ بالحديث قائلاً : ماذَا حدثَ يا ” أبو جاسم ” بصداقتك المعروفة مع الرئيس العراقي ” صدّام حسين ” منذ غزوه للكويت في عام 1990 ؟

فأجابني بِحَسْرَة : لقد كنتُ قريباً منه جداً ، وكُنّا نعتبره ” حارس البوّابة الشرقية ” ووَقَفْنا معه في الحرب العراقية – الإيرانية ، ولكنّه قابَلَ المعروفَ بالإساءة ..
ثم بدأ ” أبو جاسم ” بالرواية التالية :

كنتُ في عام 1986 بزيارة في بغداد ، وأجْرَيْتُ مقابلةً صحفيّة طويلة مع الرئيس ” صدّام حسين ” نَشَرْتها على صفحات جريدة ” القبس ” التي أمتلكها وأرأس تحريرها ، وجاء في المقابلة اتهامات عديدة وجهها الرئيس صدام حسين للرئيس حافظ الأسد ..
وبعد فترة من العام نفسه عام 1986 قمت بزيارة إلى دمشق والتقيت بالرئيس حافظ الأسد ، وأجريت معه مقابلة مطولة أيضاً ..
ومما قاله لي الرئيس حافظ الأسد حينئذ ، خارج المقابلة ، بأن صدام لا يخوض معركة عربية ولا عراقية ولا بعثية ، بل يخوض معركته الشخصية التي أراد منها أن يكون بديلاً لشاه إيران ..
و أنه بعد انتهاء حربه مع إيران ، سوف يتجه للقيام بحرب أخرى باتجاه الخليج العربي وخاصة باتجاه الكويت ، و حينئذ ستجدوننا إلى جانبكم .

وطبعا – يقول ” أبو جاسم ” – استغربت كلام الرئيس حافظ الأسد ، واعتبرته كلاماً ثأرياً ناتجاً عن كراهيته للرئيس صدام ، ولم أتوقف عند ذلك الكلام ، بل ولم أعره أية أهمية .

وبعد ذلك بأربع سنوات ، وفي صبيحة الثاني من آب عام 1990 ، جرى تماماً ما قاله الرئيس الأسد ، ممالم يكن يخطر ببال أحدٍ منّا في الكويت ولا في الخليج .

وتذكرته في تلك اللحظة ، وقلت لنفسي إن من حق الرئيس الأسد ، عليَّ ، أن أعتذر له ، بل أن أبكي أمامه ، لأننا كنا مخطئين بحقه .

وبعد ذلك بتسعة أيام ، انعقد مؤتمر قمة عربي بالقاهره في 11 آب 1990 ، لمناقشة الغزو العراقي للكويت ، فسافرت إلى القاهرة ، واتصلت بالصديق القديم ” جبران كورية ” مدير المكتب الصحفي في رئاسة الجمهورية السورية ، ورجوته أن يؤمن لي لقاء ولو لدقائق قليلة مع الرئيس حافظ الأسد .
فاعتذرَ الصديق ” جبران كورية ” لأن الرئيس متعب .. فقلت له : أرجوك أعلمه بأنني لن آخذ من وقته إلا أقل من خمس دقائق .
وحددوا لي موعداً بعد الحادية عشرة ليلاً ، في جناح الرئيس الأسد بالفندق ، ودخلت لرؤيته ، وكانت آثار التعب والإرهاق تبدو عليه وهو مضطجع في السرير .
ووقفت أمامه باستعداد ، دون أن أتكلم كلمة واحدة ، و فاضت عيناي بالدموع .

فقال لي الرئيس الأسد : لم أكن أتمنّى حدوث ماكنت أتوقّع حدوثه ، مما قلته لك قبل أربع سنوات.. ولكن طالما أنه قدحدث ، فعلينا الآن أن نتعامل معه بما هو كفيل بوضع حد لهذا العدوان .
ويكمل ” أبو جاسم ” حديثه قائلاً : لم أنبس ببنت شفة ، وبقيت واقفاً ، واغرورقت عيناي بالدموع مرة ثانية ، و حَيَّيْتُ الرئيس وخرَجْتُ خارج الغرفة .

السؤال الثالث والعشرون حول دور رجال الدين في مواجهة الفساد

images

 

السُّؤالُ الثَّالث والعشرون: ما هو دورُ رجالِ الدِّينِ في مواجهةِ الفسادِ؟

 

الجوابُ الثَّالث والعشرون بإذنِ اللهِ:

 

سَعَى الإسلامُ بأحكامِهِ إلى حمايةِ المجتمعِ ووقايتِهِ من العابثينَ بأمنِهِ واستقرارِهِ، ومن الّذينَ يتهدَّدونَهُ بالمسِّ بقيمِهِ وأخلاقهِ، فضمانُ تقدُّمِ المجتمعاتِ هو بِحِفظِ قيمِها وأخلاقِها وعدمِ المسِّ بها.

والتَّركيزُ على حمايةِ المجتمعِ بصونِ أركانهِ يبدأ بالتَّشديدِ على الوقايةِ بتعزيزِ مناعتِهِ، ومواجهةِ الفسادِ والانحرافِ.

وقد وصلنا إلى وقتٍ كَثُرَ الحديثُ فيه عن القتلِ والذَّبحِ والزِّنا والسَّرقةِ والسَّطو والخيانةِ وسلبِ أموالِ الدَّولةِ واستغلالِ المسؤولينَ لمناصبِهم حتَّى صارَتْ أخبارُ الفسادِ خبرًا كبقيَّةِ الأخبارِ، وأصبحَتْ توجدُ التَّبريراتُ لهذه الأفعالِ عندما يُبرَّرُ أو يُوجَّهُ الفسادُ ويصبحُ هو الواقعُ.

ومن هنا، جاءَ التَّوجيهُ الإلهيُّ حاسمًا في مواجهةِ الفسادِ والانحرافِ في قوله سبحانَهُ وتعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، فقد توعَّد بالعذابِ الأليمِ في الدُّنيا والآخرةِ الذين يحبُّونَ أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمَنوا، وهم القائمونَ على الفسادِ في البلادِ، لأنَّ فسادَهم وإفسادَهم كانَ سببًا في شيوعِ الفواحشِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، فهم المسؤولونَ عن شيوعِ الجريمةِ بأنواعِها، وهم المسؤولونَ بإفقارِهم للشَّعبِ عن شيوعِ الرَّشوةِ والسَّرقةِ والرَّذيلةِ والمتاجرةِ بالأجسادِ لتلبيةِ الحاجاتِ المادَّيَّةِ والفيزيولوجيَّةِ للنَّاس، وغيرِ ذلكَ من المسؤوليَّاتِ التي قصَّروا بها.

ولهذا يحثُّ نهجُنا العلويُّ على مواجهةِ الفسادِ وفضحِهِ اقتداءً بثوَّارِ الإسلامِ الحقيقيِّينَ الذين قدَّموا تضحياتِهم الجمَّةَ لإبطالِ فسادِ المُفسِدِينَ، في الوقتِ الذي كانت فيهِ رموزُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ مهادِنَةً للفسادِ باعتبارِ ذلكَ تقيَّةً برأيهم؟

فأينَ مواجهةُ الفسادِ عند المسلمينَ حين اغتُصِبَتِ الخلافةُ بعدَ غيبةِ رسولِ اللهِ (ص)، وحينَ سُرِقَتْ أموالُ بيتِ مالِ المسلمينِ في عهدِ عثمان بن عفان!!

وكم من النَّاكثينَ والمارقينَ والقاسطينَ ظَهروا حينَ حُشِدَتِ الجيوشُ لمحاربةِ الإمامِ علي كرَّمَ الله وجهَهُ، وحينَ تكالَبوا على الإمامِ الحسين (ع) ورجالِهِ تحت راياتِ معاويةَ ويزيد؟

وأينَ غابَتْ أصواتُهم حينَ استُشهِدَ الصَّحابةُ المقرَّبونَ كعمارِ بن ياسر وصعصعة بن صوحان ورشيد الهجري ومالك الأشتر وأويس القرني وغيرهم على يدِ رجال بني أميَّةَ وبني العبَّاسِ؟

وأينَ المسلمينَ من الثَّائرِ الصَّادقِ ضدَّ الفسادِ سيِّدنا أبي ذر الغفاري الذي واجهَ فسادَ الخليفةِ الثَّالثِ فنُفِيَ إلى الرِّبدةِ وسُحِلَ جسدُهُ واستُشهِدَ في الصَّحراءِ!!!

وأينَ إسلامُ المسلمينَ في العصرِ الحديثِ حين نراهُم بكلِّ سقاطةٍ قد أشهروا سيوفَهم المسمومةَ في وجهِ (النِّظامِ النُّصيريِّ الكافرِ كما زعموا!!) فأرسَلوا داعشَ وجبهةَ النُّصرةِ ليقتلوا سوريَّةَ ويطهِّروها من (رجسِ النُّصيريَّةِ!!)، وزَعَموا أنَّ (العلويِّينَ النُّصيريِّينَ!!) حكموا البلادَ بالدِّيكتاتوريَّةِ والاستبدادِ في عهدِ القائدِ الخالدِ العظيمِ حافظ الأسد والقائدِ المؤمنِ الصَّامدِ بشار الأسد، اللَّذينَ هزَّا عروشَ الأمريكان والصَّهاينةِ والوهَّابيَّةِ، فلماذا وجدنا تآمرَ ملوكِ ورؤساءِ الخليجِ وتونس وفلسطين والأردن والمغرب، وتخاذُلَ رؤساءَ آخرينَ منهم في مصر والعراق وإيران؟ فهل معاييرُهم في مساندةِ الحقِّ هي معاييرُ طائفيَّةٌ!؟

وما هو وجهُ الشَّبهِ بين الإخوانيِّ خالد مشعل وعمرو بن العاص؟ وبين المصري عبد الفتاح السِّيسي الذي طابَتْ له مائدةُ ملكِ السَّعوديَّةِ وأبي هريرةَ الذي طابَتْ له مائدةُ معاوية؟ وكذلكَ الإيرانيُّ حسن روحاني الذي سارعَ لزيارةِ التُّركي أردوغان متجاهلاً حليفَهُ السُّوريَّ الأسدَ فكانَ كمَن نكثَ عهدَهُ للإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في قتالِ النَّاكثينَ أصحابِ الجملِ فلم يَخذلوا الحقَّ ولم يَنصروا الباطلَ؟

والسُّؤال الذي قد يُطرَحُ: لماذا ساهمَ تَسَتُّرُ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ عبرَ التَّاريخِ تحتَ مُسمَّى التَّقيَّةِ بتشجيعِ مَن ارتكَبُوا الموبقاتِ على القيامِ بها، بينما لو عَرَفوا أنَّهم سيُفضَحونَ لَتَراجَعوا عنها؟

إنَّ كلَّ رجلِ دينٍ يسكتُ عن الفسادِ ويخافُ من فضحِهِ تقرُّبًا للسُّلطةٍ أو خوفًا من الأمنِ فهو فاسدٌ بحدِّ ذاتِهِ، وهو كأولئكَ المتستِّرينَ على الفاسدينَ عبر التَّاريخِ حتى اليوم، وكأنَّهُ لم يقرأ قولَ القائدِ الخالدِ حافظ الأسد: (لا أريدُ لأحدٍ أن يسكتَ على الأخطاءِ، ولا أن يتستَّرَ على العيوبِ والنَّقائصِ).

نحنُ نقتدي بقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّرْهُ بيدِهِ، فإنْ لم يَستطِعْ فبلسانِهِ، فإنْ لم يستطعْ فبقلبِهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمانِ).

فقوامُ المجتمعِ بأخلاقِهِ وقيمِهِ، ومتى تعرَّضَتْ للتَّهديدِ فالمجتمعُ كلُّهُ سيكونُ في خطرٍ. فمِن مسؤوليَّتِنا أن نعملَ على الحفاظِ على هذه القيمِ التي إن أُسِيءَ إليها، تهدَّدَتْ أركانُ المجتمعِ وقواعدُهُ. وعلينا في ذلك ألا نكتفي بوعيدِ اللهِ، بل أن نكفَّ أيدي العابثينَ بِقِيَمِ هذا المجتمعِ، سواءَ الذين ينشرونَ الفسادَ، أو الذين يَسعَونَ إلى تسميمِ أجواءِ المجتمعِ بِهِ.

فنحنُ لا ندفنُ رؤوسَنا في الرِّمالِ وكأنَّه لا فسادَ يجبُ معالجَتُهُ وبترُهُ في مجتمعاتِنا، لأنَّنا نأتمرُ بأمرِ سيِّدنا المسيح (ع): (أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ).

ومن ناحيةٍ أخرى، لا نشجِّعُ هذا الفسادَ بإشاعتِهِ والقبولِ به، لأنَّ هذا سوفَ يَمحو صورَ الخيرِ والعطاءِ والمعروفِ والإحسانِ والتَّسامحِ داخلَ مجتمعِنا، أو قصصَ التَّضحيةِ والجهادِ والإباءِ التي يَذخرُ بها مجتمعُنا والتي كتبَها شهداؤنا الأبرارُ ومقاتلونا الأطهارُ في الجيشِ العربيِّ السوريِّ، فهذا ما نَرتقي به، وهذا ما دَعَا اللهُ إليه عندما قال: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد