أرشيف الوسم: سورية

الاستثمار الروسي للميناء السوري

ahmad

الاستثمار الروسي للميناء السوري
بقلم الدكتور أحمد أديب أحمد

بعد الضجيج الحاصل حول استثمار روسيا لميناء طرطوس:
هل كان لدينا ميناء بحري؟
الجواب بالأرقام:
متوسط عدد القادمين والمغادرين في السنة خلال الفترة ٢٠٠٧-٢٠١٦ في اللاذقية فقط ٨٥٠٣ شخص، وفي طرطوس ١٩٣٥٩ شخص!!!
أي متوسط عدد القادمين والمغادرين في الميناءين معاً ٢٧٨٦٢ شخص فقط، بينما كان متوسط عددهم عبر المراكز الحدودية البرية ٣٢٥٦٢٥٢ شخص. لاحظوا هذا الفرق فهو أكبر ب١١٧ ضعف!!!
حتى اذا قارنا متوسط عدد القادمين والمغادرين في مطار الشهيد باسل الأسد باللاذقية مع الموانئ سنجده أكبر بأكثر من خمسة أضعاف حيث بلغ ١٤٢٩٩٣ شخص.
مع العلم أن ميناء طرطوس أقوى من ميناء اللاذقية، حيث أن عدد القادمين والمغادرين فيه أكبر بضعفين ونصف تقريباً.

أيضاً بالنسبة للأرصفة التي توضع البضائع عليها فهي معطلة عن العمل..
فاليوم فقط ثلاثة أرصفة تعمل في مرفأ اللاذقية لاستقبال البضائع التي تأتي في حاويات.. وست أرصفة لاستقبال البضائع التي تأتي بدون حاويات..!!
هذه المؤشرات ليست الوحيدة لكنها أمثلة عن مؤشرات أخرى. والسؤال: هل هذا ميناء رابح أم خاسر؟

هذه هي واجهتنا البحرية الضعيفة جداً جداً..
استثمارها سيجعلها واجهة الشرق على المتوسط.. وسيعود بالنفع على الاقتصاد السوري..
وستكون الحكومات القادمة مرغمة على التأقلم مع التطور الحاصل.. العملية الإنتاجية لابد أن تتحسن وتنتعش.. مستويات المعيشة لابد أن ترتفع بحكم زيادة العمالة..
آلية التفكير الاقتصادية ستختلف جذرياً لأن الجميع سيفكرون بتحسين الإنتاجية لتحقق واقع المنافسة في السوق المحلي والخارجي..
وهذا القرار الرئاسي أجده ضربة لكل الفاسدين ولكل المحتكرين وتجار الأزمة الذين يحاربونه كما يحاربون الشعب.. فجاءتهم مفاجأته الصاعقة بهذا القرار.. امتداداً للاتفاقيات المبرمة منذ سنوات..

لماذا لم تصرح الحكومة؟
لأنها أيضاً فوجئت بالقرار.. فهذا لم يكن بالحسبان.. في ظل استيلاء تجار الأزمة على القرار الحكومي..

ونحن أحوج في هذه الظروف إلى ضربة معلم وقرار استثنائي.. وأراه قد حدث..

ملاحظة: روسيا لم تعطنا منظومات الدفاع الجوي والأسلحة مجاناً.. ولم تركب بالمقابل علينا ديوناً.. بل كان الاتفاق.. هي تقدم السلاح ونحن نمنحها فرصة الاستثمار ونجعلها قوة عظمى في منطقة المتوسط..
وهكذا يتحقق التوازن- على الأقل- بين الوجود الروسي سورياً والوجود الأمريكي إسرائيلياً ومصرياً..

والتحليل لا ينتهي ولكن مبدئياً:
فكرة استثمار المرفأ من قبل الروس فكرة إيجابية
اسمها: استثمار أجنبي
وكل الدول تعمل لاجتذاب الاستثمار الأجنبي لأراضيها لأنه يحسن الاقتصاد.

ما يميز هذا الاستثمار:
– أنه من حليف وليس من عدو.
– بالتأكيد تم الاتفاق عليه على مستوى القيادات لا الحكومات، وقد وعد السيد الرئيس سابقاً بهذا في خطاباته.
– لا يعني التبعية لروسيا فهذا اتفاق اقتصادي وكنا ننتظره من زمن.
– وجود روسيا اقتصادياً في سورية يعزز من وجودها العسكري وهذا يشكل قوة أكبر لسورية في مواجهة العدوان الخارجي.
– يساهم في كسر الحصار والعقوبات الاقتصادية لأن السفن الآتية لن تعتبر قادمة لسورية كي تُمنع.. بل قادمة لمرفأ روسي لا تتطبق عليه العقوبات الأمريكية.
– يعتبر خطوة استراتيجية إيجابية ومدروسة لمواجهة العقوبات الامريكية المستقبلية.
– سيفتح آفاق استثمار أخرى في المستقبل.. وسيحسن النشاط الاقتصادي الداخلي والاستثمار المحلي والعملية الإنتاجية، والتي يجب أن توضع خطط حكومية مدروسة لتحسينها لترقى إلى مستوى التصدير إلى روسيا والبلدان الأخرى.
– هذه الطريقة برد الجميل أفضل بكثير من تركيب الديون الدولية على سورية.

يبقى التفاصيل التي لم تنشر.. لكن الأمر جيد وكنا ننتظر بدأه منذ سنوات

السؤال التاسع والتسعون حولَ يوم النوروز

images

السُّؤالُ التَّاسعُ والتِّسعونَ: ما هو يومُ النَّوروز؟ وهل مِن دَلالاتٍ دينيَّةٍ فيهِ عندَ العلويَّةِ؟

الجوابُ التَّاسعُ والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:
يومُ النَّوروزِ هو بدايةُ السَّنةِ الجديدةِ حسبَ التَّقويمِ الفارسيِّ، حيث يحتفلُ فيهِ سكَّانُ إيران وكردستان وبلدانِ آسيا الوسطى كعيدِ لرأسِ السَّنةِ واحتفالٍ بقدومِ الرَّبيعِ وتجدُّدِ الطَّبيعةِ بعدَ انقضاءِ البردِ.
ويأتي في الرابع من نيسان من كلِّ عام عندَ الانقلابِ الصَّيفيِّ. وقد جاءَ عن الإمام الصَّادق (ع) قوله: (هو اليومُ الذي طلعَتْ فيه الشَّمسُ، وهبَّتْ فيه الرِّياحُ اللَّواقحُ، وخُلِقَتْ فيه زهرةُ الأرضِ، وهو اليومُ الذي أُخِذَ فيه العهدُ لأميرِ المؤمنينَ بغدير خمٍّ، وهو اليومُ الذي يَظهرُ فيه قائمُنا أهلُ البيتِ).
وَسُمِّيَ (نوروز) وهِيَ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ تتألَّفُ من مَقطعين: (نور) وَ(روز) تَعنِي يوم، ومَعناهُ بالعَرَبِيَّةِ: يومُ النُّور، وفسَّرها البعضُ: اليوم الجديد.
حاولَ البعضُ ربطَ هذا اليوم بالدِّياناتِ السُّوريَّةِ القديمةِ الوثنيَّةِ من خلالِ ربطِهِ بتمجيد (عشتار) وصعودِ (بعل) من الجحيمِ إلى عالمِ النُّورِ والخلودِ!! وحاولَ البعضُ ربطَهُ بعبادةِ النَّارِ عندَ المجوسِ!! وهذا غيرُ صحيح عندنا.
حتَّى أنَّ البعضَ حاولوا اتِّهامَ الصَّحابيِّ الجليلِ سَلمَانِ الفَارِسِيّ (ع) بنقلِهِ من بلادِ فارس وإدخالِهِ للإسلامِ، علمًا أنَّ هذا فخرٌ لا عيبٌ، ولابدَّ من التَّذكيرِ في البدايةِ بقولِ رسُولِ اللهِ (ص): (سلمانُ منَّا أهلُ البيتِ)، فقيل له: أَمِنْ بني هاشم؟ فقال: (نَعم، مِن بني هاشم عَلِمَ عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ).
إنَّنا كعلويِّينَ مُسلمين نتجاوزُ في نظرَتِنا الحدودَ الضَّيِّقةَ للشَّرائعِ والمذاهبِ والطَّوائفِ، ونسمو في معارفِنا للبحثِ عن الحقِّ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وننطلقُ في فهمِنا للدِّينِ الحقِّ من كلامِ اللهِ وأقوالِ العترةِ الطَّاهرةِ، وهذا قانونٌ بالنِّسبةِ لنا شاءَ مَن شاءَ وأبى مَن أبى.
ونحنُ نحتفلُ بيومِ النَّوروزِ لأنَّ الإسلامَ لم يعارضِ النَّوروزَ بل أيَّدَهُ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصادقِ (ع): (يوم نوروزٍ هو يومٌ يفضَّلُ على سائرِ الأيامِ كفضلي على سائرِ الخلقِ، وهو نورٌ لمَن عرفَهُ ورُوزٌ يجيرُ من سخطِ اللهِ وعذابِهِ، وهو اليومُ الذي تابَ فيه على آدمَ في قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، وقوله (ع) لسيِّدنا الـمُعَلَّى بن خُنَيس: (إذا كانَ يومُ النَّوروزِ فاغتسِلْ، والبسْ أنظفَ ثيابِكَ، وتطيَّبْ بأطيبِ طيبِكَ)، فالغسلُ في الشَّرعِ هو طهارةُ الجسدِ من الجنابةِ، أمَّا في الحقيقةِ فطَّهارةُ النَّفسِ لا تكونُ إلا بمعرفةِ علومِ أهل البيت (ع).
ففي مثل هذا اليوم- كما وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع)- أسجدَ اللهُ ملائكتَهُ لسيِّدنا آدم (ع)، وأخذَ المواثيقَ على العبادِ أن يعبدوهُ، ونزلَتِ النَّارُ الهائلةُ من السَّماءِ لتتقبَّلَ قربانَ مولانا هابيل (ع)، واستوَتْ سفينةُ سيِّدنا نوح (ع) على الجودي، وجعلَ اللهُ النَّار بَردًا وسَلامًا على خليلهِ إبراهيم (ع)، وعرجَ سيِّدنا محمَّد (ص) إلى السَّماء، وحملَ رسولُ اللهِ (ص) أميرَ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ على منكبيهِ حتى رمى أصنامَ قريش من فوقِ الكعبة فهشَّمَها.
وفي مثل هذا اليوم آنَسَ اللهُ سيِّدنا موسى (ع) من النَّارِ في قوله تعالى: (إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)، ولمَّا أتاها كلَّمَهُ اللهُ منها دلالةً منه أنَّ العبادةَ لَهُ لا لغيرِهِ، أي أنَّ العبادةَ لمَن قال لموسى عندَ المناجاةِ: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، فالعبادةُ للهِ بالإخلاصِ هيَ الدِّينُ الصَّحيحُ الَّذِي ما بعدَهُ لطالِبٍ مَطلَبٌ.
وفي مثل هَذا اليَوم اختَارَ سيِّدنا مُوسَى (ع) مِن قَومِهِ سَبعِين رَجُلاً لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)، فأَخَذَتهُمُ الرَّجفَةُ وَمَاتُوا، فرَشَّ عَلَيهِمُ المَاءَ فأحيَاهُم بِرَشِّ المَاءِ.
وفي مثل هَذا اليَوم وردَ أنَّ قومًا من بني إسرائيلَ خَرَجوا من ديارِهم حذرَ الموتِ، وكانوا زُهاءَ ثلاثينَ ألفٍ، فأماتَهم اللهُ كموتةِ نفسٍ واحدةٍ، فَصَاروا رُفاتًا، ثمَّ مرَّ عليهم رسولُ اللهِ حزقيل (ع) وَنَاجى ربَّهُ في أمرِهم فأوحى اللهُ تعالى إليه ليأخذَ الماءَ وَيرُشَّهُ عليهم، فرَشَّ عليهم الماءَ فأحياهم اللهُ بأمــرِه، وهو قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ).
وفي مثل هذا اليوم نصرَ اللهُ تعالى رسولَهُ وأمَّتَهُ على الأحزابِ في غزوةِ الخندقِ، وسمِّيَ يومَ الأحزابِ، ونزلَتِ الآية: (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا)، حتى أنَّ الصَّحابيَّ الجليلَ عبدَ اللهِ بن مسعود (ع) كان يقرأُ الآيةَ: (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بِعَليِّ)، لأنَّ هذه الغزوةَ لم يحدثْ فيها قتالٌ بعدَ أن قتلَ الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ فارسَ المشركينَ عَمْرو بن ودٍّ العامري، وهزمَ أحزابَهم وهو ابنُ أربعةَ عشرَ عامًا، وفي هذه الحادثةِ قال النَّبي (ص): (برزَ الإيمانُ كلُّهُ إلى الشِّركِ كلِّهِ).
وقد حافَظْنا على استذكارِ ما يرتبطُ بهِ بدليلِ قول الإمام الصَّادق (ع): (إنَّهُ يومٌ من أيَّامنا حَفَظَهُ الفرسُ وضيَّعتموهُ)، ولَطَالما كانَ الأمرُ حقًّا فإنَّ هذا لا يمنعُ من استذكارِهِ والاستفادةِ منه.
ففي يومِ النَّوروزِ أظهرَ اللهُ تعالى رسالةَ الحقِّ في بلادِ فارسَ قبل الإسلامِ، وبعثَ لهم مبشِّرينَ ومُنذِرينَ، لأنَّ اللهَ لم يحصرْ رسالاتِهِ للعربِ، إذْ لا يمنعُ رحمتَهُ عن أحدٍ، ولا يتركُ لأحدٍ حُجَّةً لكي يقول له: لم تَدْعُنَا ولو كنتَ دَعَوتَنَا لأجَبْنَاكَ!!
فاللهُ تعالى بعثَ في بلادِ فارسَ ملكًا اسمُهُ أزدشير بن بابك بن ساسان، وقد ظهرَ في أواخرِ القرنِ الثَّاني للميلادِ، وتُوِّجَ ملكًا وحيدًا لبلادِ فارسَ في الفترة 224-242 م، وتمَّ تَلقيبُهُ بملكِ ملوكِ إيران، وتميَّزَتْ دولتُهُ بتحقيقِ العدلِ والـمُثُلِ الأخلاقيَّةِ والمبادئِ الإنسانيَّةِ في تعاليمِها. وكان من المأثور عنه مبادئُهُ العادلةُ في المُلك حيثُ كانَ يقولُ: (سلطانٌ عادلٌ خيرٌ من مطرٍ وابلٍ). كما أنَّهُ كانَ يحذِّرُ من الانجرارِ وراءَ الدُّنيا، ومن أقوالِهِ في ذلك: (ولا تَركنُوا إلى هذهِ الدُّنيا فإنَّها لا تُبقي على أحدٍ، ولا تَتركوها بلا عملٍ فإنَّ الآخرةَ لا تُنال إلاَّ بها).
كما بعثَ اللهُ بعدَهُ الملكَ سابور بن أزدشير وكانَ على نفسِ النَّهجِ في العدلِ، ومِن تَعاليمِهِ في محاربةِ الفاسدين قوله: (انحطاطُ ألفٍ من العَلِيَّةِ، أحمدُ عاقبةً من ارتفاعِ واحدٍ من السَّفَلَةِ)، وذلكَ لِمَا في استلامِ الفاسدينِ للمناصبِ من كوارثَ قد تَعُمُّ البلادَ. كما أنَّ له من عظيمِ الحكمةِ قوله: (كلامُ العاقلِ كلُّهُ أمثالٌ، وكلامُ الجاهلِ كلُّه آمالٌ)، وهو يتلاقى مع قولهِ تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)، وقولِ سيدنا المسيح (ع) حين سُئلَ: لماذا تكلِّمُهُم بالأمثالِ؟ فأجاب: (لأنَّهُ قد أعطيَ لكم أن تَعرفوا أسرارَ ملكوتِ السَّماواتِ، وأمَّا أولئكَ فلم يُعطَ، فإنَّ مَن له سيُعطى ويُزاد، وأما مَن ليس له فالذي عندَهُ سيُؤخذُ منه).
وامتثالاً لأوامرِ الأئمَّةِ (ع) في إقامةِ أعمالِ هذا اليومِ نصومُ هذا اليومَ ونُحييهِ بالصَّلاةِ والتَّذاكرِ بالعلومِ الدِّينيَّةِ لتُقبَلَ أعمالُنا بمقدارِ معارفِنا، امتثالاً لقولِ سيِّدتنا فاطمةَ الزَّهراء (ع): (جعلَ اللهُ معرفَتَهُ تطهيرًا لكم من الشِّركِ، والصَّلاةَ تنزيهًا لكم عن الكِبرِ، والزَّكاةَ تزكيةً للنَّفسِ ونماءً في الرِّزقِ، والصِّيامَ تثبيتًا للإخلاصِ، والحجَّ تشييدًا للدِّين).
فحضورُ مجالسِ العلمِ لتعلُّمِ الآدابِ والعلومِ الدِّينيَّةِ وأصولِ الفقهِ إحياءٌ لأمرِ اللهِ وأنبيائِهِ وأئمَّتِهِ لقولِ الإمام الصَّادق (ع): (أحيوا أمرَنا، رَحِمَ اللهُ مَن أحيا أمرَنا)، فقيل: وكيف يُحيَى أمرُكُم؟ قال: (أن تتعلَّمُوا علومَنا وتعلِّموها لمُستحقِّيها، فإنَّ النَّاسَ لو عَلِمُوا محاسنَ كلامِنا لاتَّبعونا).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السابع والتسعون حول مكان الكعبة الحقيقي

images

السُّؤالُ السَّابعُ والتِّسعونَ: هل صحيحٌ أنَّ الكعبةَ موجودةٌ في العراقِ وليست في الجزيرةِ العربيَّةِ؟ وأنَّ محمَّدًا (ص) من العراقِ؟ وأنَّ مكَّة هي الكوفة؟

 

الجوابُ السَّابعُ والتِّسعونَ بإذنِ اللهِ:

إنَّ هناكَ محاولاتٍ حثيثةً لضربِ التَّاريخِ الإسلاميِّ من جذورِهِ، وبأيدٍ متأسلِمَةٍ رخيصةٍ مأجورةٍ، لأنَّكَ حينَ تضربُ التَّاريخَ وتشكِّكُ فيهِ فإنَّكَ تقضي على الحاضرِ والمستقبلِ.

وهذهِ البدعةُ القائلةُ بأنَّ: سيِّدنا محمَّدًا رسول الله (ص) عراقيٌّ، وأنَّ مكَّةَ هي الكوفةُ، وأنَّ الكعبةَ في الكوفةِ!! إنَّما هي بدعةٌ أطلقَتْها مجموعاتٌ صهيونيَّةٌ جديدةٌ أسْمَتْ نفسَها تسمياتٍ علويَّةً عبرَ صفحاتٍ افتراضيَّةٍ مثل (الشِّيعةُ المتنوِّرون، والمعرفةُ بالنُّورانيَّةِ، والطَّائفةُ العلويَّةُ النُّصيريَّةُ في العراقِ ومصر وفلسطين ووو)، وهي ببدعَتِها هذهِ تتلاقى مع فكرةِ تهويدِ القدسِ، فالمهمُّ عندَ الصَّهيوينَّةِ تكريسُ اليهودِ حكَّامًا للعالمِ، وتحويلُ التَّاريخِ كلِّهِ إلى تاريخٍ يهوديٍّ كاملٍ.

وليست هذهِ المرَّةُ الأولى التي يحاولونَ فيها تشويهَ التَّاريخِ الإسلاميِّ، فهناكَ مَن سَبقَهم وادَّعى أنَّ الكعبةَ موجودةٌ في اليمنِ!! واليومَ يُطِلُّ علينا الـمَدعوُّون (الشِّيعةُ المتنوِّرونَ) من صفحاتٍ تدَّعي أنَّها علويَّةٌ نصيريَّةٌ، والعلويَّةُ النُّصيريَّةُ بريئةٌ منها ومن مقالاتِها ومنشوراتِها المليئةِ بالزِّيفِ العقائديِّ والخلطِ التَّشبيهيِّ، حتَّى لو ادَّعى القائمونَ عليها ولاءَهم ومحبَّتَهم لأميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، فهذا لا ينفي أنَّ ولاءَهم كاذبٌ ومحبَّتَهم مُزيَّفَةٌ كولاءِ الغلاةِ الحلوليِّينَ الذين لم ينقطعْ وجودُهم عبر الزَّمنِ.

هؤلاء (الشِّيعةُ المتنوِّرونَ) أصحابُ (المعرفةِ بالنُّورانيَّةِ) يزعمونَ أنَّهم يفشونَ الأسرارَ!! والحقيقةُ أنَّهم يبتدعونَ مذهبًا جديدًا لضربِ اسمِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ، وبهذا تتمُّ محاصرةُ العلويِّينَ بين مطرقةِ التَّشيُّعِ وسندانِ التَّشويهِ!!

والعاقلُ سيفهمُ أنَّ الأمرَ يعني محاصرةَ العلويِّينَ من جهاتٍ ثلاثةٍ هي:

الجهةُ الأولى: السُّنَّةُ المتشدِّدونَ الذين أعلنوا وما زالوا يُعلنونَ الحربَ على العلويِّينَ لقتلِهم تنفيذًا لفتوى ابن تيميَّة لعنهُ اللهُ.

الجهةُ الثَّانيةُ: الشِّيعةُ المتشدِّدونُ الذين مارسوا طقوسَ التَّبشيرِ من خلالِ حملاتِ التَّشيُّعِ التي انتشرَتْ في العَقدَينِ الأخيرَينِ بشكلٍ فاضحٍ.

الجهةُ الثالثةُ: الصَّهيونيَّةُ التي تستخدمُ أدواتِها، والتي تنقسم إلى قسمين:

الأداةُ الأولى: الصفحاتُ المأجورةُ التي ذكرناها، والتي يديرُها أشخاصٌ من ناصبةِ تونس ومصر والعراق، وهم مسؤولونَ أمامَ مُمَوِّليهم عن تشويهِ التَّعاليمِ العلويَّةِ الأصيلةِ ونشرِها على أنَّها (الدِّينُ العلويُّ الباطنيُّ!!) وذلك لهدفَين: أوَّلهما: تشكيكُ شبابِنا العلويِّ بعقيدَتهم من خلالِ الشَّرخِ القائمِ بينَ ما هم عليه وما يقرؤونَهُ على هذه الصَّفحاتِ. وثانيهما: تأليبُ أبناءِ الطَّوائفِ الأخرى على العلويِّينَ بسببِ الصُّورةِ القاتمةِ التي يصوِّرُها أصحابُ هذه الصَّفحاتِ. وما فَضَحَهم هو دخولُهم على الخطِّ السِّياسيِّ ومحاولةُ الطَّعنِ برموزٍ وطنيَّةٍ عُرِفَتْ بمناهَضَتِها للكيانِ الصَّهيونيِّ كالقائدِ الخالدِ حافظِ الأسد، وسماحةِ الإمامِ الاستثنائيِّ الخُميني، والسيِّدِ الرَّئيس بشَّار الأسد، وقائدِ المقاومةِ السَّيِّد حسن نصر الله.

الاداةُ الثَّانيةُ: المحطَّاتُ الفضائيَّةُ التَّحريضيَّةُ، وخاصَّةً تلكَ التي تذيعُ برامجَ يقدِّمها اللَّعين عبد الحليم الغزِّي واللعينُ ياسر الحبيب، والتي تحاولُ أخذَ التَّعاليمِ المشوَّهةِ التي ينشرُها أصحابُ الصَّفحاتِ المأجورةِ كمادَّةٍ دسمةٍ، بالإضافةِ إلى ما نشرَهُ ونسَبَهُ لنا كلُّ الكاذبينَ من أمثالِ أبي موسى الحريري (سلسلة التُّراث العلوي) ورواء جمال علي وفضل خاسكة وعبد الكريم جامع وشوقي الحداد ومحمَّد علي إسبر وغيرهم، وقد قامَت هذه المحطَّاتُ بتبنِّي هذه المنشوراتِ على أنَّها (الباطنُ) الـمُكتَشَفُ على أيديهم، لتقومَ بضربِ النَّهجِ العلويِّ الإسلاميِّ وتأليبِ كافَّةِ المجتمعاتِ ضدَّهُ.

 

لمواجهةِ هذه الحربِ الكونيَّةِ لابدَ ألاَّ نقفَ مكتوفي الأيدي، فهذا المخطَّطُ الصَّهيونيُّ الخطيرُ هدفُهُ مدمِّرٌ للإسلامِ الحقِّ الذي يشكِّلُ نهجُنا العلويُّ نقطةَ ارتكازِهِ، وهو مدروسٌ ومُنظَّمٌ بعنايةٍ فائقةٍ لا ينتبِهُ إليها ضعفاءُ النُّفوسِ والعقولِ، ولا يمكنُ أن تُوَاجَهَ بالإهمالِ والنَّأي بالنَّفسِ والاختباءِ خلفَ الأصابعِ والنُّواحِ والعويلِ، بل تُواجَهُ بتصحيحِ العقائدِ المنحرفةِ التي ينشرونَها، والرَّدِّ على الأكاذيبِ التي يُلفِّقونَها، لإحقاقِ الحقِّ وإعلاءِ كلمَتِهِ وسَحقِ الباطلِ وجنودِهِ.

 

بعدَ هذا الإيضاحِ، ورغمَ أنَّنا كعلويِّينَ نَتَعالى عن أن نحدِّدَ اللهَ في مكانٍ دونَ مكانٍ، ورغمَ أنَّنا نفهمُ أنَّ بيتَ اللهِ لا يُقصَدُ فيهِ الحجر، سواءَ كانَ في اليمنِ أو العراقِ أو الحجازِ، فإنَّنا نقول: إنَّ بيتَ اللهِ أعلى وأجلُّ من أن تحدِّدَهُ أقلامُ العابثينَ، وأن تُشَكِّكَ فيهِ أفكارُ الحاقدينَ، وإنَّ الحقيقةَ المطلقةَ لا تغيِّرُها الملوِّثاتُ الحسِّيَّةُ التي يتمسَّكُ بها أهلُ الحشو جميعًا.

ولكنْ- للحقيقةِ والتَّاريخ- نؤكِّدُ أنَّ سيِّدنا محمَّد (ص) ظهرَ في أرضِ الحجازِ نبيًّا رسولاً وهذا لا يعيبُهُ. والكعبةُ الشَّريفةُ هي نفسُها التي في أرضِ الحجازِ، وهي تمثيلٌ حسِّيٌّ عن كعبةِ الحقِّ في الوجودِ الحقِّ، وفيها ظهرَ أميرُ المؤمنين الإمامُ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ مولودًا. وفي مكَّةَ التي هي في شبهِ الجزيرةِ العربيَّةِ اجتمعَ مشركو قريش لاغتيالِ رسالةِ الإسلامِ في اليومِ المعروفِ بيومِ الفِراشِ. ولا يوجدُ فرقٌ كبيرٌ بينَ مَن حاولوا اغتيالَ الإسلامِ يومَ الفراشِ في مكَّةَ، ومَن حاولوا اغتيالَهُ يومَ السَّقيفةِ في المدينةِ المنوَّرَةِ، ومَن حاولوا اغتيالَهُ يومَ عاشوراءَ في الكوفةِ، فمَن حملَ السَّيفَ ضدَّ الحقِّ كمَن اغتصَبَ مقامَ الحقِّ كَمَن أغمدَ سيوفَهُ ولم يَنصرِ الحقَّ ضدَّ الباطلِ، فالطَّهارةُ والنَّجاسةُ لا تتعلَّقُ بالأمكنةِ بل بِمَنْ فيها.

أمَّا تَخَرُّصاتُ أولئكَ المشوِّهينَ للتَّاريخِ فلا صِحَّةَ لها، لأنَّها تخدمُ فقط أهدافَ الصَّهيونيَّةِ التي تسعى لتأكيدِ أنَّ الأرضَ المباركةَ هي فقط (من النِّيلِ إلى الفراتِ)، وقد فَضَحَتْهم أحدُ منشوراتِهم التي تقولُ بمفرداتِ يهوديَّةٍ: (إنَّ مكَّةَ ليستْ مكَّةُ الحجازِ، إنَّما هي أرضُ الرَّبِّ أرضُ الميعادِ وبيتُ المقدسِ الكوفةُ المقدَّسَةُ!!).

واليهودُ دومًا يحاولونَ الزَّعمَ أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) ادَّعى النُّبوَّةَ فيها، كما يحاولونَ اليومَ الزَّعمَ أنَّ سيِّدنا محمَّد (ص) ادَّعى النبوَّةَ فيها وفقَ النَّظريةِ الجديدةِ المشبوهةِ التي تقولُ بأنَّهُ من العراقِ، والتي أرادوها شبهةً روَّجوها عبرَ أدواتِهم. عَدا عن الهدفِ الأكبرِ الذي هو ضربُ التَّاريخِ الإسلاميِّ الذي امتدَّ لأكثرَ من ألفٍ وأربعمئة عامٍ.

وبغضِّ النَّظرِ عن كلِّ التَّشويهِ الذي طالَ الإسلامَ وتعاليمَهُ، والتَّحريفِ الذي طالَ تاريخَنا، إلاَّ أنَّ ضربَ الأصولِ والأسسِ الثَّابتةِ (كالنَّبيِّ والكعبةِ والمدينةِ و…) هدفُهُ القضاءُ التَّامُّ على الإسلامِ مستقبلاً، وهذا لا يختلفُ عن تهويدِ القدسِ، وهدمِ المدنِ الأثريَّةِ وتشويهِ معالمِها وسرقةِ مُقتَنياتِها، لتحقيقِ هدفِ الصَّهيونيَّةِ الأكبرِ وهو سيادةُ اليهودِ وحكمُهم الـمُطلَقُ للعالمِ بعدَ أن يهدموا كلَّ التَّواريخِ، ويُشيعوا أنَّ التَّاريخَ الحقيقيَّ هو تاريخُ اليهودِ، فيكونَ لهم التَّاريخُ والحاضرُ والمستقبلُ، وهذا لم ولن يكونَ طالما أهلُ الحقِّ موجودونَ للمواجهةِ.

 

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

حكاية طواقي اليهود بين حافظ الأسد وهنري كيسنجر

501

حكاية طواقي اليهود بين حافظ الأسد وهنري كيسنجر

بقلم: د. بهجت سليمان

  • بَعْدَ انتهاء حرب تشرين عام 1973 ، وإيقاف ” أنور السادات ” للحرب مع ” إسرائيل ” دون التنسيق مع سورية .. استمرّ الجيش السوري بحرب استنزافيّة مع الإسرائيليين ..

  • وبَعْدَ اتفاق وزير الخارجية الأميركي الشهير ” هنري كيسنجر ” مع ” السادات ” على ” فَصْلِ القوّات ” على الجبهة المصرية ..

  • قام ” كيسنجر بعشرات الزيارات إلى دمشق والتقى الرئيس ” حافظ الأسد ” من أجل القيام بفصل قوات على الجبهة السورية مُشابِهٍ لما جرى على الجبهة المصرية ..

  • وكان موقفُ الرئيس الأسد مُنْطَلِقاً من ضرورة انسحاب القوّات الإسرائيلية المحتلّة من كامل ” الجيب ” الذي تمكنت القوات الإسرائيلية من احتلاله ، بَعْدَ غدر السادات بسورية ، وتَوَقُّفِهِ عن القيام بأيّ نشاط ميداني ، منذ عبور الجيش المصري لقناة السويس في اليوم الأوّل للحرب ، ولمدّة أسبوعٍ كامل ، تَفَرَّغت فيه ” إسرائيل ” للجبهة السورية ، ممّا أمّن لها الفرصة المناسبة لتحقيق خروقات على الجانب السوري . .

  • وكانت مفاوَضاتُ ” كيسنجر ” مع ” الأسد ” شاقّةً ومُضْنِيةً له ، بإعْترافه ، لِأنّ الأسد رفَضَ القيام بِأيّ عملية فصل للقوّات ، إلاّ بانسحاب ” إسرائيل ” من كامل الجيب المحتلّ حينئذ ، وكذلك الإنسحاب من مدينة ” القنيطرة ” المحتلّة عام ” 1967 ” كأساسٍ وشَرْطٍ ل فصل القوّات .. وكان ذلك يستدعي انسحاب القوات الإسرائيلية لمسافة ” 16 ” ستّة عشر كيلو متر .

  • وبَعْدَ أكثر من دزينتين من لقاءات ل ” كيسنجر ” مع رئيسة الحكومة الصهيونية حِينَئِذٍ ” غولدا مائير ” التي قالت لكيسنجر : من الواضح أنَّ حافظ الأسد ، لن يقبل بأيّ فصل للقوات ، إلاّ إذا انسحَبْنا مسافة ” 16 ” كيلو متر ” ولذلك لا بُدّ لنا من الإنسحاب ..

  • وطار ” كيسنجر ” إلى دمشق ، ليلتقي مع الرئيس الأسد ، من إجل إبْلاغه بموافقة ” غولدا مائير ” على الإنسحاب ..

  • ويقول كيسنجر : لقد فَكَّرْتُ وأنا في طريقي إلى دمشق ، بأنْ أُبْلِغَ الرئيس الأسد ، بِأنّ ” غولدا مائير ” وافقت على الإنسحاب لمسافة ” 8 ” ثمانية كيلو متر ، لكي أحتفظ لنفسي ب المناورة مع ” الأسد ” الذي أتْعَبَني وأرْهَقَني ، قَبْلٓ إعلامه بالموافقة على ال ” 16 ” كيلومتر ..
    وهذا ما حصل فِعْلاً ، حيث قال كيسنجر للأسد : لك عندي خَبَرٌ طَيِّب ، فقد وافقت غولدا مائير على الإنسحاب لمسافة ” 8 ” كيلو متر ..

وإذا بالرئيس الأسد ينتفض غَضَباً ويقول لكيسنجر :

( أبداً ، هي وافَقَتْ على ” 16 ” كم )

ويقول كيسنجر : فَأُصِبْتُ بالذّهول ، إِذْ كيف لحافظ الأسد أن يعرف بأنها وافقت فِعْلاً؟ .. وكان لا بُدّ لي أَنْ أعترف بذلك ، لِأنّه صحيح .. وجرى بعدئذٍ فصل القوّات على الجبهة السورية .

  • ويقول كيسنجر ، بِأنّه رُغْمَ مضيّ سنوات طويلة على تلك الحادثة ، بقيَ يتساءل بينه وبين نفسه ، كيف لحافظ الأسد أن يعرف ما لم يسمعه إلاّ هو ومائير فقط !! .

  • وبَعْدَ ذلك بحوالي خمسة عشر عاماً في عام ” 1988 ” ، كان كيسنجر ، خارج السلطة ، وقام بجولة التقى فيها حسني مبارك والملك حسين ، ثم زار دمشق ، والتقى بالرئيس حافظ الأسد ، وقال لِنَفْسِهِ : أنّها الفرصة المناسِبة لكي أسأل الرئيس الأسد ، كيف عٓرَف ذلك ؟

و جاء جوابُ الرئيس حافظ الأسد ل كيسنجر ، عَبْرَ حكايَةٍ رواها له الرئيس الأسد كما يلي :

[ يوجد في دمشق أسواق تجارية قديمة ، وكان فيها تُجّارٌ دمشقيّون وتُجّارٌ يهود ، يعملون ك جيران .. فاشتكى تاجِرٌ يهودي لجارِهِ الشامي بِأنّ لديه كميّة كبيرة من ” السّتيانات ” النسائية ، مضى على عَرْضِها في مَتْجَِرِهِ شهورٌ عديدة ، دون أن يُباعَ منها شيء ، وأنّه لا يدري ماذا سيفعل بها . فقال له التاجر الشامي : بكم تبيعها لي ؟ فأجابه التاجر اليهودي : خُذْها بنصف سعرها ، وخَلِّصْني منها ..
وفِعْلاً قام بِشِرائها ..

وبَعْدَ أسبوعين ، سألُ التاجرُ اليهودي ، جارَهُ الشامي : ماذا فَعَلَتَ ب ” السّتيانات ” ؟

فأجابه : لقد بِيَعَتْ كُلٌُها . فقال له اليهودي : كيف بِيعَتْ ؟ فأجابه الشامي : لقد قَصَصْتُها وبِعْتُها ” طواقي لليهود ” . ]

وهنا ضَحِكَ كيسنجر عميقاً ، فقال له الرئيس حافظ الأسد : لأنٌني كنت أعرف بِأنّ الإسرائيليين بحاجة لفصل قوات على الجبهة السورية ، لكي يُرَسّخوا فَصْلَ القوّات على الجبهة المصرية ، ولكي تتوقّف حربُ الإستزاف عليهم من جانبنا ..
وهذا يعني أنَّ الإسرائيليين مضطَرّون للموافقة على الإنسحاب ” 16 ” كيلومتر وليس ” 8 ” كيلومتر فقط .

عندما تكون الإشاعة أقوى من الحقيقة فيمن باع الجولان

501

عندما تكون الإشاعة أقوى من الحقيقة فيمن باع الجولان

بقلم: د. حيدر أحمد عباس

عندما سمعت أن حافظ الأسد باع الجولان ظننت أن وثيقة أممية ظهرت وأن المفاوضات الدولية تدور حولها إلى أن اطلعت على مصادر التلفيقة. والتي تثبت أن الإشاعة بنظر الحاقدين هي أقوى من كل الحقائق التي تجري منذ خمسين سنة أمام الأعين .

هذه الإشاعة أطلقت سابقا ولم يصدقها أحد، ولكن نظرا لأن التركيز عليها كثر بعد اعتراف الرئيس الأمريكي بالجولان لإسرائيل. فالسؤال الأساسي هو لماذا لم تستخرج القيادة الأمريكية أو الإسرائيلية الوثيقة التي بيع بموجبها الجولان، فالمفاوضات جرت مع الأمريكيين علنا. والطريف أنهم يشيعون مرة أنه تم بيعها عام 1969 ومرة أنه تم بيعها عام 1967 وكلاهما قبل أن يصبح حافظ الأسد رئيسا.
لكن تعالوا لننظر الحقيقة فيمن باع الجولان وفلسطين والقدس والعراق والسودان وغيرها!!
صاحب فكرة حرب تشرين على الأرجح هو حافظ الأسد بدليل أنه اختارها في ذكرى يوم ميلاده 6-10-1973 وقد سيطر في بدايتها على الجولان وعلى ما بعد الجولان حتى وصل إلى بحيرة طبرية بمعرفة العالم كله وسبح فيها الجنود السوريون. فلماذا لم تبرز إسرائيل يومذاك وثيقة البيع، ولم تقل له ارجع بجنودك فبهذه الوثيقة أنت بعتنا إياها وسنقدمها لمجلس الأمن وللأمم المتحدة؟

الحقيقة أن الذي باع الجولان وتسبب بقتل آلاف الجنود السوريين هم الحكام العرب وفي مقدمتهم أنور السادات الذي أوقف القتال بعد أسبوع فقط من بداية حرب 1973، وقال للصهاينة: انتهت الحرب.

ومن أجل إيجاد مبرر لوقف الحرب أمام الجنود المصريين الأبطال الذين لم يعد هو نفسه يستطيع إيقافهم وهم منتشون بالنصر، فقد قام أنور السادات بافتعال ما سمي ثغرة الدفرسوار فأتاح للجيش الصهيوني أن يحاصر الجيش المصري رافضا (حسب الفريق: سعد الدين لشاذلي) كل التنبيهات والحلول التي اقترحها القادة قبل الثغرة وبعد الثغرة، فأوجد بذلك حجة لوقف الحرب يقنع بها الناس.

وتبعا لذلك فورا قامت إسرائيل بنقل معظم قواتها التي كانت على الجبهة المصرية إلى الجبهة السورية، وفرح الحكام العرب بهذا الموقف أيما فرح وهم يدعون ان ينتصر الصهاينة على حافظ الأسد عسى أن يسقط النظام السوري “الكافر”.
واستمر حافظ الأسد في مواصلة الحرب لوحده طوال ثمانية أشهر ونجح باستعادة جزء من الأرض المحتلة. وكسر الأسطورة التي يروجها الحكام العرب منذ عشرات السنين بأن الجيش الصهيوني لا يقهر، فقد قهره حافظ الأسد والجيش السوري وحده وانتصر عليه واستعاد محافظة القنيطرة.
ومرت السنون وتوفي حافظ الأسد وهو يتلقى اتصالا من الرئيس اللبناني إميل لحود يهنئه بانتصارهما الجديد على إسرائيل في جنوب لبنان عام 2000. وبعد موت حافظ الأسد القوي انتهز الحكام العرب الفرصة في أول مؤتمر قمة عربية في بيروت 2002 ليعلنوا بلسان ملك السعودية مبادرة السلام العربية وتحظى بتأييد المتآمرين. وتزدهر مسيرة التودد الساداتية لتتحول إلى التودد العربي لإسرائيل رويدا رويدا إلى أن صار اليوم علنيا تحت اسم حلف الناتو العربي الإسرائيلي والذي لم يعد يقتصر على الحكام بل له جمهرة من الفقهاء والزخم الشعبي العربي الذي يؤيده. وانتقاما من حافظ الأسد الذي لطالما حجز بينهم وبين هذا الحلف وبهدف إلباسه ثوب الخيانة مثلهم فقد اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بعدة فيديوات وكلها افتراءات غير موثقة وتغيير للتاريخ وتشويه للحقائق وجحود الإنجازات والبطولات التي حققها ويعرضونها لجيل لم يعاصر تلك الفترة ولا يستطيع أن يمحص تلك الأكاذيب أو يدحض الافتراءات.