أرشيف الوسم: محمد بن نصير

السؤال الثامن والثمانون حول التجسيم والتحديد

images

السُّؤال الثَّامنُ والثَّمانون: كيفَ نَرُدُّ على الذين يَزعمونَ أنَّ كلَّ ما يقومُ به العلويُّونَ هو تَكييفُ الحقائقِ الإسلاميَّةِ مع التَّجسيمِ والتَّحديدِ؟

الجوابُ الثَّامنُ والثَّمانون بإذنِ اللهِ:
إنَّ كلَّ الحملاتِ التي طالَتْ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ الخصيبيَّ من قبلِ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ كانَ سببُها التَّوحيدُ الحقيقيُّ الذي ارتكزَتْ عليهِ عقيدَتُنا الحَقَّةُ، وردودُ سادَتِنا العظماءِ كسيِّدِنا أبي شعيب محمَّد بن نُصَير وسيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ (ع) على أهلِ التَّجسيمِ والتَّشبيهِ والتَّعطيلِ والإنكارِ، فما كانَ من أولئكَ المشبِّهين والمعطِّلين إلاَّ اتِّهامَنا بما ليسَ فينا.
فالسُّنَّةُ والشِّيعةُ لا يبحثونُ ولا يُمحِّصونَ في كُتُبِ سادَتِهم، وينسبونَ لنا التَّجسيمَ دونَ تدقيقٍ في أنَّ التَّجسيمَ والتَّحديدَ لذاتِ اللهِ في كتبِهم قائمٌ، وسأعرضُ ما جاءَ فيها وما هي الرُّدودُ العلميَّةُ عليها.
لا تخلو كتبُ ما يُطلَقُ عليه لقبُ (شيخ الإسلام ابن تيميَّة) من تجسيمِ الإلهِ عزَّ شأنُهُ، فمِن ذلك قولُهُ الـمَشبوهُ: (إنَّ اللهَ يجلسُ على العرشِ، وقد أخلى مكانًا يَقعدُ فيه معهُ رسولُ اللهِ!!)، وقولُهُ المشبوهُ في كتابِ (مجموعِ الفتاوى): (إنَّ محمَّدًا يُجلِسُهُ ربُّهُ على العرشِ معهُ!!)، وقولُهُ المشبوهُ في نفسِ الكتابِ: (إذا جلسَ اللهُ على الكرسيِّ سُمِعَ له أطيطٌ كأطيطِ الرَّحلِ الجديدِ!!)، وكأنَّ اللهَ ملكٌ جالسٌ على السَّريرِ في مكانٍ مرتفعٍ ينظرُ إلى العالمِ تحتَهُ!! وكأنَّه جسمٌ كبيرٌ لَهُ ثقلٌ على العرشِ وهو يَئِطُّ كما يَئِطُّ الرَّحلُ حينما يجلسُ عليه الإنسانُ الثَّقيلُ!! مؤكِّدًا هذه الفكرةَ في كتابِهِ (تلبِيس الجهمية) بقولِهِ المشبوهِ: (إنَّ اللهَ على العرشِ والملائكةُ حَمَلَةُ العرشِ تَشعُرُ بثِقَلِ الجَبَّارِ!!)، وهو يستندُ في مقولتِهِ المشبوهةِ إلى حديثٍ منسوبٍ زورًا لرسولِ اللهِ (ص) وردَ في سُنَنِ أبي داود وغيرها.
وتابعَ تلميذُهُ ابنُ القيِّمِ الجوزيَّة على مسلَكِه المنحرفِ بقولهِ المشبوه في كتاب (بدائع الفوائد): (إن اللهَ يُجْلِسُ رسولَهُ معهُ على العرشِ.. ولا تُنكِرُوا أنَّهُ قاعدٌ ولا تُنكِرُوا أنه يُقعِدُهُ!!)، كما وردَ في كتابِ (طبقاتِ الحنابلةِ): (واللهُ عزَّ وَجَلَّ على العرشِ والكرسيّ موضِعُ قدميهِ).
ويؤكِّدُ ابنُ تيميَّةَ على تجسيمِ إلهِهِ بقولِهِ المشبوه: (إنَّ النَّبيَّ يذكرُ أنَّهُ رأى ربَّهُ في صورةِ شابٍّ مُوفرٍ رِجلاهُ في خضرٍ علَيه نَعْلانِ مِن ذهب على وجْهِهِ فِراشٌ مِن ذهَب) في إشارةٍ إلى يزيد بن معاوية، لأنَّ مغازلاتِهِ ومحاباتِهِ للفرقةِ اليزيديَّةِ المغاليةِ بيزيد وعدي بن مسافر تؤكِّدُ ذلكَ في مقدِّمةِ كتابهِ (الوصيَّة الكبرى).
وحتَّى يُثبِتَ ابنُ تيميَّةَ شُبهةَ التَّجسيمِ زعمَ قائلاً: (ليسَ في كتابِ اللهِ ولا سنَّةِ رسولِهِ ولا قولِ أحدٍ من سلفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها أنَّه ليسَ بجسمٍ وأنَّ صفاتِهِ ليست أجسامًا وأعراضًا!!)، وزعمَ أنَّ آياتِ التَّنزيهِ كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) وقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا): (لا تدلُّ على نفي الصِّفاتِ بوجهٍ من الوجوهِ ولا على نفي ما يُسمِّيهِ أهلُ الاصطلاحِ جِسمًا بوجهٍ من الوجوهِ!!).
ولا غرابةَ في أنَّ الشِّيعةَ لا تخلو كتبَهم من التَّجسيم أيضًا، فها هو مَن لُقِّبَ (حجَّةَ الاسلامِ ميرزا محمَّد تقي) يقول: (إنَّ اللهَ تعالى يَزورُ الحسينَ ويُصافِحُهُ ويقعدُ معهُ على سرير!!)، ويقولُ في موضعٍ آخر: (يَزورُهم الرَّبُّ تعالى ويُصافِحُهم ويَقعدونَ معه على سريرٍ واحدٍ لاتِّحادِ حكمِ العبوديَّةِ مع حكمِ الربوبيَّةِ!!).
كما وردَ عن الملقَّبِ (صدر المتألِّهينَ محمَّد بن إبراهيم صدرِ الدِّين الشِّيرازي) قوله المشبوهَ في تفسيرِ القرآن الكريم: (النَّارُ لا تزالُ متألِّمَةً لِمَا فيها من النَّقصِ وعدمِ الامتلاءِ حتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ قَدَمَهُ فيها، وهي إحدى تينكَ القدمَين المَذكورَتَين في الكرسيِّ!!)، يوافِقُهُ الطباطبائي في (تفسيرِ الميزان) بقولِهِ: (إنَّ اللهَ وضعَ القدمَ على النَّارِ)، مستندينَ إلى حديثٍ منسوبٍ زورًا لرسولِ اللهِ (ص) في دَرَرِ السيوطي.
إنَّ شُبهةَ التَّجسيمِ التي وقعَ فيها أهلُ الغلوِّ هؤلاء قد حذَّرَ منها الإمامُ الصَّادقُ (ع) بقوله: (إنَّ الغُلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، ومن هنا انطلقَ سيِّدنا الخصيبيُّ في مواجهةِ شُبهَةِ التَّجسيمِ حينَ أكَّدَ على تَجريدِ اللهِ تعالى عن التَّجسيم والعِلَلِ بقوله: (وَلا تَجَسَّمَ في جِسمٍ أحاطَ بِهِ… جَلَّ المُهَيمِنُ عَن تَحديدِ ذي حددِ)، فمَن زَعَمَ أنَّ اللهَ حَلَّ بِجِسمٍ فقد حَدَّهُ وَبَعَّضَهُ، وَمَن زَعَمَ أنَّه بذاتِهِ ماهيَّةٌ أو جسمٌ أو جسدٌ فقد شَبَّهَهُ بخلقهِ، كما قال تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، بدليلِ قولِ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا تقعُ الأوهامُ لهُ على صفَةٍ، ولا تعقدُ القُلوبُ منهُ على كيفيَّةٍ، ولا تنالُهُ التَّجزئةُ والتَّبعيض).
فالتَّجلِّي في نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ يعني أنَّ الوجودَ مبنيٌّ على المعرفةِ المشهودةِ للحقِّ، لأنَّ معرفةَ الآياتِ البيِّناتِ بدايةُ طريقِ العبادةِ لقولِ أمير المؤمنين الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (أوَّلُ الدِّينِ معرفَتُهُ)، لكنَّ هذا لا يعني التَّجسيمَ، لأنَّ التَّجسيمَ يقتضي الحلولَ والجنسَ، واللهُ تعالى لا جسمَ له لِتَتركَّبَ عنه الأجسامُ المُمكِنَةُ لقول أمير المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لطيفٌ لا بِتَجَسُّمٍ، موجودٌ لا بَعدَ عَدَمٍ)، كما أنَّهُ تعالى لا يمكنُ أن يكونَ جسمًا لقول الإمام الصَّادق (ع): (إنَّ الجسمَ مَحدودٌ مُتَنَاهٍ، وهو مُجَسِّمُ الأجسامِ).

إنَّ المُجسِّمَ ابن تيميَّةَ لم يكنْ لِيَحْتَمِلَ أحاديثَ أهلِ العصمةِ (ع) في إفرادِ الباري تعالى عن التَّجسيمِ، فسقطَ وأسقطَ مَن تَبِعَهُ من السُّنَّةِ بالتَّحديدِ والتَّشبيهِ حينَ جعلَ اللهَ خاضعًا للحدِّ المكانيِّ بقولِهِ المشبوهِ: (الباري سبحانَهُ وتعالى فوقَ العالمِ فوقيَّةً حقيقيَّةً وليست فوقيَّةَ الرُّتبةِ!!)، ولم يختلفْ هذا عن اشتباهِ الشيعةِ في كتاب (الأصول الستة عشر) حيث تداوَلوا روايةً مزوَّرةً تقولُ: (إنَّ اللهَ ينزلُ في يومِ عرفةَ في أوَّلِ الزَّوالِ إلى الأرضِ على جَمَلٍ أفرَقٍ يُصَالُ بِفَخديهِ أهلَ عرفاتَ يمينًا وشمالاً!!)، فهذه الأقوالُ فيها تحديدٌ للهِ تعالى وإيقاعٌ له تحت الحدِّ والتَّشبيهِ، وهذا واقعٌ في مزاعمِ ابن تيميَّةَ في كتابه (موافقة صريح المعقول) بقولِهِ: (واللهُ تعالى له حَدٌّ لا يَعلمُهُ أحدٌ غيرُهُ ولا يجوزُ لأحدٍ أن يتوهَّمَ لِحَدِّهِ غايةً في نفسِهِ ولكنْ يُؤمِنْ بالحَدِّ ويُكِلْ عِلمَ ذلكَ إلى اللهِ!!)، وقوله في كتابه (التَّأسيس في ردِّ أساسِ التَّقديس): (قُلتُم: ليسَ هو بجسمٍ ولا جوهرٍ، ولا متحيَّزٍ، ولا في جهةٍ، ولا يشار إليه بِحِسٍّ، ولا يتميَّزُ منه شيءٌ من شيءٍ، وعبَّرتُم عن ذلكَ بأنَّهُ تَعَالى ليسَ بِمُنقَسِمٍ ولا مُركَّبٍ، وأنَّه لا حدَّ له ولا غايةَ، تريدونَ بذلكَ أنَّه يَمتنِعُ عليهِ أن يكونَ لَهُ حَدٌّ وقَدْرٌ, أو يكونَ له قَدْرٌ لا يَتَناهَى… فكيفَ سَاغَ هذا النَّفي بلا كتابٍ ولا سُنَّةٍ!!).
وقد حذَّرَ سيِّدنا الخصيبيُّ (ع) من شركِ التَّحديدِ حين قال: (وَلا هُوَ الشَّيءُ مَحدودًا يُحَدُّ وَلا… لا شَيءَ كانَ فَيُنفى نَفيَ ذي جَحدِ)، مستندًا لقولِ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (لا يُشملُ بِحَدٍّ، ولا يُحسبٌ بِعَدٍّ، وإنما تَحُدُّ الأدواتُ أنفُسَها، وتشيرُ الآلاتُ إلى نظائرِها)، وقوله: (لا يُدرِكُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، ولا ينالُهُ غوصُ الفِطَنِ، الذي ليس له حدٌّ محدودٌ، ولا نعتٌ موجودٌ، ولا وقتٌ معدودٌ، ولا أجَلٌ ممدودٌ، فمن وَصَفَ اللهَ سبحانه فقد قَرَنَهُ، ومَن قَرَنَهُ فقد ثَنَّاهُ، ومَن ثَنَّاهُ فقد جَزَّأهُ)، ولو كانَ محدودًا لكانَ جسمًا ولا يجوزُ أن يكونَ الباري جسمًا وإلاَّ كانَ شبيهًا بالخلقِ وهذا مُحالٌ.
والخلاصةُ أنَّ مَن ذكرَ ذاتَ اللهِ بالتَّحديدِ فقد مَرَقَ من الدِّينِ، لأنَّ اللهَ تعالى لا يَليقُ بِهِ شيءٌ من المعقولاتِ ولا المحسوساتِ، لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إنَّ اللهَ لا يُشبِهُ شَيئًا ولا يُشبِهُهُ شَيءٌ)، فهو إذنْ معروفٌ قبلَ الحدودِ، لا حَدَّ لِذَاتِهِ ولا شيءَ أكبرُ منهُ فَيَستُرُهُ، ولا شبيهَ له ولا نظيرَ ولا ضدَّ ولا نِدَّ، وهذا هو ميزانُ التَّوحيدِ الخصيبيِّ الذي ثَقُلَ على الـمُجَسِّمينَ الـمُتلبِّسينَ بلباسِ الإسلامِ، فَحَاولوا التَّمويهَ على أنفسِهم ورَميَنا بالتُّهمةِ، ولكنَّهم لن يَنالوا مُرادَهم لأنَّ كلامَ الحقِّ المُنيرَ لا تُطفِئُهُ ظلمةُ الظَّالمينَ مهما جارَ الزَّمانُ، لقوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال السادس والستون حول التسبيحات الأربعة

images

السُّؤالُ السَّادسُ والسِّتُّون: هل يمكنُ شرحُ معاني التَّسبيحاتِ الأربعةِ عندَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ؟

الجوابُ السَّادسُ والسِّتُّون بإذنِ الله:

منَ الشَّائعِ لدى عامَّةِ المسلمينَ أنَّ ذكرَ اللهِ يتمثَّلُ بهذهِ الصِّيغةِ: (سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلاَّ الله، واللهُ أكبرُ)، وقد أجمعَ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّ ذكرَ الإنسانِ لربِّهِ يكونُ عندما يواجهُ المعاصي، ليجتنِبَها خوفًا من اللهِ، وخشيةً منه، وحبًّا وشكرًا له تعالى، وأنَّ غايةَ الذِّكرِ اللَّفظيِّ هي الانقيادُ والطَّاعةُ، ووردَ في شروحاتِهم أن معنى التَّسبيحاتِ الأربعةِ أن يعيشَ الإنسانُ معنى تسبيحِ اللهِ وتنزيهِهِ عن كلِّ نقصٍ، وأن يعيشَ حمدَ اللهِ وشكرَهُ على كلِّ نعمةٍ، وهذا قصورٌ عن فهمِ التَّسبيحِ والحمدِ والتَّكبيرِ، وهو ناجمٌ عن السَّطحيَّةِ التي تناولَ بها شيوخُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ فهمَ الكلامِ القرآنيِّ.

وقد أسَّسَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) بنيانَ البناءِ التَّوحيديِّ الخالصِ على أسسٍ راسخةٍ تمتدُّ في جذورِها إلى القرآنِ الكريمِ وكلامِ الإمام عليٍّ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، فكانَ لنا نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ منهاجًا توحيديًّا خالصًا من عقائدِ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وكانَ التَّسبيحُ عندنا هو تنزيهُ الباري عن كلِّ نقصانٍ وزيادةٍ وكمالٍ لقولِهِ تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)، وقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً)، لأنَّ النَّقصانَ ضدُّهُ الزِّيادةُ، والكمالَ ضدُّهُ النَّقصُ وهو كما قال جلَّ وعلا: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا)، وقد قال مولانا الإمام عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ، ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، والْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ).

وكلمةُ (سبحان) كلمةُ تنزيهٍ عربيَّةٌ مصدرُها (سَبَحَ) وقد جاءَ بالتَّعريفِ أنَّ معنى (سبحانَ الله) تعظيمُ وتنزيهُ الباري عمَّا قالَ فيه كلُّ مشركٍ، والمشركُ طبعًا هو الذي يغلو في الباري فيصفُهُ بصفاتِ الخلقِ لقولِ الإمام علي الرِّضا (ع): (مَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فهو مُشرِكٌ، ومَن نسَبَ إليه ما نهى عنه فهو كافرٌ)، وهذا يكونُ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، فهيئاتُ الشِّركِ مختلفةٌ وحقيقتَهُ الخفيَّةُ واحدةٌ وهي التي ذكرَها رسولُ اللهِ (ص) بقوله: (الشِّركُ في أمَّتي أَخْفَى مِن دَبيبِ النَّملةِ السَّوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على المسحِ الأسوَدِ).

وكان الحمدُ عندنا لا يقتصر على الشُّكرِ، بل يرتقي لإثباتِ الوجودِ الإلهيِّ المُنعِمِ علينا بمعرفةِ إشراقِ وجودِهِ وآياتِهِ البيِّناتِ، وأنَّ كلَّ ذلكَ للهِ جلَّ جلالُهُ لقوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، فالملحدونَ بالأسماءِ هم المنكرونَ لها المتوجِّهونَ إلى عبادةِ الوهمِ والعدمِ، فهم بذلكَ لا يعرفونَ معنى الحمدِ وإن ذكروهُ بألسنتِهم.

وكانَ التَّوحيد في قولنا: (لا إلهَ إلاَّ الله) هو نفي تعدُّدِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ وإنْ تعدَّدت الآياتُ والآلاءُ، فلو كانتِ الآياتُ هي الذَّاتُ حقيقةً وشكلاً لكانتِ الآياتُ آلهةً مع الإلهِ وهذا لا يجوزُ لقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وقد وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق شرحُ العبارةِ بقوله: (كلمةٌ أوَّلها كفرٌ وآخرها إيمانٌ، فلو قال: “لا إله” وسكتَ، لكانَ كفرَ).

ويأتي القولُ: (اللهُ أكبرُ)، ليسَ كما درجَ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّهُ أكبرُ من كلِّ شيءٍ، بل إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يتلمَّسُ في جماليَّتِها ما وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق (ع) حين جاءَهُ رجلٌ قائلاً: الله أكبر. فسألَهُ (ع): مِن أيِّ شيءٍ؟ فقالَ الرَّجلُ: من كلِّ شيءٍ. فقالَ (ع): لقد حدَّدْتَهُ. فقالَ الرَّجلُ: ما أقولُ يا مولاي؟ فقال (ع): (قل: اللهُ أكبرُ من أن يُوصَفَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس والستون حول ميلاد المسيح

images

السُّؤال الخامس والسِّتُّون: هل ينظرُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لميلادِ السَّيِّدِ المسيحِ (ع) كما تنظرُ إليهِ المذاهبُ الأخرى؟ أم كما ينظرُ إليهِ المسيحيُّونَ أنفسُهم؟

 

الجوابُ الخامسُ والسِّتُّونَ بإذنِ اللهِ:

لابدَّ في البدايةِ من الإشارةِ إلى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) سُمِّيَ مسيحًا كما وردَ عن الموالي (ع) لأنَّ في كلِّ شيءٍ منه مسحةً، وليسَ فيه مسحةً من غيرِهِ، وقيلَ أنَّهُ سُمِّيَ مسيحًا لأنَّه كان يمسحُ كلَّ ذي عاهةٍ بيدِهِ فيبرأَ، وقيلَ أنَّهُ كان ممسوحًا ليسَ لهُ ما للرِّجالِ ولا ما للنِّساءِ، لأنَّهُ لاهوتٌ ماثلَ النَّاسوتيِّين كأمثالِهم ليفهموا عنه، وكلُّ ذلكَ لإثباتِ الحجَّةِ عليهم، فقد مَسَحَ العالمَ بأسماءٍ وهيئاتٍ ومسحَ نفسَهُ باسمٍ وهيئةٍ لتَقْرُبَ الصُّورَةُ من الصُّورةِ فلذلك سُمِّيَ مسيحًا.

نحن العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لا نجسِّدُ سيِّدنا المسيح (ع) بشرًا فنوقعُ عليه الولادةَ البشريَّةَ كما تفعلُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ، بل نرفعُهُ كما أمرنا (ع) بقوله: (مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي). كذلك لا نجسِّدُ الإلهَ الآبَ فنساويهِ بالمألوهِ الابنِ كما يفعلُ النَّصارى، بل ندركُ منزلةَ الابنِ الأعظم من بارئِهِ الآبِ الوهَّابِ، وما خَصَّهُ به من قدرتِهِ لقوله (ع): (الحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ، إِنْ عَلِمْتُمْ هَذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ).

إنَّ الابنَ في نهجنا العلويِّ النُّصيريِّ غيرُ الآبِ، كما أنَّ الرَّسولَ غيرُ المرسِلِ، فالابنُ ليسَ هو الآبُ بذاتِهِ، بل إنَّ الابنَ له آبٌ أوجدَهُ ومُرسِلٌ أرسلَهُ ومكوِّنٌ كوَّنَهُ، وهذا يعني أنَّ الابنَ ليسَ هو الإلهُ المعبودُ، بل هو عبدُهُ ونبيُّهُ ورسولُهُ الذي أرسلَهُ بالهدى ودينِ الحقِّ إلى أهلِ الحقِّ والجحودِ لقوله (ع): (الكلامُ الذي تسمعونَهُ ليسَ لي بل للآبِ الذي أرسلَني).

ولطالَما صرَّح سيِّدنا المسيحُ (ع) وشَهِدَ أنَّهُ رسولُهُ وعبدُهُ المُفتَقِرُ إليهِ، وأنَّه إلهُهُ الذي يدعوهُ وَيَتضرَّعُ إليهِ ويُناجيهِ لِكَشفِ ضُرِّهِ، وينتصرُ به على أعدائِهِ في مَلمَّاتِهِ، كما في قوله تعالى على لسان المسيح: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)، وقوله عزَّ وجلَّ: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)، وكذلك ما جاء في الإنجيلِ على لسانِ سيِّدنا المسيح (ع): (الذي يؤمنُ بي ليسَ يؤمنُ بي بلْ بالذي أرسلَني).

وقد أوضحَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) خطأ مَن اعتقدَ أنَّ الابنَ إلهٌ كالآبِ، علمًا أنَّ المشبِّهينَ اعتقدوا بذلك تقليدًا ولم يتفقَّهُوا فيهِ من أهلِ العلمِ، فمَن زعمَ أنَّ الابنَ والآبَ جوهرٌ واحدٌ وقالَ بإلهينِ اثنينِ، فقد جعلَهُما قديمينِ وهذا ممَّا لا تقبلُهُ العقولُ، لقوله تعالى: (وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ)، فمنَ الشِّركِ أن يُساوى الابنُ بالآبِ، والعبدُ بالمولى، والمألوهُ بالإلهِ، وهذا ما نهى عنه تعالى بقوله: (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)، حتى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) أشارَ لذلكَ قائلاً: (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ)، فمَن لم يُخلِّصِ الابنَ من الآبِ لم يعبدْ شيئًا.

كما جاءَ في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ) نهيٌ للمؤمنينَ أن يُساووا بين الابنِ والآبِ، وهو الغلوُّ في الابنِ لأنَّه قد اشتبَهَ على المشبِّهين قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (كلُّ مَن رَآني فقد رَأى اللهَ)، لذلك قال عزَّ وجلَّ: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)؛ أي كفرَ من قالَ إنَّ الآبَ هو الابنُ، وهذا ليسَ إسقاطًا لمنزلةِ الابنِ لقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) أن تجعلوهُ مخلوقًا يجري عليه ما يجري على المخلوقين، لذلك لا نقولُ إنَّ الابنَ مخلوقٌ إجلالاً وإعظاماً، ولكنْ نقول إنَّ الآبَ فوقَهُ، وهو معنى قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أنا والأبُ واحدٌ… وهو أعظمُ من الكلِّ).

فالآبُ أحدٌ فوقَ كل شيءٍ ولا شيءَ معه، أبدعَ الابنَ وهو المسيحُ (ع) عبدُهُ القائمُ بقسطِهِ، وأجرى على يدِهِ الخلقَ والرِّزقَ والحياةَ لقوله تعالى على لسانه: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

ولابدَّ للمؤمنِ أن يعرفَ أنَّ طريقَ الوصولِ للمسيحِ (ع) لا يكونُ إلاَّ من خلال روحِ القُدُسِ الذي خاطبَ مريمَ العذراءَ وبشَّرَها كما جاءَ في الآيةِ: (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، وكذلك جاءَ في الإنجيل الخطابُ لها: (اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ) وهذا دليلٌ على أنَّ معرفةَ الابنِ لا يُدخَلُ إليها إلاَّ من معرفةِ روحِ القُدُسِ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ)، فالأجلانِ في التأويلِ هما روحُ القُدُسُ والابنُ، ومثالُهُما تبشيرُ سيِّدنا يوحنَّا المعمدان بظهورِ المخلِّصِ سيِّدنا المسيح (ع)، فإذا قُضِيَ هذان الأجلانِ فلا عدوانَ: أي ليس فوقَهُما إلاَّ الآبُ، وهو الغايةُ لمن أرادَ النَّجاةَ.

ومَن أرادَ النَّجاةَ تمسَّكَ بالعروةِ الوثقى التي هي ولايةُ الوصيِّ، ومن تخلَّفَ عن هذه الولايةِ كانَ من أهلِ الباطلِ لقولِ الإمامِ جعفر الصادق (ع): (لقد ارتقيتُم إلى درجةٍ ما فوقَها مرقاةٌ، ما بعدَ معرفةِ اللهِ ورسولِهِ إلاَّ الباطلُ فماذا تطلبونَ؟)، دليلاً على أنَّ جميعَ الأنبياءِ أشاروا إلى الأوصياءِ، فسيِّدنا عيسى اعترفَ لوصيِّهِ شمعون الصَّفا وهو المكنَّى (بطرس) بقوله: (أنتَ صَخْرَتي وعليكَ أَبنِي كَنيسَتِي)، فأقرَّ أنَّه الملتجأُ إليهِ والموثوقُ بِهِ، كما سيِّدُنا محمَّد (ص) أشارَ إلى وصيِّهِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، وأعلنَ وصرَّحَ بأنَّهُ الوليُّ بقوله: (أينَ مُنجِزُ وعدي؟ أينَ قاضي ديني؟ أين مُفَرِّجُ الهمِّ عني؟ أين عليٌّ وصيِّي؟)، فنسألُ الله أن يثبِّتنا على هذه الولايةِ ويجعلنا من السَّالكين على سبيل النَّجاةِ إلى أبدِ الآبدين.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

كتاب

لقاءات وحوارات

مع الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

  • تمهيد
  • الصراع.. والضحايا الشباب
  • الشيعة والعلوية
  • تصريح جديد عن ظاهرة المدعوين باسم (العلويون الجدد)
  • حوار شامل حول عقائد العلويين في سورية
  • لسنا فرعًا من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة
  • تفنيد ادعاءات الكاذبين حول ظهور المهدي المنتظر
  • لا فرق بين الجعفرية والنصيرية الخصيبية جوهريًا
  • التنوع المذهبي حالة طبيعية وراقية
  • شهادة الحق أساس النهج العلوي النصيري
  • المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله
  • نحن نمارس الشريعة ونعقل الحقيقة ونفي بالعقود
  • نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم
  • الخمرة عند العلوية النصيرية
  • العبادة لله لا للمدعين الربوبية؟
  • أين المفترين من علومنا التوحيدية ورياضياتنا التجريدية؟
  • لا نعتقد بالثالوث المتعدد ولا بتجسيم الألوهية
  • احذروا المواقع المشبوهة التي تدعي العلوية
  • الاستيعاب الديني والفتنة
  • الغلو هو أن تجعل الأنبياء والرسل والأئمة بشرًا خطائين
  • لا قيمة لجهادك إن كنت مجاهدًا دون أن تكون موحدًا
  • العلوية.. نهج التوحيد وميزان الحق
  • مرجعيتنا لا يمكن أن تكون مرجعية بشرية.. بل معصومة
  • التزامنا أفشل محاولات التزوير لنهجنا (العلوي)
  • أصالة العلويين في دحض شبهات التكفيريين
  • الحاجة إلى ثورة إسلامية على التاريخ الأسود والمعتقدات البالية
  • نحن ضد تربيب الأشخاص البشريين وتعظيمهم إلى درجة العصمة
  • متى يتخلصون من عبادة الأشخاص
  • تليين الحجر أسهل من إقناع الجاهلين
  • التقية الدينية بين المعتقد السري والافتراءات الوهابية
  • زيارة أضرحة الأولياء تعظيم لشعائر دين الله
  • باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر إسلام تايمز
  • دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود
  • لا تغلوا في دينكم
  • الخاتمة

interviews

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

السؤال الحادي والعشرون حول الانفعالية في الحوار الديني

images

السُّؤال الحادي والعشرون: لماذا تزدادُ الانفعاليَّةُ والعصبيَّةُ في الحواراتِ الدِّينيَّةِ؟ وهل من طريقِ لحلِّ هذه الظَّاهرةِ؟

الجواب الحادي والعشرونَ بإذنِ الله:

لعلَّ من أبرزِ المشكلاتِ التي يعاني منها شبابُنا هي مشكلةُ الانفعالِ والتَّهوُّرِ في الحكمِ على الأمورِ الدِّينيَّةِ، ومِن الطَّبيعيِّ أن تؤثِّرَ هذه الظَّاهرةُ سلبًا في رؤيتِهم للواقعِ وللأشياءِ وللأشخاصِ، فيفقدونَ وضوحَ الرُّؤيةِ، وتختلطُ الصُّورةُ الحقيقيَّةُ في عيونِهم بصورٍ زائفةٍ، وترتبكُ خطواتُهم، لأنَّ الانفعالَ يُغرقُ شخصيَّتَهم في أجواءٍ ضبابيَّةٍ غارقةٍ بالسِّحرِ والإغراءِ، لأنَّه يتعاملُ مع العاطفةِ، ولا يتعاملُ مع الفكرِ، ما يجعلُ للتَّسرُّعِ دورًا كبيرًا فيما يصدرُهُ الشَّابُّ من حكمٍ، وفيما يخلقهُ من انطباعٍ، وفيما يتَّجهُ إليهِ من غاياتٍ… وبذلكَ، يفقدُ الحكمُ حيثيَّاتِهِ الهادئةَ المتَّزنَةَ، ويغيبُ التَّركيزُ.

وأبرزُ نتائجِ الانفعاليَّةِ السَّلبيَّةِ هي العصبيَّةُ القبليَّةُ والعشائريَّةُ، فصانعو الفتنِ عبر التَّاريخِ كانوا يستغلُّونَ عواطفَ النَّاسِ وجهلَهم بالأمورِ، ويُحرِّضونَهم عن طريقِ استثارةِ العواطفِ وسَحرِهم بفتنةٍ ما لينجرُّوا وراءَ صاحبِ الفتنةِ بعماءٍ مُطلَقٍ.

فلنتفكَّرَ قليلاً: لو تخلَّصَ السُّنَّةُ من انفعالِهم لأقسَطوا الموازينَ وعرفوا أنَّ الإمامَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وفاطمة الزَّهراء والحسنَ والحسينَ هم الأقربُ منزلةً والأجلُّ درجةً بينَ أصحابِ الرَّسولِ (ص)، ولَمَا التبسَ عليهم التَّاريخُ الإسلاميُّ الحافلُ بالخياناتِ والمؤامراتِ، فلا تجدُ حينَها أحدًا من السُّنَّةِ يكفِّرُ العلويِّين لأنَّهُ أعمَلَ فكرَهُ ووعيَهُ ولم ينجرَّ وراءَ فتوى ابن تيميَّةَ القاتل بفتواهُ لكلِّ علويٍّ جاءَ في عصرِهِ حتَّى الآن، ولكنَّ الانفعاليَّةَ والعصبيَّةَ أودَتْ بقسمٍ كبيرٍ منهم للَّحاقِ بركبِ العرعورِ والقرضاوي والعريفي وغيرهم من المجرمين التَّكفيريِّين، وحدثَ ما حدثَ في سورية والعالم العربي.

ولو تخلَّصَ الشيِّعةُ من انفعالِهم لما رأيناهم يمتهنونَ السُّبابَ والشَّتائمَ للمخالفينَ في عهدِ رسولِ اللهِ (ص)، لأنَّ الشَّتمَ والسَّبَّ يؤجِّجُ النِّيرانَ والعداواتِ، ولهذا نجدُ العراقَ مشتعلاً وسيبقى مشتعلاً إلى الأبدِ بسببِ الانفعاليَّةِ في التَّعاطي مع الواقعِ الحياتي، وقد قال مولانا الإمام علي كرَّمَ الله وجهَهُ: (إنِّي أكرهُ لكم أن تكونوا سبَّابينَ، ولكنَّكم لو وصفتُم أعمالَهم وذكرتُم حالَهم لَكانَ أصوبَ) لكنَّهم لا يلتزمونَ قولَ مَن يدَّعون الانتماءَ لنَهجِهِ، وهذا يؤكِّدُ انحرافَهم عن النَّهجِ الإماميِّ والتحاقَهم بمذاهبِ شيوخِ العمائمِ المتخالفينَ أصلاً، فقسمٌ لحقَ بعلي السِّيستاني، وقسمٌ لحقَ بكمال الحيدري، وقسمٌ ركبَ مركبَ الشِّيرازيَّةِ التي ينطق باسمِها ياسر حبيب وعبد الحليم الغزي، ولكلٍّ منهم مشروعُهُ الخاصُّ في نشرِ الدَّعوةِ الشِّيعيَّةِ، فإذا وقفتَ في طريقِهم انفعلوا وقاموا بشتمكَ وسبِّكَ وتكفيرِكَ ووصفِكَ بالغلوِّ وتركِ الشَّريعةِ وإباحةِ المحرَّماتِ!!

واليومَ يشوبُ مجتمعَنا العلويَّ بعضُ الانفعاليِّينَ الذينَ يصطادُهم بعضُ الظَّلاميِّينَ المنافقينَ الذينَ يسعونَ لنشرِ بدعِهم وفتَنِهم في صفوفِ الإخوانِ، فتراهم يشتمونَ العلاَّمةَ المؤمنَ، ويحاولونَ النَّيلَ من سُمعَتِهِ ومن سمعةِ مَن انتهجَ نهجَهُ ودافعَ عن فكرِهِ، ويقذفونَهُ بما ليسَ فيهِ مع أنَّ رسولَ اللهِ (ص) حذَّرَ من ذلكَ في وصيَّةٍ لأبي ذر الغفاري (ع) حينَ قال: (يا أبا ذر، إيَّاكَ والغِيبة، فإنَّ الغيبةَ أشدُّ من الزِّنا… يا أبا ذر، سُبابِ المؤمنِ فُسُوقٌ وقتلُهُ كفرٌ وأكلُ لحمِهِ من معاصي اللهِ، وحرمةُ مالِهِ كحرمةُ دمِهِ)، فقال: وما الغيبةُ يا رسول الله؟ قال (ص): (ذِكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ)، فقالَ: وإنْ كانَ فيه ذاك الذي يُذكَرُ به؟ فقال (ص): (إن ذكرتَهُ بما هو فيه فقد اغتبْتَهُ، وإن ذكرتَهُ بما ليسَ فيه فقد بَهَتَّهُ)، كما وردَ عن أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ أنَّه قال لأحدِ أصحابِهِ: (اجتنبِ الغيبةَ فإنَّها إدامُ كلابِ النَّارِ، كذبَ مَن زعمَ أنَّهُ ابنٌ من حلالٍ وهو يأكلُ لحومَ النَّاسِ بالغيبةِ).

وكم نتعرَّضُ اليوم لهذا البُهتان من الحاقدينَ المنافقينَ المتطاولينَ على أدبِ الأئمَّةِ المعصومين (ع)، فنجدُهم يسبُّوننا ويلعنونَنا ويفترونَ علينا ويهدِّدوننا لأنَّنا نقفُ في مواجهةِ مَن يريدُ أن يغتصبَ نهجَنا المعصومَ، ونتمسَّكُ بعروةِ أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ الله وجهَهُ الوثقىَ التي قال تعالى فيها: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، ونسلكُ سبيلَ العلاَّمةِ الجليلِ في دحضِ الشُّبهاتِ والأباطيلِ، فبماذا إذن يختلفُ هؤلاء المفترونَ عن سنَّةِ ابنِ تيميَّةَ وشيعةِ محمد مهدي الشِّيرازيَ؟ ألا تليقُ بهم مقولةُ سيِّدنا المسيح (ع): (يا أولادَ الأفاعي، كيف تقدرونَ أن تتكلَّموا بالصَّالحاتِ وأنتم أشرار؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الْفَمُ)!؟

هم وأولئكَ صنفٌ واحدٌ يهمُّهُ إرضاءُ شيطانِهِ، فالحذرُ كلُّ الحذرِ يا أبناءَ وطني من أهل الظُّلماتِ الفكريَّةِ المُفتِنَةِ المقزِّزَةِ، فالظُّلماتُ الفكريَّةُ سادَتْ علينا أمويًّا وعبَّاسيًّا وعثمانيًّا وفرنسيًّا، ونحن اليومَ في زمنٍ حانَ للظُّلماتِ فيه أن تنقشعَ، وللنُّورِ أن يملأ الأرجاءَ بالعلمِ الرَّاقي والانفتاحِ الصَّافي، لنفهَمَ أنَّ عبارةَ (أنا أو لا أحد) باطلةٌ، وأنَّ علينا أن نتعايشَ باحترامٍ، ونقبلَ بوجودِ بعضِنا على اختلافاتِنا، وأن نتحادثَ ونتناقشَ ونتبادلَ أفكارَنا دون تعصُّبٍ أو غباءٍ مقرونٍ بالشَّتمِ لبعضنا والسَّبِّ واختلاقِ القصصِ والأكاذيبِ.

وكم أتحسَّسُ اليومَ العقابَ الإلهيَّ على هذه الأرضِ نتيجةَ الجهلِ والعمى والمخالفاتِ المتراكمةِ والمحارَبةِ الشَّرسةِ لأهلِ الحقِّ، والتي بدأت بجريمةِ قابيلَ الأولى، ومرَّتْ بمحاربة كلِّ الأنبياءِ، وبالعداوةِ لأميرِ المؤمنينَ وأهل البيتِ المعصومين (ع)، ووصلَتْ إلى امتهانِ سمعةِ أصحابِهم المقرَّبينَ وأتباعِهم الميامين: فاتَّهموا سيِّدَنا أبا الخطَّاب محمد بن أبي زينب بادِّعاءِ النُّبوَّةِ، واتَّهموا سيِّدَنا المفضَّلَ بن عمر بالغلوِّ، واتَّهموا سيِّدَنا أبا شعيب محمد بن نصير بالغلوِّ وادِّعاءِ النُّبوَّةِ وطعنوا بأخلاقِهِ، واتَّهموا سيِّدَنا الحسين بن حمدان الخصيبي بالغلوِّ، وطعنوا بنسبِ وانتماءِ سيِّدَنا الميمونِ بن القاسمِ الطَّبرانيِّ وزعموا أنَّهُ حاخامٌ يهوديٌّ، وحاربوا كلَّ عالمٍ من علمائِنا حتَّى وصلوا اليومَ ليتَّهمونا بنفسِ التُّهم لأنَّ أسلوبَهم القذرَ واحدٌ وطريقَتَهم الدَّنيئةَ واحدةٌ في المكرِ والتَّلبيسِ واستنهاضِ المشاعرِ الانفعاليَّةِ عندَ الأغلبيَّةِ اللاعقلانيَّةِ، ولكنَّ النَّتيجةَ في النِّهايةِ كما قال تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد