أرشيف الوسم: الباحث هشام أحمد صقر

الباحث هشام أحمد صقر

تجليات الجمال والجلال القرآنية في الفلسفة العلوية

hesham

تجليات الجمال والجلال القرآنية في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام احمد صقر
===========

القرآنُ الكريمُ هو الحبلُ الإلهيُّ الممدودُ من السَّماءِ إلى الأرضِ، مَن يَتَمَسَّكُ بِهِ ينجو، وَمَن يضلُّ عنهُ يَهلَكُ. وما عظمتُهُ إلاَّ مظهرٌ وجلوٌّ لعظمةِ الحيِّ القيُّومِ، ووجهٌ من وجوهِهِ تباركَ وتعالى، ولهذا كان له العديد من الأسماء منها:

  1. القرآنُ: وهو مصدرٌ أو وصفٌ مشتقٌّ معناهُ (الجمع) لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)، ففي القراءةِ استظهارٌ للحقيقة، والاتِّباعُ يكونُ للقريبِ، وقد قيلَ: سمِّي القرآنُ قرآنًا لقربِهِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ.

  2. الكتابُ: فالكتابةُ جمعٌ للحروفِ وَرَسمٌ للألفاظِ، وتسميةُ كلامِ اللهِ تعالى بـ(الكتابِ) إشارةٌ إلى جمعِهِ في الكلماتِ والسُّطورِ، وهو على ثلاثةِ معانٍ:

  • الكتبُ المنزلةُ على الأنبياءِ المشتملةُ على شرائعِ الدِّينِ، ككتابِ نوح (ع) في قوله تعالى: (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، وكتاب إبراهيم وموسى (ع) في قوله تعالى: (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)، وكتاب محمد (ص) في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ).

  • الكتبُ المخصَّصةُ لكلِّ إنسانٍ أو أمَّةٍ كقوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا).

  • كتبُ الوجودِ المتغيِّرِ في قوله تعالى: (وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، والإفرادِ في قوله تعالى: (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).

  1. الفرقان: فالفرقانُ يفيدُ التفرقةَ بين العبوديَّةِ والرُّبوبيَّةِ، وهو في قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).

  2. الكلام: قيل للإمام الرِّضا (ع): أخبرني عن القرآن أخالقٌ أم مخلوقٌ؟ فقال: (ليسَ بخالقٍ ولا مخلوقٍ ولكنَّهُ كلامُ اللهِ عزَّ وجلَّ).

  3. الذِّكر: في قوله تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ).

  4. الهدى: في قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).

وللإمام الصَّادق (ع) كلمةٌ في تعريفِ القرآنِ عندما قال: (لقد تجلَّى اللهُ لخلقِهِ في كلامِهِ ولكنَّهم لا يبصرون)، فالإمامُ الصَّادق (ع) عبَّرَ قائلاً: (تجلَّى الله لخلقِهِ) ولم يقل: (تجلَّى الله لنفسِهِ)، لأنَّ القرآنَ له مقامُ جمعِ الأسماءِ والصِّفاتِ من جمالٍ وكمالٍ وجلالٍ، وهذا الجعلُ والحرفُ هو الرَّابطُ بين العبدِ والمعبودِ بعدَ التَّجلي بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (إنَّ الكلامَ صفةٌ ليسَتْ بأزليَّةٍ، وكانَ اللهُ عزَّ وجلَّ ولا متكلِّمٌ).

أمَّا الجملة الثانية فهي قوله (ع): (ولكنَّهم لا يبصـرون)، فالقرآنُ هو تجلِّي الحيِّ القيُّومِ في السَّماواتِ والأرضِ بدليلِ قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أَبَانَا الذي في السَّمواتِ لِيَتَقَدَّسِ اسمُكْ، لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ كما في السَّماءِ كذلكَ على الأرضِ)، فلماذا لا يُبصرون؟

إنَّ الإبصارَ هو محلُّ الأزمةِ ومكمنُ المعضلةِ، فبالعودةِ إلى القرآنِ والبحث عن البصرِ المختلفِ عن البصيرةِ نجدُ قوله تعالى: (قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ)، وهذه البصائرُ لا تتمُّ على الأرضِ، بل هي بحاجةٍ إلى ارتقاءِ النَّفسَ لتُبصِرَ آيةَ السَّماءِ بدليلِ قول سيِّدنا المسيح (ع): (لا يمكنكَ أن تعرِفَهُ على الأرضِ تمامَ المعرفةِ، ولكنَّكَ ستراهُ في مملكتِهِ إلى الأبدِ حيثُ يكونُ قوامُ سَعادَتِنا وَمَجدِنا).

فعندما يطوي الإنسانُ طريقَ العمى، فإنَّهُ يصلُ إلى حيث يتمكَّنُ من فهمِ ما تعنيهِ كلمةُ “الحكيمِ” في قوله تعالى: (يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)، وكلمةُ “ذي الذِّكرِ” في قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)، وكلمةُ “المجيدِ” في قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)،… ولكنَّ هذا الطريقَ صعبُ المسالِكِ لا يعبرُهُ إلاَّ مَن استحقَّ ذلكَ وخشـيَ الله وجاءَهُ بقلبٍ خاشعٍ سليمٍ لقوله تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ).

جوهر الإيمان برسالة الإسلام في الفلسفة العلوية

hesham

جوهر الإيمان برسالة الإسلام في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر
============

يمكنُ اعتبارُ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ تجلِّيًا إلهيًّا يدعو أصحابَ الإيمانِ إلى الأخذِ بالرِّسالةِ السَّماويَّةِ، وهي حقيقةُ الشَّريعةِ السَّماويَّةِ، وإلى السَّيرِ للصَّلاحِ في الحالِ والفَلاحِ في المآلِ, فرسالةُ الإسلامِ المحمَّديَّةِ بَيَّنَتْ للنَّاسِ ما اختَلَفُوا فيه وكَشَفَتْ لهم ما اخْتَصَمُوا عليه, والقرآنُ الكريمُ يُقرِّرُ والعلمُ يؤكِّدُ أنَّ للإنسانِ ميلاً روحانيًّا في النَّفسِ إلى الخلاصِ من أَسرِ الشَّكِّ والعروجِ إلى سماءِ اليقينِ, واللهُ تعالى جعلَ هذا الخلاصَ مُقتَرِنًا بِفَهمِ آياتِ النُّبوَّةِ الموجودةِ (رسالة الدِّينِ, شريعةُ الدِّين) فاهتدَى وأيقنَ المؤمنُ وارتابَ المُشرِكُ.

فآيةُ النُّبوَّةِ تربطُ الرِّسالةَ والشَّريعةَ بالدِّينِ، وهذا الرَّابطُ هو السَّبيلُ لمعرفةِ اللهِ تعالى, لذلك شاءَتِ العنايةُ الإلهيَّةُ لُطفًا بالعبادِ أن يَتَّخِذَ الإنسانُ هذا الرَّابطَ ملجأً وسكونًا للنَّفسِ عندَ هولِ الشَّدائدِ والأهوالِ. ولم يزلْ دأبُ الرِّسالةِ المحمَّديَّةِ السَّير بالإنسانِ نحو الكمالِ, والإصلاحُ بحكمةٍ واعتدالٍ لِفَكِّ القيودِ المقيِّدَةِ, وهذا العلمُ أساسٌ للعقيدةِ يشتركُ فيه جميعُ رسلِ الشَّرائعِ من عندِ ديَّانٍ أحديٍّ بِهَدَفِ سعادةِ الأنفسِ المؤمنةِ وَصَونِها من حرمانِ شَرَفِ المعرفةِ والعلمِ.

وقد تميَّزَتْ مدرسةُ أهلِ الإيمانِ عن غيرها بأنَّها أضافَتْ إلى مفاهيمِ الإسلامِ الـمُستقاةِ من كتابِ اللهِ تعالى وتطبيقاتِ رسولِ اللهِ (ص) لها منهجًا في الحكمةِ أشارَ إليه القرآنُ الكريمُ بقوله: (وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ), كما قال تعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً).

هذهِ الحكمةُ هي ما اصطُلِحَ على تسميَتِهِ بعلَّةِ الشَّرائعِ, إذ أنَّ لكلِّ تشريعٍ حكمةٌ فيه, ولا يمكنُ استنباطُ حقائقِ التَّشريعِ إلاَّ بمعرفةِ عِلَلِهِ التي سمَّاها العارفونَ (الجواهر)، ولهذهِ الجواهرُ مغاليقُ لا تُفتَحُ إلاَّ بالشُّروحاتِ التي تَبينها ذرِّيَّةُ الرِّسالةِ الإلهيَّةِ, وهذهِ الحكمةُ لا تتغيَّرُ بتغيُّرِ الشَّرائعِ, وما لم تُعرَفِ الحكمةُ فإنَّ التَّشريعَ يصبحُ دلالةً فقط، لذلكَ فإنَّ مدرسةَ أهلِ الإيمانِ سَبَقَتْ غيرَها من المدارسِ في تشريعِ حالةِ الارتقاءِ العقليِّ إلى المجرَّداتِ.

وهنا يخطرُ ببالِنا السُّؤالُ التَّالي: هل يختلفُ جوهرُ الإيمانِ عن رسالةِ الإسلامِ؟

قيلَ للإمامِ الصَّادقِ (ع): أخبِرْنا عن الإسلامِ والإيمانِ أهُمَا مختلفانِ؟ فقال: (إنَّ الإيمانَ يُشارِكُ الإسلامَ في الظَّاهرِ, والإسلامَ لا يشاركُ الإيمانَ في الباطنِ, وإنِ اجتَمَعا في القولِ والصِّفَةِ). أمَّا الإيمانُ فَحَمْلُهُ في القلبِ دونَ اللِّسانِ لقوله تعالى: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ), لذلك قال رسولُ اللهِ (ص): (الإسلامُ علانيَّةٌ والإيمانُ في القلبِ فقط).

كلُّ ما سَبَقَ يؤكِّدُ أنَّ جوهرَ الإيمانِ يختلفُ عن رسالةِ الإسلامِ من حيثُ المقامُ, وقد اختصرَ الإمامُ الرِّضا (ع) هذهِ الفكرةَ بقوله: ( كلُّ مؤمنٍ مسلمٌ وليسَ كلُّ مسلمٍ مؤمنًا).

كما سُئِلَ الإمامُ الصَّادقُ (ع) عن الفطرةِ في قوله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) فقال: هي الإسلامُ. وسُئِلَ عن قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً) فقال: هي الإيمانُ.

وقد أشارَ الباري إلى الفطرةِ تأكيدًا للتَّنبيهِ على أنَّ الإسلامَ هو فطرةُ اللهِ التي فطرَ النَّاسَ عليها، وقد وردَ في الكتبِ اللُّغويَّةِ أنَّ الفطرةَ هي الدِّينُ، والفطرةَ هي السُّنَّةُ كَسُنَنِ الأنبياءِ، والفطرةَ هي الصِّفةُ التي يَتَّصِفُ بها كلُّ موجودٍ في أوَّلِ زمانِ خِلقَتِهِ، والفطرةَ هي الابتداعُ والاختراعُ، كما أشارَ تعالى إلى هذا المعنى بقوله: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ)، وفي اللُّغةِ: إنَّ صبغةَ اللهِ هي الإيمانُ، وإنَّهُ سبحانَهُ قد مَثَّلَ لنا وجودَهُ لِعِبادِهِ بالصِّبْغِ المَصبوغِ لِنَعلمَ يقينًا بأنَّ الألوانَ والصُّورَ راجعةٌ للنَّاظرِ، كما أنَّ ألوانَ الصِّبغَةِ راجعةٌ للصِّبغةِ لا للثَّوبِ المَصبوغِ، لقوله تعالى: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ)، معناهُ أنَّ التَّقلُّبَ هو في بصرِ النَّاظرِ لا في وجودِهِ تعالى.

ولذلكَ شَهِدَ القرآنُ أنَّ الأنبياءَ والمرسلينَ كانوا مسلمينَ في آياتٍ منها قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ)، فكيفَ كانَ المؤمنونَ في زمنِ موسى مسلمينَ؟

قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)، وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، فالقرآنُ الكريمُ يقرِّرُ أنَّ الدِّينَ الحقَّ واحدٌ وهو الدِّينُ الذي ارتضاهُ اللهُ لِعِبادِهِ وهو الإسلامُ, وهو جوهرُ رسالاتِ جميعِ أنبيائِهِ, بدءًا من سيِّدنا إبراهيم الخليل (ع)، وقد زَعَمَ اليهودُ أنَّهُ كان على دينِهم, كما زعمَ النَّصارى أنَّه كان على دينِهم, ولكنَّ اللهَ نَفَى ذلكَ بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وقد وردَ عن أميرِ المؤمنين الإمام علي علينا من ذكرِهِ السَّلام قوله: (لا يهوديًّا يصلِّي في المغربِ ولا نصرانيًّا يصلِّي في المشرقِ ولكن حنيفًا مُسْلِمًا).

وإذا كانَ الإسلامُ في لغةِ القرآنِ هو اسمٌ للدِّينِ الواحدِ الذي دَعَا إليهِ الأنبياءُ, فهل هناكَ مِن اسمٍ خاصٍّ في القرآنِ لأتباعِ رسالةٍ نبيٍّ واحدٍ فقط؟ لقد وصفَ القرآنُ أتباعَ الدِّينِ الحقِّ منذُ عهدِ سيِّدنا نوحٍ (ع) وحتَّى سيِّدنا محمَّد (ص) بأنَّهم مسلمون, فلم يَرِدْ في القرآنِ أبدًا خطابٌ بصيغةِ: يا أيُّها المسلمونَ أو يا أيُّها الذين أسلَموا, لأنَّ ذلكَ يَنفي الشِّركَ، فالمؤمنونَ لا يمكن أن يكونوا مشركينَ, أمَّا المسلمونَ في الأعرابِ فيمكنُ أن يكونوا مُشرِكينَ، والأديانُ الثَّلاثةُ واحدةٌ في جوهرِها الإيمانيِّ, لكنَّ شرائِعَها مختلفةٌ ولا شكَّ لقوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)، فما معنى المناهجُ والشَّرائعُ؟

قال تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً) فالرَّسولُ إنَّما أُرسِلَ إلى أمَّةٍ يَدعوهُم إلى دينِ اللهِ، وكانتِ الشَّريعةُ الموسويَّةُ للجزاءِ والشَّريعةُ المسيحيَّةُ للعفوِ والشَّريعةُ المحمَّديَّةُ تُمازِجُ بين الجزاءِ والعفوِ لقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ “شريعة موسوية” وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ “شريعة مسيحيَّة”).

ومِن المؤسفِ أنَّ هناكَ مَن جعلَ قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) منسوخًا بالآيةِ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) وذلكَ لأنَّهم اعتبَرُوا أنَّ الإسلامَ يخصُّ الرِّسالةَ المحمَّديَّةَ فقط, وهذا لا يتَّفِقُ مع الواقعِ لأنَّ الإسلامَ شَمَلَ رسالاتِ الأنبياءِ, لأنَّ النَّسخَ لا يكونُ بالجوهرِ بل في أحكامِ الشَّرائعِ التي تَتقدَّمُ وتتأخَّرُ حسبَ تَغيُّرِ الظُّروفِ، ومعَ التَّدقيقِ فإنَّ النَّسخَ لا يكونُ ولا يجوزُ على الخبرِ الـمُتضمِّنِ للوعدِ الجوهريِّ.

هذا يعني أنَّ الإسلامَ هو الدِّينُ السَّماويُّ الذي أوحاهُ اللهُ لجميعِ الرُّسلِ والأنبياءِ منذُ عهدِ سيِّدنا آدمَ (ع) وحتَّى سيِّدنا محمَّد (ص) لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، وهو يَصُبُّ في معنى قولِ سيِّدنا المسيح (ع): (أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي).

لذلكَ قَرَنَ الاعترافَ بالرِّسالةِ بالاعترافِ بالدِّينِ, فطاعةُ اللهِ مقرونةٌ بطاعةِ الرَّسولِ، ولم تقترنْ الطَّاعةُ باللهِ باسمِ أحدٍ من الأنبياءِ في القرآنِ، بل قالَ تعالى: (وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً), وقال: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا), وقال: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً), وقال: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ), وقال: (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ), وقال: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ), وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ), وقال: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ), وقال: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، وحتَّى خطابُ القرآنِ كان دائمًا: (يا أيُّها النَّبيُّ), (يا أيُّها الرَّسولُ)….

فكم هو مؤلمٌ وضعُ الشَّعبِ الآنَ؟

إنَّ العيبَ فيما يُعاني منه شعبُنا اليومَ يَكمنُ فيهم لا في دينِهم, فَدينُهم حيٌّ, بل هو مَبعَثُ الحياةِ, والعيبُ في فكرِ بعضِ رجالِ الدِّينِ وفي فهمِهم الجامدِ, وشعبُنا بحاجةٍ إلى نفحةٍ شبابيَّةٍ إيمانيَّةٍ قدسيَّةٍ تُحييهم وتعيدُ إليهم دورَهم الرِّساليَّ, ونحنُ بحاجةٍ إلى نهضةٍ تقومُ على تحديثِ العقلِ وتجديدِ النَّفسِ, وعلينا التَّفريقُ بين الشَّريعةِ والتَّشريعِ, فالشَّريعةُ منهجٌ إلهيٌّ له نصوصٌ وقواعدُ، أي منهجٌ حركيٌّ، والتَّشريعُ قراءةٌ بشريَّةٌ حسبَ الأفهامِ.

حقيقة الحياة والموت في الفلسفة العلوية

hesham

حقيقة الحياة والموت في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام احمد صقر

==================

لقد بَحثت الكتبُ السَّماويةُ في مجالِ الرُّوحِ وميَّزَتْ بينها وبينَ الجسدِ والنّفسِ، وبيَّنَتْ مصيرَ النَّفسِ وربطتهُ بأعمالِ الإنسانِ في تنقّلاتهِ. والتأمُّلُ في الآياتِ التي تتحدَّثُ عن الإنسانِ، يكشفُ لنا- بكلِّ وضوحٍ- أنَّ النَّفسَ هي حقيقةُ الإنسانِ ومصدرُ تكامُلِهِ، كما أنَّ البدنَ بمثابةِ الرِّداءِ الذي يغطِّي ويكسو.

وقد سُئِلَ أحدُ سادَتِنا العارفينَ عن روحِ المؤمنِ إذا نُقلَتْ إلى أين تصيرُ؟ فأجابَ: (إنَّ روحَ المؤمنِ إذا خرجَتْ تتلقَّاها الملائكةُ فَتُورِدُها إلى عينٍ يقالُ لها: عينُ الحياةِ، فتكون بها إلى الوقتِ المعلومِ).

وخليقٌ بالذِّكرِ أنَّ أبناء المذاهبِ الحائدةِ يَختلفونَ في كُنْهِ الرُّوحِ، ولكن لمَّا جاءَ علماؤنا وثقاتُنا أكَّدُوا أنَّ الروحَ خالدةٌ، وَوَفَّقُوا في هذا بـينَ الفلسفةِ والدينِ متوصِّلينَ إلى إثباتِ أصولِ الدينِ لا بالقواعدِ الشرعية فقط، بل بالقواعدِ الفلسفيَّةِ.

فالرُّوحُ لا يجوز البحثُ في أصلِها وعنصرها، لقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبـي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، بل حدُّ القولِ أنَّ الأمرَ هو العقلُ الأكبر وهو الأصلُ، وجميع أرواحِ المؤمنينَ من أصلٍ واحدٍ ومعدنٍ واحدٍ، ليس بينها تفاضلٌ ولا تفاوتٌ إلا بأسبقيَّةِ الإجابةِ وصدقِ اليقينِ، بدليلِ قولِ الإمام الصَّادق (ع): (إنَّ روحَ المؤمنينَ واحدةٌ خرجَتْ من عندِ واحدٍ وتتفرَّقُ في أبدانٍ شتَّى، فعلى الإيمانِ ائتلفَتْ وبه تحابَّتْ، وستخرجُ من شتَّى وترجعُ عند واحدٍ)، فإذا وصلَ الإنسانُ مبلغًا من المعرفةِ فإنَّ لمعرفتِهِ حدٌّ تتوقَّفُ عندَهُ، يُعبَّرُ عنه بالاستطاعةِ.

من جهةٍ ثانيةٍ: إنَّ التحدُّثَ عن انتقالِ النَّفسِ بعدَ الموتِ يستدعي كتابًا مستقلاًّ حولَهُ، ولا يمكنُ البحثُ عنه بالتَّفصيلِ في هذا المقالِ المحدودِ، وذلكَ لأنَّ الآياتِ القرآنيَّةَ والأدلَّةَ الفلسفيَّةَ وتجاربَ علماءِ النَّفسِ قد برهَنَت اليومَ على انتقالِ النَّفسِ الإنسانيَّةِ بعدَ الموتِ.

وتؤكِّدُ فلسفتُنا العلويَّةُ أنَّ الإنسانَ مُرَكَّبٌ من البدنِ الذي يَفنى، والنَّفسِ التي تقوم بجسمِ الإنسانِ مَدَى أيَّامِ حياتِهِ على الأرضِ.

فالآياتُ القرآنيَّةُ تدلُّ بوضوحٍ على أنَّ الموتَ ليسَ هو النِّهايةُ للحياةِ، بل هو محطَّةُ انتقالٍ إلى حياةٍ جديدةٍ، وبالموتِ يدخلُ الإنسانُ في عالَمٍ جديدٍ، وهو ما يسمَّى عندنا بالتَّقمُّصِ.

إنَّ القرآنَ الكريمَ لا يعتبرُ الموتَ فناءً لِنَفسِ الإنسانِ وخاتمةً لحياتِهِ، بل إنَّهُ يؤكِّدُ أنّ للإنسانِ قمصانًا أُخرى تسبقُ يومَ القيامةِ، فإذا كانت حقيقةُ الإنسانِ كامنةً في جسمِهِ، فلا شكَّ أنَّ جسمَهُ سوفَ يتلاشى بعد أيامٍ من موتِهِ ودفنِهِ، ويتحوَّل إلى عناصرَ أُخرى.

ولهذا كله جاء قوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)، حيث نلاحظُ في هذه الآيةِ تعبيرَ الخروجِ والإخراجِ، وهو تعبيرٌ للإحياءِ بعد الموتِ.

وللإيضاح أكثر نبدأُ بإثبات العدل الإلهي في الخلق، حيث أنَّ الباري تعالى خلق الخلق جميعًا، وساوى بينهم بالاستطاعة، وجعلهم قادرين مخيَّرينَ على الإقرارِ والإنكارِ، ثمَّ دعاهُمْ إلى الإقرارِ بقوله سبحانه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، وكان هو المتجلِّي لهم، والمتكلِّمُ بلا واسطةٍ، لئلاَّ يعترضَ المنكرونَ للتَّجلي فيقولوا: دُعينا إلى مَن لم نعرفْهُ ولم نَرَهُ، فقطعَ عليهم اعتراضهم وأثبتَ حجَّتَهُ عليهم بوجودِهِ وتجلِّيهِ لهم، عدلاً منه تعالى وإنصافًا، وعلى هذا كانَ جوابهم في قوله تعالى: (قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا)، فتقابلَ الكفرُ والإيمانُ, وسُمِّيَ المٌقرُّونَ “مؤمنين” إذ كانَ الإيمانُ هو التصديقُ لقوله تعالى: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)؛ يعني: ما أنتَ بمصدِّقٍ لنا, كما وردَ عن الإمامِ الصَّادق (ع) أنَّ المؤمنَ سُمِّيَ مؤمنًا لأنَّهُ آمنَ بولايةِ الحقِّ فآمنَهُ من جهنَّمَ أن يَرِدَها ويدخلَ فيها، أمَّا الكافرُ فهو الذي غطَّى الحقِّ بالباطلِ, لقوله تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ), وهذه ألفاظٌ مجازِيةٌ عندَ العارفِين المدقِّقِين, ولو كانت حقيقةً لكانَ من الواجبِ أن تكونَ الأرواحُ طينًا وهذا محالٌ.

فالخلقُ على قسمين: منهم مَن آمنَ بقلبِهِ، ومنهم مَن كفرَ فلم يوافقْ قلبُهُ لسانَهُ، فالمؤمنُ لا يزال مؤمنًا منذ الدَّعوةِ الأولى، والكافرُ لا يزالُ كافرًا منذ الدَّعوةِ الأولى.

المؤمنُ يُنسَخُ نسخًا من صورةِ إنسانٍ إلى صورةِ إنسانٍ مثلِها، لا يخرجُ عن صورةِ الإنسانيَّةِ حتَّى يرتقي إلى عالمِ العقلِ، وذلكَ بعدَ أن لا يبقى للهِ حقٌّ إلاَّ أقامهُ, ولا يبقى من الباطلِ شيءٌ إلاَّ أَنكرهُ ودَحَضَهُ، حيث قال الإمام الصَّادق (ع): (المؤمنُ لا يخرجُ عن صورةِ الإنسانيَّةِ)، وذلكَ إلى أن يرتقي إلى موضعٍ يسمَّى “عمودَ الشَّبحِ”، وكلٌّ منهم يسمَّى عبدَ اللهِ لقوله (ع): (كلُّ مَن رَقَى إلى هذهِ الحظيرةِ القدسيَّةِ يسمَّى عبدَ اللهِ).

وحتَّى يحقِّقَ ارتقاءهُ الكاملَ لابدَّ من ارتقائِهِ ولادةً تلوَ ولادةٍ حتى يبلغَ العددَ الثَّابتَ، ثم عليهِ أن يأتيَ بعدَها عارفًا باللهِ عالمًا بِهِ إلى أن ينتهي غايَتِهِ ثمَّ يصفو، وشرطُ الحسبانِ هو العلمُ والعملُ، إذْ لو تنقَّلَ في ألفِ ولادةٍ بغيرِ علمٍ وعملٍ لم تُحسَبْ له لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (اطلبوا أوَّلاً ملكوتَ اللهِ وبِرَّهُ، وهذهِ كلُّها تُزَادُ لكم).

الإعجاز القرآني في الفلسفة العلوية

hesham

الإعجاز القرآني في الفلسفة العلوية

بقلم الباحث الديني: هشام احمد صقر
==========

المعجزةُ ضرورةٌ لازمةٌ للأنبياءِ والمرسَلين لإقامةِ الحجَّةِ على النَّاسِ من جهةٍ، ولإثباتِ دعواهُم بالبرهانِ القاطعِ من جهةٍ أخرى، فمعاجزُ الأنبياءِ والمرسَلين تجاوزتِ القوانينَ الطَّبيعيَّةَ كإحياءِ الموتى وإبراءِ الأكمَهِ والأبرصِ وتحوُّلِ العصا إلى حيَّةٍ و…. وهذا هو المقصودِ بخرقِ العادةِ، فالمعاجزُ دائمًا تتناسبُ مع أحوالِ ما هو شائعٌ ومعروفٌ في زمانِهم. ولكن مع وجودِ هذه المعجزاتِ كان يَنفَتِحُ بابُ التَّشكيكِ بها من قِبَلِ المُشَكِّكينَ بقولهم إنَّها آنيَّةٌ مؤقَّتةٌ، وبِعَدَمِ رؤيَتِها في الزمنِ اللاَّحقِ لها، ولذلكَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلَهُمْ بالزَّبَدِ الذي هو كلامُ المُحَرِّفينَ والمُبَدِّلينَ بقوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ).

وكانَت الكتبُ السَّماويَّةُ من أعظمِ معجزاتِ الأنبياءِ شأنًا وحجَّةً، لأنَّها باقيةٌ بجوهرِها إلى الأبدِ، فالكتبُ السَّماويةُ معجزةٌ إلهيَّةٌ خالدةٌ، إذ إنَّ من الحقائق التي لا يُشَكُّ فيها أنَّ الكتابَ العزيزَ هو المعجزةُ الخالدةُ والأثرُ الفردُ الباقي بعد النُّبوَّةِ، بدليلِ ما وردَ في الإنجيلِ حيثُ سألَ سيِّدنا يعقوبُ (ع) أحدُ تلامذةِ سيِّدنا المسيح (ع): كيف يعلِّمُنا الأنبياءُ وهم أمواتٌ، وكيفَ يَعلمُ مَن لا معرفةَ له بالأنبياءِ؟ فأجاب يسوع (ع): (إنَّ تعليمَهم مُدَوَّنٌ فَتَجِبُ مُطالَعَتُهُ لأنَّ الكتابَ بمثابةِ نبيٍّ لكَ)، فقال سيِّدنا بطرس (ع): يا معلِّـمُ هل ما تتكلَّمُ به مكتوبٌ في ذلكَ الكتابِ؟ فأجاب يسوع (ع): (إنَّ كلَّ ما أقولُ لمعرفةِ اللهِ ولخدمةِ اللهِ ولمعرفةِ الإنسانِ ولخلاصِ الجنسِ البشريِّ إنَّما هو جميعُهُ صادرٌ من ذلكَ الكتابِ وهو إنجيلي).

والنُّبوَّةُ تحتاجُ في أصلِ ثبوتِها إلى الإعجازِ، وعندما تكونُ الرِّسالةُ خالدةً يجبُ أن تكونَ المعجزةُ التي تَشهدُ بِصِدْقِها خالدةً أيضًا، فَذَاتُ الرِّسالةِ حجَّتُها باقيةٌ إلى يومِ القيامة لذا كان إعجازُ القرآنِ من لوازمِ النُّبوَّةِ، إذ فيهِ موضوعُ التَّحدِّي والبلاغةِ والفصاحةِ، فالقرآنُ له الأثرُ في تحريرِ العقولِ والتأكيدِ على المدركاتِ العقليَّةِ عن طريقِ الأسلوبِ البرهانيِّ.

والقرآن الكريمُ هو التَّجلي الأعظمُ للنُّورِ الإلهيِّ، وهو متناسبٌ مع العقلِ والنُّضجِ الفكريِّ لقوله تعالى: ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)، وخاصِّيَّةُ القرآنِ الأساسيَّةُ أنَّهُ كتابٌ يمثِّلُ عمقَ الوجودِ، فالقرآنُ الكريمُ هو كلامُ اللهِ الـمُنزلُ على رسول الله (ص)، الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديهِ ولا من خلفِهِ، وهو الكتابُ الإلهيُّ المقدَّسُ، ومظهرُ العزَّةِ الإلهيَّةِ والحكمةِ الرَّبانيَّةِ لقوله تعالى: (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)، فالعزَّةُ هي بمثابةِ العينِ الباصرةِ، وهي أعلى وأرفعُ تجلِّياتِ القدرةِ، في حينِ أنَّ الحكمةَ تمثِّلُ أسمى مراحلِ العلمِ.

والقرآنُ رسالةٌ ودعوةٌ بالنسبةِ لنا، لأنَّنا نعتقدُ أنَّ القرآنَ هو الكتابُ الذي خطَّطَ للمجتمعِ الإنسانيِّ عن طريقِ الهدايةِ والتَّكاملِ، وتعهَّدَهُ بالصِّيانةِ والأمانةِ، كما شرَّعَ له كلَّ ما يتطلَّبُهُ من حاجاتٍ، فهو الذي يسمو بالإنسانيَّةِ إلى أرفعِ مدارجِ الكمالِ الإمكانيِّ، ويهديها إلى سواءِ السَّبيلِ، ويَنْشُدُ لها السَّعادةَ الأبديَّةَ التي تمنَحُها الرِّفعةَ لقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، وهو الذي يهدفُ إلى السُّموِّ بالقوى العقليَّةِ والمواهبِ الفطريةِ إلى أفقِ الإبداعِ والابتكارِ بما يهدمُ ما في نفسِ الإنسانِ من رواسبِ الخرافاتِ والعاداتِ السَّيئةِ، ويخوضُ حقائقَ كثيرةً استنادًا لقول رسول الله (ص): (القرآنُ هدى من الضلالةِ، وتبيانٌ من العمى، وإقالةٌ من العثراتِ).

ولكنَّ الخلافاتِ حصلَتْ في التَّأويلِ رغمَ أنَّ أهلَ الإيمانِ لا يختلفونَ في التَّأويلِ لأنَّهم التزموا بما جاءَ عن أهلِ العصمة (ع) حيث وصفَهم الإمامُ الصَّادقُ (ع) حين قال له رجلٌ: أنا من مُحبِّيكم في السِّرِّ والعلانيَّةِ، فقال (ع): (إنَّ لِمُحبِّينا علاماتٍ يُعرَفون بها)، فقال: وما تلكَ العلاماتُ؟ فأجابَ (ع): (إنَّهم عَرَفُوا التَّوحيدَ حقَّ معرفَتِهِ وأَحْكَمُوا علمَ التَّوحيدِ، وما هو حقُّهُ وما هي صِفَتُهُ، وَعَلِمُوا تأويلَ الكتابِ وحدودَ الإيمانِ وشروطَهُ وحقوقَهُ).

ورغمَ ما حصلَ سيبقى إعجازُ القرآنِ في وجوهِهِ المتعدِّدةِ من الإعجازِ الأدبيِّ إلى الإخبارِ بأحداثِ المستقبلِ إلى الإخبارِ بأسرارِ الكونِ… إلخ. فهو المعجزةُ الإلهيَّةُ الخالدةُ التي جاء بها خاتمُ الأنبياءِ، وهو بحرٌ لُجِّيٌّ بعيدُ القرارِ، مُتَنَائي السَّواحلِ، مليءٌ بالكنوزِ والذَّخائرِ والدُّرَرِ والجواهرِ، وكلُّ مَن يَغوصُ في أعماقِهِ ويبحثُ في دَقائقِ مَبانيهِ، لابدَّ أن يظفرَ ببعضِ ما يريدُ، ما دامَ الإخلاصُ رائدُهُ، والجهادُ في البحثِ قائدُهُ، والوصولُ إلى الحقِّ بُغْيَتُهُ وَمَطلبُهُ، إذ إنَّ النُّهوضَ بحقِّهِ هو من أعظمِ الحقوقِ وأخطرِها، وقد قال تعالى: (ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ).

التكوين في توحيد الأئمة

hesham

التكوين في توحيد الأئمة

بقلم الباحث الديني: هشام أحمد صقر
=========

لابُدَّ مِن وعي أنَّ توحيدنا العلوي لا يُفسِّرُ القرآنَ حسبَ الرَّأي، فهذا ظَنٌّ لا يُغني من الحقِّ شيئًا، وهناكَ كثيرٌ من الآياتِ لا مناصَ من حَملِهَا على المجازِ، وهي تحتاجُ إلى التَّأويلِ وإلاَّ وَقَعَ المحظورُ.

لذلكَ كانَ من الأصولِ الجوهريَّةِ في توحيدنا العلوي علمُ التَّأويلِ؛ أي جواهرُ العلمِ، فالأحكامُ الإلهيَّةُ لا يَعلمُها إلى الخواصُّ من أربابِ الأصولِ الذين يؤكِّدون أنَّ للقرآنِ معانٍ ظاهرةً ومعانٍ خفيَّةً بدليلِ عدَّةِ أمثلةٍ من القرآنِ الكريمِ. فإذا قال تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)، فهل يمكن تصوُّرُ يدٍ للهِ؟ وإذا قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، فهل يجوزُ تصوُّر الحصرِ للهِ تعالى؟

إنَّ مسلكَ أهلِ التوحيد العلويِّ أصحابِ الإيقانِ هو بدايةُ استواءِ مَظهرِ النُّورِ الواحديِّ في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، لقول الإمام الصَّادق (ع): (استَوَى على كلِّ شيءٍ، فليسَ شيءٌ أقربُ إليهِ من شيءٍ، لم يَبعُدْ منهُ بعيدٌ، ولم يَقرُبْ منه قريبٌ)، فالماهيَّاتُ تخصُّ المعقولاتِ المجرَّداتِ وهي أركانُ البيتِ الإلهيِّ.

والكلامُ عن العرشِ له أهميةٌ بنظرِ القرآنِ الكريمِ والحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ، فالآيةُ المذكورةُ تُعرِّفُ النِّسبةَ الخاصةَ للعرشِ الـمُدَبِّرِ للأمورِ لقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)، فالعرشُ والكرسيُّ هما العلمُ والقدرةُ، والخلقُ والأمرُ يُعبَّرُ بهما عن عالَمِ الغيبِ والشَّهادةِ، فعالمُ الخلقِ ما يتعلَّقُ بالمادَّةِ، وعالمُ الأمرِ ما كانَ مجرَّدًا عنها، ويُشارُ بهما إلى قوله تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ).

فالمشيئةُ والإرادةُ أزليةٌ وأبديَّةٌ، لقول الإمام الصَّادق (ع) لسيِّدنا المفضل: (يا مفضل، إنَّ المشيئةَ مُحدَثَةٌ، وصفاتُ الذَّاتِ العلمُ والقدرةُ وغيرُها هي صفاتٌ مُحدَثَةٌ)؛ وكذلك قول سيِّدنا أرسطو (ع): (اللهُ يَتَنَزَّهُ عن الإرادةِ، لأنَّ الإرادةَ تقتضي الطَّلبَ واللهُ لا يَطلبُ)، والـمُحْدَثاتُ بالنِّسبةِ للقدراتِ كنورِ الشَّمسِ بالنِّسبةِ للشَّمسِ، بدليلِ قولِ الإمام الصَّادق (ع): (فَتَقَ من الرَّتْقِ)؛ وهذا هو القولُ بأنَّ العقلَ الأوَّلَ هو فعلُ وصفةُ الفاعلِ لكلِّ مَفعولٍ، وبهذا المعنى جاء قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي).

وقد وردَ عن رسولِ اللهِ (ص) في تحفِ العقولِ عن آل الرَّسولِ قولُهُ عن العقلِ الأوَّلِ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ العقلَ فقالَ له: أقبِلْ فأقبَلَ. وقال له: أدبِرْ فأدبَرَ. فقالَ الله تبارك وتعالى: وعزَّتي وجَلالي ما خَلَقْتُ خلقًا أعظمَ منكَ ولا أطوعَ منكَ، بِكَ أبدأُ وبكَ أعيدُ، لكَ الثَّوابُ وعليكَ العِقَابُ).

وقد زعمَ البعضُ أنَّ الصُّورةَ المحسوسةَ تقومُ بالصُّورةِ المجرَّدةِ متذرِّعينَ بقولِ رسول الله (ص): (إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورَتِهِ) فوقعوا بالتَّشبيهِ الذي اقتضاهُ ظاهرُ النَّصِّ، لأنَّ الهاءَ في صورتِهِ راجعةٌ إلى آدمَ (ع) دونَ اللهِ تعالى حيث سُئلَ الإمامُ الباقرُ عن هذا الحديثِ فقال (ع): (هي صورةٌ محدَثَةٌ مخلوقةٌ واصطفاها اللهُ واختارَها على سائرِ الصُّورِ المختلفةِ، فأضافَها إلى نفسِهِ كما أضافَ الكعبةَ والروحَ إلى نفسِهِ فقال: “بيتي”، وقال: “وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحِي”).