أرشيف الوسم: الباحث هشام أحمد صقر

الباحث هشام أحمد صقر

العلوية في التاريخ

hesham

العلوية في التاريخ

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

 

زعمَ غيرُ واحد منَ الكتَّابِ القُدامى والجددِ أنَّ العلويَّةَ كسائرِ المذاهبِ الإسلاميَّةِ منْ إفرازاتِ الصِّراعاتِ السياسيَّةِ، في حين يذهبُ البعضُ الآخرُ إلى القول بأنَّه نتاجُ الجدالِ الكلاميِّ والصِّراعِ الفكريِّ. فأخذوا يبحثونَ عن تاريخِ نشوئِهِا وظهورها في السَّاحةِ الإسلاميَّةِ، وكأنَّهم يلتقونَ بوصفها ظاهرةً جديدةً وافدةً على المجتمع الإسلامي، ويعتقدونَ بأنَّ القطَّاعَ العلويَّ- وإنْ كان من جسم الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ- قد تكوَّنَ على مرِّ الزمنِ نتيجةَ أحداثٍ وتطوُّراتٍ سياسيَّةٍ أو اجتماعيَّةٍ فكريَّةٍ أدّت إلى تكوينِ هذا المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير، ومن ثمَّ اتَّسعَ ذلك الجزء بالتَّدريجِ.

ولعلّ هذا التَّصوُّرَ الخاطئَ لمفهومِ العلويَّةِ هو ما دفع أصحابَ هذهِ الطُّروحاتِ إلى التَّخبُّط والتعثُّرِ في فهمهم لحقيقةِ نشوء العلويَّة، وفي محاولاتِهم الراميَّةِ لتقديم التَّفسيرِ الأصوب، ولو أنَّ أُولئك الدَّارسينَ شَرَعُوا في دراستهم لتاريخ هذه النَّشأةِ من خلال الطُّروحات العقائديَّةِ والفكريَّةِ التي بُنِيَتْ عليها العلويَّةُ لأدركوا بوضوحٍ ودون لبسٍ أنَّها لا تؤلِّفُ في جوهرِ تكوينها وقواعدِ أركانها إلاَّ الامتدادَ الاصيلَ والحقيقيَّ للفكرِ العقائديِّ للدينِ الإسلاميِّ المحمَّديِّ والذي قامَ عليه كيانُهُ.

إنَّ هذا الاعتقادَ يظـهرُ بأوضحِ صورةٍ من خلال الالتفافِ والمبايعةِ للوصيِّ ففي ذلك أوضحُ المصاديقِ على حقيقة هذا النُّشوءِ الذي اقترنَ بنشوءِ وتبلورِ الفكرِ الإسلاميِّ الكبير، والذي لابدَّ له من الاستمرار والتَّواصلِ والتَّكاملِ حتّى بعد صاحبِ الرسالةِ، والذي ينبغي له أنْ يكونَ الاستمرارَ الحقيقيَّ لتلك العقيدةِ السماويَّةِ.

فإذا اعتبرنا بأنَّ المذهبَ يرتكزُ أساسًا في استمرارِ القيادةِ بالوصيِّ، فلا نجدُ له تاريخًا سوى تاريخِ نشوءِ الإسلام، والنُّصوصُ الواردةُ عن رسولِهِ (ص) متوفِّرةٌ في وصاية الإمامِ عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلام، وإذا كانت تلك النُّصوصُ من القوَّةِ والحجِّيَّةِ التي لا يَرقى إليها الشَّكُّ، وتعدُّ وبدون تردُّدٍ ركائزَ عقائديّةً أرادَ أنْ يُثبِّتَ أُسُسَها رسول الله (ص)، فهي بلا شكٍّ تدلُّ وبوضوحٍ على أنَّ هذه الاستجابةَ استمرارٌ حقيقيٌّ لما سبقها في عهد رسولِ الله (ص)، وإذا كانَ كذلك فإنَّ جميع من استجابوا لرسول الله (ص)، وانقادوا له انقيادًا حقيقيًّا، يُعدُّونَ بلا شكٍّ روَّادَ العلويَّةِ الأوائل وحاملي بذوره، فالعلويَّةُ هم المسلمونَ ومن تبعهم بإحسانٍ في الأجيالِ اللاحقةِ، مِن الذين بَقَوا على ما كانوا عليه في عصرِ الرَّسولِ في أمرِ القيادَةِ، ولم يغيِّروه، ولم يتعدُّوه إلى غيره، ولم يأخذُوا بالمصالحِ المزعومةِ في مقابل النُّصوصِ، وصاروا بذلك المصداقِ الأبرزَ لقوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَيِ الله ورَسُولِهِ واتَّقُوا الله إنَّ الله سَميعٌ عَليمٌ).

إنَّ الآثارَ المرويَّةَ في حقِّ العلويَّةِ عن لسان النبيِّ الأكرم- والذين هم بالتالي عَلَويَّةٌ لرسول الله (ص)- تَرفعُ اللِّثامَ عن وجهِ الحقيقةِ، وتُعرِبُ عن التفافِهَا حول الوصيِّ، فقد كانوا معروفينَ في عصرِ الرِّسالةِ، وإنَّ النَّبيَّ الأكرم وصفَهم في كلماتِهِ بأنَّهُم الفائزونَ.

وهذه النُّصوص المتضافِرَةُ الغنيَّةُ عن ملاحظةِ أسنادها، تُعرِبُ عن كونِ الإمام عليٍّ علينا من ذكره السَّلام متميِّزٌ بقربِهِ من النبيِّ (ص)، وبأنَّ له أصحابًا وأتباعًا، ولهم مواصفاتٌ وسماتٌ كانوا مشهورين بها، في حياة النبيِّ وبعدها، وكان (ص) يشيد بهم ويبشِّرُ بفوزهم، وهم- بلا ريبٍ- ليسوا بخارجين قَيدَ أُنْمُلَةٍ عن الخطِّ النَّبويِّ المبارك للفكرِ الإسلاميِّ العظيمِ، والذي يؤكِّدُ على حقيقة العلويَّةِ ونشوئها الذي لا يفترق عن نشوءِ الدِّين واستقرارِهِ.

فبعد هذه النصوص لا يصحُّ لباحثٍ أن يلتجِئَ إلى فروضٍ ظنِّيَّةٍ أو وهميَّةٍ في تحديد تكوُّنِ العلويَّةِ وظهورها.

 

العلويَّةُ في كلماتِ المؤرِّخينَ وأصحابِ الفرقِ:

لقد غلبَ استعمالُ لفظِ العلويَّةِ بعد عصرِ الرَّسولِ (ص) تبعًا لمن يوالي الإمام عليّ علينا من ذكره السلام ويعتقدُ بإمامتِهِ ووصايتِهِ، ويظهرُ ذلك من خلال كلماتِ المؤرِّخينَ على القوم ببيعتِهِ.

كما أنَّ حقيقةَ استخلافِ النَّبيِّ له أمستْ فكرةً عقائديَّةً ثابتةً في النُّفوسِ والقُلوبِ، وتضاعفَ عددُ المؤمنين بها له على مرورِ الأيَّامِ، ورجعَ الكثيرُ من المسلمين إلى الماضي القريب، واحتشدَتْ في أذهانهم صورٌ عن مواقفِ النبيِّ (ص)، تلك المواقف التي كان يصرِّحُ فيها باستخلافِ الإمام عليٍّ من بعده تارةً، ويلمِّحُ فيها أُخرى، فالتفُّوا حول الإمام عليٍّ علينا من ذكره السلام وأصبحوا من الدُّعاةِ الأوفياء له في جميع المراحل التي مرَّ بها.

وإذا كان العنصرُ المقوِّمُ لإطلاق كلمةِ العلويَّةِ هو اتِّباعُ الإمام عليّ علينا من ذكره السلام بعد النبيّ الأكرم (ص) في الخلافة والوصاية، فإنّه من غيرِ المنطقيِّ محاولةُ افتراضِ علَّةٍ اجتماعيَّةٍ أو سياسية أو كلاميَّةٍ لتَكَوُّنِ هذه الفرقة.

ومن أجل أنْ ترتسمَ في الأذهانِ الصُّورةُ واضحةً عن مجسِّدي هذه التسمية في تلك الحقبةِ البعيدة في التَّاريخ الاسلامي والملاصِقَةِ لعصرِ الرَّسالةِ الأوَّلِ، نستعرض جملةً من روُّادِ هذا الميدانِ المقدَّسِ والذين يُعَدُّون بحقٍّ أوائلَ حَمَلَةِ هذه التَّسمية المباركة على وجه الإجمالِ.

فأتباعُ الإمام عليٍّ علينا من ذكره السلام ينقسمون إلى الأصفياءِ، ثمّ الأصحابِ والأولياءِ. وفي مقدِّمتهم سيدنا سلمان الفارسي، والمقداد، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأبي ذر الغفاري، وعمّـار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيّوب الأنصاري.

عليهم سلام الله اجمعين.

فمن أرادَ التَّفصيلَ والوقوف على حياتِهِم فليرجع إلى الكتبِ المؤلَّفةِ، ولكن بعينٍ مفتوحةٍ وبصيرةٍ نافذةٍ.

 

العلوية في العصر الأُموي:

إنَّ الهجمةَ الشَّرسةَ التي كانت تستهدفُ استئصالَ النَّهجِ العلوي والقضاءَ عليه قد أخذتْ أبعادًا خطيرةً وداميةً بعد عهد رسول الله (ص)، وخاصَّةً إبَّانَ الحكمين الأُموي والعباسي، فقد شَرَعَ أعداءُ الإمامِ وخصومُ العلويَّةِ إلى التعرُّضِ الصَّريحِ بالقتلِ والتَّشريدِ لأنصارِ العلويَّةِ والمنتسبينَ إليها، إلاّ أنَّ هذا لمْ يمنَعِ البعضَ ممَّن وقفوا موقفًا باطلًا ومنحرفًا من الإمام عليِّ علينا من ذكره السلام من التَّعبيرِ عن سرورهم من هذا الأمر الجَلَلِ.

أمَّا معاوية فلا مناصَ من القول بأنُّه أكثرُ المستبشرينَ بهذا الأمر، حيثُ يمثِّلُ الإعلانَ الرَّسميَّ لبدء الحملة الشَّرسةِ والمعلَنَةِ لاستئصال أتباع الإمام علي علينا من ذكره السلام وأنصارِهِ.

وتوالتِ المجازرُ بعد معاوية إلى آخرِ عهد الدَّولةِ الأُمويَّة، فلمْ يكنْ للعلويَّةِ في تلك الأيّام نصيبٌ سوى القتل والنَّفي والحرمان. وهذا هو الذي نستعرضه على وجه الإجمال، حتّى يقفَ القارئُ على أنَّ بقاءَ العلويَّةِ في هذه العصور المظلِمَةِ كان معجزةً من معاجزِ الله سبحانه، كما يتوضَّحُ له مدى الدَّورِ الذي لعبَهُ العلويَّةُ في الصُّمودِ والكفاحِ والرَّدِّ على الظَّلَمَةِ وأعوانِهِم.

وإليكم بعضَ الوثائق من جرائِمِ معاوية وأتباعه، ولعلَّ المرء يصابُ بالذُّهولِ وهو يتأمَّلُ أسماء الصَّحابَةِ والتَّابعين ذوي المنازلِ الرَّفيعةِ والمكانة السَّامية والدَّورِ الجليل في خدمة الإسلام وأهلِهِ، كيف استشهدوا في سبيل ولايتهم لعلي علينا من ذكره السلام، فاستشهدوا لا لشيٍء إلاَّ لأنَّهم علويَّةُ الإمام عليّ علينا من ذكره السلام، ومن أبرزِ رجالِ الحقِّ الذين ضَحَّوا في سبيل نهج العلوية:

  1. مالك الأشتر: ملكُ العرب، وأحدُ أشرفِ رجالاتها وأبطالها، كان شهمًا مطاعًا وكان قائدَ القوَّاتِ العلويَّةِ. قتله معاوية بالسمِّ في مسيره إلى مصر.
  2. رشيد الهجري: كان من تلاميذِ الإمام وخواصِّه، عرضَ عليه زيادُ البراءةَ واللَّعنَ فأبى، فقطع يديه ورجليه ولسانه.
  3. قنبر مولى أمير المؤمنين: رُوِيَ أنَّ الحجَّاجَ قال لبعض جلاوزته: أُحبُّ أن أُصيبَ رجلًا من أصحاب أبي تراب فقالوا: ما نعلم أحدًا كان أطول صحبة له من مولاه قنبر. فبعثَ في طلبه، فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم، قال له: ابرأ من دين عليّ. فقال له: هل تَدُلَّني على دينٍ أفضل من دينه؟ قال: إنِّي قاتلكَ فاختر أيَّ قتلةٍ أحبّ إليك. قال: أخبرني أمير المؤمنين أنّ ميتَتِي تكون ذبحًا بغير حقٍّ. فأمر به فذبح.
  4. كميل بن زياد: وهو من خيارِ العلويَّةِ وخاصّة أمير المؤمنين، طلبَهُ الحجَّاج فهرب منه، فَحَرمَ قومَهُ عطاءَهُم، فلمّـا رأى كميل ذلك قال: أنا شيخٌ كبيرٌ وقد نفد عمري ولا ينبغي أنْ أكون سببًا في حرمانِ قومي. فجاء للحجَّاج، فلمّـا رآه قال له: كنت أحبُّ أن أجدَ عليك سبيلًا، فقال له كميل: لا تبرق ولا ترعد، فوالله ما بقي من عمري إلاّ مثل الغبار، فاقضِ فإنَّ الموعدَ لله عزّ وجلّ، وبعد القتلِ الحسابُ. وقد أخبرني أمير المؤمنين أنَّك قاتلي. فقال الحجّاج: الحجَّةُ عليك إذن. فقال كميل: ذلك إنْ كانَ القضاءُ لكَ. قال: بلى، اضرُبُوا عنقَهُ.

هذا غيضٌ من فيضٍ وقليلٌ من كثيرٍ ممَّا جناه الأمويُّون في حقِّ العلويَّةِ طوال فترة حكمهم وتولِّيهم لدفَّةِ الأُمورِ وزمامِ الحكمِ، وتالله إنَّ المرء ليُصابُ بالغثيانِ وهو يتأمَّلُ هذه الصَّفحاتِ السَّوداءِ التي لا تُمحى من ذاكرة التَّاريخِ وكيف لُطِّخت بالدِّماءِ الطَّاهرةِ المقدَّسةِ والتي أُريقَتْ ظلمًا وعدوانًا وتجنِّيًا على الحقِّ العلويِّ وأهلِهِ.

 

العلويَّةُ في العصرِ العبَّاسيِّ:

دارَ الزَّمانُ على بني أُميَّةَ، وقامَت ثوراتٌ عنيفةٌ ضدَّهم أثناءَ حُكمِهم المَلَكِيِّ، إلى أن قَضَتْ على آخرِ ملوكِهم (مروان): (فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ لله رَبّ العالَمِينَ)، وامتطَى ناصيةَ الحُكمِ بعدَهم العبَّاسيُّون، والذين تَسَربَلُوا بِشِعارِ مظلوميَّةِ أهلِ البيتِ للوصولِ إلى سُدَّةِ الحكمِ وإزاحةِ خصومِهم الأُمويِّين عنها، بَيْدَ أنَّهم ما أنِ استقرَّ بهم المقامُ وثَبتَتْ لهم أركانُهُ حتَّى انقلَبوا كالوحوشِ الكاسرةِ في محاربَتِهم للعلويِّينَ وتَشريدِهم وتَقتِيلِهم، فكانوا أسوأَ من أسلافِهم الأُمويِّينَ وأشدَّ إجرامًا.

ولا يعرفُ التَّاريخُ أُسرةً كالأُسرةِ العلويَّةِ بلغَتْ الغايةَ من شَرَفِ الأرومَةِ، ضَلَّ عنها حقُّها، وجاهدَت في سبيلِ اللهِ حَقَّ الجهادِ من الأعصارِ، ثمَّ لم تَظفرْ من جهادِها المريرِ إلاَّ بالحَسَرَاتِ، ولم تعقبْ من جهادِها إلاَّ العَبَرَاتُ، على ما فَقَدَتْ من أبطالٍ أَسَالُوا نفوسَهم في ساحِ الوَغَى، راضيةٌ قلوبُهم مطمئنَّةٌ ضمائرُهم، صافَحوا الموتَ ببسالةٍ فائقةٍ، وتلقَّوهُ بصبرٍ جميلٍ يثيرُ في النَّفسِ الإعجابَ والإكبارَ، ويشيعُ فيها ألوانَ التَّقديرِ والإعظامِ.

وقد أسرفَ خصومُ هذه الأُسرةِ الطَّاهرةِ في محاربَتِها، وأذاقوها ضُروبَ النّكالِ، وصَبُّوا عليها صنوفَ العذابِ، ولم يَرقبوا فيها إلاًّ ولا ذِمَّةً.

نعم، لقد اقترنَ تاريخُ العلويَّةِ بأنواعِ الظُّلمِ والنّكالِ، والقتلِ والتَّشريدِ، بحيثُ لم تَشهَدْهُ أيَّةُ طائفةٍ أُخرى من طوائفِ المسلمينَ. بلى، لم يَرَ الأُمويُّونَ ولا العباسيُّونَ ولا الملوكُ الغزاةُ ولا السَّلاجقةُ ولا مَن أتَى بعدَهم أيَّةَ حرمةٍ لنفوسِهم وأعراضِهم وعلومِهم ومكتباتِهم، فحينَ كان اليهودُ والنَّصارى يَسرحونَ ويَمرحونَ في أرضِ الإسلامِ والمسلمينَ، وقد كَفِلَ لهمُ الحُكَّامُ حرِّيَّاتِهم باسمِ الرَّحمةِ الإسلاميَّةِ، كانَ العلويُّون يُؤخَذونَ تحتَ كلِّ حجرٍ ومَدَرٍ، ويُقتَلونَ بالشُّبهةِ والظِّنَّةِ، وتُشرَّدُ أُسرَهم، وتُصَادَرُ أموالُهم، ولا يَجِدونَ بُدًّا من أن يُخفوا كثيرًا من عقائدِهم خوفَ النّكالِ والقتلِ، وبأيدٍ وقلوبٍ نُزِعَتْ منها الرَّحمةُ. فلا تثريبَ إذنْ على العلويِّ أمامَ هذه الوحشيَّةِ المُسرِفَةِ من أن يَتَعاملَ بالتَّقيَّةِ.

هذا هو طغرل بيك أوَّلُ ملكٍ من ملوكِ السَّلاجقةِ الذي وردَ بغدادَ سنةَ 447هـ، وشنَّ على العلويَّةِ حملةً شعواءَ، وأمرَ بإحراقِ مكتبةِ العلويَّةِ.

ولعلَّ القارئَ الكريمَ إذا تأمَّلَ بتدبُّرٍ وَتَأَنٍّ إلى جملةٍ ما كُتِبَ وأُلِّفَ من المراجعِ التَّاريخيَّةِ- وحتَّى تلكَ التي كُتِبَتْ في تلكَ العصورِ التي شهدَتْ هذه المجازرَ المتلاحقَةَ، والتي بلا أدنى شكٍّ كان أغلبُها يُجاري أهواءَ الأُسَرِ الحاكمةِ آنذاكَ- فإنّه سيجدُ بوضوحٍ أنَّ بقاءَ العلويَّةِ حتَّى هذهِ الأزمنةِ من المعاجزِ والكراماتِ وخوارقِ العاداتِ، كيفَ وإنَّ تاريخَهم كان سلسلةً من عمليَّاتِ الذَّبحِ والقتلِ والقمعِ والاستئصالِ والسَّحقِ والإبادةِ حيث تضافرَتْ قوى الكفرِ والفسقِ على إهلاكِهم وقطعِ جذورِهم، ومع ذلك فقد كانت لهم دولٌ ودويلاتٌ، ومعاهدُ وكلِّيَّاتٌ، وبلدانٌ وحضاراتٌ، وأعلامٌ ومفاخرُ، وعباقرةٌ وفلاسفةٌ، وفقهاءٌ، ومحدِّثونَ، ووزراءٌ وسياسيُّونَ.

نعم إنَّ ذلك من فضلِهِ سبحانَهُ لِتَعَلُّقِ مشيئَتِهِ على إبقاءِ الحقِّ في ظلِّ قيامِ العلويَّةِ طيلةَ القرونِ بواجبِها، وهو الصُّمودُ أمامَ الظلمِ، والتَّضحيةُ والفداءُ للمبدأ وقد قال سبحانَهُ: (إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشرونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَينِ وإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَروا بِأِنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ).

ولا يفوتنَّكَ أخي القارئُ الكريمُ أنَّ ثوراتِهم المتعاقبةَ على الحكوماتِ الظَّالمةِ الفاسدةِ الخارجةِ عن حدودِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ العظيمةِ هي التي أدَّتْ إلى تشريدِهم وقتلِهم والفتكِ بهم، ولو أنَّهم ساوموا السُّلطةَ الأُمويَّةَ والعبَّاسيَّةَ، لكانوا في أعلى المناصبِ والمدارجِ، لكنَّ ثوراتِهم لم تكن عنصريَّةً أو قوميَّةً أو طلبًا للرِّئاسةِ، بل كانت لإزهاقِ الباطلِ ورفعِ الظُّلمِ عن المجتمعِ، والدَّعوةِ إلى إعلاءِ كلمةِ اللهِ وغيرِ ذلكَ ممَّا هو من وظائفِ العلماءِ العارفينَ.

 

فرضيَّاتٌ خاطئةٌ وهميَّةٌ:

لقد تقدَّمَ الحديثُ منَّا في الفقراتِ السَّابقةِ حولَ ما يمكنُ تسميتُهُ بنشأةِ العلويَّةِ، والتي تُبيِّنُ لنا بوضوحٍ أنَّهُ لا فصلَ هنا بين النَّشأتَينِ، نشأةِ الإيمانِ، ونشأةِ العلويَّةِ، وأنَّهما وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ، إلاَّ أنَّ هناكَ جماعةً من المؤرِّخينَ وكُتّابِ المقالاتِ مِمَّنْ قادَهُم الوهمُ وسوءُ الفهمِ إلى اعتبارِنا أمرًا حادثًا وطارئًا على المجتمعِ الإسلاميِّ، فأخذوا يُفَتِّشونَ عن بدءِ العلويَّةِ ومصدرِها، وأشدُّ تلك الظُّنونِ عدوانيَّةً ما تلوكُهُ أشداقُ بعضِ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ من اتِّهامِ كلِّ مَن دَعَا إلى الإمامِ عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ بالإمامةِ، وإلى النَّبيِّ (ص) بالرَّجعةِ، وبما أنَّ لهذا الموضوعِ أهميَّةً خاصَّةً لِمَا احتلَّهُ من المساحةِ الواسعةِ في أذهانِ العديدِ من السُّذَّجِ والسَّطحيِّينَ، فإنَّا لا نكتفي ببيانِ توهُّمٍ واحدٍ، بل نأتي على ذكرِ كلِّ تلكَ الادِّعاءاتِ واحدةً بعدَ الأخرى، مع رعايةِ التَّسلسلِ الزَّمنيِّ.

وليسَ بِخَافٍ على أحدٍ مَدَى الانعطافةِ الخطيرةِ التي حدثَتْ في تاريخِ الإسلامِ عقبَ انتهاءِ مؤتمرِ سقيفةِ بني ساعدة، وما ترتَّبَ عليه من نتائجَ وقراراتٍ خطيرةٍ.

نعم إنَّ هذا الأمرَ لابدَّ وأن يستوقفَ كلَّ ذي لُبٍّ وعقلٍ مستنيرٍ، كما أنَّ الاستقراءَ المتأنِّي لأحداثِ السَّقيفةِ قد أوضحَ وبقوَّةٍ وجودَ تيَّارٍ قويٍّ عارضَ مقرَّراتِ هذا المؤتمرِ، وهذا الموقفُ تبنَّتْهُ جملةٌ من وجوهِ الصَّحابةِ ومُتَقدِّميها، وعَمَدَتْ إلى التَّذكيرِ بوجودِهِ والإجهارِ بِهِ، ولعلَّ تمسُّكَ هذه الثًّلَّةِ من الصَّحابةِ بموقفها من بيعةِ الإمامِ دونَ غيرِهِ هو ما دفعَ بعضَ المؤرِّخينَ إلى الذَّهابِ بأنَّ العلويَّةَ كانت وليدةَ الصِّراعِ من هذا المؤتمرِ ونتاجَ مَخَاضِهِ، وأنْ يَليهم آخرونَ يتعمَّدونَ بهذا الرَّأي ويُرَتِّبونَ من خلالِهِ تصوُّرَاتِهم وأفكارَهم، فيتشعَّبَ ذلكَ إلى جملةٍ واسعةٍ من المتبنَّيَاتِ غير الواقعيَّةِ والقائمةِ على أرضٍ واسعةٍ من الأوهامِ والاسترسالِ غيرِ المنطقيِّ.

ولعلَّ هذا التصوُّراتِ تعتمدُ في فهمِها أساسًا لبدءِ نشأةِ العلويَّةِ على ما رَواهُ الطَّبريُّ وغيرُهُ عن مجرياتِ هذا المؤتمرِ وما ترتَّبَ عليه من نتائج، دونَ أن تمدَّ بصرَها إلى أبعد من هذهِ النُّقطةِ اللامعةِ التي أعْمَتْهُم عن التأمُّلِ في أبعادِها.

وهكذا فَمِن خلالِ هذهِ النُّصوصِ المتقدِّمةِ وغيرِها اعتقدَ البعضُ أنَّ بدءَ العلويَّةِ ونشأتَها كان في تلكَ اللحظاتِ الحرجةِ في تاريخِ الإسلامِ، متناسينَ أنَّ ما اعتمدوهُ في بناءِ تصوُّراتِهم هو ما يَنقضُها ويثبتُ بطلانَها، فالمتأمِّلُ في هذه النُّصوصِ يظهرُ له وبوضوحٍ أنَّ فكرةَ العلويَّةِ ليست وليدةَ هذا الظَّرفِ المعقَّدِ وثمرةَ اعتلاجِهِ، بقدرِ ما تؤكِّدُ على أنَّ هذه الفكرةَ كانت مُختَمِرَةً في أذهانِهم ومركوزةً في عقولِهم ولسنينَ طوالٍ من حياةِ النَّبيِّ (ص)، فلمَّا رأتِ العلويَّةُ انصرافَ الأمرِ إلى جهةٍ لم تكنْ في حساباتِهم ولا في حدودِ تَصوُّرَاتِهم، وانحسارَهُ عمَّا كان معهودًا به إليهم، عَمَدُوا إلى التمسُّكِ به بالاجتماعِ في بيتِ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ، والإعلانِ صراحةً عن موقِفهم ومُعتَقَدِهم.

وكان من المنطقِ والحكمةِ أن يجتمعَ رأيُ هذه الجماعةِ- التي تؤلِّفُ خلاصةً غنيَّةً من متقدِّمي الصَّحابةِ- على هذا الأمرِ في تلكَ اللَّحظاتِ المضطربةِ والمليئةِ بالمفاجآتِ، وأن يترتَّبَ عليه موقفٌ موحَّدٌ ثابتٌ، فهذا الأمرُ يدلُّ بوضوحٍ على أنَّه ما كان وليدَ يومِهِ ونتاجَ مخاضِهِ.

وممَّا يؤكِّدُ ذلك ويقوِّي أركانَهُ ما نقلته جميعُ مصادرِ الحديثِ المختلفةِ من نداءاتِ رسولِ اللهِ (ص) وتوصياتِهِ بحقِّ الإمام عليّ وعترتِهِ (ع) في أكثرَ من مناسبةٍ ومكانٍ، وما كان يشيرُ إليهِ (ص) من فَضلِ عترتِهِ ومكانَتِهم، والتَّأكيدِ على وجوبِ ملازَمَتِهم، وفي هذا دلالةٌ لا تَقبَلُ النَّقضَ على أنَّ العلويَّةَ ما كانت وليدةَ السَّقيفةِ أو رَدَّةً رافضةً آنيَّةً لمجرياتِ أحداثِها، بل إنَّ هذا الوجودَ يَمتدُّ عمقًا مع نشأةِ الإسلامِ واشتدادِ عودِهِ في زمنِ النَّبيِّ محمَّد (ص) وحياتِهِ المباركةِ المقدَّسةِ.

فقد بُثَّ الدُّعاةُ في البلادِ الإسلاميَّةِ، وأشيرَ عليهم الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكرِ، فَمَالَ إليهم وتبعَهم على ذلكَ جماعاتٌ من المسلمين، ومنهم الصَّحابيُّ الكبيرُ والتَّابعيُّ الصَّالحُ من أمثالِ أبي ذر، وعمَّـار بن ياسر، ومحمَّد بن حذيفة، ومحمَّد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الأشتر، إلى غيرهم من أبرارِ المسلمينَ وأخيارِهم.

فأمَّا محمَّد بن أبي بكر: فأُمُّهُ أسماءُ بنتُ عُمَيس الخثعميَّة، تزوَّجَها أبو بكر بعد استشهادِ جعفر بن أبي طالب، فولدَتْ له محمَّدًا في حجَّة الوداعِ بطريقِ مكَّة، ثم نشأَ في حِجْرِ الإمام علي، وشهدَ معه حربَ الجملِ، كما شهدَ صفِّينَ، ثمَّ وُلِّيَ مصرَ عن الإمام عليّ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ إلى أن قُتِلَ فيها بهجومِ عمرو بن العاص عليها.

وأمَّا صعصعة بن صوحان العبدي: فقد أسلمَ على عهدِ رسولِ الله (ص) وكان خطيبًا مفوَّهًا، شهدَ صفِّين مع الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ. ولمَّا استولى معاويةُ على العراقِ نفاهُ إلى البحرين وماتَ فيها.

وأمَّا مالك الأشتر: فهو مالك بن الحرث النَّخعي، وهو من ثِقَاتِ التَّابعين، شهدَ وقعةَ اليرموكِ، وصحبَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ في الجملِ وصفِّينَ، وَلاَّهُ على مصرَ سنة (38هـ) ولمَّا وصلَ إلى القلزمِ دَسَّ إليه معاويةُ السُّمَّ بواسطةِ أحدِ عملائِهِ فتوفِّيَ مسمومًا.

وأمَّا أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري فهو من السَّابقينَ إلى الإيمانِ، وأوَّل المسلمينَ، وقد قال فيه الرَّسول (ص): (ما أَظَلَّتِ الخضراءُ وما أقلَّتِ الغبراءُ أصدقَ لهجةٍ من أبي ذر).

وأمَّا عمَّار بن ياسر فقد كان من والِدَينِ مؤمنينِ حتَّى قالَ لهم الرَّسول (ص): (صبرًا آل ياسرَ إنَّ موعِدَكُمُ الجنَّة)، كما قالَ عنه الرَّسول (ص): (عمَّارُ مُلِئَ إيمانًا حتَّى مَشاشِهِ).

وكذلكَ كان عمرو بن الحمق الخزاعي من أجِلاَّءِ الرَّسولِ (ص) والمُحدِّثِين. فهؤلاء باختصارٍ هم بعضُ الأجِلاَّءِ الذين نُسِبُوا إلى العلويَّةِ.

 

افتراق الأمَّة الإسلاميَّة:

النَّماذجُ التي قالتْ إنَّها الفرقةُ النَّاجيةُ لم تكن أدلَّتُهم إلاَّ دَعاوى مجرَّدةً وأدلَّةً ملفَّقةً، لا تستندُ إلى حجَّةٍ صحيحةٍ ولا إلى برهانٍ مستقيمٍ.

إنَّ العلويَّةَ هي الفرقةُ الحقَّةُ وإنَّ عقائدَهم سمحةٌ وسهلةُ القبولِ لكلِّ ذي عقلٍ حكيمٍ وذوقٍ سليمٍ، وتجدُ عندهم لكلِّ مسألةٍ من المسائلِ ولكلِّ مبدأ في العقائدِ تفسيرًا شافيًا كافيًا، في الوقتِ الذي لا تجدُ لها حلاًّ عند أهل السُّنَّةِ والشيعةِ وغيرهم، وهو قوله تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ).

ويُعتبرُ عنصرُ العموميَّةِ والشُّمولِ الذي تتميَّزُ به تعاليمُ الدِّينِ العلويِّ المحمَّديِّ من أبرزِ العناصرِ والمقوّماتِ التي تمنحُ هذا الدِّينَ المقدَّسَ قابليةَ الدَّيمومةِ والبقاءِ ومواكبةِ السُّلوكِ الإنسانيِّ المتحرِّكِ والمتغيِّرِ باستمرار، فقد أُريدَ لهذا الدينِ أن يمتدَّ في أفقِ الحياةِ إلى حيث اللَّحظاتِ الأخيرةِ بالرؤيةِ الواضحةِ والتَّكليفِ المشخِّصِ والموقفِ العمليِّ المحدَّدِ الشَّاملِ لقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ).

ولنا أن نقطعَ بأنَّ سرَّ هذا الشُّمولِ والاستيعابِ في هذا الدِّينِ يكمنُ في انبثاقِ تعاليمِهِ وقوانينِهِ من صاحب الكمالِ المطلقِ واتِّصاله بالقدرةِ الإلهيَّةِ، فالقُوَّةُ المعصومةُ المطلقةُ هي صاحبةُ الدَّورِ الوحيدِ في صياغةِ الرُّؤيةِ والوقائعِ، وقد كانت هذه العصمةُ المجسِّدَ الأولَ لهذه الغايةِ، والملبِّي الأمثلَ لذلكَ الغرضِ المرتجى والهدفِ المرسومِ.

وبمجرَّدِ اطلاعِكَ على عقيدةِ العلويَّةِ في هذا الصَّددِ يرتاحُ ضميرُكَ ويسلِّمُ عقلُكَ بقبولِ تأويلِ الآياتِ القرآنيَّةِ بعيدًا عن أيِّ تشبيهٍ أو تعطيلٍ.

ولنا أن نستدلَّ على أحقيَّةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ بعدَّةِ أدلَّةٍ:

  1. أخبرَ النبيُّ (ص) أنَّ النَّجاةَ منحصـرةٌ بالتَّمسُّكِ بالكتابِ والأئمة (ع) بقوله (ص): (إنِّي مُخلفٌ فيكم الثَّقلين كتابَ اللهِ وعترَتي أهلَ بيتي لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكتُم بهما، وإنَّهما لن يَفترقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوضَ)، ولا ريبَ أنَّ البعضَ لم يتمسَّكوا بأهلِ البيتِ، فوجبَ بمقتضى ذلكَ الحديثِ وقوعُهم في الضَّلالِ، أمَّا العلويةُ النصيريةُ فاتَّبعوهم واتَّخذوهم أئمَّةً، فكانوا بذلكَ هم النَّاجونَ دون غيرهم.
  2. أخبرَ الإمام علي علينا من ذكره السلام في أحاديثَ كثيرةٍ أنَّ الأئمَّةَ (ع) الذينَ يكونُ بهم الدِّينُ قائمًا عزيزًا ومنيعًا وأمرَ الناسَ بهم هم إثنا عشـرَ كلُّهم من قريش، لذلك تجدُ أنَّ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ تعتقدُ بإثني عشر إمامٍ بدءًا بمحمد (ص) وانتهاء بالقائم المهدي (ع).
  3. إنَّ العلويَّة النُّصيريَّةَ خالصةٌ من الأباطيلِ في الفروعِ والأصولِ ولا بأسَ بأن نذكرَها مجملةً، فكلُّ مَن كانَ منصفًا واطَّلعَ على المذاهبِ بتأمُّلٍ يجدُ أنَّ العلويَّة النُّصيريَّة هي واجبةُ الاتِّباعِ لموافَقَتِها الأدلَّةَ الصَّحيحةَ وبُعدِها عن البدعِ.
  4. لقد أثبتَ علماءُ العلويَّةِ نهجَ أهلِ البيتِ، ورَدُّوا على خصومِهم، وفَنَّدُوا آراءَ المذاهبِ الأخرى، وهم في ذلكَ ألزَموا أنفسَهم بألاَّ يَحتجُّوا إلاَّ بمَا وَرَدَ في المصحفِ الشريفِ وأحاديثِ الخصومِ الذين لمَّا أعياهُم الدَّليلُ الصَّحيحُ في نقدِ العلويَّة النُّصيريَّةِ عَمَدوا مع بالغِ الأسى إلى تضعيفِ أحاديثِنا، وعَمَدُوا إلى اختلاقِ الأكاذيبِ على النُّصيريَّةِ بِمَا لا يقولونَ وَبِمَا ليسَ فيهم، وهذا ناشئٌ عن عدم الدَّليلِ عندهم على صحَّةِ مذاهبِهم، فلم نجدْ في رَدِّهم علينا إلاَّ السُّبابَ والشَّتمَ المقذعَ.
  5. المعروفُ أنَّ المذاهبَ المعروفةَ المجتهدةَ نشأت كلُّها بعد انتهاءِ القرنِ الثاني من الهجرة، وإذا كانت قد نشأتْ في عصورٍ متأخرةٍ فلابدَّ أن يكونَ الحقُّ في غيرِها قبلَ نشوئِها، ولابدَّ أنْ تكونَ هناكَ فرقةٌ من فرقِ هذه الأمةِ على الحقِّ من زمانِ الأنبياءِ إلى قيامِ الساعةِ، لذلكَ كان الحقُّ منحصـرًا في العلويَّةِ النُّصيريَّةِ لأنَّها الفريدة بين كلِّ المذاهبِ الإسلاميَّةِ التي امتدَّتَ من حياة الأنبياءِ إلى العصورِ المتأخِّرةِ.
  6. إنَّ علماءَ العلويَّةِ ناظروا خصومَهم في التَّوحيدِ فكانت الحُجَّةُ معهم والغَلَبَةُ لهم على غيرهم، وعلماءُ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ كانوا وما يزالونَ يدعونَ أربابَ المذاهبِ للمناظرةِ ثقةً منهم بأنَّ ما عندهم هو الحقُّ وما عليه غيرُهم هو الباطلُ، والباطلُ لا يزهقُ الحقَّ لقوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ).

 

لكلِّ ما سبقَ نجدُ أنَّ الأدلَّةَ الصَّحيحةَ الثَّابتةَ كلُّها ترشدُ إلى العلويَّة الحقِّ لقوله تعالى: (وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)، وأمَّا باقي المذاهبِ فلم يقمْ على صِحَّتها دليلٌ صحيحٌ معتبَرٌ، وكلُّ ما ذكروهُ لا يَعدو كونَهُ مجرَّدُ دَعاوى لا تستندُ إلى برهانٍ صحيحٍ، ولا تنهضُ بها حجَّةٌ تامَّةٌ.

ولا يخفى أنَّنا بحاجةٍ إلى تكريسِ الجهودِ ومضاعَفَتِها نحو الإفهامِ المناسبِ لعقائدِنا العلويَّةِ الحقَّةِ ومفاهيمها الرَّفيعةِ، ممَّا يستدعي الالتزامَ الجادَّ بالبرامجِ والمناهجِ العلويَّةِ التي تُوجِدُ حالةً من المفاعلةِ الدَّائمةِ بينَ الناسِ وقيمها الحَقَّةٍ.

وليكن الهمُّ الأوَّلُ والأخيرُ للعالمِ هو تعريفُ الحقيقةِ والحفاظُ عليها للوصولِ للحكمِ في منابعِهِ الأصليَّةِ، وبيانُهُ دونَ اهتمامٍ بكثرةِ البهرجةِ وحبِّ الظُّهورِ وغيرِ ذلكَ من مغرياتِ الدُّنيا الزَّائلةِ ودواعي الشَّيطانِ المهلكةِ، فَعِزُّ الدُّنيا وفخرُها إلى انقطاعٍ، وزينتُها ومالُها إلى زوالٍ، وقد قال تعالى: (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).

الصلاة على محمد وآله

hesham

الصلاة على محمد وآله

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

==============

قالَ تعالى في كتابهِ العزيزِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) وقد سُئلَ الإمامُ الكاظمُ (ع): ما مَعنى صَلاة اللهِ وصلاة الملائكةِ وصلاة المؤمنِ؟ فقال (ع): (صَلاةُ اللهِ رحمةٌ، وصلاةُ الملائكةِ تزكيةٌ، وصلاةُ المؤمنِ دعاءٌ). ولكن: كيف تكون الصَّلاةُ؟

جاءَ صَحابةُ رسولَ اللهِ (ص) فقالوا: يا رسولَ اللهِ، عَرَفنا كيفَ نُسلِّمُ عليكَ ولم نعرفْ كيفَ نُصلِّي عليكَ. فقال: (قولوا: “اللهمَّ صلِّ على محمَّد وآلِ محمَّد كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، في العالَمِينَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ”، ولا تُصلُّوا عليَّ الصَّلاةَ البَتراءَ). قيل: وما الصَّلاةُ البتراءُ يا رسولَ الله؟ فقال (ص): (أن تقولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد، وتُمْسِكُوا).

كما وردَ عنه (ص) في هذا الخصوص: (ما في الميزانِ أثقلُ من الصَّلاةِ على محمَّد وآلِهِ، ومَن صَلَّى عَلَيَّ ولم يُصَلِّ على آلِي لم يَجِدْ ريحَ الجنَّةِ).
كما وردَ عن أميرِ المؤمنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام في تفسيرِ هذه الآيةِ أنَّهُ قال: (لهذهِ الآيةِ ظاهرٌ وباطنٌ، فالظَّاهرُ قولُهُ: “صَلُّوا عليه”، والباطنُ قوله: “وسَلِّموا تسليمًا” أي سَلِّموا لِمَن وصَّاهُ واستَخلَفَهُ)؛ وهو الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام.

أليسَ رسول الله (ص) قد قال فيه: (عليٌّ وليُّ كلِّ مؤمنٍ)؟ أليس قد قال: (إنَّ هذا أخي وَوَصِيِّي وَخَليفتي فاسمَعوا له وأَطيعوهُ)؟ أليس قد قال: (علي بن أبي طالب يُنجِزُ عدَّتي ويَقضِي دِيني)؟ أليس قد قال: (هذا عليٌّ، أخي وَوَزيري وَخَليفتي، إمامُكم، فأحبُّوهُ لِحُبِّي وأكرِموهُ لكرامتي .)

أليسَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام هو الذي نزلَتْ فيه الآيةُ: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، إذ وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّ رسولَ اللهِ (ص) دَعَا الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام فقالَ: يا عليُّ ادعُ عشرةً من بَنِي هاشمَ وبَنِي عبدِ المطَّلبِ، فلمَّا دَخَلوا وجَلَسوا قال (ص): هَلُمُّوا، وبَادَرَهُم رسولُ اللهِ (ص) بالكلامِ قائلاً: أيُّكم- يا بَنِي عبدِ المطَّلِبِ- يَقضِي دِيني، ويُنجِزُ وَعدي، ويَقومُ مَقَامي، ويَكون خَليفَتي وَوَزيري؟ فَسَكَتَ القومُ كلُّهُم، فقال الإمامُ علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (يا رسولَ اللهِ، أنا أقضي دِينَكَ وأُنجِزُ وَعدَكَ، وأكونُ خليفَتَكَ في أُمَّتِكَ وأهلِكَ). وكانَ الإمامُ علي علينا من ذكرِهِ السَّلام أصغرَهم سِنًّا، وأعظمَهم قوَّةً، فقالَ رسولُ الله (ص): (قد فَعَلْتَ يا عليُّ).

وَمَا مِن أحدٍ َ زَكَّى في رُكُوعِهِ غير الإمامِ علي علينا من ذكرِهِ السَّلام إذ أنَّ رسولَ اللهِ (ص) كانَ قد جَاءَهُ بِخَاتَمٍ أنزلَهُ جبريلُ (ع) من اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، عليهِ ياقوتةٌ مكتوبٌ عليها (للهِ المُلكُ) فَتَخَتَّمَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام بِهِ وخرجَ إلى مسجدِ رسولِ اللهِ (ص)، فَصَلَّى ركعتين شكرًا للهِ على تلكَ الهِبَةِ، فأتاهُ آتٍ من عندِ اللهِ، فوهبَ الإمامُ علي علينا من ذكرِهِ السَّلام ذلكَ الخاتمَ له، والنَّاسُ يَنظرونَ، وأتمَّ صَلاتَهُ وجلسَ يُسَبِّحُ اللهَ ويحمدُهُ ويشكرُهُ، حتى دخلَ إلى رسولِ اللهِ (ص)، فَضَمَّهُ إليهِ وقبَّلَهُ على وَجهِهِ، وقالَ: (هنَّأَكَ اللهُ يا أبا الحسنِ) وعيناهُ ملأى بالدُّموع، ثمَّ قرأَ هذهِ الآيةَ: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

أسماء أمير المؤمنين

hesham

أسماء أمير المؤمنين

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر

==============

 

لقد وردَتْ ألقابٌ متعدِّدةٌ لأمير المؤمنينَ الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام في مختلفِ الكتبِ، فقد كان من أسمائِهِ العليُّ الحكيمُ في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)، و”حيدرة” أي حياة الدار وهو حيٌّ دارٍ.

وسمَّاهُ أبوهُ أبو طالب (ع) “زَيدًا” لأِنَّهُ اسمٌ مُشتَقٌّ مِنَ الزِّيادَةِ وَهُوَ زائِدٌ على النَّاسِ كُلِّهِم بِالفَصاحَةِ وَالشَّجاعَةِ وَالعِلمِ.

وسَمَّتْهُ جَدَّتُهُ “خَبيرًا” لأنَّهُ أخبَرَ عَن نَفسِهِ على المنبرِ فَقالَ علينا من ذكرِهِ السَّلام: (أنا خَبيرٌ بِما في السَّمواتِ وَالأرضِ وَعالِمٌ بِما في الأرحامِ).

وسمَّاهُ عَمُّهُ المقوم بن عَبد المُطَّلِب (ع) “الصَّلصال”، وَالصَّلصالُ هُوَ التُّرابُ، وَلِذلِكَ كَنَّاهُ النَّبِيُّ (ص) بِأبي تُراب لأِنَّهُ أبٌ لِكُلِّ ما خَلَقَ مِنَ التُّرابِ.

وسمَّاهُ رَسولُ اللهِ (ص) “رَجُلاً” عِندَ قَولِهِ (ص): (لأَدْفَعَنَّ الرَّايَةَ غَدًا لِرَجُلٍ يُحِبُّ اللهَ وَرَسولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسولُهُ). وسمَّاهُ (ص) “الهادي” بِقَولِهِ: (عَلِيُّ الهادي). وسمَّاهُ (ص) “الوكيل” حينَ قالَ: (يا عَلِيّ أنتَ وَكيلي وَخَليفَتي). وسمَّاهُ (ص) “الخليفة” حين قالَ له: (اللَّهُمَّ أنتَ الخَليفَةُ في الأهلِ وَالمالِ). وسمَّاهُ (ص) “القاضي” في قوله: (أقَضاكُم عَلِيٌّ). وسمَّاهُ (ص) “الولي” حين صَرَّحَ بِهِ بِقَولِهِ: (وَأشهَدُ أنَّ عَلِيًّا وَلِيُّ المُؤمِنينَ). وصَرَّحَ فَقالَ: (مَن أرادَ الحَقَّ فَليَنظُرْ إلى عَلِيٍّ، عَليٌّ مع الحَقِّ حَيثُ كانَ) فتبيَّنَ أنَّ “الحقَّ” من أسمائِهِ علينا من ذكرِهِ السَّلام. وأطلقَ عليه اسمَ “الإيمان” في قوله (ص) يومَ الأحزابِ لمَّا برزَ أميرُ المُؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام إلى عمرو بن وِدٍّ العامري (لع): (بَرَزَ الإيمانُ كُلُّهُ إلى الشِّركِ كُلِّهِ).

و”الصراط المستقيم” في قول الإمام الصادق (ع): (هُوَ أميرُ المؤمنينَ في أمِّ الكتابِ يعني الفاتحة فإنَّهُ مَكتوبٌ فيها “اهدنا الصِّراطَ المُستَقيمَ” وَهُوَ أمير المُؤمنينَ).

وتسميتُهُ “جزءٌ أصَمُّ” تعني جُزءٌ واحِدٌ غَيرُ مُتَجَزِّئٍ أجزاءَ عِدَّةَ، أصَمُّ أي أنَّهُ غَيرُ مُتَفَرِّقٍ وَلا مُتَبَعِّضٍ وَلا مُتَجَزِّئٍ.

كذلكَ كُنِّيَ “أصلَعَ قُريش”، أي أطهَرَ بَيتٍ في قُريشٍ، وكلنا يعلمُ أنَّ مولانا أمير المُؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام كان يُسَمَّى “الموت”، وَكانَ علينا من ذكرِهِ السَّلام يَقولُ في الحَربِ: (أنا المَوتُ)، وَبِهذا الاسمِ كانَت تُسَمِّيهِ العَرَبُ إذا بَرَزَ لِلقِتالِ، بِدَليلِ قَولِهِ تَعالى: (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ)، وقوله تعالى: (فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).

كذلك وردَ أنَّ أميرَ المؤمنين تسمَّى باسم “اليعسوب” في تفسير قوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)، حيث قال: جاءَ عَنِ الإمام الرِّضا (ع) فِي هذِهِ الآيَةِ أنه قالَ: قالَ النَّبِيُّ (ص): عَلِيٌّ أميرُها فَسُمِّيَ أميرَ النَّحلِ، وَيُقالُ أنَّ النَّبِيَّ (ص) وَجَّهَ عَسكَرًا إلى قَلعَةِ بني ثُعَلٍ فَحارَبَهُم أهلُ القَلعَةِ حَتَّى نَفِدت أسلِحَتُهم، فَأرسَلوا عَلَيهِم كُوارَ النَّحلِ، فَعَجِزَ عَسكَرُ النَّبِيِّ (ص) عَنها فَجاءَ أميرُ المُؤمِنينَ فَذلَّت النَّحلُ لَهُ، فَلِذلِكَ سُمِّيَ “أميرَ النَّحلِ”، وَرُوِيَ أنَّهُ وُجِدَ في غارٍ نَحلٌ لَم يُطيقوهُ، فَقَصَدَهُ أميرُ المُؤمِنينَ وَشارَ مِنهُ عَسَلاً كَثيرًا فسَمَّاهُ الرَّسولُ (ص) أميرَ النَّحلِ وَاليعسوب.

وقَالَ الإِمَامُ علي علينا من ذكرِهِ السَّلام نفسُهُ: (أَنَا عَبدُ اللهِ وَأَخُو رَسُولِ اللهِ، أَنَا السَّيفُ المَسلُولُ)، فهل صارَ سيفًا معدنيًّا؟ أم رَمَزَ إلى نصرةِ دينِ الإسلام؟

وقال تعالى: (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً)، حيث وردَ عن الإمام الباقر (ع): (تفسيرها في باطن القرآن: عليُّ هو رب الولاية، والرب هو الخالق).

ويبدو أنَّه قد كَبُرَ على المرتدين أنَّ أميرَ المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام لُقِّبَ بلقب “دابَّةِ الأرض” في قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ).

ألم يقرؤوا انَّ أبا الطُّفيل عامر بن وائلة سأل عن الدابة فأجابه أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: ألْهُ عن هذا. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني به جُعلتُ فداكَ. قال: (صدِّيقُ هذه الأمةِ وفاروقُها ورئيسُها وذو قرنِها). قال: يا أمير المؤمنين تُسمِّيهِ. قال علينا من ذكرِهِ السَّلام: (قد سمَّيتُهُ لك). فَمَن هو صدِّيقُ هذه الأمةِ وفاروقُها ورئيسُها وذو قرنِها؟

ألم يقرؤوا قول أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (أنا دَابَّةُ الأرضِ)؟

ألم يقرؤوا رواية الإمام الباقر (ع) عن أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (لقد أُعطيتُ السِّتَّ: علمَ المنايا والبلايا والوصايا وفصلَ الخطاب، وإنِّي لَصاحِبُ الكرَّاتِ، ودولة الدُّولِ، وإنِّ لَصاحبُ العصا والميسم، والدَّابَّةُ التي تكلِّمُ النَّاسَ)؟

هل غابَ عنهم الحديثُ المشهورُ عن الإمام الصَّادق (ع) أنَّه قال: انتهى رسول الله (ص) إلى أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام وهو نائمٌ في المسجدِ قد جمعَ رملاً ووضعَ رأسَهُ عليه، فحرَّكَهُ وقال: (قُمْ يا دابَّةَ الأرض). فقال رجلٌ من أصحابِهِ: يا رسولَ اللهِ أيسمِّي بعضُنا بعضًا بهذا الاسمِ؟ فقال (ص): لا واللهِ ما هو إلا له خاصَّةً، وهو الدَّابةُ التي ذكرَ اللهُ في كتابِهِ: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ)، ثم قال: (يا عليُّ، إذا كانَ آخرُ الزَّمانِ أخرجَكَ اللهُ في أحسنِ صورةٍ ومعكَ ميسمٌ تَسِمُ به أعداءَكَ)؟

كذلك قال أمير المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام: (أَنَا رَفَعتُ سَمَاءَهَا وَأَسطَحتُ أَرضَهَا، أَنَّا السَّمَاءُ أَنَا الأَرضُ). كما تسمَّى باسم “الشجرة” في قوله تعالى: (يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)، حيثُ وردَ قول الإمام الصادق (ع) في تفسير هذه الآية: (ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)، وقد رويَ أنَّ امرأة استأذنت بالدخولِ على الإمام الصادق (ع) فأذن لها، فدخلت ومعها مولاة لها، فقالت: يا أبا عبد الله قول الله عزّ وجلّ: (زَيتُونةٍ لا شَرْقيةٍ وَلا غَرْبية ) ما عنى بهذا؟ فقال (ع): (أيّتها المرأة إنّ الله لم يضرب الأمثال للشجر إنّما ضرب الأمثال لبنى آدم).

 

تجليات الجمال والجلال القرآنية في الفلسفة العلوية

hesham

تجليات الجمال والجلال القرآنية في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام احمد صقر
===========

القرآنُ الكريمُ هو الحبلُ الإلهيُّ الممدودُ من السَّماءِ إلى الأرضِ، مَن يَتَمَسَّكُ بِهِ ينجو، وَمَن يضلُّ عنهُ يَهلَكُ. وما عظمتُهُ إلاَّ مظهرٌ وجلوٌّ لعظمةِ الحيِّ القيُّومِ، ووجهٌ من وجوهِهِ تباركَ وتعالى، ولهذا كان له العديد من الأسماء منها:

  1. القرآنُ: وهو مصدرٌ أو وصفٌ مشتقٌّ معناهُ (الجمع) لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)، ففي القراءةِ استظهارٌ للحقيقة، والاتِّباعُ يكونُ للقريبِ، وقد قيلَ: سمِّي القرآنُ قرآنًا لقربِهِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ.

  2. الكتابُ: فالكتابةُ جمعٌ للحروفِ وَرَسمٌ للألفاظِ، وتسميةُ كلامِ اللهِ تعالى بـ(الكتابِ) إشارةٌ إلى جمعِهِ في الكلماتِ والسُّطورِ، وهو على ثلاثةِ معانٍ:

  • الكتبُ المنزلةُ على الأنبياءِ المشتملةُ على شرائعِ الدِّينِ، ككتابِ نوح (ع) في قوله تعالى: (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، وكتاب إبراهيم وموسى (ع) في قوله تعالى: (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)، وكتاب محمد (ص) في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ).

  • الكتبُ المخصَّصةُ لكلِّ إنسانٍ أو أمَّةٍ كقوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا).

  • كتبُ الوجودِ المتغيِّرِ في قوله تعالى: (وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، والإفرادِ في قوله تعالى: (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).

  1. الفرقان: فالفرقانُ يفيدُ التفرقةَ بين العبوديَّةِ والرُّبوبيَّةِ، وهو في قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).

  2. الكلام: قيل للإمام الرِّضا (ع): أخبرني عن القرآن أخالقٌ أم مخلوقٌ؟ فقال: (ليسَ بخالقٍ ولا مخلوقٍ ولكنَّهُ كلامُ اللهِ عزَّ وجلَّ).

  3. الذِّكر: في قوله تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ).

  4. الهدى: في قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).

وللإمام الصَّادق (ع) كلمةٌ في تعريفِ القرآنِ عندما قال: (لقد تجلَّى اللهُ لخلقِهِ في كلامِهِ ولكنَّهم لا يبصرون)، فالإمامُ الصَّادق (ع) عبَّرَ قائلاً: (تجلَّى الله لخلقِهِ) ولم يقل: (تجلَّى الله لنفسِهِ)، لأنَّ القرآنَ له مقامُ جمعِ الأسماءِ والصِّفاتِ من جمالٍ وكمالٍ وجلالٍ، وهذا الجعلُ والحرفُ هو الرَّابطُ بين العبدِ والمعبودِ بعدَ التَّجلي بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إنَّ الكلامَ صفةٌ ليسَتْ بأزليَّةٍ، وكانَ اللهُ عزَّ وجلَّ ولا متكلِّمٌ).

أمَّا الجملة الثانية فهي قوله (ع): (ولكنَّهم لا يبصـرون)، فالقرآنُ هو تجلِّي الحيِّ القيُّومِ في السَّماواتِ والأرضِ بدليلِ قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أَبَانَا الذي في السَّمواتِ لِيَتَقَدَّسِ اسمُكْ، لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ كما في السَّماءِ كذلكَ على الأرضِ)، فلماذا لا يُبصرون؟

إنَّ الإبصارَ هو محلُّ الأزمةِ ومكمنُ المعضلةِ، فبالعودةِ إلى القرآنِ والبحث عن البصرِ المختلفِ عن البصيرةِ نجدُ قوله تعالى: (قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ)، وهذه البصائرُ لا تتمُّ على الأرضِ، بل هي بحاجةٍ إلى ارتقاءِ النَّفسَ لتُبصِرَ آيةَ السَّماءِ بدليلِ قول سيِّدنا المسيح (ع): (لا يمكنكَ أن تعرِفَهُ على الأرضِ تمامَ المعرفةِ، ولكنَّكَ ستراهُ في مملكتِهِ إلى الأبدِ حيثُ يكونُ قوامُ سَعادَتِنا وَمَجدِنا).

فعندما يطوي الإنسانُ طريقَ العمى، فإنَّهُ يصلُ إلى حيث يتمكَّنُ من فهمِ ما تعنيهِ كلمةُ “الحكيمِ” في قوله تعالى: (يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)، وكلمةُ “ذي الذِّكرِ” في قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)، وكلمةُ “المجيدِ” في قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)،… ولكنَّ هذا الطريقَ صعبُ المسالِكِ لا يعبرُهُ إلاَّ مَن استحقَّ ذلكَ وخشـيَ الله وجاءَهُ بقلبٍ خاشعٍ سليمٍ لقوله تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ).

جوهر الإيمان برسالة الإسلام في الفلسفة العلوية

hesham

جوهر الإيمان برسالة الإسلام في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر
============

يمكنُ اعتبارُ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ تجلِّيًا إلهيًّا يدعو أصحابَ الإيمانِ إلى الأخذِ بالرِّسالةِ السَّماويَّةِ، وهي حقيقةُ الشَّريعةِ السَّماويَّةِ، وإلى السَّيرِ للصَّلاحِ في الحالِ والفَلاحِ في المآلِ, فرسالةُ الإسلامِ المحمَّديَّةِ بَيَّنَتْ للنَّاسِ ما اختَلَفُوا فيه وكَشَفَتْ لهم ما اخْتَصَمُوا عليه, والقرآنُ الكريمُ يُقرِّرُ والعلمُ يؤكِّدُ أنَّ للإنسانِ ميلاً روحانيًّا في النَّفسِ إلى الخلاصِ من أَسرِ الشَّكِّ والعروجِ إلى سماءِ اليقينِ, واللهُ تعالى جعلَ هذا الخلاصَ مُقتَرِنًا بِفَهمِ آياتِ النُّبوَّةِ الموجودةِ (رسالة الدِّينِ, شريعةُ الدِّين) فاهتدَى وأيقنَ المؤمنُ وارتابَ المُشرِكُ.

فآيةُ النُّبوَّةِ تربطُ الرِّسالةَ والشَّريعةَ بالدِّينِ، وهذا الرَّابطُ هو السَّبيلُ لمعرفةِ اللهِ تعالى, لذلك شاءَتِ العنايةُ الإلهيَّةُ لُطفًا بالعبادِ أن يَتَّخِذَ الإنسانُ هذا الرَّابطَ ملجأً وسكونًا للنَّفسِ عندَ هولِ الشَّدائدِ والأهوالِ. ولم يزلْ دأبُ الرِّسالةِ المحمَّديَّةِ السَّير بالإنسانِ نحو الكمالِ, والإصلاحُ بحكمةٍ واعتدالٍ لِفَكِّ القيودِ المقيِّدَةِ, وهذا العلمُ أساسٌ للعقيدةِ يشتركُ فيه جميعُ رسلِ الشَّرائعِ من عندِ ديَّانٍ أحديٍّ بِهَدَفِ سعادةِ الأنفسِ المؤمنةِ وَصَونِها من حرمانِ شَرَفِ المعرفةِ والعلمِ.

وقد تميَّزَتْ مدرسةُ أهلِ الإيمانِ عن غيرها بأنَّها أضافَتْ إلى مفاهيمِ الإسلامِ الـمُستقاةِ من كتابِ اللهِ تعالى وتطبيقاتِ رسولِ اللهِ (ص) لها منهجًا في الحكمةِ أشارَ إليه القرآنُ الكريمُ بقوله: (وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ), كما قال تعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً).

هذهِ الحكمةُ هي ما اصطُلِحَ على تسميَتِهِ بعلَّةِ الشَّرائعِ, إذ أنَّ لكلِّ تشريعٍ حكمةٌ فيه, ولا يمكنُ استنباطُ حقائقِ التَّشريعِ إلاَّ بمعرفةِ عِلَلِهِ التي سمَّاها العارفونَ (الجواهر)، ولهذهِ الجواهرُ مغاليقُ لا تُفتَحُ إلاَّ بالشُّروحاتِ التي تَبينها ذرِّيَّةُ الرِّسالةِ الإلهيَّةِ, وهذهِ الحكمةُ لا تتغيَّرُ بتغيُّرِ الشَّرائعِ, وما لم تُعرَفِ الحكمةُ فإنَّ التَّشريعَ يصبحُ دلالةً فقط، لذلكَ فإنَّ مدرسةَ أهلِ الإيمانِ سَبَقَتْ غيرَها من المدارسِ في تشريعِ حالةِ الارتقاءِ العقليِّ إلى المجرَّداتِ.

وهنا يخطرُ ببالِنا السُّؤالُ التَّالي: هل يختلفُ جوهرُ الإيمانِ عن رسالةِ الإسلامِ؟

قيلَ للإمامِ الصَّادقِ (ع): أخبِرْنا عن الإسلامِ والإيمانِ أهُمَا مختلفانِ؟ فقال: (إنَّ الإيمانَ يُشارِكُ الإسلامَ في الظَّاهرِ, والإسلامَ لا يشاركُ الإيمانَ في الباطنِ, وإنِ اجتَمَعا في القولِ والصِّفَةِ). أمَّا الإيمانُ فَحَمْلُهُ في القلبِ دونَ اللِّسانِ لقوله تعالى: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ), لذلك قال رسولُ اللهِ (ص): (الإسلامُ علانيَّةٌ والإيمانُ في القلبِ فقط).

كلُّ ما سَبَقَ يؤكِّدُ أنَّ جوهرَ الإيمانِ يختلفُ عن رسالةِ الإسلامِ من حيثُ المقامُ, وقد اختصرَ الإمامُ الرِّضا (ع) هذهِ الفكرةَ بقوله: ( كلُّ مؤمنٍ مسلمٌ وليسَ كلُّ مسلمٍ مؤمنًا).

كما سُئِلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع) عن الفطرةِ في قوله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) فقال: هي الإسلامُ. وسُئِلَ عن قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً) فقال: هي الإيمانُ.

وقد أشارَ الباري إلى الفطرةِ تأكيدًا للتَّنبيهِ على أنَّ الإسلامَ هو فطرةُ اللهِ التي فطرَ النَّاسَ عليها، وقد وردَ في الكتبِ اللُّغويَّةِ أنَّ الفطرةَ هي الدِّينُ، والفطرةَ هي السُّنَّةُ كَسُنَنِ الأنبياءِ، والفطرةَ هي الصِّفةُ التي يَتَّصِفُ بها كلُّ موجودٍ في أوَّلِ زمانِ خِلقَتِهِ، والفطرةَ هي الابتداعُ والاختراعُ، كما أشارَ تعالى إلى هذا المعنى بقوله: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ)، وفي اللُّغةِ: إنَّ صبغةَ اللهِ هي الإيمانُ، وإنَّهُ سبحانَهُ قد مَثَّلَ لنا وجودَهُ لِعِبادِهِ بالصِّبْغِ المَصبوغِ لِنَعلمَ يقينًا بأنَّ الألوانَ والصُّورَ راجعةٌ للنَّاظرِ، كما أنَّ ألوانَ الصِّبغَةِ راجعةٌ للصِّبغةِ لا للثَّوبِ المَصبوغِ، لقوله تعالى: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ)، معناهُ أنَّ التَّقلُّبَ هو في بصرِ النَّاظرِ لا في وجودِهِ تعالى.

ولذلكَ شَهِدَ القرآنُ أنَّ الأنبياءَ والمرسلينَ كانوا مسلمينَ في آياتٍ منها قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ)، فكيفَ كانَ المؤمنونَ في زمنِ موسى مسلمينَ؟

قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)، وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، فالقرآنُ الكريمُ يقرِّرُ أنَّ الدِّينَ الحقَّ واحدٌ وهو الدِّينُ الذي ارتضاهُ اللهُ لِعِبادِهِ وهو الإسلامُ, وهو جوهرُ رسالاتِ جميعِ أنبيائِهِ, بدءًا من سيِّدنا إبراهيم الخليل (ع)، وقد زَعَمَ اليهودُ أنَّهُ كان على دينِهم, كما زعمَ النَّصارى أنَّه كان على دينِهم, ولكنَّ اللهَ نَفَى ذلكَ بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وقد وردَ عن أميرِ المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام قوله: (لا يهوديًّا يصلِّي في المغربِ ولا نصرانيًّا يصلِّي في المشرقِ ولكن حنيفًا مُسْلِمًا).

وإذا كانَ الإسلامُ في لغةِ القرآنِ هو اسمٌ للدِّينِ الواحدِ الذي دَعَا إليهِ الأنبياءُ, فهل هناكَ مِن اسمٍ خاصٍّ في القرآنِ لأتباعِ رسالةٍ نبيٍّ واحدٍ فقط؟ لقد وصفَ القرآنُ أتباعَ الدِّينِ الحقِّ منذُ عهدِ سيِّدنا نوحٍ (ع) وحتَّى سيِّدنا محمَّد (ص) بأنَّهم مسلمون, فلم يَرِدْ في القرآنِ أبدًا خطابٌ بصيغةِ: يا أيُّها المسلمونَ أو يا أيُّها الذين أسلَموا, لأنَّ ذلكَ يَنفي الشِّركَ، فالمؤمنونَ لا يمكن أن يكونوا مشركينَ, أمَّا المسلمونَ في الأعرابِ فيمكنُ أن يكونوا مُشرِكينَ، والأديانُ الثَّلاثةُ واحدةٌ في جوهرِها الإيمانيِّ, لكنَّ شرائِعَها مختلفةٌ ولا شكَّ لقوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)، فما معنى المناهجُ والشَّرائعُ؟

قال تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً) فالرَّسولُ إنَّما أُرسِلَ إلى أمَّةٍ يَدعوهُم إلى دينِ اللهِ، وكانتِ الشَّريعةُ الموسويَّةُ للجزاءِ والشَّريعةُ المسيحيَّةُ للعفوِ والشَّريعةُ المحمَّديَّةُ تُمازِجُ بين الجزاءِ والعفوِ لقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ “شريعة موسوية” وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ “شريعة مسيحيَّة”).

ومِن المؤسفِ أنَّ هناكَ مَن جعلَ قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) منسوخًا بالآيةِ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) وذلكَ لأنَّهم اعتبَرُوا أنَّ الإسلامَ يخصُّ الرِّسالةَ المحمَّديَّةَ فقط, وهذا لا يتَّفِقُ مع الواقعِ لأنَّ الإسلامَ شَمَلَ رسالاتِ الأنبياءِ, لأنَّ النَّسخَ لا يكونُ بالجوهرِ بل في أحكامِ الشَّرائعِ التي تَتقدَّمُ وتتأخَّرُ حسبَ تَغيُّرِ الظُّروفِ، ومعَ التَّدقيقِ فإنَّ النَّسخَ لا يكونُ ولا يجوزُ على الخبرِ الـمُتضمِّنِ للوعدِ الجوهريِّ.

هذا يعني أنَّ الإسلامَ هو الدِّينُ السَّماويُّ الذي أوحاهُ اللهُ لجميعِ الرُّسلِ والأنبياءِ منذُ عهدِ سيِّدنا آدمَ (ع) وحتَّى سيِّدنا محمَّد (ص) لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، وهو يَصُبُّ في معنى قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي).

لذلكَ قَرَنَ الاعترافَ بالرِّسالةِ بالاعترافِ بالدِّينِ, فطاعةُ اللهِ مقرونةٌ بطاعةِ الرَّسولِ، ولم تقترنْ الطَّاعةُ باللهِ باسمِ أحدٍ من الأنبياءِ في القرآنِ، بل قالَ تعالى: (وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً), وقال: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا), وقال: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً), وقال: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ), وقال: (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ), وقال: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ), وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ), وقال: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ), وقال: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، وحتَّى خطابُ القرآنِ كان دائمًا: (يا أيُّها النَّبيُّ), (يا أيُّها الرَّسولُ)….

فكم هو مؤلمٌ وضعُ الشَّعبِ الآنَ؟

إنَّ العيبَ فيما يُعاني منه شعبُنا اليومَ يَكمنُ فيهم لا في دينِهم, فَدينُهم حيٌّ, بل هو مَبعَثُ الحياةِ, والعيبُ في فكرِ بعضِ رجالِ الدِّينِ وفي فهمِهم الجامدِ, وشعبُنا بحاجةٍ إلى نفحةٍ شبابيَّةٍ إيمانيَّةٍ قدسيَّةٍ تُحييهم وتعيدُ إليهم دورَهم الرِّساليَّ, ونحنُ بحاجةٍ إلى نهضةٍ تقومُ على تحديثِ العقلِ وتجديدِ النَّفسِ, وعلينا التَّفريقُ بين الشَّريعةِ والتَّشريعِ, فالشَّريعةُ منهجٌ إلهيٌّ له نصوصٌ وقواعدُ، أي منهجٌ حركيٌّ، والتَّشريعُ قراءةٌ بشريَّةٌ حسبَ الأفهامِ.