أرشيف الوسم: محمد بن نصير

السؤال السادس والستون حول التسبيحات الأربعة

images

السُّؤالُ السَّادسُ والسِّتُّون: هل يمكنُ شرحُ معاني التَّسبيحاتِ الأربعةِ عندَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ؟

الجوابُ السَّادسُ والسِّتُّون بإذنِ الله:

منَ الشَّائعِ لدى عامَّةِ المسلمينَ أنَّ ذكرَ اللهِ يتمثَّلُ بهذهِ الصِّيغةِ: (سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلاَّ الله، واللهُ أكبرُ)، وقد أجمعَ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّ ذكرَ الإنسانِ لربِّهِ يكونُ عندما يواجهُ المعاصي، ليجتنِبَها خوفًا من اللهِ، وخشيةً منه، وحبًّا وشكرًا له تعالى، وأنَّ غايةَ الذِّكرِ اللَّفظيِّ هي الانقيادُ والطَّاعةُ، ووردَ في شروحاتِهم أن معنى التَّسبيحاتِ الأربعةِ أن يعيشَ الإنسانُ معنى تسبيحِ اللهِ وتنزيهِهِ عن كلِّ نقصٍ، وأن يعيشَ حمدَ اللهِ وشكرَهُ على كلِّ نعمةٍ، وهذا قصورٌ عن فهمِ التَّسبيحِ والحمدِ والتَّكبيرِ، وهو ناجمٌ عن السَّطحيَّةِ التي تناولَ بها شيوخُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ فهمَ الكلامِ القرآنيِّ.

وقد أسَّسَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) بنيانَ البناءِ التَّوحيديِّ الخالصِ على أسسٍ راسخةٍ تمتدُّ في جذورِها إلى القرآنِ الكريمِ وكلامِ الإمام عليٍّ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، فكانَ لنا نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ منهاجًا توحيديًّا خالصًا من عقائدِ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، وكانَ التَّسبيحُ عندنا هو تنزيهُ الباري عن كلِّ نقصانٍ وزيادةٍ وكمالٍ لقولِهِ تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)، وقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً)، لأنَّ النَّقصانَ ضدُّهُ الزِّيادةُ، والكمالَ ضدُّهُ النَّقصُ وهو كما قال جلَّ وعلا: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا)، وقد قال مولانا الإمام عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ، ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، والْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ).

وكلمةُ (سبحان) كلمةُ تنزيهٍ عربيَّةٌ مصدرُها (سَبَحَ) وقد جاءَ بالتَّعريفِ أنَّ معنى (سبحانَ الله) تعظيمُ وتنزيهُ الباري عمَّا قالَ فيه كلُّ مشركٍ، والمشركُ طبعًا هو الذي يغلو في الباري فيصفُهُ بصفاتِ الخلقِ لقولِ الإمام علي الرِّضا (ع): (مَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فهو مُشرِكٌ، ومَن نسَبَ إليه ما نهى عنه فهو كافرٌ)، وهذا يكونُ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، فهيئاتُ الشِّركِ مختلفةٌ وحقيقتَهُ الخفيَّةُ واحدةٌ وهي التي ذكرَها رسولُ اللهِ (ص) بقوله: (الشِّركُ في أمَّتي أَخْفَى مِن دَبيبِ النَّملةِ السَّوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على المسحِ الأسوَدِ).

وكان الحمدُ عندنا لا يقتصر على الشُّكرِ، بل يرتقي لإثباتِ الوجودِ الإلهيِّ المُنعِمِ علينا بمعرفةِ إشراقِ وجودِهِ وآياتِهِ البيِّناتِ، وأنَّ كلَّ ذلكَ للهِ جلَّ جلالُهُ لقوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، فالملحدونَ بالأسماءِ هم المنكرونَ لها المتوجِّهونَ إلى عبادةِ الوهمِ والعدمِ، فهم بذلكَ لا يعرفونَ معنى الحمدِ وإن ذكروهُ بألسنتِهم.

وكانَ التَّوحيد في قولنا: (لا إلهَ إلاَّ الله) هو نفي تعدُّدِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ وإنْ تعدَّدت الآياتُ والآلاءُ، فلو كانتِ الآياتُ هي الذَّاتُ حقيقةً وشكلاً لكانتِ الآياتُ آلهةً مع الإلهِ وهذا لا يجوزُ لقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وقد وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق شرحُ العبارةِ بقوله: (كلمةٌ أوَّلها كفرٌ وآخرها إيمانٌ، فلو قال: “لا إله” وسكتَ، لكانَ كفرَ).

ويأتي القولُ: (اللهُ أكبرُ)، ليسَ كما درجَ السُّنَّةُ والشِّيعةُ أنَّهُ أكبرُ من كلِّ شيءٍ، بل إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يتلمَّسُ في جماليَّتِها ما وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق (ع) حين جاءَهُ رجلٌ قائلاً: الله أكبر. فسألَهُ (ع): مِن أيِّ شيءٍ؟ فقالَ الرَّجلُ: من كلِّ شيءٍ. فقالَ (ع): لقد حدَّدْتَهُ. فقالَ الرَّجلُ: ما أقولُ يا مولاي؟ فقال (ع): (قل: اللهُ أكبرُ من أن يُوصَفَ).

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ
الدكتور أحمد أديب أحمد

السؤال الخامس والستون حول ميلاد المسيح

images

السُّؤال الخامس والسِّتُّون: هل ينظرُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لميلادِ السَّيِّدِ المسيحِ (ع) كما تنظرُ إليهِ المذاهبُ الأخرى؟ أم كما ينظرُ إليهِ المسيحيُّونَ أنفسُهم؟

 

الجوابُ الخامسُ والسِّتُّونَ بإذنِ اللهِ:

لابدَّ في البدايةِ من الإشارةِ إلى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) سُمِّيَ مسيحًا كما وردَ عن الموالي (ع) لأنَّ في كلِّ شيءٍ منه مسحةً، وليسَ فيه مسحةً من غيرِهِ، وقيلَ أنَّهُ سُمِّيَ مسيحًا لأنَّه كان يمسحُ كلَّ ذي عاهةٍ بيدِهِ فيبرأَ، وقيلَ أنَّهُ كان ممسوحًا ليسَ لهُ ما للرِّجالِ ولا ما للنِّساءِ، لأنَّهُ لاهوتٌ ماثلَ النَّاسوتيِّين كأمثالِهم ليفهموا عنه، وكلُّ ذلكَ لإثباتِ الحجَّةِ عليهم، فقد مَسَحَ العالمَ بأسماءٍ وهيئاتٍ ومسحَ نفسَهُ باسمٍ وهيئةٍ لتَقْرُبَ الصُّورَةُ من الصُّورةِ فلذلك سُمِّيَ مسيحًا.

نحن العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لا نجسِّدُ سيِّدنا المسيح (ع) بشرًا فنوقعُ عليه الولادةَ البشريَّةَ كما تفعلُ السُّنَّةُ والشِّيعةُ، بل نرفعُهُ كما أمرنا (ع) بقوله: (مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي). كذلك لا نجسِّدُ الإلهَ الآبَ فنساويهِ بالمألوهِ الابنِ كما يفعلُ النَّصارى، بل ندركُ منزلةَ الابنِ الأعظم من بارئِهِ الآبِ الوهَّابِ، وما خَصَّهُ به من قدرتِهِ لقوله (ع): (الحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ، إِنْ عَلِمْتُمْ هَذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ).

إنَّ الابنَ في نهجنا العلويِّ النُّصيريِّ غيرُ الآبِ، كما أنَّ الرَّسولَ غيرُ المرسِلِ، فالابنُ ليسَ هو الآبُ بذاتِهِ، بل إنَّ الابنَ له آبٌ أوجدَهُ ومُرسِلٌ أرسلَهُ ومكوِّنٌ كوَّنَهُ، وهذا يعني أنَّ الابنَ ليسَ هو الإلهُ المعبودُ، بل هو عبدُهُ ونبيُّهُ ورسولُهُ الذي أرسلَهُ بالهدى ودينِ الحقِّ إلى أهلِ الحقِّ والجحودِ لقوله (ع): (الكلامُ الذي تسمعونَهُ ليسَ لي بل للآبِ الذي أرسلَني).

ولطالَما صرَّح سيِّدنا المسيحُ (ع) وشَهِدَ أنَّهُ رسولُهُ وعبدُهُ المُفتَقِرُ إليهِ، وأنَّه إلهُهُ الذي يدعوهُ وَيَتضرَّعُ إليهِ ويُناجيهِ لِكَشفِ ضُرِّهِ، وينتصرُ به على أعدائِهِ في مَلمَّاتِهِ، كما في قوله تعالى على لسان المسيح: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)، وقوله عزَّ وجلَّ: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)، وكذلك ما جاء في الإنجيلِ على لسانِ سيِّدنا المسيح (ع): (الذي يؤمنُ بي ليسَ يؤمنُ بي بلْ بالذي أرسلَني).

وقد أوضحَ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) خطأ مَن اعتقدَ أنَّ الابنَ إلهٌ كالآبِ، علمًا أنَّ المشبِّهينَ اعتقدوا بذلك تقليدًا ولم يتفقَّهُوا فيهِ من أهلِ العلمِ، فمَن زعمَ أنَّ الابنَ والآبَ جوهرٌ واحدٌ وقالَ بإلهينِ اثنينِ، فقد جعلَهُما قديمينِ وهذا ممَّا لا تقبلُهُ العقولُ، لقوله تعالى: (وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ)، فمنَ الشِّركِ أن يُساوى الابنُ بالآبِ، والعبدُ بالمولى، والمألوهُ بالإلهِ، وهذا ما نهى عنه تعالى بقوله: (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)، حتى أنَّ سيِّدنا المسيحَ (ع) أشارَ لذلكَ قائلاً: (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ)، فمَن لم يُخلِّصِ الابنَ من الآبِ لم يعبدْ شيئًا.

كما جاءَ في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ) نهيٌ للمؤمنينَ أن يُساووا بين الابنِ والآبِ، وهو الغلوُّ في الابنِ لأنَّه قد اشتبَهَ على المشبِّهين قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (كلُّ مَن رَآني فقد رَأى اللهَ)، لذلك قال عزَّ وجلَّ: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)؛ أي كفرَ من قالَ إنَّ الآبَ هو الابنُ، وهذا ليسَ إسقاطًا لمنزلةِ الابنِ لقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) أن تجعلوهُ مخلوقًا يجري عليه ما يجري على المخلوقين، لذلك لا نقولُ إنَّ الابنَ مخلوقٌ إجلالاً وإعظاماً، ولكنْ نقول إنَّ الآبَ فوقَهُ، وهو معنى قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أنا والأبُ واحدٌ… وهو أعظمُ من الكلِّ).

فالآبُ أحدٌ فوقَ كل شيءٍ ولا شيءَ معه، أبدعَ الابنَ وهو المسيحُ (ع) عبدُهُ القائمُ بقسطِهِ، وأجرى على يدِهِ الخلقَ والرِّزقَ والحياةَ لقوله تعالى على لسانه: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

ولابدَّ للمؤمنِ أن يعرفَ أنَّ طريقَ الوصولِ للمسيحِ (ع) لا يكونُ إلاَّ من خلال روحِ القُدُسِ الذي خاطبَ مريمَ العذراءَ وبشَّرَها كما جاءَ في الآيةِ: (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، وكذلك جاءَ في الإنجيل الخطابُ لها: (اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ) وهذا دليلٌ على أنَّ معرفةَ الابنِ لا يُدخَلُ إليها إلاَّ من معرفةِ روحِ القُدُسِ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ)، فالأجلانِ في التأويلِ هما روحُ القُدُسُ والابنُ، ومثالُهُما تبشيرُ سيِّدنا يوحنَّا المعمدان بظهورِ المخلِّصِ سيِّدنا المسيح (ع)، فإذا قُضِيَ هذان الأجلانِ فلا عدوانَ: أي ليس فوقَهُما إلاَّ الآبُ، وهو الغايةُ لمن أرادَ النَّجاةَ.

ومَن أرادَ النَّجاةَ تمسَّكَ بالعروةِ الوثقى التي هي ولايةُ الوصيِّ، ومن تخلَّفَ عن هذه الولايةِ كانَ من أهلِ الباطلِ لقولِ الإمامِ جعفر الصادق (ع): (لقد ارتقيتُم إلى درجةٍ ما فوقَها مرقاةٌ، ما بعدَ معرفةِ اللهِ ورسولِهِ إلاَّ الباطلُ فماذا تطلبونَ؟)، دليلاً على أنَّ جميعَ الأنبياءِ أشاروا إلى الأوصياءِ، فسيِّدنا عيسى اعترفَ لوصيِّهِ شمعون الصَّفا وهو المكنَّى (بطرس) بقوله: (أنتَ صَخْرَتي وعليكَ أَبنِي كَنيسَتِي)، فأقرَّ أنَّه الملتجأُ إليهِ والموثوقُ بِهِ، كما سيِّدُنا محمَّد (ص) أشارَ إلى وصيِّهِ الإمام علي كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، وأعلنَ وصرَّحَ بأنَّهُ الوليُّ بقوله: (أينَ مُنجِزُ وعدي؟ أينَ قاضي ديني؟ أين مُفَرِّجُ الهمِّ عني؟ أين عليٌّ وصيِّي؟)، فنسألُ الله أن يثبِّتنا على هذه الولايةِ ويجعلنا من السَّالكين على سبيل النَّجاةِ إلى أبدِ الآبدين.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلمُ

الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

كتاب

لقاءات وحوارات

مع الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

  • تمهيد
  • الصراع.. والضحايا الشباب
  • الشيعة والعلوية
  • تصريح جديد عن ظاهرة المدعوين باسم (العلويون الجدد)
  • حوار شامل حول عقائد العلويين في سورية
  • لسنا فرعًا من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة
  • تفنيد ادعاءات الكاذبين حول ظهور المهدي المنتظر
  • لا فرق بين الجعفرية والنصيرية الخصيبية جوهريًا
  • التنوع المذهبي حالة طبيعية وراقية
  • شهادة الحق أساس النهج العلوي النصيري
  • المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله
  • نحن نمارس الشريعة ونعقل الحقيقة ونفي بالعقود
  • نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم
  • الخمرة عند العلوية النصيرية
  • العبادة لله لا للمدعين الربوبية؟
  • أين المفترين من علومنا التوحيدية ورياضياتنا التجريدية؟
  • لا نعتقد بالثالوث المتعدد ولا بتجسيم الألوهية
  • احذروا المواقع المشبوهة التي تدعي العلوية
  • الاستيعاب الديني والفتنة
  • الغلو هو أن تجعل الأنبياء والرسل والأئمة بشرًا خطائين
  • لا قيمة لجهادك إن كنت مجاهدًا دون أن تكون موحدًا
  • العلوية.. نهج التوحيد وميزان الحق
  • مرجعيتنا لا يمكن أن تكون مرجعية بشرية.. بل معصومة
  • التزامنا أفشل محاولات التزوير لنهجنا (العلوي)
  • أصالة العلويين في دحض شبهات التكفيريين
  • الحاجة إلى ثورة إسلامية على التاريخ الأسود والمعتقدات البالية
  • نحن ضد تربيب الأشخاص البشريين وتعظيمهم إلى درجة العصمة
  • متى يتخلصون من عبادة الأشخاص
  • تليين الحجر أسهل من إقناع الجاهلين
  • التقية الدينية بين المعتقد السري والافتراءات الوهابية
  • زيارة أضرحة الأولياء تعظيم لشعائر دين الله
  • باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر إسلام تايمز
  • دعوة الأنبياء هي التوجه لعبادة إله موجود
  • لا تغلوا في دينكم
  • الخاتمة

interviews

لتنزيل الكتاب انقر على الرابط

لقاءات وحوارات مع الباحث الديني العلوي

السؤال الحادي والعشرون حول الانفعالية في الحوار الديني

images

السُّؤال الحادي والعشرون: لماذا تزدادُ الانفعاليَّةُ والعصبيَّةُ في الحواراتِ الدِّينيَّةِ؟ وهل من طريقِ لحلِّ هذه الظَّاهرةِ؟

الجواب الحادي والعشرونَ بإذنِ الله:

لعلَّ من أبرزِ المشكلاتِ التي يعاني منها شبابُنا هي مشكلةُ الانفعالِ والتَّهوُّرِ في الحكمِ على الأمورِ الدِّينيَّةِ، ومِن الطَّبيعيِّ أن تؤثِّرَ هذه الظَّاهرةُ سلبًا في رؤيتِهم للواقعِ وللأشياءِ وللأشخاصِ، فيفقدونَ وضوحَ الرُّؤيةِ، وتختلطُ الصُّورةُ الحقيقيَّةُ في عيونِهم بصورٍ زائفةٍ، وترتبكُ خطواتُهم، لأنَّ الانفعالَ يُغرقُ شخصيَّتَهم في أجواءٍ ضبابيَّةٍ غارقةٍ بالسِّحرِ والإغراءِ، لأنَّه يتعاملُ مع العاطفةِ، ولا يتعاملُ مع الفكرِ، ما يجعلُ للتَّسرُّعِ دورًا كبيرًا فيما يصدرُهُ الشَّابُّ من حكمٍ، وفيما يخلقهُ من انطباعٍ، وفيما يتَّجهُ إليهِ من غاياتٍ… وبذلكَ، يفقدُ الحكمُ حيثيَّاتِهِ الهادئةَ المتَّزنَةَ، ويغيبُ التَّركيزُ.

وأبرزُ نتائجِ الانفعاليَّةِ السَّلبيَّةِ هي العصبيَّةُ القبليَّةُ والعشائريَّةُ، فصانعو الفتنِ عبر التَّاريخِ كانوا يستغلُّونَ عواطفَ النَّاسِ وجهلَهم بالأمورِ، ويُحرِّضونَهم عن طريقِ استثارةِ العواطفِ وسَحرِهم بفتنةٍ ما لينجرُّوا وراءَ صاحبِ الفتنةِ بعماءٍ مُطلَقٍ.

فلنتفكَّرَ قليلاً: لو تخلَّصَ السُّنَّةُ من انفعالِهم لأقسَطوا الموازينَ وعرفوا أنَّ الإمامَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وفاطمة الزَّهراء والحسنَ والحسينَ هم الأقربُ منزلةً والأجلُّ درجةً بينَ أصحابِ الرَّسولِ (ص)، ولَمَا التبسَ عليهم التَّاريخُ الإسلاميُّ الحافلُ بالخياناتِ والمؤامراتِ، فلا تجدُ حينَها أحدًا من السُّنَّةِ يكفِّرُ العلويِّين لأنَّهُ أعمَلَ فكرَهُ ووعيَهُ ولم ينجرَّ وراءَ فتوى ابن تيميَّةَ القاتل بفتواهُ لكلِّ علويٍّ جاءَ في عصرِهِ حتَّى الآن، ولكنَّ الانفعاليَّةَ والعصبيَّةَ أودَتْ بقسمٍ كبيرٍ منهم للَّحاقِ بركبِ العرعورِ والقرضاوي والعريفي وغيرهم من المجرمين التَّكفيريِّين، وحدثَ ما حدثَ في سورية والعالم العربي.

ولو تخلَّصَ الشيِّعةُ من انفعالِهم لما رأيناهم يمتهنونَ السُّبابَ والشَّتائمَ للمخالفينَ في عهدِ رسولِ اللهِ (ص)، لأنَّ الشَّتمَ والسَّبَّ يؤجِّجُ النِّيرانَ والعداواتِ، ولهذا نجدُ العراقَ مشتعلاً وسيبقى مشتعلاً إلى الأبدِ بسببِ الانفعاليَّةِ في التَّعاطي مع الواقعِ الحياتي، وقد قال مولانا الإمام علي كرَّمَ الله وجهَهُ: (إنِّي أكرهُ لكم أن تكونوا سبَّابينَ، ولكنَّكم لو وصفتُم أعمالَهم وذكرتُم حالَهم لَكانَ أصوبَ) لكنَّهم لا يلتزمونَ قولَ مَن يدَّعون الانتماءَ لنَهجِهِ، وهذا يؤكِّدُ انحرافَهم عن النَّهجِ الإماميِّ والتحاقَهم بمذاهبِ شيوخِ العمائمِ المتخالفينَ أصلاً، فقسمٌ لحقَ بعلي السِّيستاني، وقسمٌ لحقَ بكمال الحيدري، وقسمٌ ركبَ مركبَ الشِّيرازيَّةِ التي ينطق باسمِها ياسر حبيب وعبد الحليم الغزي، ولكلٍّ منهم مشروعُهُ الخاصُّ في نشرِ الدَّعوةِ الشِّيعيَّةِ، فإذا وقفتَ في طريقِهم انفعلوا وقاموا بشتمكَ وسبِّكَ وتكفيرِكَ ووصفِكَ بالغلوِّ وتركِ الشَّريعةِ وإباحةِ المحرَّماتِ!!

واليومَ يشوبُ مجتمعَنا العلويَّ بعضُ الانفعاليِّينَ الذينَ يصطادُهم بعضُ الظَّلاميِّينَ المنافقينَ الذينَ يسعونَ لنشرِ بدعِهم وفتَنِهم في صفوفِ الإخوانِ، فتراهم يشتمونَ العلاَّمةَ المؤمنَ، ويحاولونَ النَّيلَ من سُمعَتِهِ ومن سمعةِ مَن انتهجَ نهجَهُ ودافعَ عن فكرِهِ، ويقذفونَهُ بما ليسَ فيهِ مع أنَّ رسولَ اللهِ (ص) حذَّرَ من ذلكَ في وصيَّةٍ لأبي ذر الغفاري (ع) حينَ قال: (يا أبا ذر، إيَّاكَ والغِيبة، فإنَّ الغيبةَ أشدُّ من الزِّنا… يا أبا ذر، سُبابِ المؤمنِ فُسُوقٌ وقتلُهُ كفرٌ وأكلُ لحمِهِ من معاصي اللهِ، وحرمةُ مالِهِ كحرمةُ دمِهِ)، فقال: وما الغيبةُ يا رسول الله؟ قال (ص): (ذِكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ)، فقالَ: وإنْ كانَ فيه ذاك الذي يُذكَرُ به؟ فقال (ص): (إن ذكرتَهُ بما هو فيه فقد اغتبْتَهُ، وإن ذكرتَهُ بما ليسَ فيه فقد بَهَتَّهُ)، كما وردَ عن أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ أنَّه قال لأحدِ أصحابِهِ: (اجتنبِ الغيبةَ فإنَّها إدامُ كلابِ النَّارِ، كذبَ مَن زعمَ أنَّهُ ابنٌ من حلالٍ وهو يأكلُ لحومَ النَّاسِ بالغيبةِ).

وكم نتعرَّضُ اليوم لهذا البُهتان من الحاقدينَ المنافقينَ المتطاولينَ على أدبِ الأئمَّةِ المعصومين (ع)، فنجدُهم يسبُّوننا ويلعنونَنا ويفترونَ علينا ويهدِّدوننا لأنَّنا نقفُ في مواجهةِ مَن يريدُ أن يغتصبَ نهجَنا المعصومَ، ونتمسَّكُ بعروةِ أميرِ المؤمنينَ كرَّمَ الله وجهَهُ الوثقىَ التي قال تعالى فيها: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، ونسلكُ سبيلَ العلاَّمةِ الجليلِ في دحضِ الشُّبهاتِ والأباطيلِ، فبماذا إذن يختلفُ هؤلاء المفترونَ عن سنَّةِ ابنِ تيميَّةَ وشيعةِ محمد مهدي الشِّيرازيَ؟ ألا تليقُ بهم مقولةُ سيِّدنا المسيح (ع): (يا أولادَ الأفاعي، كيف تقدرونَ أن تتكلَّموا بالصَّالحاتِ وأنتم أشرار؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الْفَمُ)!؟

هم وأولئكَ صنفٌ واحدٌ يهمُّهُ إرضاءُ شيطانِهِ، فالحذرُ كلُّ الحذرِ يا أبناءَ وطني من أهل الظُّلماتِ الفكريَّةِ المُفتِنَةِ المقزِّزَةِ، فالظُّلماتُ الفكريَّةُ سادَتْ علينا أمويًّا وعبَّاسيًّا وعثمانيًّا وفرنسيًّا، ونحن اليومَ في زمنٍ حانَ للظُّلماتِ فيه أن تنقشعَ، وللنُّورِ أن يملأ الأرجاءَ بالعلمِ الرَّاقي والانفتاحِ الصَّافي، لنفهَمَ أنَّ عبارةَ (أنا أو لا أحد) باطلةٌ، وأنَّ علينا أن نتعايشَ باحترامٍ، ونقبلَ بوجودِ بعضِنا على اختلافاتِنا، وأن نتحادثَ ونتناقشَ ونتبادلَ أفكارَنا دون تعصُّبٍ أو غباءٍ مقرونٍ بالشَّتمِ لبعضنا والسَّبِّ واختلاقِ القصصِ والأكاذيبِ.

وكم أتحسَّسُ اليومَ العقابَ الإلهيَّ على هذه الأرضِ نتيجةَ الجهلِ والعمى والمخالفاتِ المتراكمةِ والمحارَبةِ الشَّرسةِ لأهلِ الحقِّ، والتي بدأت بجريمةِ قابيلَ الأولى، ومرَّتْ بمحاربة كلِّ الأنبياءِ، وبالعداوةِ لأميرِ المؤمنينَ وأهل البيتِ المعصومين (ع)، ووصلَتْ إلى امتهانِ سمعةِ أصحابِهم المقرَّبينَ وأتباعِهم الميامين: فاتَّهموا سيِّدَنا أبا الخطَّاب محمد بن أبي زينب بادِّعاءِ النُّبوَّةِ، واتَّهموا سيِّدَنا المفضَّلَ بن عمر بالغلوِّ، واتَّهموا سيِّدَنا أبا شعيب محمد بن نصير بالغلوِّ وادِّعاءِ النُّبوَّةِ وطعنوا بأخلاقِهِ، واتَّهموا سيِّدَنا الحسين بن حمدان الخصيبي بالغلوِّ، وطعنوا بنسبِ وانتماءِ سيِّدَنا الميمونِ بن القاسمِ الطَّبرانيِّ وزعموا أنَّهُ حاخامٌ يهوديٌّ، وحاربوا كلَّ عالمٍ من علمائِنا حتَّى وصلوا اليومَ ليتَّهمونا بنفسِ التُّهم لأنَّ أسلوبَهم القذرَ واحدٌ وطريقَتَهم الدَّنيئةَ واحدةٌ في المكرِ والتَّلبيسِ واستنهاضِ المشاعرِ الانفعاليَّةِ عندَ الأغلبيَّةِ اللاعقلانيَّةِ، ولكنَّ النَّتيجةَ في النِّهايةِ كما قال تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).

نكتفي لعدمِ الإطالةِ واللهُ أعلم

الدكتور أحمد أديب أحمد

باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر “إسلام تايمز”

ahmad

باحث ديني علوي يكسر حاجز الصمت عبر “إسلام تايمز”
==========

دمشق (اسلام تايمز) – في ظلِّ المتناقضاتِ الكثيرةِ التي تحيطُ بمعلوماتِنا عن النُّصيريَّةِ، خاصَّةً مع بروزِ شخصيَّاتٍ دينيَّةٍ وعلمانيَّةٍ توضِّحُ أنَّهم أرقى ممَّا يُحكى عنهم بأنَّهم مجرَّدُ فرقةٍ باطنيَّةٍ لهم تعاليمٌ سريَّةٌ وطقوسٌ خاصَّةٌ يحيطُ بها الغموضُ، كان هناكَ العديدُ من الحواراتِ حولَ مجموعةٍ من عقائدِهم، وكيفَ يفكِّرون ويفسِّرون ويَتعبَّدونُ اللهَ سبحانَهُ وتعالى.

وكان لإسلام تايمز هذا الحوارُ الخاصُّ مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي أكَّدَ أنَّ النَّاسَ يجبُ أن يَقرؤوا عن العلويِّينَ كما يتحدَّثونَ عن أنفسِهم، لا كما تحدَّثَ الحاقدونَ عنهم، وأنَّ الحاقدينَ أخفوا الفضائلَ حقدًا وتزويرًا للتَّاريخِ، والخائفينَ أخفوا الفضائلَ جُبنًا وتزويرًا للتَّاريخِ، لذلكَ فإنَّهم لا يَقبلونَ من أحدٍ أن يُكفِّرَهم كعلويِّين. وهذا نصُّ الحوار:

 

إسلام تايمز: في البدايةِ دكتور أحمد، ما هو سببُ الغموضِ الكبيرِ الذي يلفُّ الفرقةَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ؟

الدكتور أحمد: الغموضُ لا يتعلَّقُ بالفرقةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ نفسِها رغمَ ارتقاءِ تعاليمِها إلى ما فوقَ أذهانِ السَّطحيِّينَ والحشويِّينَ، لكنَّ الغموضَ الذي يُعاني منه الجميعُ تجاهَنا هو أنَّهم لا يقرؤونَ، مع أنَّه يُقالُ أنَّنا أمَّةُ (اقرأ)، لكنَّ الأكثريَّةَ لا تقرأُ. واسمحُوا لي أن أبدأَ بتساؤلٍ هنا: هل يجوزُ بحكمِ العقلِ والمنطقِ والدِّينِ أن يأتيَ الوحيُ إلى الرَّسولِ الأعظمِ (الأمِّيِّ الجاهلِ وفقَ مفهومِ الجاهلينَ!!!) فترتعدَ فرائصَهُ خوفًا من جبريلَ!! ويأمرَهُ جبريلُ بقولهِ: (اقرأ) فيرفضُ النَّبيُّ المعصومُ ليقول: (ما أنا بقارئٍ)!!!؟

هذا الإسفافُ التَّاريخيُّ والتَّفسيريُّ بحقِّ النَّبيِّ الأميِّ؛ الذي أمَّ أمَّةَ الإسلامِ وقادَهم لمعرفةِ ربِّهم، ثمرتُهُ ما نجدُهُ من جهلٍ وتَقوقعٍ وتَمذهبٍ وتعصُّبٍ في مجتمعاتِنا بشكلٍ عام. فمن أهمِّ أدلَّةِ عظمِ شأنِ القراءةِ أنَّ أوَّلَ ما خاطبَ به الخالقُ العظيمُ رسولَهُ الكريمَ هو قولهُ في سورةِ العلقِ: (اقرأ)، وجاءَ عن الإمامِ محمَّد الباقرِ (ع): (إنَّها أوَّلُ سورةٍ نزلَتْ)، حيث قال (ع): (نزلَ جبريلُ على محمَّد فقالَ: يا محمَّد اقرَأ)، وهذا على حسبِ الرِّوايةِ ودليلهُ في قولِ الإمامِ محمَّد الجوَّاد (ع): (والله لقد كان رسولُ اللهِ يقرأ ويكتبُ باثنينِ وسبعينَ- أو قال: بثلاثٍ وسبعينَ لسانًا- وإنَّما سُمِّيَ الأمِّيُّ لأنَّهُ كانَ من أهلِ مكَّةَ، ومكَّةُ من أمَّهاتِ القُرَى، وذلك قوله تعالى: لِتُنْذِرَ أمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَها)، هذا وإنَّ السيّدَ محمَّد الممجَّدَ (ص) أَجَلُّ من أنْ يفتقرَ إلى القراءةِ، بل هو على سبيلِ حثِّ الغيرِ على القراءةِ التي بها يُدركُ النَّاسُ الحقيقةَ، إذ قال تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً).

 

إسلام تايمز: فما هو المطلوبُ برأيكَ من النَّاسِ حتَّى يَتَعرَّفوا على العلويِّينَ بحقيقتِهم؟

الدكتور أحمد: عليهم أن يَقرؤوا عن العلويِّينَ كما يتحدَّثُ العلويُّونَ عن أنفسِهم، لا كما تحدَّثَ الحاقدونَ عنهم، هذا إذا رَامُوا الحقيقةَ مجرَّدَةً، لأنَّ القراءةَ كفيلةٌ بأنْ تجعلَهم مع تراثِنا الصَّـافي لا عليه، فالقراءةُ سبيلُ العلمِ، والعلمُ الصَّحيحُ هو ما عرَّفهُ الإمام الصَّادقُ (ع) نقلاً عن رسولِ اللهِ بقوله (ص): (مَنْ تَعَلَّمَ للهِ وعلَّمَ للهِ دُعِيَ في ملكوتِ السَّماواتِ عَظيمًا)، وقوله (ص): (اطلبُوا العلمَ ولو بالصِّينِ)، والصِّينُ لا يقصدُ به البلدُ المعروفُ، إنَّما أرادَ به السَّفرَ في طلبِ العلمِ والصِّيانةِ لعلمِ الحقِّ وكتمانِهِ لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (لا تطرَحُوا دررَكُم قُدَّامَ الخنازيرِ لئلَّا تدوسَها بأرجلِها وتَلتفتَ فَتُمَزِّقَكُمْ)، فحفظُ السِّرِّ أمرٌ معهودٌ عند جميعِ المللِ والفقهاءِ والعلماءِ، ومِن ذلكَ ما قالَهُ ابنُ سينا لتلميذِهِ: (إنْ أذعْتَ هذا العلمَ أو أضعْتَهُ فاللهُ بيني وبينكَ، فهذا العلمُ أكثرُهُ إشارةٌ).

 

إسلام تايمز: هل يمكنُنا القولُ: أنتَ كباحثٍ علويٍّ جريءٍ خرجَ من الصَّمتِ إلى الكلامِ تعرَّضْتَ إلى معارضةٍ من قبلِ النَّاسِ على كتاباتِكَ وحواراتِكَ؟

الدكتور أحمد: لا يخلو الأمرُ من وجودِ العاقلينَ والجاهلينَ، فالعاقلونَ المطمئنَّةُ قلوبُهم تنسابُ المعرفةُ في صدورِهم كالماءِ العذبِ السَّلسالِ، فيَحيَونَ بها لقوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). ولكنْ بالمقابلِ هناكَ من الجاهلينَ مَن يرفضُ القراءةَ وينصِّبُ نفسَهُ ناقدًا لمقالةِ مَن هو أعلمُ منهُ فيُشعِلُ فتنةً، وكانَ مِن الأسلمِ لو أنَّهُ التزمَ قولَ سقراطِ الحكيم: (لو سَكَتَ مَن لا يَعلمُ لَسَقطَ الاختلافُ). وهناك مَن لا يكتبُ ولا يستطيعُ أن يكتبَ ولكنَّهُ ينتقدُ مَن يكتبُ تعطيلاً للعملِ، فلا هم يعملونَ ولا يريدونَ لأحدٍ أن يعملَ مع أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ). وهناكَ مَن يجهلُ ويتطاولُ على مَن يَعلمُ وقد قالَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): (ليسَ لمَنْ لا يعلمُ حجَّةً على مَن يعلمُ، ولا حجَّةَ للجاهلِ على العالمِ). وهناكَ مَن هو مخطئٌ ومنحرفٌ فيأتي إلى أهلِ العلمِ المستقيمينَ ليَحرِفَ مسارَهم القويمَ وفقَ اعوجاجِهِ ناسيًا قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ). وهناكَ الأكثريَّةُ الخائفونَ بسببِ جهلِهم وظنًّا منهم أنَّه لا يجوزُ الدِّفاعُ عن النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ، فإذا علَّمتَهم على قدرِ استطاعتِهم انتفضُوا وقالوا لكَ: (مَهْ، اصمُتْ هذا ليسَ مكانَ هذهِ الأحاديثِ، لا داعي لإشعالِ فتنةٍ!!!؟).

 

إسلام تايمز: ما هو إذن ردُّكَ على كلِّ هؤلاء؟

الدكتور أحمد: أقولُ لهم: لكلِّ مقامٍ مقالٌ، فما كانَ يتحدَّثُ به رسولُ اللهِ (ص) مع أميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ كان أخصَّ ممَّا يتحدَّثُ به أمامَ بقيَّةِ أصحابِهِ، وما كانَ يتحدَّثُ به أميرُ المؤمنينَ مع خواصِّ أصحابِهِ كان أرقى ممَّا يتحدَّثُ به أمامَ عامَّةِ النَّاسِ، لكنَّ خصوصيَّةَ الحديثِ الرَّاقي لم تمنَعْهُ من الحديثِ أمامَ النَّاسِ وتعليمِهم وتثقيفِهم والارتقاءِ بهم ضمنَ حدودِ تكليفِهم لقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)، وكانَ من أعظمِ التُّراثِ الفكريِّ التوحيديِّ كتابُ (نهجِ البلاغةِ) وفيه من العلومِ التَّوحيديَّةِ ما ظهرَ وبطنَ، فهل كان غيرُ جائزٍ أن نتحدَّثَ فيه؟ وكذلكَ القرآنُ الكريمُ بكلِّ ظاهرِهِ وباطنِهِ، هل هو مُحَرَّمٌ الحديثُ فيه؟ أم كلٌّ يأخذُ من القرآنِ والنَّهجِ بحسبِ استطاعتِهِ.

 

إسلام تايمز: لكن لماذا يخافُ البعضُ كما ذكرتَ؟ هل لديكم تعاليمُ سرِّيَّةٌ يخافونَ أن تبوحَ بها للنَّاسِ؟

الدكتور أحمد: للأسف إنَّ مقولةَ الخائفينَ للأسفِ تؤكِّدُ ادِّعاءَ أعدائِنا أنَّنا فرقةٌ باطنيَّةٌ لنا تعاليمُنا السِّرِّيَّةُ والتي كانت بوابةً لاتِّهامِنا بما ليسَ فينا كأن يقولوا: هؤلاء يعبدونَ البشرَ!! وهؤلاء يدَّعونَ أنَّ الوحيَ قد أخطأ ونزلَ على محمَّد بدلاً من عليٍّ!! وأنَّهم يحلِّلونَ نساءَهم وغلمانَهم…..!!

إنَّ حديثَهم بهذهِ الطَّريقةِ يؤكِّدُ نظرةَ المجتمعِ وفقَ أقوالِ الحاقدينَ، وبهذا فإنَّهم- بقصدٍ أو بدونِ قصدٍ- يضربونَنا بسيفٍ قاطعٍ يقطعونَ به أعناقَنا. لذلكَ كانت الحواراتُ والمناقشاتُ العلميَّةُ الدينيَّةُ الرَّاقيةُ تعريفًا حقيقيًّا بنا. فالخائفونَ هم قسمانِ: الأوَّلُ هم بعضُ العلويِّينَ الجاهلينَ بأمورِ دينِهم والذين يخافونَ من كشفِ جهلِهم أمامَ الآخرينَ فيفضِّلونَ الصَّمتَ، والثَّاني هم من أبناءِ المذاهبِ الأخرى الذين يخافونَ أن يشرقَ هذا النُّورُ العلويُّ السَّاطعُ فيُطفِئَ سطوتَهم وتَرَبُّعَهم على عرشِ تمثيلِ الإسلامِ، وكأنَّ الموضوعَ هو موضوعُ منافسةٍ دنيويَّةٍ على سيادةٍ أو رئاسةٍ!!

 

إسلام تايمز: ما الذي شجَّعَكَ على كسرِ حاجزِ الصَّمتِ والحديثِ في خطوةٍ جريئةٍ؟

الدكتور أحمد: الخوفُ لا يصنعُ مجدًا ولا ينصرُ حقًا، فالكلُّ يتكلَّمُ ولو كانَ على باطلٍ، فَمَا بالُ أهلِ الحقِّ صامتينَ!؟ إنَّ الصَّامتينَ كالفارغينَ الذين لا يمتلكونَ فكرًا ولا دينًا.

فلنفرضْ جَدَلاً أنَّ محاورينا نعتُوا النَّبيَّ بالجهلِ والغوايةِ والنِّسيانِ والعصيانِ!! هل نقولُ لهم: معكم حقٌّ!!؟ أيَّةُ حجَّةٍ سنقدِّمُها دليلاً على عصمةِ نبيِّ الرَّحمةِ (ص)؟ هل سنقولُ لهم: دينُنا سرِّيٌّ وتعاليمُنا خاصَّةٌ!!؟ كيف سنردُّ على وهابيٍّ يأتي إلينا بعشراتِ الأحاديثِ عن محمَّد (الشَّبِقْ جنسيًّا!!!)؟

هذا يعني أنَّ على الجميعِ أن يتصالحُوا مع أنفسِهم، فالخائفونَ أو المُنتقدونَ لا يَنتقدونَني فحسب، بل ينتقدونَ منهاجَ الأنبياءِ والمرسلينَ الذي نمتثلُ له جميعًا، كما كانَ بعضُ الخائفينَ ينتقدونَ الرَّسولَ (ص) ويقولونَ له: ما لَكَ ولِقُريشَ، دَعْهُمْ ولا تناقشْهم فلن يؤمنوا لك!! فهل خالفَ الرَّسولُ أمرَ ربِّهِ بنشرِ الرِّسالةِ واستجابَ للخائفينَ على مصالحِهم وحياتِهم آنذاكَ؟

وكما كان بعضُ الخائفينَ ينتقدونَ أميرَ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ فيقولون له: لماذا أنت ذاهبٌ لمحاربةِ معاوية؟ هل هناك داعٍ لشقِّ الصُّفوفِ يا سيِّدنا؟ فقال لهم: (إِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ والْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ واللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ. يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ ولا رِجَالَ). فهل يقالُ هكذا كلامٌ للإمامِ؟ أم أن الأوجبَ لو أنَّهُ قيلَ لمعاويةَ الذي بِفِتْنَتِهِ شقَّ الصُّفوفَ وهو الذي قال: (ما وجدْتُ طريقًا لتخريبِ الإسلامِ إلاَّ الدُّخولَ فيهِ)، فذهبَ الإمامُ لِيَرأَبَ الصَّدْعَ ويحمي ما تَبَقَّى من الأمَّةِ الإسلاميَّةِ؟

وكما كان بعضُ الخائفينَ قد انتقدوا مولانا الحسينَ (ع) فقالوا له: لا داعي لتَخرُجَ على الحاكمِ يزيد فلستَ قادرًا على الانتصارِ عليه، وسوفَ تتسبَّبُ بشقِّ الصُّفوفِ وقتلِ الأبرياءِ من أجلِ السُّلطةِ!! ألأنَّهم خائفونَ على حياتِهم تطاولوا على مولانا الحسين بدلَ أن يجاهِدُوا معه ضدَّ يزيدَ الشَّيطانِ اللاعبِ مع القرودِ والنَّاكحِ للغلمانِ والقابضِ على السُّلطةِ بالسَّيفِ، فَخَذَلُوا الإمامَ الحسينَ الذي قال: (لعنةُ اللهِ على النَّاكثينَ الذينَ ينقضونَ الأيمانَ بعدَ توكيدِها)، وبقيَ يجاهدُ مع أصحابِهِ الذين ارتَقَوا شهداءَ، ورُفع مولانا الحسينُ إلى ربِّهِ، وندمَ الخائفونَ المتخاذلونَ وسيبقونَ كذلك أبدَ الدَّهرِ نادمينَ.

إنَّ الخائفينَ دومًا كانوا يتحاملونَ على أصحابِ الأئمَّةِ وعلى سادتِنا الثِّقاةِ لأنَّهم كانوا يَذكرونَ فضائلَ أهلِ البيتِ ومعجزاتِ الإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ، بحجَّةِ أنَّ هذا سيزيدُ عداءَ المعادينَ لهم ويجعلَهم موضعَ شُبهَةٍ!! ومستقرًّا لسيوفِهم!!؟ لذلكَ انتقدوا كتابَ (الهداية الكبرى) لسيِّدنا الأجلِّ الخصيبيِّ في عصرِهِ، لأنَّه لم يَسْتَحِ من إظهارِ معاجزِ أميرِ المؤمنينَ ومناقبِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، فتحدَّثَ كيفَ رُدَّتِ الشَّمسُ للإمامِ عليٍّ كرَّم اللهُ وجهَهُ، وكيف شَقَّ القمرَ، وكيف كلَّمَ الأمواتَ، وكيف أخبرَ عن الغيبيَّاتِ، فهل هذا سِرٌّ يخشاهُ الخائفونَ وهو حاصلٌ على رؤوسِ الأشهادِ ومُعلَنٌ في كتابِ الهدايةِ الكبرى وكثيرٍ من الكتبِ التَّاريخيَّةِ؟ ألم يرَ الجميعُ هذه المعجزاتِ بعيونِهم؟ أم أن رؤيَتَها كانت حكرًا على محمَّدٍ وعليٍّ وبعضِ المقرَّبين منهم؟ ألم يكن التَّبليغُ للقاصي والدَّاني في يومِ الغديرِ أثناءَ حجَّةِ الوداعِ حين قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فبلَّغَ الرَّسولُ (ص) الولايةَ لأميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ وقال: (اللهمَّ وَالِ مَن وَالاهُ وعادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَن نَصَرَهُ واخْذُلْ مَن خَذَلَهُ)؟

إنَّ الحاقدينَ أخفَوا الفضائلَ حقدًا وتزويرًا للتَّاريخِ، والخائفينَ أخفَوا الفضائلَ جُبنًا وتزويرًا للتَّاريخِ، فلماذا يساهمُ الخائفونَ دائمًا بدعمِ الحاقدينَ بدلَ دعمِ أهلِ اليقينِ؟

 

إسلام تايمز: ربَّما أنَّ مَن يعارضونَ الحديثَ يعتقدونَ أنَّك تبيحُ الأسرارَ العلويَّةَ للنَّاسِ، وهذا لا يجوزُ برأيهم لأنَّكم فرقةٌ باطنيَّةٌ كما يقالُ!! ماذا تقولُ في هذا؟

الدكتور أحمد: ليسَ الأمرُ كما يظنُّ الكثيرونَ بأنَّنا فرقةٌ باطنيَّةٌ كما شاعَ عن الفِرَقِ الباطنيَّةِ التي انتشرَتْ بعدَ غيبةِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ (ع) وانحرفَتْ عن النَّهجِ الإماميِّ القويمِ، لكنَّنا نلتزمُ تعاليمَ الأئمَّةِ المعصــومينَ، وندركُ أنَّ مَن على قلوبِهم أقفالٌ لن يَكتَشِــفُوا سـرَّ اللهِ لقولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (سِرُّ اللهِ مبثوثٌ بين خلقِهِ لا يعرفُهُ أكثرُهم، ولو أرادَ لَعَرَّفَهُم). لكنْ هنا وجبَ أن أنوِّه إلى أنَّ السِّرِّيَّةَ لا تكونُ بالعاداتِ والتَّقاليدِ والطُّقوسِ بل هي علومٌ ربَّانيَّةٌ لا يَهِبُها اللهُ إلاَّ لأهلِها نُطقًا وفَهمًا، أمَّا مَن لم يكنْ من أهلِها فلَنْ يستطيعَ حَمْلَها لقولِ أميرِ المؤمنينَ كرَّم اللهُ وجهَهُ: (إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ، ولا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وأَحْلامٌ رَزِينَةٌ)، فَعَدَمُ المجاهرَةِ بالسِّرِّ واجبٌ أقامَهُ كبارُ رجالِ الدِّينِ الإسلاميِّ والمسيحيِّ والموسويِّ وكبارِ الفلاسفةِ والحكماءِ البالغينَ والعلماءِ المحقِّقينَ، وهو معنى التَّقيَّةِ التي أُمِرْنا أن نلتزمَ بها في قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إنَّ احتمالَ أمرِنا ليسَ معرفتَهُ وقبولَهُ، إنَّما احتمالُ أمرِنا هو صونُهُ وسترُهُ عمَّن ليسَ من أهلهِ)، فالتزمَ أهلُ الإيمانِ بها، وخالفَها المبذِّرونَ الذينَ قالَ تعالى فيهم: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، ولكنَّ النَّاسَ لم تُدرِكْ أن هؤلاءِ الْمُبَذِّرِينَ لم يستطيعوا أن يَبوحوا بالأسرارِ الحقيقيَّةِ لأنَّهم لم يَصِلُوا إليها كونَهم ليسُوا من أهلِها، ولكنَّهم حاولوا أن يَنشروا ما عرفوهُ وفهموهُ بمقدارِ أمخاخِهم المسطَّحَةِ المحجوبةِ عن الأمرِ العظيمِ، فَبَقِيَ الأمرُ محميًّا لقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيرُ المَاكِرِينَ). فنحنُ لَسْنا ممَّنْ يقولُ بغباءٍ: أنَّ العلويَّ مؤمنٌ، وأنَّ السُّنِّيَّ والشِّيعيَّ والمسيحيَّ كفَّارٌ!! ولا نقبلُ من أحدٍ أن يُكَفِّرَنا كعلويِّينَ، وهذا يعني أنَّ السِّرَّ ليسَ موجودًا بين أيدي العامَّةِ سواءَ كانوا من العلويِّينَ أو مِن غيرهم، بل هو إشراقاتٌ ربَّانيَّةٌ اختصَّ بها عبادَهُ المخلصينَ أصحابَ الكراماتِ والبراهينِ في أيِّ زمانٍ ومكانٍ وُجدوا، لأنَّهم دائمًا الحُجَّةُ على مَن أنكرَ والمَحَجَّةُ لِمَنْ آمنَ وصَدَّقَ كما قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ).

مصدر : اسلام تايمز